تركيا بين مأزق الحرب ضد داعش وأجندتها السياسية 

السنة الثالثة عشر ـ العدد 155 ـ (محرم 1436 هـ) تشرين ثاني ـ 2014 م)

بقلم: خورشيد دلي(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

على الرغم من الرفض الغربي وتحديدا الأمريكي لخطة تركيا إقامة منطقة عازلة على حدودها مع سوريا والعراق، وعلى الرغم من الفيتو الروسي – الصيني المسبق لها، فان أنقرة تتمسك بإقامة هذه المنطقة في إطار سياستها تجاه الأزمة السورية وأجندتها الإقليمية تجاه المنطقة، فمنذ تفويض البرلمان التركي الجيش القيام بعمليات عسكرية داخل سورية والعراق تواصل المؤسسة العسكرية التركية إجراءاتها لإقامة هذه المنطقة وتعمل على إعدادها من النواحي اللوجستية والعسكرية والقانونية والأماكن التي ستقام عليها.

في الأساس، خطة تركيا لإقامة منطقة عازلة ليست بجديدة، إذ سبق وان اقترحتها رسميا قبل أكثر من سنتين في مجلس الأمن، ولكن وقتها قوبلت بالرفض الدولي، فيما اليوم تعود تركيا وتطرح الخطة من جديد، تزامنا مع حرب التحالف الدولي ضد تنظيم داعش حيث تشترط تركيا المشاركة في هذه الحرب قبول الغرب بشروطها والتي تتلخص بربط الحرب ضد داعش بإسقاط النظام السوري وإقامة منطقة عازلة ومنع المكون الكردي في سورية من تشكيل أي وضع خاص له.  

تركيا والمنطقة العازلة

تنطلق تركيا لإقامة منطقة عازلة من فرضيات تقوم على تحقيق هدفين:

الأول – إنساني: ويتعلق بقضية إيجاد مكان آمن لإيواء مئات آلاف اللاجئين السوريين الهاربين من جحيم المعارك والقصف، إذ ترى تركيا أنها لم تعد قادرة على تحمل أعباء تدفق الأعداد الكبيرة لهؤلاء اللاجئين إليها بعد أن تجاوز عددهم مليون ومئتي ألف لاجئ، وهي ترجح زيادة هذا العدد إلى أربعة ملايين مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية للتحالف ضد داعش في سوريا والعراق، لذا فهي ترى مع زيادة أعداد هؤلاء اللاجئين أن هناك أهمية خاصة لإقامة هذه المنطقة بغية حصر وتجميع اللاجئين في مناطق آمنة داخل المنطقة الحدودية مع توفير المستلزمات اللازمة للحياة، خاصة مع ظهور مشكلات بين اللاجئين السوريين في عدد من المدن التركية وصلت إلى حد اندلاع اشتباكات بينهم وبين المواطنين  الأتراك في عدد من المدن ولاسيما عينتاب واسطنبول.     

الثاني- عسكري: إقامة منطقة عازلة تعني بالتأكيد حظر حركة الطيران السوري فوقها، وشل قدرة الطيران السوري، وبالتالي خلق وضع عسكري جديد على الحدود التركية السورية التي باتت تحت سيطرة المعارضة السورية بالكامل تقريباً، وفي الإجمال فإن إقامة مثل هذه المنطقة حسب تركيا تعني تحييد القوة الفاعلة للنظام أي (الطيران) والإفساح في المجال أمام المجموعات المسلحة التي يتم تدريبها في السعودية والأردن وتركيا لنقلها إلى المنطقة العازلة لمحاربة النظام السوري بدعم دولي وإقليمي مباشر عسكرياً وسياسياً، بما يعني كسر المعادلة التي تقول أن لا أحد (النظام والمعارضة) قادر على الانتصار في هذه الحرب، وفتح المجال أمام الحل، سواء عبر تسوية سياسية أو من خلال التصعيد العسكري، اعتمادا على المنطقة العازلة وتسليح مجموعات المعارضة بأسلحة نوعية.

