انتصار غزة و"الدولة غير عضو"...
الخيارات والاتجاهات

السنة الثانية عشر ـ العدد 134  ـ ( صفر ـ ربيع الأول  1434  هـ ) كانون الثاني 2013 م)

بقلم: هيثم محمد أبو الغزلان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

ما بعد انتصار غزة، غير ما قبل الانتصار.. ولكن ما هو مطروح من قضايا "واشتباكات" دائمة لفرض الإرادة الإسرائيلية من جهة، وجعل المقاومة تخسر بالسياسة ما كسبته بالحرب يبقى أحد التحديات الكبيرة والخطيرة والتي تفتح الأسئلة على أجوبة خطيرة ومجالات لا يمكن التنبؤ بمآلات نهاياتها!!!.

فقد حققت المقاومة في غزة انتصاراً على إسرائيل في جولة الحرب المسماة إسرائيلياً بـ"عامود سحاب"، وتسميتها من قبل كتائب القسام بـ "حجارة سجيل"، وتسميتها من قبل سرايا القدس بـ "سماء زرقاء"؛ وأفشلت المقاومة أهداف العدوان التي حددها إيهود باراك، بـ: (1) تعزيز قوة الردع؛ (2) وتدمير الصواريخ الفلسطينية؛ (3) وتسديد ضربات قوية للمقاومة، و(4) تقليص المساس بالجبهة الداخلية الإسرائيلية.

مضى العدوان واستطاعت المقاومة وعلى رأسها حركتي الجهاد الإسلامي وحماس تحقيق انتصار سياسي وعسكري وإعلامي واضح المعالم ويؤسس لمرحلة قادمة رافعتها الأساس استمرار المقاومة وسط المخاطر والألغام السياسية والمغريات... وظهر جلياً دور دول الممانعة (الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسوريا)، وحزب الله في هذا الانتصار. ووصف الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي د. رمضان عبد الله شلح إيران وسوريا وحزب الله بأنهم شركاء في انتصار غزة.

وساهمت مجموعةٌ من العوامل في إفشال العدوان الإسرائيليّ على قطاع غزّة. وكان في مقدّمتها صمود المقاومة الفلسطينيّة في القطاع، واستمرارها في قصف الجبهة الداخليّة الإسرائيليّة بكثافة وفاعليّة مؤثِّرة، والتفاف الشعب الفلسطينيّ حولها. يضاف إلى ذلك موقف مصر الذي حظي بمساندة الرأي العام العربيّ وجامعة الدُّول العربيّة. وبفضل ذلك، تمكّنت المقاومة في غزّة من فرض مطالبها الأساسيّة في اتّفاق التهدئة الذي جرى التوصّل إليه في القاهرة، إذ شمل وقف الاغتيالات الإسرائيليّة وفكّ الحصار؛ ما يفتح الباب أمام إعادة بناء قطاع غزّة والعمل بجديَّة من أجل إنهاء الانقسام. (العدوان الإسرائيلي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، (22/11/2012)).

وتناول الدكتور محسن صالح في مقال له بعنوان: (صواريخ المقاومة.. مارد قادم أم ألعاب نارية؟) تركيز "إسرائيل" على نشر منظومات الحماية الصاروخية، لتكون مع حلول سنة 2015 قد استكملت أكبر منظومة حماية صاروخية من نوعها في العالم؛ بحيث تُغطّي كافة الأجواء الإسرائيلية من أي هجوم بالصواريخ والقاذفات، وسيتم صرف ما بين مليارين و2.3 مليار دولار لتمويلها.

وقد قامت "إسرائيل" بوضع أول وحدة من منظومة القبة الحديدية قرب الحدود مع غزة في 27/3/2011، وحتى بداية عدوانها على غزة في 14/11/2012، كان لديها أربع وحدات تحت الخدمة، غير أنها سارعت إلى وضع وحدتها الخامسة في 17/11/2012. وتحتاج "إسرائيل" لنحو 15 وحدة من منظومة القبة الحديدية لاستكمال تجهيزاتها الدفاعية تجاه قطاع غزة وتجاه حدودها الشمالية مع لبنان.

