أرودغان ومعركة الدستور والنظام الرئاسي
في مرحلة ما بعد الانتخابات

السنة الخامسة عشر ـ العدد 168 ـ ( صفر ـ ربيع الأول 1437 هـ) كانون أول ـ 2015 م)

بقلم: خورشيد دلي(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

شكلت نتائج الانتخابات البرلمانية التركية مفاجأة للكثيرين في تركيا والخارج بل وحتى للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حزب العدالة والتنمية والحكومة أحمد داود أوغلو، خصوصاً وأن أفضل استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات كانت تعطي للحزب نحو 47% كأفضل نسبة للحزب قبل أن يحصل على قرابة 50% من الأصوات.

أسئلة كثيرة تطرح عن أسباب فوز حزب العدالة والتنمية بهذه النسبة الكبيرة من الأصوات خصوصاً أنه لم يحصل في انتخابات حزيران/ يونيو الماضي سوى على نحو 40% من الأصوات، فما الذي حصل وتغير حتى حقق الحزب هذا الفوز؟ والأهم ما هي أجندة أردوغان في المرحلة المقبلة؟ وكيف سيستثمر نتائج الانتخابات لصالح هذه ولاسيما النظام الرئاسي؟...

في أسباب فوز حزب العدالة والتنمية

كان من الواضح منذ إعلان نتائج انتخابات حزيران/يونيو أن الرئيس أردوغان قرر الذهاب إلى انتخابات مبكرة ، فالرجل الذي حكم حزبه البلاد لمدة 14 عاماً لن يقبل بالهزيمة ولا حتى بالشراكة السياسية من خلال حكومة ائتلافية، وعليه عمل منذ البداية على مستويين:  

الأول: إفشال الجهود التي بذلت لتشكيل حكومة ائتلافية وعدم تكليف رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو بتشكيل الحكومة كي يدعو إلى الانتخابات المبكرة.

الثاني: إعداد خطة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي وصولاً إلى انتخابات مبكرة، حيث كان من الواضح أن خطته كانت تقوم على الانقلاب على عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني وشن الحرب ضد الأخير بحجة الإرهاب ومحاربة داعش، وعليه عرف أردوغان كيف ينال الرضى الأمريكي بهذا الخصوص عندما وضع قاعدة انجرليك في خدمة قوات التحالف وأعلن الحرب ضد داعش في حين كان الهدف الحقيقي هو محاربة حزب العمال الكردستاني، طبعا كل ذلك لأسباب انتخابية وحسابات تتعلق بالسلطة من خلال التأثير على الرأي العام التركي، وعليه وضع أردوغان خطة تقوم على مسارين:    

المسار الأول: وضع الأتراك أمام معادلة عدم الاستقرار والفوضى، وعليه اغرق تركيا خلال خمسة أشهر في حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي، فقد تجددت الحرب في المناطق الكردية بين الجيش وحزب العمال الكردستاني، وطالت التفجيرات حتى العاصمة أنقرة ، كما شهد الوضع الاقتصادي تطوراً خطيراً تمثل بانهيار قيمة العملة التركية أمام الدولار، وبدأ الناخب التركي يتخوف من خطر انزلاق البلاد إلى حالة من الفوضى الشاملة، طبعاً كل ذلك مدروس من قبل أردوغان الذي كان يهدف من وراء ذلك القول للناخبين أما أن تنتخبوا حزب العدالة والتنمية وأما أن البلاد ستدخل في حالة عدم الاستقرار الشامل، ويبدو أن خطة أردوغان هذه نجحت في تحقيق هدفها، وهكذا وجد الناخب القومي التركي الذي صوّت في الانتخابات السابقة لحزب الحركة القومية يصوت لحزب العدالة والتنمية بوصفه الحامي للقومية التركية في مواجهة النزعة الكردية الانفصالية، كما بدأ الناخب في المناطق الكردية أمام معادلة صعبة، مفادها: أما التصويت لصالح حزب العدالة والتنمية أو التعرض للموت والقتل وتحويل مناطقهم إلى مناطق مواجهات وحرب، وفي هذا السياق حاول أردوغان التأثير على صوت الناخب الكردي والتشويش على حزب الشعوب الديمقراطي من خلال تصويره كحزب إرهابي مرتبط بحزب العمال الكردستاني ويعمل بأوامره، كما لعب على البنية الاجتماعية من خلال شراء العشائر الكردية وبعض الأوساط الإسلامية ولاسيما حزب الدعوة الحرة الذي يمثل إرث حزب الله التركي الذي أسسته الاستخبارات التركية في الثمانينات، وهو الحزب الذي ارتكب في السابق العديد من جرائم قتل المثقفين والحقوقيين والناشطين اليساريين والأكراد والتي سجلت جميعها تحت اسم فاعل مجهول. ومن خلال هذه الخطة نجح أردوغان في كسب أصوات القوميين الأتراك وبعض الأوساط الكردية حيث كان الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات حزب الحركة القومية وبدرجة أقل حزب الشعوب الديمقراطي.

