ذكرى حرب لبنان الثانية: الإخفاقات، العبر والمعركة المقبلة

السنة الخامسة عشر ـ العدد 176  ـ (شوال ـ ذو القعدة 1437 هـ ) ـ (آب 2016 م)

 ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

مصطفى حسن خازم


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

ترجمات

صحيفة إسرائيل هيوم المعلق العسكري يوآف ليمور

الهدوء على الحدود اللبنانية ليس وهمياً.. عشر سنوات على حرب لبنان الثانية يسودها هدوء تام، وهو مستقرّ أكثر من أيّ وقت مضى. باقة من الأسباب والقضايا- بدءاً من الردع المتبادل القوي، مروراً بميزان المصالح وانتهاءً بالحروب الشرق أوسطية- كلّ ذلك يضمن على ما يبدو استمرار هذا الهدوء.

بعبارات أخرى: إذا لم يحصل أمر شاذ يبدو أنّ الطرفين غير معنيين به حتى  اللحظة، وإذا لم يحدث إجراء مأساوي مرتبط بخطأ حسابي، فيمكن حتما استمرار الهدوء لسنوات طوال.

على أنّ هذا الهدوء يعدّ نتيجة مباشرة( ولو لم تكن حصرية) لحرب لبنان الثانية. المشاعر القاسية التي خلّفتها الحرب على جانبي الحدود، كما الضربات التي تلقاها حزب الله وإسرائيل، أبعدت رغبة الطرفين في خوض حرب إضافية لكنّها في نفس الوقت أدخلتهما في عملية حثيثة من ترميم وبناء القوة استعدادا للجولة المقبلة، التي يعملون في القدس كما في بيروت، بدأب للحؤول دونها.

هذا الإنجاز الناجم عن حرب لبنان الثانية- الهدوء- كان صعبا رؤيته في الرابع عشر من آب 2006، حين دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بعد أربعة وثلاثين يوما من القتال. إسرائيل كانت منشغلة حينها في احتفالية التأنيب الذاتي، وحزب الله في ترميم الدمار.

قادة الحرب في المستويين السياسي والعسكري الرفيع، وفي مقدّمهم رئيس الحكومة ايهود أولمرت، وزير الدفاع عمير بيرتس ورئيس الأركان دان حالوتس، يرون في الهدوء في الشمال دليلاً على نجاح الحرب، وعلى نجاحهم في إدارتها. إذا ما أردتم: كمن تلقّى كلّ النار في الوقت الحقيقي، يعتقدون بأنّ من حقّهم أن يحصلوا على الثناء والتنويه مع انجلاء الصورة الكاملة راهناً. هذه نظرة ضيّقة ونفعيّة، حرب لبنان الثانية أديرت بطريقة فاشلة، وكشفت مواطن خلل كثيرة على كافة الصعد: الإستراتيجية، العملية والتكتيكية، وما بينها جميعاً. قادتها أصيبوا بإشكالية العمى، الغرور ونقص في فهم القوة وقيودها، دخلوا الحرب غير مريدين لها وأنهوها بنتائج منقوصة. ولو عملوا بطريقة أخرى، فلربّما لم تحصل الحرب أو قصر أمدها، ولكانت حتما أثمرت نتائج أفضل بكثير.

على أيّ حال، الهدوء الذي تحقق ليس الاختبار الوحيد. حرب لبنان الثانية جعلت من حزب الله التحدّي الأهمّ الذي يمثل الآن أمام إسرائيل، أكبر الأعداء حولنا. حرب لبنان الثالثة، إذا ما اندلعت، لن تبدو مثل شيء عرفناه ماضياً، في الجبهة، وفي الداخل خصوصاً.. وهذا أيضاً إحدى "انجازات" الحرب، التي تعني ردعاً قوياً لا يسري في اتجاه الشمال فحسب بل جنوباً أيضاً، على إسرائيل.