مع وضوح أهداف هذه الخطة، فإن الأسئلة في تركيا تتعلق بتفاصيل هذه الخطة التي أعدت لها رئاسة الأركان التركية، خصوصاً لجهة الأماكن التي ستقام عليها المنطقة العازلة، وهل ستكون منطقة واحدة أم أكثر من منطقة؟ وما هو عمقها؟ وماذا عن الجوانب القانونية؟ وكيف لتركيا أن تجعل من قرارها قراراً دولياً؟ هذه الأسئلة وغيرها ما زالت تطرح بقوة في أروقة الحكومة والمؤسسة العسكرية التركيتين بانتظار نتائج المحادثات التركية – الأمريكية السرية والعلنية. لكن من الواضح أن تركيا في سعيها إلى إقامة هذه المنطقة تركز على دراسة البعدين الجغرافي الديمغرافي للمناطق، بحيث لا تكون واقعة تحت تأثير النظام والمكون الكردي، وهو ما يعني أن منطقتين حدوديتين، الأولى منطقة محافظة إدلب مع تركيا والثانية منطقة جرابلس بين حلب والرقة ستكونان الأنسب، فيما المنطقة الكردية في محافظة الحسكة بحاجة إلى اتفاق مع إقليم كردستان العراق على الرغم من صعوبة ذلك بسبب وقوع المنطقة تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الحليف لحزب العمال الكردستاني والذي أعلن رفضه لإقامة المنطقة العازلة بل واعتبرها احتلالاً إذا ما أقدمت تركيا على إقامتها.

بعيداً عن الاعتراضات والمخاوف التركية من تداعيات المشاركة في التحالف الدولي ضد داعش، فإن أنقرة تربط مشاركتها في هذه الحرب بوضع خطة نهائية للأزمة السورية تصب في أجندتها الإقليمية التي تتجاوز الحرب ضد داعش إلى قضية أساسية وجوهرية للسياسة التركية، وهي كيف ستكون نتائج هذه الحرب على صعيد القضية الكردية، إذا أنها تخشى في العمق من أن يكون الأكراد في العراق وسوريا هم المستفيد الأكبر من هذه الحرب، سواء في حصولهم على أسلحة متطورة أو أن تؤدي الأحداث إلى ولادة إقليم كردي في سورية بات يتواصل جغرافيا مع أكراد العراق وتركيا، وهو ما ترى أنقرة انه سينعكس على قضيتها الكردية في الداخل خاصة في ظل تضافر الدلائل التي إلى فشل عملية السلام بين حزب العمال الكردستاني وتركيا.

استراتيجيا أيضاً، ترى تركيا أن التحالف ضد داعش دون وجود خطة واضحة لإسقاط النظام السوري سيؤدي إلى تعزيز قدرات النظام ونفوذ إيران والعراق، وان النتيجة الطبيعة لمثل هذا الأمر هو أضعاف تركيا وأدوات قوتها الناعمة حيث كان تنظيم داعش من أهم الأدوات التي استخدمتها أنقرة في سياستها تجاه العراق من خلال إظهارها نفسها كقوة حامية للسنة، وهي في العمق تحس أن دورها في التحالف المذكور ليس كما ينبغي، فهي تعتقد أن موقعها الجغرافي المجاور لسورية والعراق، وعضويتها في الحلف الأطلسي ينبغي أن يضمنا لها دورا مؤثرا يحفظان لها الكثير من الامتيازات في هذه الحرب ونتائجها في حين ترى أن مثل هذا الدور أعطي للسعودية بعد استضافتها مؤتمر جدة. وعليه ربما ترى في إقامة منطقة عازلة تأكيداً لدورها المؤثر في المرحلة المقبلة بحكم جوارها الجغرافي لسورية والعراق ووجود عشرات القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، فضلاً عن قاعدة انجرليك التي تخضع لعمل قوات حلف الأطلسي النيتو. 

