أيام الانتصار

السنة الثانية عشر ـ العدد135 ـ ( ربيع ثاني ـ جمادى أولى 1434  هـ ) آذار ـ 2013 م)

بقلم: الشيخ حسن المصري(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

بالأمس كان يتربع على عرش إيران، وأردانه تفيض زهواً وكبرياء، بالأمس كان يختال بين جنرالاته كطاووس حقل نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه. بالأمس القريب كان الشاه المقبور ملء السمع والبصر وأدسم مادة في صالونات الدول العظمى...

بالأمس كانت ترتجف عظام يعرب في الجزيرة العربية منه، وكانوا حوله كغنم تضع أحداها رأسها تحت ذيل الأخرى... وفجأة تبدل الموقف وتغير المشهد، اكفهرت سماء طهران وتلبدت سماء إيران بغيوم سوداء تبشر بأيام بيضاء.

وإذا بهذا السيد العجوز المنفي إلى أصقاع الأرض يحل في فرنسا بعد أن رفضه العرب خوفاً من الشاه الشيعي ليخرجوا أمام التشيع في القرن العشرين من النجف الأشرف إلى "نوفل ليه شاتو" في ضواحي باريس..

لقد أذعن القادة العرب لأمر الشاه وقدموا شهادة حسن سلوك أنهم أخرجوا "الإمام الخميني" فخذ يا بهلوي حتى ترضى!!.. وإذا بالإمام المنفي يرفع سبابتيه إلى السماء ويقول: "إلهي خذ حتى ترضى"!!.. وتبدل المشهد في إيران، بدأت الثورة وظنها هؤلاء الأعراب فورة! ثم صرخوا حقاً إنها ثورة... وباختصار شديد... انتصرت!..

وعاد الإمام المهجّر إلى وطنه المحبوب إيران.. احفظوا هذا المشهد.. فسنعود إليه في مجريات الكلام.. لقد قامت القيامة في طهران رحل الشاه رحلة قصيرة ثم طويلة، انقرضت الطواغيت من إيران.

ثم بدأت الثورة بتثبيت الأقدام مقدمة للإقدام نحو الأمام.. والمرشد الأعلى يوجه، يصحح، ينطلق إلى العزة والكرامة.. حاول الأعراب في بادئ الأمر أن يعرقلوا مسيرة الثورة، فدفعوا المال لفتاهم المغرور صدام حسين مختبئين خلفه بالعداء لإيران ومن ورائهم أمريكا وغربها الملعون.

لم تستطع كل قوى الاستكبار أن توقف زخم الثورة الجارف لكل المصالح الغربية والاستعمارية الشريرة.

ثم انتصرت إيران ورحل الشاه العربي المقبور صدام حسين، وخسر الأعراب أموالهم وآمالهم في زواريب التبعية وتحت ذيل الاستعمار.. ومرت أحداث وأحداث يعلمها الإمام القائد الخميني جيداً..

إلا أننا وبأيام انتصاراته الميمونة وبينها وبين أيام ذكرى رحيله وجب علينا أن نقدم له تقريراً مفصلاً عما يحدث في غيابه في الأماكن التي أحبها وأحبته وكان يعمل ويحمل هماً من أجل انتصاراتها الكبرى:

أيها القائد الكبير.. الذي استعار من جده الرسول رباطة جأش، ومن أبيه علي صلابة وبأس وراح يواجه بهما فلول الكفر والإلحاد والاستعباد. يا من بذر رجاله على مساحة إيران، وزرعهم في أثلام الأرض ووزعهم بالقسط على القرى والدساكر، وفي المساجد ونداء المؤذن وفي الأسواق والأحياء، وفي لغة الأطفال وهدهدات الأمهات وعرق جبين الآباء، فأينعت ثمارهم، ومشوا معك - سيدي- يحملون حرابهم، ويودعون ذوائب سيوفهم في مكمن الطعنة أو يبذرون الجهاد في الحقول، فإذا جاء الحصاد أطلقت الأمهات زغاريد التبريك والشهادة..

سيدي الإمام الخميني.. في ذكرى قيام دولتك العظمى دولة الإسلام، نستذكر أيامك العظام التي سطرتها بدماء أبنائك ملاحم بطولة، وعناوين انتصارات، وللآلئ عز في جبين الأمة.