مجدداً طفت مواطن الخلل

كُتب الكثير عن إخفاقات حرب لبنان الثانية. في اللجان، في التقارير، في الصحف، وفي الكتب. بطبيعة الحال، معظم ما كتب كان في الوقت الحقيقي، مع انتهاء الحرب، وبعضه فقط فحص مع مرور الوقت ما تغيّر، ما تعلّمناه وأي عبر استخلصنا. هذا الأسبوع تحتفل إسرائيل، بتواضع، بالذكرى السنوية الثانية على عملية "الجرف الصلب" في غزة، في بعض من الأمور هناك خطوط متوازية مقلقة بين لبنان وغزة، تضّمن أدلّة عليها تقرير مراقب الدولة الذي سيستكمل في الأسابيع المقبلة وقد تسرّبت أجزاء منه للإعلام.

كما في العام 2006، كذلك في العام 2014 كان هناك نقص في المعلومات الإستخبارية، والمهام تحددت بشكل جزئيّ، العملية افتقدت إلى هدف استراتيجي ومجدداً ظهرت وطفت مواطن الخلل البنيوية في عمل المستوى العسكري والسياسي خصوصاً، وما بينهما.

عليك أن تكون متفائلاً جدا كي تصدّق أن شيئاً سيحصل بطريقة مختلفة إذا ما نشبت حرب قادمة. في المستوى التكتيكي والعملي أمور كثيرة تغيّرت، وللأفضل، لكن في المستوى الإستراتيجي- لا شيء تقريباً. وزراء المجلس الوزاري المصغر ما زالوا يشكون نقصاً في المعلومات، وبالإطلاع الجزئي على مخططات الجيش العملانية التي يفترض بهم أن يوقعوا عليها، وهم محقّون، طبعاً، ولو كان بينهم من يشتكي لمجرّد الشكوى: إلى الورش التخصصية التي يدعوهم إليها الجيش، لكي يتعلّموا ويتعرّفوا، لا يأتون.

مجلس الأمن القومي لم يعد يتصرّف كثيراً كما كان(لا) يفعل في العام 2006 وبات دوره في عملية التفكير وصناعة القرارات، مهملاً. وهذا لا ينجم فقط عن عدم وجود رئيس ثابت لمجلس الأمن القومي منذ تعيين يوسي كوهين رئيساً للموساد، بل بشكل أساسي، لأنّ الهيئات المهيمنة- وزارة الدفاع، الجيش، الموساد والشاباك، لا تقيم له وزناً، تماماً كما تتجاوز برفق اللجان المراقبة الممثلة للكنيست. والنتيجة هي مسارات ملتوية، ثمارها سيّئة في اختبار الطريقة كما في اختبار العمل، المجلس الوزاري المصغّر(أو الحكومة) مسؤولان بحسب القانون، لكنّ مسؤوليّتهما على الورق فقط. عمليا لم ينتظر من أي وزير حينها شيء ولا ينتظر أحد ذلك اليوم منهم. في 12 تموز 2006، لم يكلّف أي من وزراء الحكومة نفسه عناء الاعتراض على قرارات رئيس الأركان وعلى الأفكار والأهداف التي طرحها(باستثناء شمعون بيريز، الذي جرى إسكاته سريعاً)، وهناك شك ما إذا كان أحدهم سيفعل ذلك اليوم.

هذا الوضع المرتبط بانقلاب الأدوار ورفع المسؤولية غير صحيّ. بدلاً من أن تشخّص الحكومة أهدافاً إستراتيجية للجيش وهو يستقي منها خططه في مختلف القطاعات، الجيش يعمل بالفراغ تقريبا، لا يملك فكرة عمّا ينتظرون منه، عن الهدف وعن الغاية. والنتيجة هي أنّ الجيش يحدد للحكومة- في لبنان، في غزة وفي أي حدث آخر- بأن توافق له على ما يطلب، وبالتالي تعفي نفسها من المسؤولية.

 التقيّد بسير العملية ليس مهما فقط لأنّ القانون ينصّ على ذلك- أن الحكومة تتحمل المسؤولية عن الأمن، وأنها مسؤولة عن الجيش(بواسطة وزير الدفاع). نفس النقاش، الجدل، إثارة الشكوك والأفكار، يفترض به أن يساهم في النتيجة أو على الأقلّ- أن يثور على التقاليد. حين تجري الأمور داخل ثلاثية متآلفة متراصة الصفوف- أولمرت، بيرتس، حالوتس في العام 2006، نتنياهو، يعلون وغانتس في العام 2014، فإنّ احتمال الخطأ أكبر، وحين نضيف إلى ذلك الأنا، فإنّ هذا الخطر يزيد كثيرا.