المسار الثاني: من خلال إعادة هيكلة حزب العدالة والتنمية وحصر كل إمكانات الدولة بالحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية وحرمان الأحزاب الأخرى منها، حيث تم إغلاق عشرات المؤسسات الإعلامية المناوئة له بحجة أنها تابعة للتنظيم الموازي في إشارة لجماعة رجل الدين فتح الله غولين المقيم في أمريكا منذ خمسة عشر عاما والذي كان في السابق حليفاً كبيراً لأردوغان ومساعداً له في توطيد حكم حزب العدالة والتنمية، فعلى صعيد هيكلة الحزب تم إلغاء القانون الذي كان يمنع أعضاء حزب العدالة والتنمية من الترشح لثلاث دورات متتالية، وهكذا تم السماح لكبار قادة الحزب بالترشح من جديد للانتخابات، كذلك انخرط أردوغان في الحملة الانتخابية على الرغم من أن الدستور التركي يمنع رئيس الجمهورية من ممارسة أي نشاط انتخابي لصالح هذا الحزب أو ذاك، حيث استقبل أردوغان ممثلي كل النشاطات والنقابات والاتحادات التركية على مستوى البلاد قبيل الانتخابات، وتمت دعوتهم للتصويت لحزب العدالة والتنمية كذلك ظهر أردوغان بشكل يومي على شاشات التلفزة يدعو إلى ذلك، محذرا من انهيار الأمن في البلاد ما لم يتم التصويت لحزب العدالة والتنمية وتمكنه من تشكيل الحكومة لوحده على أساس أن تركيا لا يمكن حكمها من خلال حكومة ائتلافية بعد أن اعتادت على حكم حزب العدالة والتنمية خلال الفترة الماضية.

دون شك، هذه الأسباب وغيرها هي التي تقف وراء الفوز الكبير لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية التي كانت نتائجها بمثابة ولادة جديدة للحزب بعد هزيمته في الانتخابات البرلمانية التي جرت في حزيران/ يونيو، كما كانت هذه النتائج مدخلاً لأردوغان في إحياء أجندته المتعلقة بوضع دستور جديد للبلاد وكذلك المطالبة من جديد بالانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي الذي يعمل أردوغان من أجله منذ زمن طويل لتوطيد سلطته وزعامته وجعل نفسه مركزاً وحيداً للقرار التركي.                                                       

لماذا خسر حزب الشعوب الديمقراطي؟

ثمة أسئلة كثيرة عن أسباب خسارة حزب الشعوب الديمقراطي نحو مليون صوت في الانتخابات البرلمانية التركية التي جرت، فهذا السؤال طرح نفسه بقوة خلال الفترة الماضية، لا لأنه لم يمضِ على الفوز الكبير الذي حققه الحزب في انتخابات السابع من حزيران/يونيو سوى أشهر قليلة، بل لأن مشروع هذا الحزب طرح على انه يمثل سياسة كردية جديدة في تركيا، كان يأمل منها بأن تكون رافعة للحل السياسي السلمي للقضية الكردية، كما أن سياسته حظيت بقبول من العديد من الأوساط التركية اليسارية والأقليات القومية والدينية والطوائف والطبقات الفقيرة حيث طرح نفسه كحزب للمهمشين والمظلومين في أنحاء البلاد، كما طرح هوية وطنية جديدة للبلاد  بعيدا عن البعد الإيديولوجي لحزب العدالة والتنمية الذي قسم المجتمع أفقياً وعمودياً، وأبدل الصراع بين الإسلام والعلمانية بالصراع على الهوية الاجتماعية والطائفية للأتراك وتركيا.