ويظهر أن أداء القبة الحديدية خلال سنة 2011 لم يكن مشجعاً، بالرغم من أن أيهود باراك قال إن "من شأنها أن تغيّر وجه الحروب القادمة"، وإنها إنجاز تكنولوجي إسرائيلي "منقطع النظير". غير أن المصادر الإسرائيلية اعترفت بصعوبة التعامل مع قذائف الهاون والصواريخ الفلسطينية المحلية الصنع؛ فحسب تقرير نشرته وزارة الخارجية الإسرائيلية، فإن المقاومة الفلسطينية أطلقت 65 صاروخاً و67 قذيفة هاون في الفترة 7-10/4/2011، حيث نجحت منظومة القبة الحديدية في اعتراض 8 منها فقط.

أما في العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة 14-21/11/2012 فقد اعترف الجيش الإسرائيلي بإطلاق المقاومة لـ1506 صواريخ، وادعى أن منظومة القبة الحديدية اعترضت 421 صاروخاً.

لا تقف مشاكل القبة الحديدية عند نقص كفاءتها، وإنما في تكلفتها العالية مقارنة بصواريخ المقاومة؛ فبينما تكلف المنظومة الواحدة نحو ستين مليون دولار، وتكلف عملية الاعتراض الواحدة على الصاروخ نحو أربعين ألف دولار، فإن صاروخ المقاومة لا يكلف سوى بضع مئات من الدولارات، ولا تزيد في حالة صواريخ غراد عن بضعة آلاف من الدولارات.(الجزيرة نت، (23/11/2012).

ويرى الباحث في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، سعيد عكاشة أن "الحرب شكلت اختبارًا عمليًّا لمنظومات دفاعية إسرائيلية كانت في حاجة لاختبارات فعلية وليست افتراضية مثل منظومة القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى، والتي تمكنت -حسب البيانات الإسرائيلية- من اعتراض نحو ٤٠% من الصواريخ التي أطلقتها المقاومة على المدن الإسرائيلية، وتأمل إسرائيل في استغلال هذه المواجهات والكثافة التي تطلق بها الصواريخ لإدخال تعديلات على منظوماتها الدفاعية، وتحسين قدرتها على التصدي لأكبر عدد من الصواريخ يمكن إطلاقه في وقت واحد، وهو ما سينعكس أيضًا على قدرة إسرائيل على إجراء حسابات أكثر دقة لأخطار مماثلة قد تأتي من جانب حزب الله في لبنان، أو سوريا(مجلة السياسة الدولية).

غزة وميزان الربح والخسارة

وعدّد تقرير صادر عن (المركز العربي للدراسات المستقبلية)، بعنوان "غزة وميزان الربح والخسارة" (22-11-2012)، إنجازات الفلسطينيين:

- إطلاق صواريخ نحو غوش دان ومنطقة القدس: فقد أثبتت المقاومة (الجهاد وحماس) لأول مرة أن لديها قدرة على تهديد "دولة تل أبيب". حتى وإن كانت اعتُرضت صواريخ بمنظومة "القبة الحديدية"...

- حتى بعد ضرب قائدها العسكري الأعلى أحمد الجعبري، أثبتت حماس ـ والجهاد ـ أنها تعرف كيف تؤدي دورها حتى اليوم القتالي الأخير، فتوزع الأوامر وتطلق النار بشكل مركز على أهداف اختارتها مسبقاً، وذلك رغم الضغط الذي مارسه سلاح الجو. وهي بالتأكيد لا تصل إلى المفاوضات "على الركبتين"..

- امتناع إسرائيل عن الدخول إلى عملية برية: بإمكان حماس والجهاد أن تدعيان بأن إسرائيل خافت من عملية برية، وأن حقيقة أنها جندت عشرات آلاف جنود الاحتياط لم تكن أكثر من استعراض عضلات. إضافةً إلى ذلك، فحقيقة أن الجيش الإسرائيلي القوي جند عشرات آلاف جنود الاحتياط ولم يدخل جندي واحد إلى القطاع، قد تعتبر ضعفاً ولاسيما من جانب حزب الله الذي سيفكر بأن إسرائيل ستخشى في المستقبل من دخول بري إلى لبنان. بشكل غير مباشر، فإن التجنيد الواسع بلا غاية حقيقية يخلق تخوفاً من فقدان رجال الاحتياط الثقة بالجيش الإسرائيلي في الاستدعاء المقبل.