قبل عشر سنوات منع حالوتس أي اعتراض على قراراته. في حالة معيّنة من عملية مهمة في آخر أيام الحرب اقترب أحد الضباط من وزير الدفاع في الممرّ، وحاول أن يقول له بأن لا يوافق على العملية، بيرتس استغرب عدم تحدّث الضابط في الجلسة، وكان الرد من دون كلام، رئيس الأركان حالوتس.

الوضع اليوم مقلق بما لا يقلّ عن الأمس. رئيس الأركان ايزنكوت منفتح على الآراء المختلفة أكثر من حالوتس ويشجّع ضبّاطه على مشاطرتهم أفكارهم، لكنّ وزير الدفاع ليبرمان بادر في الأسبوعين الأخيرين إلى عملين يفترض بهما إطلاق إشارات التحذير: حين منع رئيس الأركان ورئيس أمان من حضور جلسة المجلس الوزاري المصغر بشأن المصالحة مع تركيا بحجة أن تلك جلسة سياسية، وحين أمر ضباط الجيش بعدم الإجابة خلال جلسة المجلس الوزاري المصغر على أسئلة الوزير بنيت.

في الحالة الأولى أخطأ ليبرمان ليس لأنّ أي شيء في غزة له انعكاسات عسكرية واضحة ومباشرة ولأنّ رئيس الأركان هو جهة إستراتيجية تفوق أهمّيته معظم وزراء الحكومة، بل لأنّ هذين الشخصين- رئيس الأركان ورئيس أمان- يفكران بطريقة تختلف عنه، ومن واجبه أن يحرص على الاستماع إلى كل الآراء بانفتاح حتى لو كان رأيه هو الحاسم في النهاية بالنسبة للمؤسسة الأمنية. في الحالة الثانية أخطأ ليبرمان على الرغم من أنّه وفقاً لشهادات بعض الحاضرين في الجلسة، بالغ بنيت في طرح الأسئلة وفي طريقة عرضها، وعلى الرغم من ذلك، فإن أعضاء المجلس الوزاري المصغر هم منتخبو الشعب فيما تؤدي الشخصيات الأمنية وظائف عامة وبالتالي من واجبهم تقدير إفاداتهم والإجابة على الأسئلة، كلّما طلب منهم ذلك.

يجب أن يحذر ليبرمان كثيراً ليس فقط بسبب مسؤوليّته الإضافية كوزير للدفاع، بل بسبب قلة خبرته خصوصاً. تضافر الظروف لدى رئيس الحكومة ووزير الدفاع ناقصي الخبرة والتجربة، ورئيس الأركان الذي لم يكن يعرف الجيش الذي يقوده، أفضيا في العام 2006 إلى اتخاذ قرارات خاطئة، وإلى عدم اتخاذ القرارات المطلوبة. نتنياهو وايزنكوت أكثر تمرّسا اليوم ممّا كان عليه أولمرت وحالوتس حينها، لكنّهما غير محصّنين من الأخطاء، التقّيد بمسارات النقاش وصناعة القرارات المنظّمة يعدّ حيوياً لهما أيضاً، انطلاقاً من عبر الماضي تحديداً.

الجنود فقط تميّزوا

عدوّ إسرائيل الأساسي في العام 2006 لم يكن حزب الله، بل إسرائيل نفسها. مجموعة المخاوف والعفاريت، مع إضافة مميزات أشخاص، شوائب بنيوية وكما قلنا أيضاً مسارات إشكالية في صناعة القرارات، كلّ ذلك أفضى إلى إحساس بالحموضة نهاية الحرب. الغضب على خطف غولدفاسر وريغف(بعد أسبوعين ونصف من خطف جلعاد شليط في غزة) بالإضافة إلى مسائل مرتبطة بالاحترام الشخصي والقومي، أخرج المؤسسة عن توازنها، ورميا إسرائيل في خضم معركة واسعة في وقت كان يمكنها الاكتفاء بعملية قصيرة ومركّزة لثلاثة أو أربعة أيام.

