القلق الذي يُشكله البرنامج الصاروخي الإيراني

السنة الثانية عشر ـ العدد135 ـ ( ربيع ثاني ـ جمادى أولى 1434  هـ ) آذار ـ 2013 م)

بقلم: ترجمة وإعداد: محمد عودة

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

ملخص تقرير قُدم إلى أعضاء ولجان الكونغرس الأمريكي

ستيفن آي. هيلدريث، متخصص في الدفاع الصاروخي

لمَ الاقتناء الإيراني للصواريخ البالستية أو مسعى إيران للحصول على قدرة إطلاق فضائي موضع قلق، خصوصاً للكونغرس؟ لعقود، معظم مَن في الكونغرس ينظرون إلى إيران بعين القلق بسبب برنامجها النووي ودعمها للحركات المُسلحة المُعادية للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة. وقد أجرى الكونغرس العديد من لجان الاستماع بشأن إيران، حول القرارات العدة التي طالت إيران وشملت مروحة من العقوبات ضدها على مر العقود الماضية.

وقد أصدر الكونغرس عدداً من تقارير اللجنة التنفيذية التي بحثت في مدى القلق الناشئ عن برامج إيران الصاروخية، أكانت أسلحة الدمار الشامل أو الصواريخ البالستية. كما موّل الكونغرس برامج الدفاع الصاروخي البالستي الهادفة إلى مواجهة الصواريخ البالستية، وخصوصاً تلك الموجودة في إيران، من ضمنها برامج التعاون مع الدول الصديقة والحليفة كإسرائيل. والجدير ذكره، أنّ قدرات إيران الحالية والمُستقبلية تُشكل تهديداً للمصالح الأمنية القومية الأمريكية في عديد من الطرق.

وفي الرد على البرنامج الصاروخي البالستي والفضائي الإيراني، يدرس الكونغرس نشر موقع للدفاع الصاروخي البالستي على الساحل الشرقي بُغية الدفاع ضد الصواريخ البالستية الإيرانية المُحتملة العابرة للقارات. وأورد الكونغروس بنداً في مشروع قانون الترخيص الدفاعي للسنة المالية 2013 يمنح بموجبه 103 مليون دولار من أجل البدء بإعداد خطة بُغية إنشاء هكذا موقع دفاعي صاروخي على الساحل الشرقي في أواخر العام 2015 بهدف الدفاع في وجه أي هجوم إيراني مُحتمل بالصواريخ البالستية العابرة للقارات. من شأن تلك الخطة أن تُقيّم فعالية الصواريخ الاعتراضية للدفاع الصاروخي البالستي بعيد المدى من موقع الساحل الشرقي.

إيران: مصدر قلق سياسي عالمي

في أغلب الأحيان تكون إيران محط نقاش ومصدر قلق الكثير من صناع السياسة والخبراء في أسرة الأمن القومي والدولي. ومعظم النقاش بشأن السياسة الأمريكية اتجاه إيران ركّز على طبيعة النظام الحالي. فيعتقد البعض أن إيران تشكل تهديداً للمصالح الأمريكية لأن المتشددين في النظام الإيراني يتبنون ويتبعون سياسة تحدي النفوذ الأمريكي وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. وفي خطابه السنوي أمام الكونغرس في العام 2002، صنّف الرئيس الأمريكي جورج بوش إيران على أنها جزء من "محور الشر" إلى جانب العراق وكوريا الشمالية.

وفي الآونة الأخيرة، عبّرت إدارة أوباما عن نظرتها اتجاه إيران بوصفها "تهديداً كبيراً للمصالح الأمنية القومية الأمريكية، وهو مفهوم مردّه ليس بسبب البرنامج النووي الإيراني بل أيضاً جراء تقديمها المساعدة العسكرية للمجموعات المُسلحة في العراق وأفغانستان ثم إلى حماس ومجموعات فلسطينية أخرى وأيضاً حزب الله اللبناني". وبنسب متفاوتة، وجهات النظر هذه يتبناها كثيرون في الطيف السياسي الداخلي وغيرهم حول العالم. رغم ذلك، هناك اختلافات معقولة تتعلق بكيفية الرد على إيران.