في محاولة لفهم أسباب خسارة حزب الشعوب الديمقراطي هذه الأصوات لا بد من التوقف عند جملة من العوامل والأسباب، لعل أهمها:

1-  ثمة من يرى أن الحزب كان الضحية الأولى للحرب التي تجددت بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني، فالحزب المتهم من قبل الحكومة التركية بأنه الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني لم يستطع إقناع خصومه بأنه غير ذلك، وان خطابه في هذا المجال كان ضعيفاً، فالحزب الذي رفع شعار السلام معارضاً للعنف بدا مبرراً لحرب الكردستاني كما بدا خطابه غير مقنعٍ للشارع التركي بما في ذلك الأوساط اليسارية التركية التي صوتت له، وقد بدا هذا الأمر واضحا من تراجع أصواته في الغرب التركي ولاسيما في اسطنبول وأزمير وغيرها من المدن البحرية المحسوبة على اليسار التركي تاريخياً.

2- الحملة الكبيرة التي استهدفت الحزب، فتفجيرات ديار بكر ومن ثم سوروج وأنقرة والتي أودت بحياة المئات وكذلك حملة الاعتقالات الكبيرة في صفوف أنصاره، بدت وكأنها حملات أمنية مدروسة ومنظمة، أدت في النهاية إلى عجز الحزب عن القيام بحملة انتخابية كبيرة بمستوى معركة الانتخابات التي أعد لها حزب العدالة والتنمية كل الإمكانات وسخرت لها كل الجهود، فالحزب لم يستطع تنظيم حملة انتخابية وبدا محاصرا في مقاره في المدن الكبرى حيث تم تحويل المناطق الكردية إلى مناطق حرب وقتال واشتباكات، ولعل هذا ما يفسر قول زعيم الحزب صلاح الدين ديميرداش (أن الحملة التي شنت ضد الحزب كانت كافية لمحو أي حزب سياسي من الخارطة).

3- البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية في المناطق الكردية، إذ رشح الحزب كبار الشخصيات ولاسيما تلك من الأصول الكردية في هذه المناطق، كترشيح جودت يلماز عن ولاية بينغول وبشير اتلاي المسؤول السابق عن مفاوضات السلام مع الكرد عن ولاية فان، ويونس مميش عن ولاية ديار بكر....، وهكذا بدت المعركة شرسة مع حزب الشعوب الديمقراطي الذي رشح نفس شخصياته القديمة في الانتخابات السابقة، إذ ان ثقل المعركة الانتخابية في المناطق الكردية كان محصورا بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب الذي خسر بعض مقاعده لصالح حزب العدالة في هذه المناطق.

4- الأوساط الكردية الإسلامية التي عادت وصوتت هذه المرة لحزب العدالة والتنمية بعد ان صوتت في الانتخابات السابقة لحزب الشعوب الديمقراطي على أساس الانتماء للهوية القومية الكردية، وهنا بدا بارزا أهمية الخطوة التي قام بها حزب (الدعوة الحرة) وريث (حزب الله التركي) عندما أعلن عن عدم مشاركته في هذه الانتخابات وترك لأنصاره حرية التصويت وبشكل ضمني الدعوة لانتخاب حزب العدالة والتنمية، فذهبت أصواتهم للأخير على حساب حزب الشعوب الديمقراطي، حيث كان أردوغان يطمح إلى عدم حصول حزب الشعوب الديمقراطي على نسبة عشرة%، كي لا يتمكن من دخول البرلمان وبالتالي تذهب جميع أصواته إلى حزب العدالة والتنمية الذي كان يطمح من وراء ذلك الحصول على الأغلبية المطلقة، اي 376 صوتا كي يتمكن من تمرير جميع أجندته من داخل البرلمان ودون الحاجة إلى استفتاء، وهو ما لم يحصل بعد ان تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي العتبة الانتخابية ونجح في دخول البرلمان، وهو ما يسجل له على شكل نجاح في معركة اثبات الذات رغم حدة الهجوم عليه.

