عز الدين المناصرة.. 
شاعر "مشاكس" عشق عنب الخليل والرموز الكنعانية

السنة الخامسة عشر ـ العدد 176  ـ (شوال ـ ذو القعدة 1437 هـ ) ـ (آب 2016 م)

بقلم: هيثم محمد أبو الغزلان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

مصطفى حسن خازم


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

الشاعر عز الدين المناصرة: الناقد، والمفكر، والأكاديمي، والمناضل، اسم تلفّع صاحبه هوى فلسطين، وعشق "عنب الخليل"، ووله بـ "جفرا" وأصوله الكنعانية.. هو شاعر أغرته وأغوته "القضايا الإشكالية"، صارعها أحيانًا وصارعته أحياناً أخرى. 

عندما حصلت نكبة 1948 كان المناصرة طفلًا، وعاش (18 عاماً في فلسطين)، وغادرها بتاريخ (15/10/1964) إلى المنافي، حيث عاش بقية عمره في (مصر، ولبنان، وبلغاريا، وتونس، والجزائر، والأردن). أبعدته السلطات الأردنية بقرار رسمي مع زوجته وطفله إلى تونس عام 1982 وسحبت منه الجنسية الأردنية، لكنه عاد إليها وأقام فيها حتى وفاته، وعن تجربته القاسية في المنافي يقول: "هذي المنافي قبورٌ، وهذا السوادْ/ وهذي الحجارة، ليست لنا إنَّها للرمادْ".

وُلد عز الدين المناصرة في قرية بني نعيم ـ قضاء الخليل بفلسطين في (11/4/1946)، وفيها ترعرع وتعلم وعمل راعياً وجمالاً وبائعاً متجولاً. تعلم في (مدرسة الحسين بن علي الثانوية) بمدينة (الخليل) بفلسطين وحصل على شهادة التوجيهي (الثانوية العامة) في صيف 1964. وحصل على شهادة (الليسانس) في (اللغة العربية، والعلوم الإسلامية) في عام 1968، و(دبلوم الدراسات العليا) في النقد الأدبي والبلاغة والأدب المقارن عام 1969 في (كلية دار العلوم- جامعة القاهرة)... ثم أكمل دراساته العليا لاحقاً، وحصل على (شهادة التخصص) في الأدب البلغاري الحديث، وحصل على (درجة الدكتوراه) في النقد الحديث والأدب المقارن في جامعة صوفيا عام 1981،... كما حصل على رتبة الأستاذية (بروفيسور) في جامعة فيلادلفيا، عمّان 2005.

أصدر المناصرة (أحد عشر ديواناً شعرياً) و(خمسة وعشرين كتابًا) في النقد الأدبي والتاريخ والفكر.. وصدر عن تجربته الشعرية والنقدية منذ 1998 ما يقرب من (29 كتاباً نقدياً) أغلبها رسائل ماجستير ودكتوراه في الجامعات العربية... وترجمت أشعاره إلى ما يقرب من ثلاثين لغة أجنبية..

المنفى لا يصلح للإقامة

يعتبر المناصرة أن المنفى يصلح للزيارة، ولا يصلح للإقامة. حيث لا مكان في العالم يصلح للطمأنينة سوى مسقط الرأس، وكلُّ الطيور تعود إلى أوطانها حتى لو حكمها دكتاتور، باستثناء الطيور الفلسطينية، لأن الاحتلال "الإسرائيلي" لها بالمرصاد، على الرغم من أنها تقاوم. ويقول إن "المنفى، مكان مؤقت تشعر فيه بأنك معلَّق في الهواء الفاسد".. ولهذا فهو قاوم "الفكر الاندماجي في المنافي لأنه يسحق هويتي الفلسطينية - أنا فلسطيني من أصل فلسطيني صقل المنفى شخصيتي وتعلمت منه المقاومة بأنواعها (الصلبة والناعمة) كما تعلمت منه (جدلية الصلابة المرونة) ولم أستسلم لأساليب القهر فدائماً يمكن أن نقاوم، ولكن أصبح حلمي بسيطاً: أن تدفن جثتي تحت دالية عنب خليلية قبالة البحر الميت".