ويوافق صناع السياسة الأمريكية أن إيران تمثل تهديداً للمصالح الأمنية الإقليمية الأمريكية. وقد جاء في إستراتيجية الأمن القومي للعام 2010 أنه "لعقود، ظلّت الجمهورية الإسلامية في إيران تشكل خطراً على أمن المنطقة والولايات المتحدة وفشلت في إتمام مسؤولياتها الدولية. ولطالما لمست الولايات المتحدة تهديداً يطال المصالح الأمريكية سببه الدعم الإيراني للمجموعات المسلحة في كافة منطقة الشرق الأوسط ودعم النظام الإيراني بوجه المعارضة الشعبية المتنامية وبالأخص جراء برنامج إيران النووي الذي أصبح على رأس أولويات إدارة أوباما". ولذلك، تعرضت إيران لمروحة واسعة من العقوبات الأمريكية والدولية.

وتُعد البرامج الصاروخية البالستية لإيران، إذا ما صاحبها برنامجها النووي، موضع قلق كبير لعدد من البلدان حول العالم. وأثناء نقاش انعكاسات إطلاق القمر الصناعي الإيراني في 2 شباط 2009 والمخاوف المُتنامية من التهديد الصادر عن إيران، قال المُتحدث باسم الكونغرس إن هكذا مخاوف تطال روسيا وإسرائيل والشرق الأوسط وأوروبا وما بعدها، وجاء على لسانه الكلام التالي:

لطالما علمنا أن التهديد الذي تشكله إيران هو تهديد حقيقي وتهديد متنام وأن الإيرانيين مُصممون على تطوير الصواريخ البالستية بعيدة المدى. وأعتقد أن كافة أوروبا تدرك أن الواضح هو كذلك ولهذا السبب هم متفقون بالإجماع على بناء موقع ثالث للدفاع الصاروخي في أوروبا. وقد أدرك الروس هذا الأمر، فصرحوا لوزيرة الخارجية بأنهم ينظرون إلى إيران على أنها تهديد أيضاً. ومن الواضح أن كل من في الشرق الأوسط يدرك هذا الأمر. والإسرائيليون بشكل خاص، إلى جانب دول الخليج، قلقون بشأن نشاطات إيران في هذا المجال. لذا، هذا التطور اليوم مصدر قلق، ليس فقط هنا في الولايات المتحدة بل أيضاً في أوروبا وكافة الشرق الأوسط، وأعتقد أنه أيضاً في العالم الأوسع.

إيران: مصدر القلق العسكري

تُشكل الصواريخ البالستية لإيران تحدياً لقدرات الجيش الأمريكي والنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. ووفقاً لأسرة الاستخبارات الأمريكية(IC) "تمتلك إيران المخزون الأكبر من الصواريخ البالستية في الشرق الأوسط، وهي توسع مجال ومدى وتطوير قواتها الصاروخية البالستية، وكثير من هذه الصواريخ قادر على حمل رؤوس نووية". واستناداً إلى البنتاغون، تُهدد الصواريخ البالستية في البلدان مثل إيران "القوات الأمريكية وحلفاءها وشركاءها في المنطقة حيث تنشر الولايات المتحدة قواتها وتحافظ على العلاقات الأمنية".

ونظراً لحجم وقدرات القوة الصاروخية البالستية لدى إيران، يعتقد البعض أنه في حال وقوع أزمة أو حرب قد تواجه الولايات المتحدة قوة ردع تمنعها من مواجهة إيران عسكرياً أو أن إمكانية وقوع هجمات صاروخية بالستية قد تحرم القوة الأمريكية من خيارات مُعينة. في الواقع، تعتقد أسرة الاستخبارات الأمريكية أن إيران تنظر إلى قوتها الصاروخية على أنها "جزء لا يتجزأ من إستراتيجية الردع، وإن دعت الضرورية الانتقام، ضد القوات الموجودة في المنطقة، ومن ضمنها القوات الأمريكية. وصواريخ إيران البالستية قادرة بالأساس على إيصال أسلحة الدمار الشامل، وإن جُهزت بهذه الأسلحة، هي تناسب هذه الإستراتيجية".