5- إعلان حزب المناطق الديمقراطي الذي يعد الجناح المدني لحزب العمال الكردستاني الحكم الذاتي في عدد من المناطق الكردية وقيامه بحفر الخنادق و وضع حواجز على الطرقات وجبابة الضرائب من الأهالي، وهو ما زاد من المخاوف التركية من الانفصال من جهة، ومن جهة ثانية برر للجيش التركي حملته العسكرية ضد الكردستاني، وفي الحالتين زاد من حدة الشقاق القومي الكردي – التركي ومن اصطفاف القوميين الأتراك وراء هذا حزب العدالة والتنمية، وهذا ما بدا جليا من الخسارة الكبيرة التي لحقت بحزب الحركة القومية وبدرجة أقل حزب الشعوب الديمقراطي الذي بدا وكأنه المستهدف الأول من قبل حزب العدالة والتنمية في المناطق الكردية.

هذه الأسباب وغيرها هي التي تقف وراء خسارة حزب الشعوب الديمقراطي الذي بالكاد تجاوز العتبة الانتخابية شرط الدخول إلى البرلمان. وفي ضوء هذه النتائج، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح ماذا سيفعل الحزب في المرحلة المقبلة؟ وكيف سيتعامل مع نتائج واستحقاقات الفوز الكبير لحزب العدالة والتنمية؟ ثمة من يرى أن المرحلة المقبلة تتطلب من الحزب سياسة جديدة على الأقل أكثر وضوحاً تجاه حزب العمال الكردستاني وقضية العنف ومقاربة جديدة للبعد التركي الوطني، وأن مثل هذه السياسة قد تضعه أمام صفقة مع حكومة حزب العدالة والتنمية التي بدورها تبدو بحاجة ماسة لحزب الشعوب لتمرير مشاريعه المجمدة  في البرلمان، وفي المقدمة إقرار دستور جديد يضع نهاية للدستور الذي وضعه العسكر عقب الانقلاب العسكري في عام 1980 وقضية الانتقال إلى النظام الرئاسي، ولعل مفاد هذه الصفقة دخول حزب الشعوب الديمقراطي في تحالف برلماني مع حزب العدالة والتنمية لتمرير هذه المشاريع عبر البرلمان دون الحاجة إلى استفتاء أو تقديم تنازلات غير ممكنة من قبل حزب العدالة والتنمية لحزبي الحركة القومية وحزب الشعب الجمهوري، مقابل عودة حزب العدالة والتنمية إلى مفاوضات السلام مع الأكراد ووقف الحرب ضد حزب العمال الكردستاني والاعتراف بحزب الشعوب الديمقراطي ممثلاً للأكراد في هذه المفاوضات. إلا أنه على الرغم من ترويج البعض لمثل هذه الصفقة فمن الواضح أن حجم التناقضات كبير جداً بين الحزبين، كما أن القرار الكردي ليس بيد حزب الشعوب الديمقراطي وحده وإنما يمكن القول إن القرار الأساسي لأكراد تركيا هو بيد حزب العمال الكردستاني الذي أعلن انتهاء وقف الهدنة التي أعلنها من طرف واحد قبل الانتخابات وذلك بعد أن قال أردوغان عقب الانتخابات مباشرة أنه سيواصل حربه ضد الكردستاني حتى أخر مسلح كردي وتجريد الحزب من سلاحه، وعليه يمكن القول إن مستقبل أي صفقة بين حزب الشعوب الديمقراطي وحزب العدالة والتنمية يتوقف على سياسة جديدة لأردوغان اتجاه القضية الكردية ووقف الحرب ضد الكردستاني والانخراط من جديد في العملية السلمية، وهو ما يرفضه أردوغان حتى الآن على الرغم من حديثه الدائم عن السلام تحت عنوان الأخوة والوحدة الوطنية من أجل بناء تركيا جديدة .       

أردوغان واستثمار نتائج الانتخابات

يعتقد الرئيس رجب طيب أردوغان أن نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة وفرت فرصة جديدة للانتقال إلى النظام الرئاسي الذي يتطلع إليه منذ زمن بعيد، وأن هذا النظام سيوفر فرصة كبيرة للوصول إلى تركيا قوية مؤثرة تحت رئاسته، نظراً لأنه سيعطيه صلاحيات قوية ومباشرة في كل ما تخص السياستين التركية الداخلية والخارجية، وعليه منذ لحظة الإعلان عن نتائج الانتخابات بدأت وسائل الإعلام التابعة لحزب العدالة والتنمية بالترويج للنظام الرئاسي كأولوية إلى جانب أولوية وضع دستور جديد للبلاد يضع نهاية للدستور الذي وضعه العسكر عقب الانقلاب العسكري عام 1980.