-  وقف التصفيات: من ناحية إسرائيل ليس في ذلك تنازل كبير، إذ من اللحظة التي نشأت فيها آلية وقف النار – فلا حاجة على أي حال إلى التصفيات. أما عملياً، فإن تعهد إسرائيل بالامتناع عن التصفيات يخدم إسرائيل بقدر لا يقل لأنه يخلق رداً في نظر حماس والجهاد.

- تسهيلات في الإغلاق على القطاع: من ناحية إسرائيل هذه مخاطرة محسوبة لا تضرّ بالضرورة بأمنها وتوفر لها ربحاً في الأسرة الدولية.

- الاحتلال يخشى استئناف إدخال "فجر 5" إلى غزة: بدا أن القضية الأساس التي شغلت المسؤولين الإسرائيليين خلال حربهم على غزة هي صواريخ "فجر 5"، التي أكدت طهران أنها نقلت تقنياتها إلى المقاومين في غزة. وتوقعت إسرائيل أن تحاول إيران استئناف إدخال صواريخ إلى قطاع غزة، وخاصة صواريخ "فجر 5" المتوسطة المدى، فيما أكد القائد العام لحرس الثورة الإسلامية في إيران اللواء محمد علي جعفري، أن طهران لم ترسل أية أسلحة إلى غزة بشكل مباشر، وإنما نقلت إليها تقنية تصنيع صاروخ "فجر 5"."لم نرسل هذه الصواريخ بشكل مباشر إلى غزة، لكننا نقلنا تقنيتها من إيران إلى المقاومة، وكميات كبيرة من هذه الصواريخ تنتج حالياً"، مشيراً إلى أن حصار غزة لا يسمح بإدخال صواريخ الآن.

تبِع هذا الانتصار ـ لتحديد المفهوم نتحدث عن انتصار في هذه الجولة، وليس عن انتصار ساحق ماحق ـ، وأكدت على هذا وسائل الإعلام الإسرائيلية بقولها إن "إسرائيل خضعت لشروط حماس والجهاد، وستوقف سياسة الاغتيالات وسترفع الحصار عن غزة، مقابل وقف "حماس" لإطلاق النار".

زعيم المعارضة ورئيس حزب "كديما" شاؤول موفاز قال إن "فصائل غزة انتصرت في هذه الجولة وإسرائيل هي الخاسر الأكبر". وأعلن كلاً من عضو الكنيست عن اليمين ميخائيل بن أري وأرييه الداد أنّ "وقف إطلاق النار بمثابة رفع الراية البيضاء أمام حماس". وأضافا أنّه "بدلاً من السماح للجيش الإسرائيلي بالعمل على تدمير حماس والجهاد، خرجت حكومة نتنياهو من هذه الحملة وهي تجرّ ذيول الخزيّ والعار، ودون تحقيق أي هدف من أهداف العملية العسكرية التي خرجت إليها"، مطالبين نتنياهو بضرورة الاستقالة. وقد تبِع ذلك حصول فلسطين على مكسب دبلوماسيّ تمثل بمنح الجمعية العامة للأمم المتحدة صفة "دولة غير عضو" في المنظمة الدولية، بتصويت 138 دولة من أعضائها (193 عضواً) لصالح منح فلسطين صفة "دولة غير عضو" في المنظمة الدولية، مقابل معارضة 9، وامتناع 41، على الرغم من الضغوط الأمريكية - الإسرائيلية، المدعومة من دول أوروبية، لإفشال المسعى. بخلاف تجربة الرئيس محمود عباس المُخفقة في أيلول/ سبتمبر المنصرم. لم يمض هذا المكسب الدبلوماسي للسلطة دون أن تُعلن الحكومة الإسرائيلية عن مخطط "الحزام الاستيطاني" في "القدس الكبرى" والمسمى "E1".

فقد أعلن نتنياهو، عن قرار ببناء 3500 وحدة استيطانية في الضفة الغربية وشرقي القدس، ويهدف هذا المشروع إلى فصل القدس الشرقية عن ضواحيها وإقامة حزام داخلي على الأراضي الممتدة بين مستوطنة "معاليه أدوميم" وأراضي بلدة أبو ديس وقرية حزمة شرقي المدينة المقدّسة.