إضافة إلى ذلك، يعتقد بعض المراقبين أنه بسبب افتقار العديد من جيران إيران إلى القدرات الرادعة أو إلى الدفاعات المضادة الفعالة للصواريخ البالستية، فيمكن لإيران أن "تبتز هذه الدول من أجل قبول المطالب، على سبيل المثال رفع أسعار النفط أو قطع إنتاج النفط أو حتى تعليق التعاون مع الولايات المتحدة، وهو محط اعتماد هذه الدول للنجاة". وفي حال وقوع أي حرب، كتب أحد الخبراء، "قد يكون العمل العسكري الأمريكي من أجل إحباط التدخل الإيراني بمصدري النفط الخليجي، وهو قد يكون له الأثر الأبرز على القدرات الإيرانية. ومن الممكن أن يصعب أو حتى يستحيل تنفيذه، خوفاً من أن يؤدي الهجوم وحده إلى ارتفاع هائل لأسعار النفط". لذا، يُنظر إلى إيران على أنها تهديد للمصالح الأمنية القومية الأمريكية في المنطقة، على الرغم من القوة العسكرية التقليدية الأمريكية المتفوقة. وما التوجه الأساسي في بيع الأسلحة الأمريكية إلى دول الخليج الفارسي اليوم من الأنظمة المضادة للصواريخ إلا لمواجهة هذا التهديد بالخصوص.

لطالما شعر الكونغرس بالتوجس جراء انتشار أسلحة الدمار الشامل وأنظمة إيصالها، وخصوصاً الصواريخ البالستية. وعلى مرّ العقود القليلة الماضية، انتقلت إيران من الاعتماد الكامل على الشراء الخارجي لأنظمة الصواريخ البالستية لتُصبح مكتفية ذاتياً تقريباً بطرق هامة. وكثيرون ينظرون إلى إيران اليوم على أنها مُزود مُحتمل إلى الدول أو الأطراف الأخرى. أخيراً، بعض الأعضاء قلقون من مسألة أن إيران المسلحة بصواريخ بالستية نووية، جراء طبيعة النظام نفسه واحتمال حتى انتشار أوسع لاحق، ستؤدي إلى ديناميكية ردع تكون أقل استقراراً وأقل وثوقاً مُقارنة بتلك التي كانت موجودة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة.

أخيراً، تُعد برامج إيران للصواريخ البالستية والإطلاق الفضائي دوافع أساسية وراء برنامج الدفاع الصاروخي الأمريكي. فبالإضافة إلى العدد الهائل من الصواريخ البالستية قصيرة المدى والعدد الأصغر من الصواريخ البالستية متوسطة المدى في إيران، تبقى الولايات المتحدة قلقة بشأن إمكانية البرنامج الصاروخي البالستي العابر للقارات في إيران. ومنذ العام 1999، قدرت أسرة الاستخبارات الأمريكية أن إيران قد تختبر قدرة صاروخ بالستي عابر للقارات لضرب أجزاء من الولايات المتحدة بحلول العام 2015 مع مساعدة أجنبية كافية.

لكن ما يُثير الأهمية، أن مدير وكالة الاستخبارات الدفاعية أدلى بشهادته في العام 2010 قائلاً إنّ وزارة الدفاع الأمريكية "تُقدر أنه بمساعدة أجنبية كافية، يمكن لإيران أن تطور وتختبر صاروخاً بالستياً عابراً للقارات قادراً على الوصول إلى الولايات المتحدة"، لكنه لم يُحدد أي تاريخ مُعين بخصوص إتمام هذا الأمر. وفي الفترة الأخيرة، جاء في التقرير السنوي حول القوة العسكرية لإيران للعام 2012 والصادر عن وزارة الدفاع أنّ "إيران قد تكون قادرة من الناحية التقنية على اختبار إطلاق صاروخ بالستي عابر للقارات بحلول العام 2015". وأضاف التقرير أنه "ما بعد التزايد الثابت في مخزون إيران الصاروخي، عززت إيران من قوة التدمير وفعالية الأنظمة الموجودة لديها عبر تحسين دقة الرؤوس الحربية الجديدة وتطويرها"، مُكرراً ما أتى في التقرير نفسه عام 2010.