وخلال نكسة 1967 كان طالباً في القاهرة. وعمل منذ أيلول 1995 أستاذاً (للنقد الأدبي، والأدب المقارن) في جامعة فيلادلفيا بعمّان، ولم تسمح له سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" بالدخول إلى فلسطين المحتلة. وكان قد عمل أستاذاً بجامعتي (قسنطينة، وتلمسان) الجزائرية، وعمل رئيساً لقسم اللغة العربية (بجامعة القدس المفتوحة) قبل نقلها عام 1994 إلى فلسطين المحتلة. وعمل عميداً لِـ(كلية العلوم التربوية) التابعة لوكالة "الأونروا" الدولية بعمّان، عام (1994-1995). كذلك شارك (الشاعر المناصرة) في الثورة الفلسطينية المعاصرة (1964-1994)، حيث كان (الشاعر الفلسطيني الوحيد) الذي حمل السلاح في المرحلة اللبنانية من الثورة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

المناصرة هو أحد رواد الجيل الثاني من الشعراء الفلسطينيين المعاصرين، انطلق مع  زملائه الآخرين (محمود درويش، سميح القاسم...) في ظل المقاومة الفلسطينية في الستينات والسبعينات.

كُتب عن المناصرة بأنه "اشتغل على الأسطورة والرمز وخاض مشروع "الكنعنة" كنوع من الرد الحضاري على انتهاك الحق الفلسطيني والمزاعم التي تحرمه الانتماء إلى فلسطين تاريخاً وجغرافيا".

أطلق مصطلح "القصيدة الخنثى" على قصيدة النثر، وخالف بذلك النقاد القدماء والمحدثين الذين وصفوا الشعر بالفحولة. وقد أثار ذلك ردود فعل كثيرة، خصوصًا في الأوساط الشعرية الشابة.

المشاكس السياسي

ظل المناصرة "مشاكساً سياسياً"... ويقول حول ذلك: "أُجبرت في مفاصل مهمة من حياتي على العراك ضد "الفساد السياسي والثقافي"، وكلاهما ينبعان من بركة آسنة، أحيانًا كنت وحيداً في غابة الذئاب أقاوم الفساد وحدي، وكان هناك من يصفق لي، لكن سرعان ما ينحاز إلى الفساد.

صحيح أنني نزفت دماً، وصحيح أنني أصبحت أحيانًا عاطلًا عن العمل. وصحيح أنني قمت بتخفيض المستوى المادي لحياة عائلتي الصغيرة. لكنني بقيت مستوراً وكريماً، ولم أفقد كرامتي، لأنني كنت وما أزال أعرف طرق المقاومة وأساليبها. طبعًا، خسرت، وأنا متأكد أنه سوف يظهر شرفاء ينصفونني ذات يوم". يكتب في قصيدة "محاورات الباب العالي:

"ضحكت شفتاك وكنت بشوشاً

ثم جلست أحدث نفسي

عن طيبتك العليا: كالحالم

لكن يا مولاي

 ألقيت الحجر على رأسي وأنا نائم.

ومن قصيدة "وكان الصيف موعدنا" نقرأ:

جيوش الشوق ما مرت وأحبابك

 مضت سنتان ما دقّوا على بابك

 ومن يدري؟!.. أيرجع عطفك الغامر

وتستمعين للشاعر.."

ويصف المناصرة نفسه خلال مقابلة صحافية (القدس العربي، 11-7-2014) بأنه "شخص صبور جداً، هادئ جداً، لا أُستفّز ولا أستفز، ولكن في بعض المفاصل التاريخية أي التي تحتاج إلى رأي شجاع خارج الخطأ الجماعي (والجماعة قد تخطئ) أُضطر أن أظهر على السطح لتصحيح خطأ أو الدفاع عن وجهة نظر مخالفة للسائد في الوسط الثقافي".

كان المناصرة يميل "للعزلة المنتجة"، ويتقن عمله ويعطي الآخرين دون أن "يحسب حساباً للربح والخسارة"، "لكن الحياة تدفعني بالصدفة إلى مواقف من أجل الآخرين أعتقد أنها ترضي ضميري. الحياة تدفعنا نحو مصائر لا نتوقعها".