وما تلا كان انسجاماً مع ذلك. عدم الثقة بقدرة الجيش البري، الخوف من الإصابات، الارتداع من الغوص مجدداً في المستنقع اللبناني المشهور ومحاولة تحقيق إنجاز بأي ثمن تقريباً في نهاية الحرب، تضافرت مع عدم اتخاذ القرارات المطلوبة حول تجنيد الاحتياط والإعلان عن وضع خاص في الجبهة الداخلية. دولة إسرائيل خرجت إلى الحرب دون أن تفهم ذلك، وحين فهمت- لم تقم بالمطلوب. الإخفاق طال كلّ مستوى تقريباً، باستثناء الجنود الميدانيين، واللجنة التي فحصت أداءهم وحافزيّتهم في نهاية الحرب حدّدت، بشكل غير مفاجئ، أنّهم أدّوا عملهم بشكل كامل، بأخلاقية، وبشجاعة لا تقلّ عن حروب سابقة.

المشكلة كانت في الأوامر التي أعطيت للجنود، في الوسائل، في الاستخبارات وبالأساس، في فهم الوضع. الجيش وصل إلى حرب لبنان الثانية بعد سنوات طويلة من محاربة الإرهاب الفلسطيني في الضفة. وفي الطريق دفع ثمناً باهظا، من دون أن يدرك ذلك: وحدات لم تتدرب طوال سنوات، وحين تدرّبت- تركّزت التدريبات في محاربة الإرهاب، مخازن وذخيرة أصبحت تستخدم للأمن الجاري ومخازن الطوارئ بقيت خالية في قسم منها، لغة جديدة دخلت القاموس، والأسوأ من كلّ ذلك- تشوشت تماماً صورة الواقع وترجمتها إلى عمل في الميدان.

هناك فرق هائل بين عملية محدودة وبين حرب. في المناطق، حتى في أوج عملية "السور الواقي" وإرهاب الانتحاريين، الديناميكية كانت مغايرة. هناك وقت، يمكن محاصرة بيت، جمع معلومات، ممارسة وسائل مشددة، مراقبة القوات بواسطة شاشات عن بعد وتجنّب الإصابات قدر ما أمكن.  في الحرب ليس هناك ترف من هذا النوع، كل شيء هنا والآن. "الحرب هي مملكة اللا يقين" كتب كلاوزفيتش، وهذا ينطبق طبعاً على لبنان. الوقت والاستخبارات هما موردان حيويان، لكن ليس على نحو يفترض به أن يمنع التنفيذ. عدم فهم الواقع هذا تسبب للجيش بالتخبط على مدى أسابيع طويلة في عمليات غير ذات هدف أو فائدة، وفي بعض الأحيان على مئات أمتار فقط عن الحدود. بدلاً من اتخاذ القرار، التحرّك والمسارعة إلى تنفيذ المهمة، الجيش تردد، بدّل الخطط والنوايا، وتصرّف بأقل من المتوقع منه وطبعاً خلافاً للمسلّمة القائلة بأن "المهمة قبل كلّ شيء". لم تكن لدى الجيش في العام 2006 مهمة مشخصة، وحين أصحبت كذلك- كانت تغيّرت تماما، إلى درجة أنّ من اتخذ قرار بشأنها ومن طلب منه تنفيذها أخفقوا على الدوام تقريبا، في تأديتها.

العبرة الأساسية من كلّ ذلك تقول إنّ الجيش ملزم ببلوغ الحرب- أي حرب في أي قطاع- مع خطط عملانية كاملة ومصادق عليها، بحيث يعرف المستوى القيادي والمستوى التنفيذي كيف يترجمونها أفعالاً. حرب لبنان الثانية، حلّت والجيش دون خطة "تامة"، ما تسبب بإرباك على كافة المستويات والأصعدة، وإذا ما أضفنا الجاهزية العاثرة لدى بعض الوحدات وكما قلنا- الأهلية المتدنية للحرب، فنحصل على نتيجة منقوصة.