إن التهديدات الصاروخية الإيرانية المُحتملة لحلفاء الولايات المتحدة وأصدقائها في أوروبا وحتى للولايات المتحدة نفسها في المستقبل هي قاعدة أساس خطة البنتاغون لنشر مراحل إضافية من الدفاع الصاروخي البالستي الذي يُسمى المقاربة المتأقلمة المرحلية الأوروبية (EPAA) خلال العقد القادم في أوروبا وربما في الخليج الفارسي أيضاً. وخلال قمة حلف شمالي الأطلسي في أيار 2012 في شيكاغو، أعلن التحالف عن قدرة دفاع صاروخي إقليمية مرحلية تستند على مُقومات الدفاع الصاروخي البالستي الأمريكي التي تتحكم بها غرف القيادة والسيطرة في حلف شمالي الأطلسي لمواجهة الهجمات الصاروخية المُحتملة من إيران والأعداء المحتملين الآخرين. هذه المُقاربة، التي تسعى إلى صنع ونشر الدفاع الصاروخي البالستي على نحو متزايد وفقاً لأربعة مراحل لغاية العام 2020، ستكون بمثابة حجر الأساس لقدرة حلف شمالي الأطلسي الجديدة. وقد اكتملت المرحلة الأولى من المقاربة في كانون الأول عام 2011 كما هو مُقرر. ويُتوقع أن تكتمل المرحلة الثانية بحلول العام 2015، على الرغم تصريح وزير الدفاع بنيتا أن مستقبل المقاربة المرحلية سيكون موضع مراجعة نظراً لتطبيق قيود الإنفاق الدفاعي الذاتية وفقاً لقانون التحكم بالميزانية للعام 2012. والمقاربة المرحلية الأمريكية ستُدمج مع أنظمة دفاع صاروخي بالستي أخرى هي قيد التطوير والإنتاج والنشر من قبل الدول الأعضاء في حلف شمالي الأطلسي وبرعاية غرف القيادة والسيطرة.

التقديرات الإستخبارية للولايات المتحدة

في العام 1999، قدرت أسرة الاستخبارات الأمريكية أنه في مرحلة ما من المحتمل أن تواجه الولايات المتحدة تهديدات الصواريخ البالسيتة العابرة للقارات من إيران. ويبقى هذا هو الموقف الأمريكي الرسمي. وأكثر تحديداً، حذر تقدير العام 1999 من أنّ "إيران قد تختبر صاروخاً بالستياً عابراً للقارات في النصف الأخير من العقد القادم باستخدام التقنية والمساعدة الروسية". وصدر تقرير مشابه في العام 2001. لكن هذا الاختبار لم يحدث في هذا الإطار الزمني، لكن في العام 2010، قدرت وكالة الاستخبارات الدفاعية أنه بحلول العام 2015:

من خلال مساعدة أجنبية كافية، يمكن لإيران أن تطور وتختبر صاروخاً بالستياً قادراً على الوصول إلى الولايات المتحدة. وفي أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009، أطلقت إيران سفير، عربة إطلاق فضائية متعددة المراحل، ما أظهر تقدماً في بعض التقنيات ذات العلاقة بالصواريخ البالستية العابرة للقارات. وأظهرت إيران جيلها التالي من العربة الفضائية، سيمورغ، في شباط 2010. وتمتاز سيمورغ بأنها أكبر من سفير من حيث الحجم وتظهر تطوراً من حيث قوة الدفع التي يمكن أن تكون مناسبة لتصميم الصواريخ البالسيتة العابرة للقارات.

وأورد التقرير السنوي للعام 2012 بشأن القوة العسكرية لإيران والمُقدم إلى الكونغرس أنّ "إيران أطلقت عربات إطلاق متعددة المراحل يمكن أن تكون جهاز اختبار لتطوير تقنيات الصواريخ البالستية بعيدة المدى.

هذه التقديرات في الأغلب تُترجم على أن إيران ستمتلك الصواريخ البالستية العابرة للقارات الملائمة للرؤوس النووية القادرة على ضرب الولايات المتحدة بحلول العام 2015، لكن التقديرات الإستخبارية غير المصنفة تستمر في التنبيه إلى تحذيرات مختلفة حول قدرة محتملة سيتم اختبارها في تاريخ ما. وتركز هذه التقديرات فقط على قدرة اختبار صاروخ بالستي عابر للقارات ولا تُطلق الأحكام بشأن قدرة إيران على إيصال رأس حربي نووي بمدى الصواريخ البالستية العابرة للقارات بشكل ناجح.

هذه التقديرات الاستخبارية هي ركن الأساس الأمريكي الرسمي لتقييم تهديد الصواريخ البالستية الإيرانية في وجه الولايات المتحدة وأصدقائها وحلفائها. وهذه التقديرات تقف وراء الجهود العسكرية الأمريكية الرامية إلى الرد على هكذا تهديدات، مثل برنامج الدفاع الصاروخي الأمريكي في العموم ونظام الدفاع الصاروخي الأمريكي في أوروبا خصوصاً، إضافة إلى الجهود الدبلوماسية كالعقوبات الرامية إلى دفع إيران للتخلي عن البرامج الصاروخية البالستية بعيدة المدى أو إبطائها. ولكن، لا تعرض تلك التقديرات تقييماً مُرجحاً لأن تكون مثل تلك المساعدة التقنية متوفرة.