ووصف الروائي الجزائري الطاهر وطّار المناصرة بأنه "رجل عظيم، وأحد عمالقة الشعر العربي الحديث، والشعر الفلسطيني المعاصر: شاعر رقيق، يتمتع بموهبة مصقولة بالتجربة الطويلة، وبالمعرفة الواسعة، وبالألم الذي لا حدود لغوره، ألم وتراجيديا الإنسان الفلسطيني عبر العصور. ناقد وباحث ومفكر، تمكن من مُخادعة الشعر، ليعمل العقل في قضايا: نظريات الجمال واللغة، والنقد المقارن، والشعريات، والفن التشكيلي، والسينما والثقافة الشعبية. وشاعر كبير، تمكن من مُخادعة النقد. أستاذ جامعة، لم يتنازل عن وقار الأكاديمي الرصين، وشاعر عفوي مدهش، وكأنه جامعُ المتناقضات. مناضلٌ فلسطيني يحمل همّ فلسطين، أينما حلّ، سواء في البلدان العربية، أم في أوروبا... على الكتفين معاً. يتشبث بهويته الفلسطينية، وبعروبته النقيّة، وبإنسانيته... باليدين معاً. مثقف ثوريٌّ جذريٌّ مستقلٌ حقيقي، دفع الثمن غالياً من أجل أفكاره الديمقراطية المستقلة، لأنه يؤمن بأنه: (لا إكراه في الرأي)".

وقال وطّار عن المناصرة بأنه "في الشعر محمود درويش، وفي النقد لا يقل أهمية عن إدوارد سعيد".

أصدر المناصرة مجموعات شعرية عدة منها: "الخروج من البحر الميت"، "لا سقف للسماء"، "رعويات كنعانية"، "قمر جرش"، "كان حزيناً"، "بالأخضر كفناه"، إضافة إلى الدراسات النقدية، ومنها "حارس النص الشعري"، "شاعرية التاريخ" و"الأمكنة"، "نقد الشعر في القرن العشرين"، وفي العام 2010 صدر له كتاب "الثورة الفلسطينية في لبنان 1972 1982"، و"موسوعة الفن التشكيلي الفلسطيني"، و"السينما الإسرائيلية"، و"بالحبر الكنعاني"، و"نكتب لفلسطين وبالدم"،  ونال جوائز عدة منها جائزة القدس من اتحاد الكتّاب العرب .

التجربة الشعرية

كتب عز الدين المناصرة في الستينات من القرن المنصرم، القصيدة الفلسطينية الملحمية ذات النفس الكنعاني، والروح الشعبية المستفيدة من التراث الشعبي الفلسطيني، موظفاً في شعره لغة الحياة اليومية.   

وعن سيرته الشعرية وتفجر ينابيع الشعر الأولى عنده يقول عز الدين: "بدأت سيرتي الشعرية من طفولة على جبل عالٍ على البحر الميت من جهته الغربية. وبدأ الشعر من مساءلتي لأبي، ما اسم هذا البحر؟ فقال لي: البحر الميت، فبدأت أتحاور مع نفسي، كيف يكون البحر ميتاً، بدأت أفكر في الوجود المحيط بي، فوجدته حياً في عناقيد العنب وأشجار التين والزيتون، وآثار أجدادي الكنعانيين في القرى المحيطة. كنت أرى أن ثمة شيئاً لا أفهمه في الحجر والتاريخ، ولم أكن استطيع معرفة عمق شاعرية هذا المكان إلا بالمفهوم القبلي المرتبط بالأسطورة والخرافة، حيث تتداخل الأشياء بين الثقافة الشعبية والمكان والتاريخ".

ورأى الشاعر والناقد الأردني سلطان الزغول، في مقال له بعنوان "عز الدين المناصرة في "مذكرات البحر الميت" (الدستور الأردنية، 26-6-2009)، أن المناصرة وعبر ربطه الطقوس الكنعانيّة القديمة بأحداث الحرب التي شُنَّت على وطنه، يحاول المناصرة في مذكراته الصاخبة بالأفراح والأحزان أن يؤكد تمسّكه بالأمل، وأن يعيد بناء النصّ الكنعانيّ ليحافظ عليه من السرقة والعبث، إذ طالما تعرّض لهما من لصّ غدا أكثر احترافًا وسطوة. ربما يطول اختفاء "بعل"، بمقدار ما يطول موسم الجفاف في أرض كنعان، لكنّ "عناة" قادرة على استعادته إلى الحياة، ومكانه يبقى شاغراً لا يستطيع أيّ إله آخر أن يملأه كما تؤكّد الأسطورة الكنعانية".