تركيا ومحنة الخيارات

مع استمرار التحالف الدولي الحرب ضد تنظيم داعش في سورية والعراق، تبدو تركيا في محنة حقيقية، فهي من جهة لا تريد الظهور بمظهر الدولة الشاذة خارج التحالف الدولي الذي تستكمل واشنطن حلقاته، ومن جهة ثانية تخشى من انعكاسات مدمرة على أمنها القومي جراء تداعيات هذه الحرب، وتعكس محنتها هذه إلى حد كبير تلك الصورة التي تقول إن تركيا هي من أكبر الداعمين والمستفيدين من داعش، سواء في استخدام التنظيم كأداة لإسقاط النظام السوري أو لمنع تشكل إقليم كردي في شمال شرق سوريا أو محاولة إيصال قوى لها هوية محددة إلى السلطة في المنطقة العربية. فمن رفض أنقرة التوقيع على بيان جدة لمحاربة داعش إلى موقفها الغامض والحذر من المشاركة في هذه الحرب، تسوق أنقرة لجملة من التحفظات والمخاطر من هذه الحرب، لعل أهمها:

1– الخشية من أن يصل السلاح إلى يد حزب العمال الكردستاني وحليفه حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، وبالتالي استخدام هذا السلاح لاحقا في تركيا ونسف عملية السلام الجارية مع الأكراد ، وفي الإجمال لا تريد تركيا أن يكون الأكراد سواء في العراق أو سوريا وعموم المنطقة، هم المستفيدين إلى حد الانتصار في هذه الحرب والخروج منها بما يحقق دولتهم المنشودة، وهي في العمق تجد حرجا كبيرا في أن ترى نفسها في جبهة واحدة إلى جانب حزب العمال الكردستاني الموصوف بالإرهابي في محاربة داعش، بل على العكس تماما تحاول وضع الحزب في صف داعش ومحاولة تصفيته بزعم محاربة الإرهاب.

2- الخشية من أن يكون النظام السوري هو المستفيد الأكبر من الحرب ضد داعش وان تؤدي إلى تقويته، عبر ملء الفراغات التي ستتركها حرب القضاء على داعش بعد أن أصبح الأخير له دولة تمتد شمالا من جرابلس على الحدود السورية التركية إلى مشارف العاصمة العراقية بغداد جنوبا، فهي تعتقد في العمق أن على الأرض ليست هناك قوى مؤهلة لملء الفراغات التي ستتركها حرب القضاء على داعش سوى القوات السورية والعراقية.

3 – الخوف من حدوث فوضى واضطرابات قد تصل إلى داخل تركيا وزيادة التدخل الخارجي في المنطقة، خصوصاً وأن حرب داعش على كوباني – عين العرب في شمال سورية أدى إلى خلط الأوراق على حدودها الجنوبية وانتقال الأزمة إلى الداخل التركي حيث شهدت العديد من المدن التركية تظاهرات احتجاجية ضد الموقف التركي من داعش وهجومه على كوباني – عين العرب.                

4- ترى تركيا أن التحالف ضد داعش دون وجود خطة واضحة لإسقاط النظام السوري سيؤدي إلى تعزيز قدرات محور طهران -  بغداد – دمشق ومن خلفهم روسيا، وأن النتيجة الطبيعة لمثل هذا الأمر هو إضعاف تركيا وأدوات قوتها الناعمة.

5- تحس تركيا بأن دورها في التحالف الدولي – العربي ضد داعش ليس كما ينبغي، فهي تعتقد أن موقعها الجغرافي المجاور لسورية والعراق، وعضويتها في الحلف الأطلسي ينبغي أن يضمنا لها دوراً مؤثراً يحفظان لها الكثير من الامتيازات في هذه الحرب ونتائجها، وهي على المستوى الإقليمي ترى أن مثل هذا الدور بات من نصيب السعودية بعد استضافتها مؤتمر جدة، حيث الخلاف بين الجانبين على مشروع الأخوان المسلمين في المنطقة.