بعد الحرب انتقل الجيش إلى مرحلة جديدة، وليس فقط في مجال الخطط. الفضل الأول في ذلك يعود لرئيس الأركان حالوتس الذي بادر قبل استقالته إلى مسار تحقيق جذري، معمّق وثاقب، كما وضع ركيزة التغيير في طرق التفكير والعمل، التي واصلها خَلَفه. اليوم يحرص الجيش على أن يكون جاهزا على كافة المستويات: من قيادات الفيلق، الفرقة واللواء ووصولا إلى الجنود الميدانيين. إذا ما كانت الوحدات تدرّبت في العام 2006 ضمن معايير(وحينها أيضاً، لمخططات مكافحة الإرهاب خصوصاً) فالجيش يتدرّب اليوم بحسب خط بياني منظّم، في إطار الحفاظ على الأهلية الأساسية لحرب واسعة، فكرة أن محاربة الإرهاب لا تؤهل لحرب شاملة تحسّنت إلى فهم بأنّ الجاهزية للحرب تؤهّل أيضا لمحاربة الإرهاب.

ويُضاف إلى ذلك التقيّد بحجم كبير وصارم للمخازن، يحفظ للطوارئ، تجهيزات وأعتدة مناسبة لكل الوحدات(بما فيها الإحتياط)، وجاهزية في التشكيلات التي تعدّ مهمة لنجاح الحرب، لاسيّما سلاحا الجو والاستخبارات. في حرب لبنان الثانية، كان لدى الجيش معلومات غير سيئة عن حزب الله دون أن تنقل إلى القوات الميدانية في  الوقت اللازم، وقليل جدا من الأهداف رُصد للهجوم. وكانت النتيجة أنّه مع مهاجمة الـ(مائتي) هدف ونيّف تلك، تدنّت كثيراً نجاعة سلاح الجو- مضاعف القوة الأساسي للجيش في الحرب.

وعليه غيّر سلاح الجو وشعبة الاستخبارات شكلهما وطبيعة عملها. حتى إذا ما تطرّقنا إلى إعلان مسؤولين في الجيش بأن "ليس هناك قائد على وجه الأرض لديه مستوى المعلومات التي نملكها عن حزب الله"، بأنّه مبالغ به ويرمي إلى ممارسة الضغط النفسي على الجانب الآخر، فما زال لدينا الكثير من الأهداف، الكثير من المعلومات وبشكل خاص، استخدام ناجع للقدرة الجوية، ما يعني- على فرض أن تستخدم بشكل مدروس: أن تثمر نتائج أفضل بكثير في الحرب المقبلة.

العدوّ مرتدع لكنّه قوي مكين

النظرية الأمنية الإسرائيلية، بحسب صياغتها في الخمسينيات على يد دافيد بن غوريون، احتفظت بثلاثة عناوين:

الردع، التحذير والحسم. العنوانان الأوّلان ما زالا مهمّين اليوم أيضاً، وفي كل القطاعات، يمكن أن ندير نقاشا حول مدى أهمية وصلة الثالث للمعارك الحديثة. في "السور الواقي" حسمت إسرائيل الإرهاب الفلسطيني في الضفة الغربية، لكن في حرب لبنان الثانية وفي العمليات الثلاثة الأخيرة في غزة(الرصاص المسكوب، عامود السحاب والجرف الصلب) لم يُحسم العدوّ، وبنتيجة ذلك تعززت قوّته. في الجيش يعتقدون أن هذا ممكن، لكنّهم يوضحون أن الحسم لن يكون على شاكلة رايات بيضاء واحتلال كامل للمنطقة، بل ضرب نقاط الثقل الأساسية لدى العدو وإخراجه من نجاعته الأدائية.

مع أو من دون حسم، نظرية إسرائيل المحدّثة تحتفظ اليوم بساق رابعة- الدفاع. في حرب لبنان الثانية أطلقت على إسرائيل أربعة آلاف وخمسمائة صاروخ وقذيفة، بما فاق حروب إسرائيل كلّها حتى ذلك الحين. ومن حينها قوي التهديد كثيرا، في غزة وفي لبنان خصوصاً. مع أكثر من مائة ألف صاروخ وقذيفة، ومخطط لإطلاق ألف وخمسمائة صاروخ في اليوم على إسرائيل، يضع حزب الله تهديداً مستجداً في حجمه ونطاقه على الداخل الإسرائيلي، وليس فقط من ناحية الكمية: بحوزته وسائل قتالية تمكّنه من ضرب أي نقطة في إسرائيل، وصواريخ عالية الدقة وذات رؤوس متفجرة ثقيلة مخصصة لضرب أهداف إستراتيجية وإحداث أضرار بالغة فيها.