كما يهدف لضرب إمكانية قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية عبر عزل المدينة بالكامل عن أراضي الضفة الغربية المحتلة، لتصل مساحة "القدس الكبرى" إلى 600 كيلومتر مربع وتشكّل نسبة 10 في المائة من أراضي الضفة. واعتبر هذا الأمر بمثابة صفعةً كبيرة للأوربيين والولايات المتحدة؛ لأنها تنسف فكرة "حلّ الدولتين" التي يتعهدها الغرب والأمريكيون، وتمنع أيّ تواصل إقليمي لدولة فلسطينية مستقبلية.

وفي الوقت الذي يُعلن فيه رئيس المعارضة والنائب في الكنيست الإسرائيلي شاؤول موفاز للإذاعة الإسرائيلية أن "الانتفاضة الفلسطينية الثالثة باتت وشيكة"، داعياً الجنود الإسرائيليين لإظهار ما أسماه "قوة الردع التي يمتلكونها على أرض الواقع"، محذراً من "مشهد جنود الجيش وهم ينسحبون أمام مُلقي الحجارة الفلسطينيين كما حدث مؤخراً من أنه يمُسُّ بقوة الردع وبالجنود المقاتلين". يُعلن  مسؤول ملف المفاوضات في السلطة الفلسطينية عبر الإذاعة الفلسطينية الرسمية، صائب عريقات عن تحرك عربي فلسطيني جديد سيبدأ في كانون ثاني (يناير) 2013، لإطلاق مبادرة لدفع عملية التسوية بالتشاور مع الأطراف الدولية الفاعلة.

وتنص المبادرة "العربية الفلسطينية"، بحسب عريقات على استئناف عملية التفاوض بين "إسرائيل" والفلسطينيين من حيث توقفت على أن تستمر مدة أقصاها ستة أشهر وتفضي إلى إطلاق سراح المعتقلين ووقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال.

وتسعى إسرائيل بعد تأكّدها من استعصاء غزة عليها، خصوصاً  من الناحيتين الأمنية والسياسية، بحصر الاهتمام "في كيفية الوصول إلى تفاهمات تعطى من خلالها غزة الحرية، وتحظى إسرائيل بأمن مستوطنيها. وربما يتقاطع هذا مع مصلحةٍ ورؤية إسرائيلية تبلورت مؤخراً، تدعو للانفصال عن غزه كلياً؛ بما في ذلك رفع الحصار عنها باستثناء البحري منه، ودفعها باتجاه مصر، في محاولةٍ لشطب القضية الوطنية للشعب الفلسطيني؛ عبر تجزئتها وتقسيمها، وهو ما لاقى حتى الآن رفضاً مصرياً وفلسطينيا".(نشرة "تقدير موقف"، الصادرة عن مركز أطلس في غزة).

أما "وجود "السلطة الفلسطينية" ورغم كلّ هذا الضجيج الهائل من نتنياهو وقادة معسكر اليمين الذي تمليه الاعتبارات الأيديولوجية؛ إلا أنهم ومن الناحية الواقعية والعملية غير قادرين على الاستغناء عنها، فهي تحفظ لهم الاستقرار الأمني؛ خاصة حركة المستوطنين على الطرق الالتفافية، فضلاً عن أنها تُعفي الاحتلال من تحمّل مسؤولياته المدنية تجاه المواطنين الفلسطينيين".(نشرة "تقدير موقف").

وثمة "أهمية بالغة لكلام وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في معهد صبان مؤخراً. فقد أعلنت أن "وقف إطلاق النار هش" في قطاع غزة وأن على إسرائيل "مساندة السلطة الفلسطينية" في رام الله. وأضافت في تحذير واضح أنه "من دون عملية سلمية، سوف تضطر إسرائيل للاختيار بين هويتها الديمقراطية وطبيعتها اليهودية". (السفير، 3-12-2012).