هذه المخاوف وغيرها، تسوقها أنقرة في معرض رفضها الانضمام إلى التحالف ضد داعش. لكن هذا الرفض لا يعد قراراً نهائياً لصانع القرار التركي الذي يبدو في محنة خيارات وجدل حسابات في كل الاتجاهات، فحدودها (تركيا) باتت مجاورة لحدود دولة داعش، وبالقرب من هذه الدولة هناك حدود الدولة الكردية الناشئة في العراق وسوريا، حيث بات الأكراد يشكلون القوى الأكبر على الأرض في محاربة داعش.

أمام التردد التركي هذا، ثمة من يرى أن أنقرة تقف أمام سيناريوهات ثلاث، ولكل سيناريو حسابات وأثمان وتداعيات.

الأول: سيناريو الأردن، أي أن تأخذ تركيا كافة الاحتياطات والإجراءات على أراضيها دون التدخل المباشر في الحرب ضد داعش.

الثاني: سيناريو المشاركة الكاملة، أي الانخراط في هذه الحرب بوصفها دولة عضواً في الحلف الأطلسي وعلى علاقة متينة بالولايات المتحدة، وبالتالي لا يمكن لها التخلف عن حرب يقودها هذا المعسكر باسم مكافحة الإرهاب.

الثالث: سيناريو المشاركة الجزئية، أي تقديم الخدمات اللوجستية والاستخباراتية ووضع المطارات والقواعد والمناطق الحدودية في خدمة هذه الحرب.

في جميع هذه السيناريوهات، تركيا حائرة ومترددة، وأمام الضغط الأمريكي الهائل والمتواصل لإشراكها في التحالف، فإنها تبدو أقرب إلى السيناريو الثالث، أي خيار المشاركة غير المباشرة في الحرب ضد داعش، والموصوف هنا بتقديم الجهد الاستخباراتي وضبط الحدود وتكثيف الجهود لمنع تدفق المقاتلين وملاحقتهم ووضع المطارات والقواعد التركية ولاسيما انجرليك في خدمة هذه الحرب، ولعل ما يدفع تركيا إلى الانخراط في هذا السيناريو، هو أنها نجحت في الإفراج عن رهائنها 49 الذين خطفهم داعش في الموصل قبل نحو أربعة أشهر في صفقة شابها الكثير من الغموض والتساؤلات من جهة، ومن جهة ثانية، فإن مثل هذه المشاركة تضمن لها عدم إلحاق أضرار بعلاقتها الإستراتيجية مع واشنطن، بل وربما عقد صفقات معها حيث طالب أردوغان الإدارة الأمريكية مراراً بتسليم خصمه اللدود الداعية فتح الله غولين في ظل مضي الحكومة التركية في القضاء على نفوذه وإقصاء أنصاره في الداخل. وفي الإجمال، تقوم حسابات أنقرة على معادلة موازنة الحسابات والمصالح على الشكل التالي: إن شاركت في التحالف الدولي ضد داعش فتخشى من يلجأ الأخير إلى نقل عملياته للداخل التركي، خصوصاً وأن التقارير تقول إنه بات للتنظيم حاضنة داخل العديد من المدن والمناطق التركية وتتحدث عن وجود ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف مقاتل تركي داخل التنظيم، وان لم تشارك فان الخسائر ربما ستكون مضاعفة وإستراتيجية، إذ أن الولايات المتحدة الحليفة الإستراتيجية لتركيا في إطار العضوية المشتركة في الحلف الأطلسي لن تنسى لتركيا مثل هذا الموقف وسترد لها في العديد من القضايا والمناطق، وربما أولى القضايا التي يمكن أن تظهر في هذا المجال، احتمال ان تلجأ واشنطن إلى اعتماد حزب العمال الكردستاني العدو التاريخي لتركيا والموصوف بالإرهاب حليفا واقعيا ومجربا لمحاربة إرهاب داعش، وإذا ما حصل مثل هذا الأمر فإنه سيشكل أكبر تهديد لأمن تركيا، إذ أن الجناح العسكري للحزب بات منتشرا في كافة المناطق الشمالية الحدودية لسورية مع تركيا، وهو ما يرجح تفجر الصراع الدموي بين تركيا وأكرادها من جديد. الأمر الثاني، هو أن هذه الحرب وضعت العلاقة بين تركيا وإقليم كردستان في مهب الامتحان الاستراتيجي، فإقليم كردستان الذي كاد أن يسقط تحت وقع زحف داعش بعد سيطرته على الموصل بات ينظر بعين الريبة إلى الموقف التركي الذي تقاعس عن نجدته، وعلى وقع هذا الموقف بدأ الإقليم يراجع علاقاته بتركيا بعد أن وصلت إلى مستوى الشراكة، كل ذلك مقابل حضور قوي لإيران التي سارعت إلى دعم الإقليم عندما لاح خطر التنظيم يهدد أربيل، بما شكل ذلك ضربة قوية لأنقرة، خاصة وان أكراد العراق هم الكيان الوحيد الذي كانت لأنقرة علاقات قوية معه في المنطقة.