مشكلة أردوغان أنه على الرغم من الفوز الكبير وغير المتوقع لحزب العدالة والتنمية، فإن حصول الحزب على 316 مقعداً برلمانياً لا يعطيه الصلاحية الدستورية لإقرار النظام الرئاسي أو إقرار دستور جديد للبلاد من داخل البرلمان، إذ أن هذا الأمر يحتاج إلى 376 صوتاً من داخل البرلمان من أصل 550 مقعداً، كما يحتاج إلى 330 صوتاً لدعوة البرلمان الشعب إلى استفتاء على مشروع قرار، ولعل ما يزيد من صعوبة تحقيق رغبة أردوغان هذه، هو رفض الأحزاب التركية الممثلة في البرلمان للنظام الرئاسي بشكل مطلق، وعليه فان الرجل يبدو في محنة لجهة كيفية الحصول على الأصوات اللازمة للانتقال إلى النظام الرئاسي. إلا أن هذا الواقع لم يمنعه من التمسك بالنظام الرئاسي والسعي للمضي إليه، فالرجل وضع إستراتيجية من خطوتين لكيفية تحقيق هذا الهدف، على شكل معركة جديدة مشابهة لمعركة الانتخابات عندما راهن على الحرب ضد الكردستاني للفوز بالانتخابات، والخطوتان هما:

الأولى: إطلاق مشاورات واسعة مع أحزاب المعارضة ولاسيما حزب الشعب الجمهوري والحركة القومية من أجل التوصل إلى صيغة توافقية بشأن الدستور الجديد والانتقال إلى النظام الرئاسي، وواضح أن هذه الخطوة تمر عبر الاتفاق على مضمون الدستور الجديد، واللافت أن أردوغان يضع هذه الخطوة في إطار الإصلاحات السياسية لتطوير النظام السياسي في البلاد وربطه بالنظام الرئاسي، وهو يحمل أحزاب المعارضة مسؤولية الفشل إذا لم تنجح خطواته في تحقيق هدفه، بل ويهدد هذه الأحزاب بالشعب، إذ أنه يعتقد أن الشعب الذي صوت له بنسبة 52% في الانتخابات الرئاسية، ولحزب العدالة والتنمية بنسبة نحو خمسين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، صوت عمليا لأجندته السياسية، علماً أن مثل هذا المقياس غير دقيق، ولكن أردوغان يريد استغلال هذا الأمر للدفع بأجندته إلى أرض الواقع وفرضها على أحزاب المعارضة التي تعاني من الضعف والتشتت.

الثانية: ثمة من يرى أن المرحلة المقبلة قد تحمل معها ملامح صفقة بين حكومة حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطي الذي له 59 مقعدا في البرلمان، إذ أن هذه الأصوات إلى جانب أصوات حزب العدالة والتنمية كافية لتمرير جميع الأجندة السياسية لأردوغان من داخل البرلمان بشكل مباشر ومن دون الدعوة إلى استفتاء، وعليه فانه في حال فشل أردوغان في التوصل إلى أتفاق أو توافق مع حزب الشعب الجمهوري والحركة القومية، فإنه قد يقدم على صفقة مع حزب الشعوب الديمقراطي لتمرير أجندته، وثمة من يقول إن أردوغان لا مشكلة لديه في العمل من أجل الإشارة في ديباجة الدستور التركي الجديد إلى الأكراد وإعادة التعريف بمفهوم المواطن والمواطنة، عبر نزعة صفة تركي عن المواطن وجعلها صفة منسوبة إلى تركيا، بمعنى الانتساب إلى هوية البلاد وليس إلى القومية التركية، وكذلك الانفتاح على حزب الشعوب الديمقراطي وتعزيز دور الأخير في الحياة السياسة العامة شرط ابتعاده عن حزب العمال الكردستاني بهدف إضعاف الأخير ونزع مكانته في صفوف الشعب الكردي، ولعل ما يرجح مثل هذه الصفقة هو تصريحات أردوغان التي أبدى فيها استعداده للعودة إلى العملية السلمية وكذلك اللغة الهادئة لحزب الشعوب الديمقراطي في مرحلة ما بعد الانتخابات وغياب لغة التحدي التي انتهجها زعيمه صلاح الدين ديميرتاش ضد أردوغان خلال الفترة الماضية، خصوصاً وأن الحزب سيعقد مؤتمره العام بعد نحو شهر وقد نشهد قيادة جديدة له بعد كل هذه التطورات وفي إطار الاستعداد للتعامل مع استحقاقات المرحلة المقبلة.