نستذكر كيف حشد بوجهك البهلوي المقبور كل أساليب الكفر المدعومة بآلة أميركية حاقدة، جاءت لتكرس استعمارها الخفي لبلاد المسلمين، نراك سيدي- أبا مصطفى- وأنت تهز بعصاك بحر جموعهم فتفلقه وتغرق الكافرين... نراك وأنت المنفي البعيد القريب، يدور كل شيء حولك بما يحمل من أتراحه وأفراحه من ألمه وأمله، فالبعض غادر روحه على عجلة من أمره، وغادرته روحه إلى مستقرها، والبعض ينتظر أن يغلق الانتظار نافذة الضوء على قلبه.. وكنت تصنع لهم الانتصار تلو الانتصار!.

إنها طهران مدينتك المفضلة.. إنها إيران أرضك المقدسة، فطهران أحرف مضيئة في تاريخ الإسلام، إنها حصان الكلمة وحصانة الموقف، إنها  مدينة الإمام الخميني والإمام الخامنائي! إنها خزان وقود المجاهدين، إنها الأمل المزروع في نفوس أشبالنا والثبات المغروس في عظمة أبطالنا. فطهران والمجد صنوان، يتعانقان ولا يفترقان حتى يردا حوض الكرامة، إنها آذان من الله ورسوله وخشوع في محراب الصلاة، وصلة الوصل بين الأرض والسماء.

سيدي القائد الخميني.. عن أي شيء أخبرك؟!.. عن إيران الإسلام؟!.. فإيران كما عهدتها الحرف المنحوت من مقلع الإيمان والأمل المتبقي من عمر الزمان، هي صوتك ولغتك العصية على النسيان، هي شهقة الشهداء ومزاريب الدم القاني في محراب الجهاد.

أما قادتها فقد باعوا جماجمهم لله وأعاروه أجسادهم دروعاً وأنفسهم ذوّبوها في حب الله حتى الشهادة. يصنعون العزة للأمة والذلة لأعدائها، لقد أصبحت إيران دولة كما تشتهيها ترجف نهج الذلة وخط الشر الممتد من يزيد مروراً بأمريكا وإسرائيل وما بينهما من عبيد الكراسي الذين التحقوا بذيل الاستعمار من الأعراب الذين هم أشد كفراً ونفاقاً!!.. إيران التي تنتقل من ابتكار إلى ابتكار ومن صناعة كبرى إلى صناعة أكبر!.. تمد يد العون إلى فلسطين وتساعد المجاهدين في لبنان وتدافع عن محور المقاومة الموصول بين إيران وفلسطين مروراً بسوريا والعراق ولبنان... محروسة بعين الخامنائي العظيم وقيادته الحكيمة وبقادة لم يعرفوا الرعب ولا الخوف ولا الانهزام.

عن أي شيء أخبرك يا سيدي؟.. عن لبنان الذي أحببت وعملت من أجل تحريره؟!.. كل شيء قد تبدل فيه، وجه المدينة، وجه القصيدة، وجه القرى، وجه الشجر، وجه المياه التي تركض مداً وجزراً، وجه الشموس، وجه الصباح المساء، وجه الطفولة والبراءة، إلا الحقيقة!.. فللحقيقة وجه الحضور وإن غابت ملامحها قليلاً، ووجه آخر لن يغيب ولن يذوي، إنه وجه المقاومة وأوجه الشهداء الذين يسجلون أسماءهم على صخر ويحفرون تاريخهم على صفحات القلب..

نحن في لبنان يا سيدي... كنا نمشي على رؤوس أصابعنا وجلاً وخوفاً حتى لا نصاب بصيبة العين فوق مصائبنا، كنا نمشي خوفاً من إسرائيل وأسمها وكسمها وشكلها ومن حكومات بلادنا، فكنا لا نرى فيها سوى وجه البيك وشرهه الذي لا ينتهي! كنا نحمل إليه لحم أكتافنا كلما سَمِنَّا من الورم إلى أن شاهدناه فاكتشفنا أنه رجل وربما ليس كذلك!!.. كنا نعصر ماء المشروع في طاسة الرعبة.. كنا نخاف وعد بلفور بل كل وعد كاذب لا يأتينا إلا بالحمى والبردية!.

فكنا نسافر ونضرب في طول وعرض الكرة الأرضية، نموت ونحيا من الملاريا وعقدة الآخرين، وعندما نعود إلى الدوامة نفسها نسلك طريق الحفر التي تؤدي إلى قرانا ونشعل "اللوكس" وقناديل الزيت ونسهر حتى الصباح.

كان القمر يقع في برك ماء القرى يقع وينطفئ، نركض جميعاً نشك خلفه وننتشله، ونقعد على حافة الأسئلة، ونحلم بالماء... كنا نذهب إلى العاصي والليطاني ولا يأتيان إلينا، كان الماء يمر مرور الطريق ولا يلتفت إلينا، كنا نذهب إلى الحقول نزرع التبغ على بعل ونقطف ونشك وننشر غلتنا أمام حلوقنا نشم الشبع ولا نتذوقه.