في معرض قراءة الموقف التركي، البعض يذهب إلى المقارنة بين موقف تركيا من التحالف الجاري هذه الأيام ضد داعش وموقفها عشية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 عندما رفض البرلمان التركي استخدام الأراضي التركية لغزو هذا البلد الجار، لكن الثابت أن الظروف مختلفة هذه المرة، وتركيا في محنة حقيقية. فهي تحس من جهة بخسارة هائلة على الجبهة الدبلوماسية وأدوات قوتها الناعمة، ومن جهة ثانية تحس بأخطار غير مسبوقة على أمنها القومي،على شكل امتحان كبير للرئيس رجب طيب أردوغان في بداية ولايته. ولعل ما يفاقم من محنة تركيا وخياراتها، هو التوقيت السيئ لسياستها الإقليمية، إذ أن نهجها في دعم جماعات الإخوان المسلمين أفقدها الحلفاء الإقليميين، فعلاقاتها مع مصر متوترة، ومع دول الخليج (باستثناء قطر) تشهد حالة من الفتور، ومع العراق وسورية وإيران هي في حالة تتراوح بين القطيعة والصراع والتنافس، وبسبب كل ذلك تعيش حالة من العزلة وكادت ألا يبقى لها حلفاء سوى حركة حماس وجماعات الإخوان المسلمين التي بدأ قادتها ينتقلون إلى تركيا بعد طردهم من قطر.

في الواقع، ثمة من يرى أن حرب التحالف ضد داعش كشفت حقيقة أخطر وأضعف نقطة في سياسة وهوية حزب العدالة والتنمية، فهذا الحزب الإسلامي وتحديداً (الإخواني) التوجه، بنى سياسته تجاه العالم العربي انطلاقاً من هذا التوجه، وليس من سياسة دولة تقوم علاقاتها على المصالح المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعليه دعمت حركات الإسلام السياسي لإيصالها إلى السلطة في إطار مشروعها الإقليمي. واليوم بعد ما جرى للإخوان المسلمين في مصر والمنطقة، والحرب ضد داعش تبدو تركيا خسرت أدواتها ورهانها على هذه القوى في تحقيق أجندتها الإقليمية، وبات خطر انتقال التداعيات إلى داخلها أمراً واقعاً بعد أن انتقل  الصراع في تركيا نفسها من قاعدة الصراع بين العلمانية والإسلام إلى صراع طائفي على الهوية المذهبية بفعل سياسات أردوغان. وعليه، يمكن القول ان تركيا إذا لم تنضم إلى التحالف الدولي في الحرب ضد داعش فانها ستكون الخاسر الأكبر، سواء لجهة فقدان أهمية دورها في المنظومة الاستراتيجية الغربية، أو لجهة دورها الإقليمي وعلاقاتها مع دول المنطقة، والأهم خطر انتقال تداعيات هذا الحرب إلى الداخل التركي واشتعاله تحت وقع المشكلات الكثيرة ولاسيما القضية الكردية التي تبدو وكأنها على فوهة بركان قابل للانفجار في أي وقت.