وإذا كان الإعلان عن بدء التحضير لإطلاق مبادرة للتسوية جديدة فإن إسرائيل لعلها تريد أن تُبقي السلطة في دائرة الانتظار. فقد كتب هاني المصري في (السفير 11-12-2012) ".. ليس من المستبعد أن نشهد محاولات حثيثة تستهدف إبقاء القيادة الفلسطينيّة في دائرة الانتظار لنجاح المحاولات الرامية إلى استئناف المفاوضات بعد الانتخابات الإسرائيليّة، على أساس ترويج خدعة جديدة عن أن إدارة أوباما في فترة رئاسته الثانية ستمارس الضغط على حكومة نتنياهو القادمة، وتُصفّي حسابها الطويل معها". مضيفاً: "لا بديل عن المصالحة، ولكنها لن تتحقق من دون مغادرة مربع الرهان على إمكانيّة نجاح المفاوضات في ظل ميزان القوى المختل لصالح إسرائيل، ومن دون الكف عن الرهان المبالغ فيه على الربيع العربي الذي سيؤدي - إذا لم يخض الفلسطينيون معاركهم الخاصة، بما فيها معركة فرض دولتهم على الأرض من دون انتظار المفاوضات. فالدول تقام ومن ثم تتفاوض، ولا تولد بالمفاوضات - إلى تهميش القضيّة انتظارًا لنهوض المارد الإسلامي، وتبرير استمرار حالة من التهدئة والتعايش مع الاحتلال حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً"..

الخيارات والاتجاهات

- يوجد في الساحة الفلسطينية خياران أساسيان: المقاومة والمفاوضات، وبعد انتصار غزة برزت قضية المصالحة الفلسطينية بين حركتي حماس وفتح، ووُضعت على نار "حامية" للتسريع بإنجازها وتحقيقها، خصوصاً بعدما تحققت الوحدة الميدانية أثناء الحرب على أرض الواقع، وتأييد تحرك السلطة في الأمم المتحدة. وعزز من هذه الأجواء الإيجابيّة الزيارات الاجتماعيّة لأخت الرئيس الراحل ياسر عرفات في غزة، وأخت هنيّة في نابلس، وفي إطلاق سراح معتقلين، والسماح بحريّة النشاط السياسي ومشاركة "فتح" في مهرجان انطلاقة "حماس"، والسماح بإحياء ذكرى انطلاقة "فتح" في غزة.

وفي كل الأحوال وعلى الرغم من الإيجابيات التي ظهرت إلا إن واقع الخلاف ما زال قائماً وطريق المصالحة ما زال بعيد المنال في ظل العراقيل الموجودة والتي تُغذّيها الحكومة الإسرائيلية. ولعل أولى بوادر تلك الإشارات السلبية تمثل بتأجيل عقد اجتماع الإطار القيادي المؤقت الذي تمت الدعوة إلى عقده أواخر الشهر الماضي، والتصريحات المتباينة المتحدثة عن الرؤى المختلفة للحركتين؛ فتح  تركز على ضرورة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقا في اتفاق القاهرة و"إعلان الدوحة"، وتركز على ضرورة استئناف لجنة الانتخابات لعملها على أساس أن الانتخابات تسبق وهي مفتاح المصالحة.

أما "حماس" فهي تعطي الأولويّة لتشكيل الحكومة وتحقيق المصالحة وتوفير أجواء مناسبة لإجراء الانتخابات، وأصبحت تعرّج مؤخرًا بصورة متزايدة على ضرورة الاتفاق على برنامج سياسي يجسد القواسم المشتركة وإعادة بناء منظمة التحرير، وهذا يقدم مقاربة أخرى للمصالحة؛ يقتضي الأخذ بها تغيير المسار المعتمد حتى الآن. (هاني المصري، السفير).

وهذا ما أكد عليه خالد مشعل في كلمته في الذكرى الـ 25 لانطلاقة حماس في غزة من أنّ "الجهاد والمقاومة المسلحة هي الطريق الحقيقي والصحيح للتحرير واستعادة الحقوق ومعها كل أشكال النضال السياسي والدبلوماسي والجماهيري والقانوني، لكن لا قيمة لكل ذلك دون مقاومة مسلحة، فالسياسة تولد من رحم المقاومة، والسياسي الحقيقي يولد من رحم البندقية والصاروخ".

وشدد على ضرورة "وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وحدة مؤسساته، نحن سلطة واحدة، ومرجعية واحدة، ومرجعيتنا هي منظمة التحرير التي نريدها أن تتوحد وتضم جميع القوى ويعاد بناؤها على أسس صحيحة لتكون مظلة للكل في الداخل والخارج".