إلى أن جاءنا رجل من أقصى المدينة يسعى فلمسنا وطهرنا وأخرج الشياطين منا وشفانا، حدثنا هذا الرجل عن الإنسان وعن لبنان وعن إيران وعن العرب والمسلمين، حدثنا عن الوطن والمواطن والمواطنية، حدثنا عن العدو الإسرائيلي.. "كونوا فدائيين إذا التقيتم العدو قاتلوه بأسنانكم وأظفاركم وسلاحكم مهما كان وضيعاً"...

حدثنا عن الطائفية السياسية: "تعدد الطوائف في لبنان نعمة والنظام الطائفي نقمة"..

حدثنا عن سوريا: "المسألة ليست مسألة حسن جوار أو مجرد مصالح، المسألة عمق اقتصادي وأمني وسياسي، المسألة تاريخ لا يزّور وجغرافيا لا تُحرّف ولغة لا تنكر!!"..

حدثنا عن إيران: أخوة الدين والمعتقد والإيمان ومنبع الإسلام الأصيل وحصانة المسلمين والدرع الواقي من شرور الأعداء، وحمَّلَنا أمانة المقاومة عبئاً وجدناه بادئ الأمر ثقيلاً!.. إلا أنه مع مرور الزمن وجدناه أخف من ريش النعام وأحلى من العسل والسكر، وجدناه حملاً لا ننوء بثقله وإنما نتذوق حلاوة النصر منه وإذا بالمقاومة يا سيدي- تصفع الصهاينة وتدمر أحلامهم وتقف حائلاً دون تحقيق أطماعهم.

وعندما تعلمنا من علي (ع) أن حياتكم في موتكم قاهرين وموتكم في حياتكم مقهورين علمنا سبب الانتصارات المتتالية على مسرح الجنوب في لبنان! ثم حدثنا عن القدس التي جعلت لها عيداً والتي كنت تتحرق شوقاً للصلاة فيها، كانت ولا تزال ألعوبة بيد الصهاينة وتجار العرب يتفرجون عليها وهي ترفرف من الذبح والاغتصاب والنحر والتعذيب. ليس لها من أمل إلا أبناءك المجاهدين في لبنان وفلسطين الذين يزرعون الرعب في قلوب الصهاينة والذين ينشرون الخوف في كل اتجاه توجد فيه إسرائيل ومن يقف معها. إنها العرض الذي يهتك بأيدي القادة العرب والشرف الذي يدنس بموافقة هؤلاء الصغار ممن يجلسون على كراسي الذلة والهوان...

عن أي شيء أخبرك يا سيدي؟!!: فتعاليمك المقدسة نحفظها عن ظهر قلب، وسلوكك المستقيم نبراس لكل مؤمن شريف ومتراس لكل مقاوم صادق... فأنت الضوء ووجهك النور... وها هي خيول كلماتي تكر إلى ملعب لغتك... وها هو دفتري يشعل حبر الكلمات.. وها هو بحري يزفر الأحرف الناضجة على شاطئ معرفتك...

لذلك نلون وجه اشتياقك بالفضة المشتهاة، فأنت احتمال وحيد لنا، لأنك فسحة الأمل المتبقي في هذا الزمان. ولأنك تركت فينا قادة كبار يرعاهم الخامنائي بعينه التي لا تنام على ضيم ولا تغفو على عار..

وها هي إيران ولبنان وفلسطين وسوريا لغة تحكي لغتك العصية على العدوان يواجهون كل أصحاب المشاريع المشبوهة وأصحاب أفكار الهزيمة الممقوتة، إنهم يواجهون التآمر على الأمة بالدم الأحمر ليرسموا النصر شارة على الأصابع ويفرشون الكدان والصوان في المقالع ليكتبوا في سورة العصر عصر الخميني القائد ويمحون عصر الصهيونية عن هذه الدنيا.. يحملون هم المسلمين من أفغانستان إلى البحرين إلى كل دسكرة من دساكر الأمة في هذا الكون..

ولكننا لن نُهزَم ولن نتراجع ما دام الحق رائدنا وما دام الخميني قائدنا... على خطاك نسير ومع مرشد ثورتنا في إيران نحمل النصر من بلد إلى بلد لتعلو راية الإسلام المحمدي...

نائب رئيس المجلس السياسي لحركة أمل(*) 

اعلى الصفحة