تركيا ومعركة كوباني

منذ أن بدأ تنظيم داعش هجومه على مدينة كوباني – عين العرب في منتصف شهر أيلول/سبتمبر الماضي، توجهت الأنظار إلى تركيا وكيفية تعاملها مع هذه المعركة. فالمدينة التي أعلنها كرد سورية مقاطعة إلى جانب مقاطعتي عفرين والقامشلي تقع على حدودها الجنوبية تماماً، فيما المدينة محاصرة غرباً وجنوباً وشرقاً من قبل داعش منذ أكثر من سنة.

على وقع المعارك بين المقاتلين الأكراد ومسلحي داعش حشدت تركيا قواتها على الحدود، وباتت طائراتها ودباباتها تراقب كل حركة وخطوة، فيما استقبلت سلطاتها المحلية عشرات آلاف النازحين الأكراد من بلداتهم وقراهم على وقع زحف عناصر داعش وارتكابهم العديد من أعمال القتل وحرق البيوت وتدميرها، لكن على الرغم من كل ما سبق لم تتدخل تركيا لوقف هجوم داعش على كوباني وحماية أهلها، على الرغم من أن البرلمان التركي وافق على الانضمام إلى التحالف الدولي والتدخل العسكري في سورية والعراق، وهو ما أثار الكثير من الجدل والشكوك بشأن الموقف التركي من ما جرى ويجري في كوباني.

في الواقع، من الواضح أن تركيا تعاملت منذ البداية مع معركة كوباني – عين العرب وفق إستراتيجية دقيقة قامت على ثلاث مستويات، يمكن وصفها بالحرب الذكية.

الأول: مستوى استقبال آلاف النازحين من كوباني حيث بلغ عددهم قرابة 200 ألف شخص، وسط تسليط إعلامي قوي على هذه القضية إنسانيا بهدف التسويق للمنطقة العازلة. 

الثاني: مستوى التأهب الأمني للتعامل مع أي طارئ يهدد أمنها الداخلي وسط مخاوف من انتقال التداعيات إلى الداخل التركي بعد أن تدفق آلاف الأكراد من تركيا للقتال دفاعا عن كوباني.

الثالث: إدارة المعركة عن بعد، وهي هنا اعتمدت إستراتيجية دع الأعداء يتقاتلون أي الأكراد وداعش، فهي تصنف الطرفين في خانة الإرهاب والأعداء.

