اللوحة الأولى: هموم وحلول

السنة الحادية عشر ـ العدد 131 ـ (ذو الحجة 1433 هـ - محرم  1434هـ ) تشرين ثاني ـ نوفمبر ـ 2012 م)

بقلم: غسان عبد الله

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


الفهرس


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الاشراف على الموقع:
علي برو


للمراسلة

التحدُّثُ عن الهموم ـ فضفضة ـ

قالَ أحدُ الشُّبَّان: "إن بعضَ الأشياءِ التَّافهة التي تُرتَكبُ عمداً-أو سهواً- تترُكُ في نفسيَ شعوراً مُمِضَّاً، يظلُّ أياماً حتى أستطيعَ التَّغلُّبَ عليه".. إن مثلَ هذا الشاب  لو أنه أفضى إلى صديقٍ عطوفٍ بما في قلبِهِ لسَهُلَ عليهِ القضاءُ على هذا الشُّعورُ المُمِضُّ المُثير!!".

أيضاً من المفيدِ أن نتعلَّمَ من الحياةِ التي نحياها الطُرُقَ المتنوِّعةَ في كيفيةَ القضاءِ على التَّوتُّرِ، وإن من خير الطرقِ للتَّخلُصِ من الضيقِ والقلق، أن يأتيَ المرءُ بورقةٍ يكتُبُ عليها: إنني أشعرُ بالضِّيقِ.. لماذا؟!" ثمَّ يكتُبُ سببَ هذا الضيقِ، ويظلُّ يسألُ ويُجيبُ، حتى يصلَ إلى السببِ الحقيقي، وعندها يتولَّى العقلُ إيجادَ حلٍّ للمُشكلةِ في هدوءٍ، فإذا تكرَّرَتْ هذه الطريقةُ فإن المرءَ يتعوَّدُ على ضبطِ عواطِفِهِ..

التحدُّثُ عن الهموم أو كما التعبير العامي "الفضْفَضة" طبيعةٌ إنسانيَّةٌ ممتدةُ الجذورِ إلى أقدمِ العصور، وكم من إنسانٍ يقولُ: "آهٍ لو وجدتُ أحداً أستطيعُ أنْ أُفضيَ إليهِ بما في داخلِ نفسي".. فالتَّحدُّثُ من الطبائعِ العميقةِ في النفسِ البشريةِ، ولو وجدَ الإنسانُ صديقاً عطوفاً يُحادِثُهُ بما يضيقُ بهِ صدرُهُ، فإنهُ يَزيحُ عن كاهِلِهِ حِمْلاً ثقيلاً، ويُخفِّفُ من عاطفةٍ كانت تتأجَّجُ في صدرِهِ..

لقد قالَ أحدُ الذينَ عالجوا ضبْطَ النَّفْسِ، واتَّبعوا مثلَ هذه الوسائلِ وأمثالَها، ما يلي: "لقد كنتُ فريسةً للعواطِفِ الثائرةِ، أما الآن فقد تغيَّرَتْ حالي، وتبدَّلَتْ وُجهة نظري للحياةِ، وأصْبَحتُ أرى الدنيا بعيونٍ برَّاقةٍ مَرِحةٍ، وأصْبَحتُ أكثرَ ثقةٍ بنفسي، وأعظمَ راحةِ بالٍ وهدوءِ نفْس.."

فإذا كان مثلُ هذا الرَّجلِ وغيرُهُ قد استطاعوا أن يكبحوا جَمَاحَ عواطِفِهِم، وأن يضبطوا نفوسَهم، فإننا لا محالةَ نستطيعُ ذلك.. فلنُحاول منذ الآن.. لكن ماذا عن هدوءُ الأعصابِ والصَّحة؟!..

لو علِمَ المرءُ مدى العلاقةِ بين أعصابِهِ وأعضاءِ جسمِهِ ووظائفِها المختلفةِ، لَعَمِلَ على الاحتفاظِ بهدوءِ أعصابِهِ، ليعيشَ سليماً معافى، ولكنَّ الكثيرينَ يعتقدونَ أن الجهازَ العصبيَ لا يسيطرُ إلا على أعضاءِ الجسم الخارجيةِ فقط، فلا يتحكَّمُ إلا في الحركةِ والمشي والكلام، وهذا خطأٌ فادحٌ، والصوابُ أنه أي الجهازُ العصبيُّ يسيطرُ على جميعِ الأعضاءِ والأجهزةِ الداخليَّةِ بما فيها القلبُ والأوعيةُ الدمويَّةُ والجهازُ الهضميُّ، والرئتين.. ومن المفيد أن يعلمَ المرءُ أن المؤثِّراتِ النفسيةَ المختلفةَ مهما كانت بسيطةً، فهي تؤثِّرُ في وظائفِ كثيرٍ من أعضاءِ الجسمِ وإفرازاتِ غُدَدِهِ الدَّاخليَّةِ، فعند خوفِ الإنسانِ أو غضَبِهِ تزدادُ خفْقاتُ قلبِهِ ويرتفعُ ضغطُ دمِهِ وترتجِفُ أطرافُهُ، وكثيراً ما يتصبَّبُ منه العرَقُ.. ويصابُ الطلَبةُ على سبيلِ المثالِ بإسهالٍ شديدٍ قبلَ دخولِ الامتحانِ.. أما في الفرحِ فينخفِضُ ضغطُ الدَّمِ ويشعرُ الإنسانُ بنشاطٍ غريبٍ وتزدادُ شهيَّتُهُ للأكلِ..