يُضاف إلى الاتفاق على برنامج سياسي أساسه المقاومة، أن انتخابات حركة حماس لم تستكمل حتى الآن، ومن المستبعد مضي حماس في إجراء المصالحة دون استكمال انتخاباتها. كما أن الراعي المصري مشغول بقضاياه الداخلية والتي تمنعه في هذه الظروف التي تمر بها مصر من تحريك عجلة المصالحة الفلسطينية.

- الحرب على غزة فرضت حركة الجهاد الإسلامي فصيلاً أساسياً، ونقطة التقاء، للكل الفلسطيني أداء وممارسة، وخصوصاً لناحية الأداء العسكري المميز ـ إضافة لكتائب القسام ـ ، وخوض معركة سياسية أجبرت الإسرائيلي على القبول بمعظم شروط المقاومة لإعلان التهدئة.

ولعل الصفعة القاسية التي تلقتها إسرائيل في مفاوضات التهدئة من الدكتور رمضان شلح قد جعلتها تهدد بإلغاء التهدئة إذا ما دخل ونائبه الأستاذ زياد النخالة إلى قطاع غزة، في محاولة أيضاً لإيقاع الفتنة بين حركتي الجهاد وحماس بعد زيارة خالد مشعل القطاع.

والمفاجآت الحقيقية تبقى في التداعيات التي يمكن أن تطلقها هذه الحرب، والتي يخشاها الإسرائيلي إلى حد كبير، ويسعى حلفاؤه الإقليميون والدوليون إلى تفاديها بمختلف السبل والأساليب.

أول هذه التداعيات داخل فلسطين، كل فلسطين، حيث تتضح معالم انتفاضة جديدة، وهي انتفاضة ستترك ظلالها دون شك على الانقسام الفلسطيني الذي لن يستطيع أحد بعد اليوم تبريره، أو إلقاء اللوم على الآخر بشأنه، وخصوصاً بعد تعثر التسوية والرهان عليها، وتعزز نهج المقاومة والالتزام به.

وفي المقلب الآخر، فإن الغريب هو ما يحصل على أرض الواقع من "إتاحة المجال" لإسرائيل لكي تفرض وقائع جديدة على الأرض: تهويد للقدس، واستمرار إقامة المستوطنات في الضفة الغربية وتوسيع القائم منها. وقد كشفت منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية في تقرير أصدرته عن ارتفاع وتيرة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة بنحو 20% خلال السنة المنصرمة، عدا عن بناء الجدار الفاصل، والتضييق على الفلسطينيين وتهجيرهم.. يترافق ذلك مع وجود نسبة 80% من الإسرائيليين الذين يعتقدون بأنه لا يمكن الوصول إلى سلام مع الفلسطينيين، ويعتبرون ذلك من رابع المستحيلات.

- أزمة اليمين الحاكم في "إسرائيل"..  تتبدّى أزمة اليمين الحاكم في "إسرائيل" من خلال الأيديولوجيا التي يعتنقها، والتي بدأت تحاصره وتشكّلُ قيداً ثقيلاً يمنعه من الحركة والتكيّف مع لحظةٍ تاريخيةٍ غير مواتية، وهنا نرصد عدة أمور في منتهى الأهمية:

- الأجواء الانتخابية في الساحة الإسرائيلية، والمزايدات السياسية في حين يتأهب الإسرائيليون لانتخابات الكنيست ال 19، دفعت بـ نتنياهو لاتخاذ خطوة اعتُبرت صفعةً في وجه حلفائه في الغرب والولايات المتحدة، والتي تمثّلت ببناء 3500 وحدة استيطانية في الضفة الغربية وشرقي القدس..

- الربيع العربي وما حمله من تحديات تواجه اليمين الإسرائيلي، فلا هو قادر على المناورة سياسياً لاحتوائه أو التخفيف من تداعياته، ولا هو قادر على مواجهته؛ بحكم عزلته دولياً ومحدودية قدراته، وفي ظلّ هزائمه العسكرية.

- إسرائيل ومعركتها الحقيقية.. بيد أنّ "تل أبيب" -المسكونة بأيديولوجيا اليمين- لن تغيّر جلدها، ولن تستسلم، ولن تذعن لاستحقاقات حلّ الدولتين، بل ستظلّ -ما استطاعت- ملتصقةً بأيديولوجيتها التوراتية العنصرية والتوسعية.