في كل هذه المستويات، حاولت تركيا الاستفادة من ما جرى لدفع أجندتها إلى أرض الواقع، وهي أجندة أعلنها أردوغان على شكل شروط للتدخل البري، وتمثلت في فرض حظر جوي وإقامة منطقة عازلة ودعم المجموعات السورية المسلحة لإسقاط النظام السوري، منطلقة من أهمية موقعها الجغرافي المجاور لسورية والعراق، وعضويتها في الحلف الأطلسي، والقناعة بأن الولايات المتحدة ستضطر في النهاية إلى الاستجابة لهذه الشروط على أساس أن الغارات الجوية ضد داعش لن تؤدي إلى نتيجة وستجد الولايات المتحدة نفسها أمام الشروط التركية.   في سياق يوميات المعركة، أعلنت تركيا مراراً أنها جاهزة للتدخل في أي وقت، وفي سياق إدارتها لمعركة كوباني، كان لافتا تصريح رئيس الحكومة أحمد داوود أوغلو عندما أكد أن بلاده ستسعى بكل ما يمكن لعدم سقوط المدينة (كوباني) بيد داعش، وهو تصريح جاء على وقع تهديد زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان بأن سقوط كوباني يعني نهاية عملية السلام الكردية - التركية، تصريحان كانا كفيلان بأن يقوم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي صالح مسلم بزيارة قصيرة وسريعة إلى أنقرة وطلب المساعدة التركية. وهي مساعدة حالت دونها الشروط التركية الثلاثة للتحرك ضد داعش، وهي – حسب الصحافة التركية -: فك العلاقة بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي مع النظام السوري والعمل لإسقاط الأخير، الانضمام إلى الجيش السوري الحر والائتلاف الوطني السوري، والتخلي عن مشروع الإدارة الذاتية التي أعلنها مسلم قبل أكثر من سنة. وقد كان من الطبيعي أن يرفض مسلم هذه الشروط، نظراً لأن القبول بها، يعني بمثابة إبادة سياسة لأكراد سورية. وعليه يمكن القول إن معركة كوباني منذ البداية لم تكن معركة على رقعة جغرافية محددة بقدر ما كانت معركة أرادت على رسم المشاريع المتدفقة في الجغرافية السورية على وقع أزمتها الدموية، فالمعركة بالنسبة للأكراد كانت معركة وجود وهوية وحقوق، استدراكاً للتداعيات التي ستترتب على مستقبلهم ومستقبل سورية والمنطقة، فيما بالنسبة لداعش كانت معركة توسيع حدود دولة الخلافة التي أعلنها أبو بكر البغدادي، وبالنسبة لتركيا كانت معركة إثبات الدور والنفوذ والقدرة على رسم خرائط والمصائر وأبعاد عوامل الخطر التي تهدد أمنها القومي.

في الواقع، لكوباني أهمية خاصة بالنسبة لأكراد سورية، إذ أنها تتوسط المنطقتين الكرديتين في سورية، أي محافظة الحسكة بمدنها القامشلي ورأسن العين وعاموده ودرباسية... في الشرق ومنطقة عفرين في الغرب، كما أن لها أهمية رمزية لدى لحزب العمال الكردستاني حيث لجأ إليها زعيمه عبد الله أوجلان عام 1979 عندما هرب من تركيا، كما أنها تشكل معقلاً لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بزعامة صالح مسلم حليف حزب العمال الكردستاني وينتمي إليها العديد من قادة الحزب الأخير، وعليه، فإن كوباني تحتل مكانة معنوية كبيرة لدى الأكراد الذين كانوا منذ البداية أمام خيارين: أما القتال حتى النهاية أو تسليم المدينة إلى داعش من دون قتال على طريقة ما جرى في الموصل العراقية.

من الواضح، أن الأكراد اختاروا منذ البداية الخيار الأول، وهم في خيارهم هذا ربما كانوا يراهنون على عوامل من شأنها قلب المعادلة لصالحهم، منها ضربات التحالف الدولي ضد داعش، وإمكانية وصول مساعدات عسكرية لهم، سواء من داخل المناطق الكردية في سورية أو من أكراد تركيا، فضلا عن قدرتهم القتالية العالية. لكن من الواضح أن العاملين الأول والثاني لم تكن حسب توقعاتهم فالجغرافية المعزولة لكوباني عن المناطق الكردية الأخرى حالت دون وصول المساعدات إليهم، كما أن تركيا منعت ذلك من جهتها، فيما عامل الصمود والمقاومة بقي الأساس رغم انه فقد أهميته تدريجيا بسبب الحصار، وقلة الأسلحة ونوعيتها التي كانت بحوزتهم مقابل كثافة هجوم داعش والأسلحة المتطورة بحوزته والتي جلبها من الموصل في العراق والفرقة 17 ومطار الطبقة في محافظة الرقة السورية.