يمكن أن نجد في السيناريو المرتبط بالجبهة الخلفية الذي صادق عليه المجلس الوزاري المصغر قبل عدة أسابيع، والذي عرضت النقاط الأساسية فيه خلال ورشة أقامتها مؤخرا مصلحة الطوارئ القومية في إطار عبر حرب لبنان. بحسب هذا السيناريو، الذي يرتكز على العمل الأركاني وإعداد القدرات والاستعداد في الجبهة الخلفية، ستشهد الحرب مع حزب الله التي ستمتد ثمانية وعشرين يوما، مئات القتلى المدنيين، آلاف الجرحى وعشرات الآلاف الذي سيخلون من منازلهم.

حتى إذا كان الحديث يدور عن سقف عالٍ من احتمال الخطر، فما من شك بأن الجبهة الخلفية ستكون عنصراً مركزياً في الحرب المقبلة بما لا يقل عن الجبهة الأمامية. وما يحكى عن توقّعات بأن تعطي المنظومات الدفاعية(القبة الحديدية، وفي المستقبل القريب أيضاً العصا السحرية، التي طورت بعد الحرب بقرار من وزير الدفاع بيرتس) حلولاً لعموم السكان، ليست واقعية. فالعديد من المناطق لن تكون ضمن تغطيتها وحمايتها وفي بعضها، خصوصاً في الشمال، بما فيها حيفا- لن تسمح كمية الصواريخ باعتراض كامل. وهذا يعني أنّه سيكون على المواطنين التقيّد بنظام طوارئ، طبعاً إذا ما تحققت فرضية أن المنظومات الحيوية- مثل الكهرباء والخلوي- التي سيحاول حزب الله ضربها- لن تعمل لفترات زمنية طويلة.

ونضيف إلى ذلك قضية مركزية، ظهرت على هامش المعركة الأخيرة في غزة- إخلاء الأهالي. حزب الله يدرّب في السنوات الأخيرة قوات خاصة، بهدف التسلّل إلى أرض إسرائيل وتنفيذ سيطرة موضعية على مستوطنة أو موقع، بما يتيح لنصر الله الوفاء بعهده ظاهرياً "بتحرير الجليل". مع أكثر من عشرين مستوطنة ملاصقة للسياج وبساتين كثيفة تلغي الحاجة إلى الأنفاق، يتوقع أن تخلو غالبية المستوطنات من ساكنيها طوعاً أو قسراً، من أجل تقليص حاجة الجيش إلى حمايتها وتمكينه من التركيز على مهاجمة الأراضي اللبنانية. الحديث يدور عن مجهود غير بسيط، يستدعي انضباطاً عالياً ولوجستية معقدة: نقل آلاف المواطنين تحت النار جنوباً على طرقات مزدحمة تتحرّك عليها بموازاة ذلك قوات عسكرية شمالا، وإيجاد حلول إيواء مؤقتة لمن تمّ إخلاؤهم.

أمّا الواقع في المنطقة التي لن يتم إخلاؤها فلن يكون أقل تعقيداً. في العام 2006 كانت السلطات التي انهارت، عملياً، رؤساء بلديات فرّوا مع طواقم العمل وتركوا المواطنين. من حينها خضعت كل السلطات ورؤساء البلديات لتدريبات وورش، تحضيرا لوضع طارئ، قد يحصل على شاكلة هزة أرضية، حريق أو عاصفة ثلجية. الفهم العام بأنّ من يعرف المواطن، حاجاته ومشاكله هي سلطته المحلية، لذا عليها أن تحلّ مشاكله- بدءاً من تأمين الملجأ وصولا إلى تأمين الغذاء والدواء.

من أجل هذا، من الضروري وجود غلاف داعم من الدولة، وهو ما لم يكن قائماً في حرب لبنان الثانية. ليس فقط عدم الإعلان عن وضع خاص في الجبهة الخلفية، بل أيضاً تقديم الدعم المالي للبلديات والسلطات المحلية، تسليم الصلاحيات لرؤساء البلديات وإيجاد حلول لمجمل المشاكل- من فتح المصانع إلى ترميم المباني التي تضررت وبشكل خاص- الفهم بأنّ صمود وتكاتف الجبهة الخلفية يعدّان مصيريين لنجاح الحرب. وهذا سيلزم الحكومة باتخاذ قرارات واضحة وتطبيقها على وجه السرعة، كيف نفعل ذلك مع وجود هستيريا إعلامية وشعبية، جنون على الشبكات الاجتماعية وموجات الشائعات؟ نتدرّب مسبقاً، نلتزم بالمخططات التي حضّرت، ولا نرتدع عن اتخاذ القرارات- على المستوى المحلي والقومي.