في الواقع، من الواضح أن أردوغان وضع إستراتيجية مزدوجة لتحقيق أجندته على شكل خطة مشابهه لخطة معركة الانتخابات البرلمانية، فهو يبدو قوياً وقادراً على اللعب بخريطة القوى السياسية في البلاد، كل ذلك مقابل ضعف المعارضة وتشتتها وعدم قدرتها على طرح برنامج سياسي بمستوى المرحلة، حيث يعمل أردوغان على إحداث المزيد من الانقسامات والانشقاقات في صفوف أحزاب المعارضة، كما بدا واضحاً من خلال انشقاق ابن مؤسس حزب الحركة القومية عن الحزب وانضمامه لحزب العدالة والتنمية قبيل الانتخابات البرلمانية بفترة وهو ما شكل ضربة قوية لحزب الحركة القومية. فأردوغان في النهاية محكوم بتطلعاته السلطوية الجامحة، وهو في سبيل تحقيق هذه التطلعات مستعد لفعل كل ما هو ممكن. لكن بغض النظر عن إمكانية نجاح هذه الخطوات أو فشلها، فان مشكلة أردوغان رجل الحسابات الانتخابية والسلطوية أنه ينسى أن قضية الانتقال إلى النظام الرئاسي جوبهت برفض شعبي واسع عندما جعل من قضية الانتقال إلى هذا النظام شعارا لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات التي جرت في السابع من حزيران/ يونيو الماضي وان الشعب لم يصوت لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة إلا بعد أن ألغى الحزب هذا الشعار من حملته الانتخابية الأخيرة، وعليه، فان قضية ربط الانتقال إلى النظام الرئاسي برغبة الشعب تفتقر إلى المنطق والدقة والوقائع على الأرض، بل يمكن القول إن الشعب قبل أحزاب المعارضة أعلنت رفضها لهذا النظام كما بدا واضحا من نتائج انتخابات حزيران/ يونيو، فعلى الأقل يرى الشعب فيه مدخلا لنظام شمولي يحكمه رجل واحد، يحمل معه معالم السلطان والاستبداد على حساب التعددية والديمقراطية التي قطعت المجتمع التركي شوطاً كبيراً إليهما، لذلك فإن مشكلة أردوغان مع الواقع السياسي التركي هو أنه لا يبحث عن نموذج سياسي منفتح على الداخل التركي وتعدده القومي والديني والطائفي والاجتماعي والسياسي، وعلى أسس من العملية الديمقراطية وإنما يريد دفع المشهد التركي باتجاه إقامة نموذج شمولي تحت عنوان النظام الرئاسي، على أساس أن هذا النظام سيعطي من جهة قوة دفع قوية للسياسة التركية الداخلية والخارجية ويجعل من أردوغان مصدراً ومشتقاً لكل السياسات حتى لو أدى إلى ذلك نسف صلاحيات رئيس الوزراء الذي يتمتع بصلاحيات واسعة في تركيا، ومن جهة ثانية سيعزز من قوة البعد الإيديولوجي لحزب العدالة والتنمية بوصف هذه الإيديولوجية قادرة على تجاوز الحدود والوصول إلى الحركات والجماعات الإسلامية ولاسيما جماعات الأخوان المسلمين في العالم العربي، على أساس أن هذه الجماعات باتت تنظر إلى حزب العدالة والتنمية بوصفه نموذجاً ناجحاً وتشكل تجربته مثالا للوصول إلى السلطة، فيما الثابت أن مثل هذا السلوك ينسف نموذج الدولة كمفهوم والحديث عن النجاح والتوفيق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد لصالح النزعة الحزبوية الإيديولوجية الضيقة التي هي في جميع الأحوال تنافي التعددية وتجبر الهوية الوطنية على الدخول في خلافات سياسية وقومية واجتماعية وطائفية ومناطقية، فالمكونات الأخرى المختلفة لا تقبل بقمع أو إقصاء هويتها، وهو ما يرشح تركيا للدخول في مرحلة من عدم الاستقرار حتى لو نجح حزب العدالة والتنمية في فرض أجندته على الساحة التركية.

كاتب وباحث متخصص بالشؤون التركية(*) 

اعلى الصفحة