دون شك، خسارة الأكراد معركة كوباني ستكون لها تداعيات كبيرة عليهم، فوقوع كوباني بيد داعش، يعني أولا فصل المناطق الكردية السورية عن بعضها جغرافيا بشكل نهائي، في المقابل، فان أهمية معركة كوباني بالنسبة لداعش كبيرة، فإذا ما نجح التنظيم في احتلال المدينة ستصبح حدود  (الدولة الإسلامية) للمرة الأولى على تماس مباشر مع تركيا، وهو ما يعني السيطرة على منطقة جغرافية كبيرة، تمتد من مدينة منبج في ريف حلب على الحدود السورية – التركية شمالا إلى مشارف بغداد جنوبا، بما تعني هذه المساحة الجغرافية الكبيرة إمكانية التوزع والانتشار والمناورة، وهذا أمر مهم في ظل غارات التحالف الدولي ضد مواقع التنظيم. والأهم أن داعش أراد من وراء هذا الهجوم على كوباني أبعاد خطر العامل الكردي الذي ظهر على الأرض كقوة فاعلة محتملة لمحاربة داعش إذا ما قرر التحالف الدولي التحرك على الأرض من خلال قوات محلية، وثمة من يرى أن هذا الهجوم كان استباقياً من قبل داعش لتحقيق هذا الهدف بعد أن لاح للتنظيم إمكانية التحالف بين قوات وحدات حماية الشعب الكردية وفصائل من الجيش الحر في إطار ما عرف بغرفة بركان الفرات وإمكانية انتقال هذه التجربة إلى مناطق أخرى.                 

في جميع الأحوال، ستكون لمعركة كوباني تداعيات كبيرة على الأكراد وداعش وتركيا، فإذا ما أنتصر الأكراد سيكون الأمر بمثابة البداية الفعلية لإنهاء صعود داعش في سورية، فيما العكس قد يغري التنظيم بمهاجمة باقي المناطق الكردية ولاسيما محافظة الحسكة التي ستصبح محاصرة من قبل داعش غرباً وجنوباً، فيما ستصبح تركيا أمام تحديات كثيرة، إذ ستجد نفسها للمرة الأولى على حدود دولة داعش وهذا يفتح احتمالات الصدام بين الجانبين وإمكانية انتقالات الاشتباكات إلى الداخل التركي خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن إنشاء التنظيم خلايا نائمة داخل العديد من المدن التركية و وجود قرابة أربعة آلاف تركي يقاتلون داخل التنظيم، فضلاً عن أن الحرب ضد كوباني فجرت موجة غاضبة عارمة من قبل أكراد تركيا، كما ان حزب العمال الكردستاني قد يتخلى نهائيا عن عملية السلام مع الحكومة التركية بعد أعلن أوجلان مسبقاً أن سقوط كوباني يعني نهاية عملية السلام، بما يعني احتمال العودة إلى العنف مجددا. ولعل ما سيزيد الموقف التركي حرجاً وصعوبة هو الموقف الأمريكي الرافض للشروط التي حددها أردوغان، وخصوصاً إقامة منطقة عازلة كما أعلن وزير الدفاع الأمريكي تشاك هاغل.                        

في الواقع، بقدر ما أوحت معركة كوباني أهمية الدور التركي بقدر ما كشف أسلوب تركيا في إدارة هذه المعركة عن خلل استخدامها للقوة الناعمة، واستخدام هذه القوة كأداة ضد دول المنطقة في إطار تطلعها إلى تحقيق جملة من الأجندة الإقليمية، فيما تثبت الوقائع أن كل ذلك يرتد على تركيا سلباً، في الخارج على شكل مشكلات مع دول الجوار الجغرافي وعزلة سياسية، وفي الخارج على شكل تراكم للمشكلات والاقتراب من لحظة الانفجار ضد سياسة حكومة حزب العدالة والتنمية.

كاتب وباحث متخصص بالشؤون التركية(*)

 

اعلى الصفحة