ومع تسليمها بواقع غزة الجديد؛ فإنّ معركة إسرائيل الحقيقية ستكون على أراضي الضفة والقدس، فالضفة تعيش الآن لحظةً فارقة، توجب التوحّد وصياغة إستراتيجية سياسيةٍ وطنيةٍ كفاحية... من أجل محاصرة الاستيطان وهزيمته، وتعميق عزلة إسرائيل ومحاكمة سياساتها ومجرميها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ الضفة تعيش لحظة تسريع لوتيرة الاستيطان، وترجمة أيديولوجيا اليمين على الأرض فعليا، وهي الايديولوجيا التي تقوم في جوهرها على رفض حلّ الدولتين، والتمسك بأكبر مساحة ممكنة من الأرض، والنظر للوجود الفلسطيني كخطرٍ أمنيٍ وقنبلة ديمغرافية. (نشرة "تقدير موقف").

وفي العموم مسألة حرب جديدة على القطاع هي مسألة وقت فقط، وهذا ما أشارت إليه دراسة جديدة صادرة عن مركز بيغن ـ السادات والتي زعمت أن الهجوم على قطاع غزة حقق مكسباً هاماً وهو أن الدولة العبرية لا تخشى من تداعيات شن الهجوم المحتمل أوْ المفترض على إيران، ولكن بالمقابل، شددت الدراسة على أن عدم قيام جيش الاحتلال بعملية برية واسعة النطاق سمح لحماس والجهاد بتصوير المواجهة الأخيرة على أنها انتصار لهما، كما أن امتناع إسرائيل عن الدخول برياً لقطاع غزة، سيُبقي إمكانية تهريب الأسلحة قائمة لتُعيد حماس والجهاد والحركات الأخرى تسلحها ثانية، وبالتالي، بحسب مُعد الدراسة، د. إيتان شمير، فإن المواجهة القادمة بين الطرفين هي مسألة وقت ليس إلا، على حد تعبيره.

لعل تحقيق وحدة الشعب الفلسطيني مدخلا لتحقيق النصر على الإسرائيلي وهزيمته نهائياً، فإسرائيل التي هزمت في ثلاث حروب (في لبنان 2006)، وغزة (2008/2009)، وغزة 2012، وكانت هربت من جنوب لبنان العام 2000 ليست التي لا تقهر وإنما ثُبت بالملموس إمكانية هزيمتها، وبدا جيشها المدجج بأحدث أنواع الأسلحة والمصنف بالرابع على مستوى العالم مجرد أضحوكة أمام بضعة آلاف من المقاومين المؤمنين بحتمية الانتصار.

وكتب الدكتور عبد الستار قاسم تحت عنوان: "وحدة شعب فلسطين" "بما أن التاريخ قد أخذ يستقيم بالنسبة لقوى المقاومة، فإنه من المفروض أن تبدأ كل الفصائل الفلسطينية الاستجابة للمنطق التاريخي وتعود إلى واقعها والذي يؤكد أن الحقوق لا تُستجدى وإنما تُنتزع. من المفروض أن أكثر من عشرين سنة من المفاوضات والبحث في الحقيبة الأمريكية عن حل لفلسطين قد أقنعت الفصائل جميعها أن الآخرين لا يعطون إلا إذا أجبروا على ذلك، ومن المفروض أن تجربة ثلاث حروب قد علمت الجميع أن هزيمة إسرائيل ممكنة، وأن الفلسطينيين يتمكنون من حل مشاكلهم بأيديهم وبمساعدة أصدقائهم الذين يؤمنون بعدالة قضيتهم إذا قرروا ذلك".

في العموم، إن استمرار حركات المقاومة في الإعداد للمواجهة القادمة، والعمل الجاد لتحقيق الوحدة الوطنية على أساس المقاومة والاتفاق على برنامج وطني جامع، ومواجهة الاستيطان الإسرائيلي المستشري في الضفة الغربية والقدس سيعزز من انتصار غزة وسيكون أحد عوامل البناء باتجاه الوحدة والتحرير القادم. 

اعلى الصفحة