ضرورة تقصير أمد القتال

إن لصمود الداخل أهمية حساسة في كل ما يتعلق بأداء الجيش الإسرائيلي في الجبهة. الملاحظة الأساسية، التي كانت  معروفة في العام 2006 وفي الجرف الصلب دون أن تطبّق عمليا، تقول بضرورة تقصير أمد الحرب. في المعركة القادمة في الشمال،  تحت تهديد الصواريخ، التسلّل إلى المستوطنات، الصواريخ المضادة للطائرات والسفن والطائرات غير المأهولة (من بينها تلك القادرة على حمل ذخيرة من لبنان إلى إسرائيل)، إطالة الوقت، كلّ ذلك سيكون ثمنه حياة الناس في الجبهة الخلفية، وإحباط إنجازات في الجبهة الأمامية.

وهذا يعني ضرورة اتخاذ قرار فوري بتشغيل كل التشكيلات، تجنيد الاحتياط، فتح وحدات مخازن الطوارئ وانتقال فوري إلى مهاجمة منطقة العدو، بما فيه تنفيذ عملية برية.

الجيش الإسرائيلي أجرى تغييرات واسعة من أجل الصمود أمام هذا التحدي. من تدريب القوات، تجهيزهم وإطلاعهم على الخطط، مرورا بجمع وترسيخ التهديد والمعلومات الإستخبارية التي جُمعت عنه، وانتهاء بمطابقات بنيوية في كل المستويات، بما فيه إنشاء قيادة خاصة (قيادة العمق) التي ستتمكن من زيادة نشاط القوات الخاصة، التي كان دورها في 2006 جزئيا وغير فعال، ويساهم في ذلك عدد غير قليل من النشاطات المنسوبة لإسرائيل، وتنفذ كجزء مما يسمى في الجيش الإسرائيلي (معركة ما بين الحروب)، التي خصصت لتجريد حزب الله من قدراته وتساعد في الحقيقة في إبعاد الحرب القادمة.

على أنّ التحدي الأساسي أمام الجيش الإسرائيلي سيكون في جنوب لبنان في 240 قرية شيعية بُنيت كمواقع قتالية محصنة، يوجد في كل واحدة منها قذائف صاروخية، صواريخ مضادة للدروع، مواقع قيادة وتحكم، مواقع اتصال واستخبارات وغيره. غارات جوية إستباقية عليها تعني وقوع عشرات آلاف القتلى اللبنانيين، كارثة إنسانية وانتقاداً دولياً حادّاً لإسرائيل، تجنب ذلك مع محاولة إبعاد السكان اللبنانيين شمالا معناه إشعال الداخل الإسرائيلي ووقوع إصابات كثيرة في جانبنا.

الحل يمر عبر عملية برية مركزة وسريعة، تشمل ضرب مراكز القوة لدى حزب الله، وإن كان الثمن وقوع آلاف القتلى اللبنانيين. إسرائيل حذرت سابقاً أمام حكومات أجنبية أن هذه هي النتيجة الحتمية لتحصّن حزب الله وسط مليون ونصف ليكون صعباً مهاجمتها.

من المنطقي أن تحاول إسرائيل تجنُّب قدر الإمكان ضرب بنى تحتية لبنانية، وليس فقط من أجل تخفيف استهداف السكان غير المتورطين، المطلوب هو استخدام، قدر المستطاع، الحكومة اللبنانية والمدنيين كرافعة ضغط على حزب الله، باتهامه انه يُنزل بهم كارثة هائلة.

القدرة التدميرية هذه هي سبب أساسي لضبط النفس شبه التام الذي يحكم حزب الله نفسه به في العقد الأخير. وهكذا أيضاً وضعه معقد، تنظيمياً، سياسياً، اقتصادياً واستراتيجياً.