ولا تعني تلك التقديرات وجود اتفاق عام حالياً ضمن أسرة الاستخبارات الأمريكية بشأن قضية الصواريخ البالستية الإيرانية. فوفقاً للتقارير غير المُصنفة نفسها، قال البعض في أسرة الاستخبارات أن اختباراً إيرانياً لصاروخ بالستي عابر للقارات من المحتمل أن يحصل قبل العام 2010 (ولم يحدث هذا الأمر) وعلى الأغلب قبل العام 2015. لكن اعتقد مسؤولون أمريكيون آخرون أنّ هناك "فرصة أقل" لحدوث مثل ذاك الاختبار قبل العام 2015.

علاوة على ذلك، التقديرات الأمريكية مشروطة أيضاً بأن تكون القدرة الإيرانية للحصول على هذا النوع من الصواريخ مستندة على الحصول على التكنولوجيا الأجنبية، على سبيل المثال من كوريا الشمالية أو روسيا. وأخيراً، يعتقد البعض الآخر أن صاروخاً بالستياً إيرانياً عابراً للقارات يمكن أن يُطوّر من خلال البرنامج الفضائي الإيراني بحيث يتم تحويل عربة الإطلاق الفضائية إلى برنامج للصواريخ البالستية العابرة للقارات. وفي التسعينيات، حاجج البعض أن إيران قد تُطور وتختبر مثل عربة الإطلاق تلك بحلول العام 2010. وقد أظهرت إيران بنجاح القدرة على إطلاق العربة الفضائية في العام 2009 عندما أطلقت قمراً صناعياً للاتصالات، لكن في المقابل لم تُقدر أسرة الاستخبارات أن إيران قد أجرت اختباراً للصواريخ البالسيتة أو أنها حصلت على تلك القدرة. أما بخصوص العلاقة بين الصواريخ البالستية العابرة للقارات وقدرة الإطلاق الفضائي، فقد أجمعت لجنة من الخبراء في مجلس الأمن أنه في العام 2012 كان بين برنامجي الصواريخ البالستية والإطلاق الفضائي حيزاً كبيراً من استخدام المواد والتكنولوجيا المُشابهة، من ضمنها أنظمة الدفع والتحكم والملاحة. كما أشارت اللجنة إلى أنه على الرغم من وجود بعض الأمثلة على أن برامج الصواريخ البالستية طُورت من خلال برامج الإطلاق الفضائي، في العموم هناك أمثلة أكثر تُشير إلى العكس، أي أنّ برامج الإطلاق الفضائي طُورت على قاعدة البرامج الصاروخية البالستية.

معوقات البرامج الإيرانية

لقد أصبحت إيران مُكتفية ذاتياً من ناحية كثيرٍ من المُقومات لبرنامجي الصواريخ البالسيتة والإطلاق الفضائي. لكن كما أُشير آنفاً، قالت أسرة الاستخبارات في عديد من المناسبات إنه لا تزال إيران تعتمد بالتأكيد على المُزودين الأجانب في بعض المكونات الصاروخية الأساسية. من جهتها، لم تقم الولايات المتحدة بتحديد تلك المُكونات. ولكن، وفقاً لتقرير لم تصدره لجنة الخبراء في الأمم المتحدة، يُشير عدد المعدات المُعينة التي تستمر إيران في اقتنائها من مصادر أجنبية إلى افتقار القدرة الوطنية. فلا تزال إيران تسعى للحصول على أجهزة توجيه الملاحة، من ضمنها معدات تحديد الاتجاه وأنظمة قياس السرعة ومعدات ملاحة الأقمار الصناعية وأنظمة التحكم ومعدات قياس التعقب عن بعد وأجهزة الإرسال والاستقبال وأجهزة الاستشعار وأنظمة تحويل الطاقة. وإضافة إلى المُكونات الصاروخية تلك، تفتقر إيران إلى الحصول على بعض مواد إنتاج عالية النوعية بُغية تحسين فاعلية صواريخها ودقتها.

ربما تكون المساهمة الأبرز للحصول على المعدات تلك القادمة من الصين، وأغلبها في مجال توفير منشآت إنتاج الدفع الصلب ومعداته ومن المحتمل التدريب أيضاً. فما قدمته الصين إلى جانب المعرفة المتراكمة التي اكتسبتها إيران في تشغيل تلك المنشآت هو ما سمح لإيران على الأغلب بتحديد ماهية حجم ومدى الصواريخ العاملة على الوقود الصلب التي تبتغيها، رغم أن هذا الأمر سيستغرق مزيداً من الوقت والمال.