وقد أثبَتَ الطِّبُ الحديثُ أنَّ كثيراً من الأمراضِ العضويَّةِ كارتفاعِ ضغطِ الدَّمِ والذًَّبحةِ الصدرية والسُّكريُِ وقرحاتِ المَعِدةِ وتقلُّصِ القولونِ والرَّبو والأرتيكاريا والصُّداعِ، تنشأُ في أكثر الأحيانِ من الاضطِّراباتِ النَّفسيةِ، وقد أمكنَ شفاءُ كثيرٍ من الحالاتِ بالعلاجِ النَّفسيِّ، بعد أن فشِلَتْ فيه جميعُ الوسائلِ الأخرى.

وتظهرُ هذه الأمراضُ أو بعضُها في الشَّخصِ المُنطوي على نفسِهِ، ذي المزاجِ المُرهفِ، والشَّفافيّةِ المفرطة، في حالِ تعرَّض لصدْماتٍ نفسيَّةٍ شديدةٍ ولم يتمكَّن من التغلُّبِ عليها، وحينئذٍ تتوتَّرُ أعصابُهُ فتضطرِّبُ وظائفُ جِسْمِهِ، وغالباً ما تتركَّزُ الأعراضُ في عضوٍ أعضاءِ من جسمِهِ، خصوصاً إذا كان عضواً ضعيفاً في الأصل.

إذاً.. لكي نعيشَ بأعصابٍ سليمةٍ، فإنَّه يتوجَّبُ علينا أن نتجنَّبَ التَّفكيرَ المُستمرَّ والعملَ المتواصلَ، فإنَّ لأنفُسِنا كما لأبدانِنا علينا حقاً، فعلينا أن ننسى العملَ بمُجرَّدِ انتهائهِ، وأن نخلُدَ إلى الراحةِ من أعمالِنا ومشاغِلِنا كلَّما سنَحَتْ لنا الفرصة، وعلينا أن نغتنمَ عطلةَ آخر الأسبوعِ والعطلاتِ الصَّيفيَةِ لتحقيقِ ذلك، ويجب أن نقضيَ هذه الفَترات بعيداً عن محيطِ العملِ، في رحلاتٍ بعيدةٍ أو رياضاتٍ نافعةٍ، فإذا عدنا إلى العمل كنا في هدوءِ بالٍ وراحةٍ ونشاطٍ كامل.. وبإمكانِ الواحدِ منا أن يستَلْقيَ ساعةً كلَّ يومٍ في الفراشِ مسترخياً، في هدوءٍ غيرَ مُفكِّرٍ في شيءٍ، فيشعُرَ بعدها براحةٍ نفسيةٍ وبدنية..

علينا أن نحذرَ الهمَّ والغضبَ واليأسَ، فهذه كلُّها آفاتٌ، وهي من ألدِّ أعدائنا، وعواقِبُها وَخيمةٌ، فالهمُّ قاتلٌ، ويجبُ علينا أن نتغلَّبَ عليه بإزالةِ أسبابِهِ بقوَّةِ إرادتِنا وإيمانِنا..

أما الغضبُ فلْنتذرَّعْ لهُ بالحِلْمِ، ولنبدأ نهارَنا بهدوءٍ وابتسامةٍ، وسوف نجِدُ أنْ ليسَ ثمَّةَ ما يُوجِبُ الغضَبَ في أكثرِ الأحيان.. ويجبُ أن نتَّخِذَ قراراً مُعيَّناً في كلِّ موقفٍ أو صعوبةٍ تُقابِلُنا بعدَ روِيَّةٍ وتبصُّرٍ، وأن نسعى نحو تحقيقِ هذا الهدف بصبرٍ وعنايةٍ وجَلَد.. ولْنَحْذرِ المواقفَ المُعلَّقةَ وأنصافَ الحلول، فإنها تؤدي بنا إلى التَّفكيرِ المستمرِّ والقلقِ الشديد، كما ينبغي أن لا نندمَ على شيءٍ فاتَ أو خسارةٍ أصابَتْنا، فلا فائدةَ من النَّدَم، وليكُنِ ذلك الموقفُ أو تلكَ الخسارةُ حافزاً قوياً لنا يدفعُنا إلى الأمام..

ولنعمل لدُنيانا كأننا نعيشُ أبداً، ولنعمل لآخرتِنا كأنَنا نموتُ غدا، ولنعشْ هدوءَ البال والأعصابِ نعشْ سليمين معافين بإذن الله تعالى..

اعلى الصفحة