كلّ هذه الأمور هي الدافع، الذي يحشر المهم جانباً دون أن يلغيه تماماً: إسرائيل تبقى الهدف الاستراتيجي لحزب الله، التهديد الأساسي، النقطة ذات الصلة لبناء القوة. لا يوجد حاليا أي سبب أو مصلحة بالمبادرة بالحرب، لكنه يواصل الاستعداد لها بقوة.

في مبنى القوة، في جمع وتحسين الوسائل القتالية، في تدريب العناصر والحفاظ على اللهجة الحماسية التي تضع إسرائيل كعدو أساسي. ووضع أمام إسرائيل حدودا واضحة في كل ما يتعلق بمهاجمة الأراضي اللبنانية واغتيال عناصره.   

حزب الله انتقل إلى الهجوم

من الصعب المبالغة بحجم التحدي الذي يضعه حزب الله أمام إسرائيل. من تنظيم حرب عصابات تحوّل إلى شبه-جيش، حيث أكسبه القتال في سوريا خبرة في استخدام المدفعية والمدرعات، وأصبح يُعنى بالسايبر، استخبارات الإشارة والاستخبارات البصرية، ومزود بوسائل قتالية ومنظومات سيطرة وتحكم ورقابة متطورة، من تنظيم ماهيته دفاعية _"حامي لبنان" - أصبح هجوميا، يضمّ وحدات كومندوس مخصصة للسيطرة على أراضٍ  وأشخاص، ومن تنظيم مركزه في جنوب لبنان مع مركز قيادة في بيروت وفرع لوجستي في البقاع اللبناني تحول إلى تنظيم ينتشر في كل أنحاء البلاد، مع القدرة على العمل من الأراضي السورية.

مع كل هذه التعقيدات، ممنوع أن تخاف إسرائيل. هناك عبرة أساسية من حرب 2006  وهي معرفة التهديد، فهمه ومضاعفة قدرات المواجهة معه - العسكرية، المدنية وكذلك السياسية (لاسيما في كل ما يتعلق بالحصول على الشرعية الدولية مع التشديد على الحضور الأمريكي - الروسي في المنطقة، وبناء آليات لإنهاء الحرب). 

ولا شكّ بأن الاستخبارات تساهم بشكل أساسي في ذلك، حتى في التعرّف على قدرات الطرف الثاني وتحليل نواياه وتجنب الانزلاق إلى حرب غير مرغوب بها.

الصحيح حتى اليوم، أن حرباً إضافية في الشمال تبدو كسيناريو بعيد. حزب الله منشغل بأموره، وبالنسبة لإسرائيل، سوريا أصبحت لبنان (من تهديد استراتيجي إلى حدود أمن جاري) ولبنان أصبح سوريا (من حدود إرهاب إلى تهديد محتمل مهم). ثمة شرط ضروري لاستمرار هذا الهدوء يتمثّل بفهم حزب الله أن إسرائيل لا تخشى القتال، لذا يحرص الجيش الإسرائيلي على الحفاظ على السيادة الإسرائيلية على كل متر في الشمال - بخلاف الوضع الذي ساد قبيل حرب لبنان الثانية - ويوضح في كل فرصة الثمن الباهظ الذي سيدفعه حزب الله ولبنان جرّاء أي تصعيد.

في جوانب عديدة، الجيش الإسرائيلي مستعد للتحدي الشمالي أفضل مما كان عليه قبل عقد. العناصر الأساسية - خطط تنفيذية، تدريبات، مخازن، استخبارات والمعرفة خصوصاً بأن الحرب قد تندلع وسيكون ثمنها باهظ - هذه العناصر موجودة اليوم في المكان الصحيح، ويفترض بها أن تضمن نتيجة أفضل ممّا تحقق في حرب لبنان الثانية.

وبعد، التحدي الماثل أمام إسرائيل معقد جداً، وليس فقط بسبب قدرات حزب الله ومدى حساسية الداخل، الإخفاقات الأساسية التي ظهرت قبل عقد، تلك المرتبطة بعمليات اتخاذ القرارات في المستوى السياسي وبينه وبين الجيش التي آلت إلى النتيجة غير المرضية التي تحققت آنذاك، هذه الإخفاقات لم تتحسن بشكل كبير، وهي قد ترخي بظلالها على الإنجاز المطلوب في حرب لبنان الثالثة أيضاً.

اعلى الصفحة