يُنظر اليوم بشكل متزايد إلى إيران على أنها مُصنِّع صاعد. وربما لسخرية نظام الحد من انتشار الأسلحة أن أصبحت إيران مُكتفية ذاتياً إلى حد كبير. على الأغلب أن الأمر استغرق أكثر مما كانت تبتغي إيران، لكن مع القدرة الوطنية المعقولة قد تصل إيران إلى مرحلة تصدير بعض أنظمتها الصاروخية البالستية أو مكوناتها أو خبرتها إلى أطراف أخرى. فمن المعلوم أن سوريا تواصل العمل على تطوير وإنتاج المحركات الصاروخية العاملة على الوقود الصلب بمساعدة بلدان خارجية مثل إيران. لكن الحرب الأهلية في سوريا تُثير الشكوك حول ما إذا سيكون لها أثر على تلك الغاية.

تحديات الوقت الحاضر

أظهرت إيران رغبتها على مر العقود في تصنيع الصواريخ البالستية واختبارها وامتلاكها ونشرها كجزء أساسي من القدرة القتالية والردعية والانتقامية لحربها الإقليمية. وكخصم مصمم كإيران، لم تظهر أنه يمكن ردعها أو ثنيها من قبل التفوق العسكري التقليدي الأمريكي أو عبر العقوبات الأمريكية والدولية أو من خلال نشر قدرات الدفاع الصاروخي الأمريكي.

وعلى نحو مماثل، أظهرت إيران إصرارها وتمسكها ببرامج حقيقية للإطلاق الفضائي باعتبارها مسألة تتعلق بالاعتزاز القومي والاكتفاء الذاتي في مواجهة الإدانة الدولية واسعة الانتشار. ولكن، كغيرها من الدول المرتحلة إلى الفضاء، سوف تستخدم إيران الفضاء أيضاً من أجل مروحة من الأهداف العسكرية، كالاستطلاع والاتصالات.

فهل إبطاء برنامجي إيران المتعلقين بالصواريخ البالستية والإطلاق الفضائي، من خلال جعل البرنامجين أكثر صعوبة من ناحية الإنجاز والكلفة وإجبار إيران على إيجاد بدائل أقل قدرةً وغير جديرة بالثقة، هو الحل الملائم للتعامل مع إيران؟ في هذه النقطة هناك اختلاف كبير في الرأي وعدم إجماع حول كيفية التعاطي مع هذا الأمر. في الوقت نفسه، هل يصح الاعتقاد بأن إزالة الرغبة الإيرانية في الحصول على صواريخ بالستية أو مسعاها لامتلاك قدرة الإطلاق الفضائي لهو أمر ممكن؟ يُشير البعض إلى أن بلداناً أخرى تخلت عن برامجها الصاروخية بالكامل أو تخلت عن الصواريخ البالستية فيما استمرت في تطوير برامج فعالة للإطلاق الفضائي. لكن هل من الممكن أن تغير إيران مسار سلوكها فجأة جراء تغيير في النظام؟ يُشكك كثيرون في هذا الأمر.

إذاً، لا يبقى على ما يبدو أمام الولايات المتحدة وحلفائها، وإن وافق كثيرون على مضض، سوى بعض الخيارات التي تُعد أفضل من المسار الحالي. ومن جهة أخرى، ربما هناك مؤشرات تدل على أن مواقف الكونغرس بخصوص الاعتماد على سياسة الردع المتبعة إبان الحرب الباردة هي موضع تبدّل نظراً للظروف المتعلقة بانتشار أنظمة إطلاق الصواريخ البالستية والنووية على حد سواء. أما في الوقت الحالي، من المحتمل أن يستمر الكونغرس بالتركيز على دور إيران في المنطقة وبرامجها الصاروخية. وإضافة إلى الجهود الرامية لفرض عقوبات صارمة جديدة، من غير الواضح ما إذا كان باستطاعة الكونغرس لوحده القيام بخطوات تؤثر على تمسك إيران ببرامجها الصاروخية البالستية والفضائية. لكن الاستمرار في العمل مع الإدارة الأمريكية من خلال التعاون والمراقبة بُغية الحفاظ على الجهوزية للقيام بخطوات إضافية عند الحاجة هو عملية يبدو أن معظم صانعي القرار مستعدون للالتزام بها.

اعلى الصفحة