بعد ذلك يمضي الشاعر إلى رواية تشرّد الابن الذي رُمي بعيدًا ما إن كبر، فراح يشكو لأبيه البعد عن جنة الأم دون أن يعينه أحد من العشيرة الكبيرة على العودة:

"رمتني أمّي قرب غزالة الماء، فأرضعتني

تمنّيت أن أنمو في الفلك السابح في بحر عكا

لكنّني حين كبرت، وجدتني مرميّا

بين النخيل، وكلاب البحر

وبدأت أصرخ، بأعلى شكوكي، والصخور تجرحني:

صخراً.. ماء

صخراً.. ماء

صخراً.. ماء...

وبطبيعة الحال: لم يسمعني أحدْ...

لم يسمعني أحد يا أبي.."

وعن تجربة المناصرة الشعرية وإبداعاته الأولى، كتب عن ذلك الكاتب شاكر فريد حسن في (الحوار المتمدن، 20-9-2010): "نشر عز الدين المناصرة إبداعاته الشعرية الأولى في الصحف والمجلات الفلسطينية والعربية، منها: "الأفق الجديد" و"الآداب" اللبنانية وغيرهما. وكان الديوان الأول قد صدر له بالاشتراك مع شاعرين آخرين من مصر هما: رامي السيد وحسن توفيق، وحمل اسم "الدم في الحرائق"، ثم أضاف إليه بعض القصائد وصدر تحت عنوان "يا عنب الخليل". أما ديوانه الثاني "الخروج من البحر الميت" فكان تعبيراً عن خروج لوط من البحر الميت ـ أي من الأرض الخراب. وديوانه الثالث "قمر جرش كان حزيناً" فيتناول قضايا سياسية عديدة بوعي سياسي أكثر نضجاً. أما مجمعيه "باجس أبو عطوان" و"لن يفهمني غير الزيتون" فشكّلا مرحلة جديدة في تطوره الشعري، حيث نزع فيهما نحو الملحمية واختصار الأزمان".

إن مما يثير الإعجاب في تجربة المناصرة قدرته على التنويع في كتاباته الشعرية والتنقل بسلاسة بين أجناسها، وقد ورد في مقابلة عنه في صحيفة (القدس العربي، 11-1-2014)، أن المناصرة "كتب قصيدة التفعيلة الحديثة بجودة عالية واستجاب لكل شروطها الشكلية من ضبط التفعيلات وتوزيعها على أسطر حسب الدفقات الشعورية، وتنويع القوافي، وأجاد أيضاً في قصيدة النثر وفي الأبيجرامات الخاطفة، فكتب شعراً عصرياً يواكب تطور الحداثة الشعرية برؤية حديثة ولغة موحية مبتكرة دون أن يهمل القديم في استعمالاته وأشكاله الكلاسيكية، وبذلك وقف موقفاً وسطاً بين المتخاصمين على ماهية الشعر والأجناس الأحق بامتلاك صفة الشعرية، وأكد أن الشعر لا يرتبط بالأشكال بالضرورة، وإنما بما ينطوي عليه من عناصر فنية كالخيال وجمال الرؤية وموسيقى الصورة والانزياح اللغوي.

واجترح المناصرة خطه الشعري منذ العام 1964، بقول في مقابلة صحافية مع موقع (الجزيرة): "منذ 1964 اجترحت خطي الشعري الخاص بي بالتوجه نحو الحفر في الجذور الحضارية، فابتدعت "القصيدة الحضارية الكنعانية الفلسطينية" ولم يكن سبقني إليها أحد".

وحدّد المناصرة ما يريده من الشعر، فقال في مقابلة صحافية مع صحيفة (القدس العربي، 11-1-2014): "الشعر نسغ الحياة مثل الماء في غصون الشجر، فإذا تلاشى نشفت الغصون، وهو أيضاً رسالة ولا أحلم بالخلود، أنا أعرف أنني كجسد سأتلاشى، لكن ستبقى النصوص إلى جانبي رمزاً في هيئة اسم، فكل إنسان لديه رغبة في إيصال شيء يتركه للعالم، والقصيدة هي الشيء الوحيد الذي أفرح به عندما يُنجز، القصيدة هي الشيء الوحيد الصافي الصادق الذي يبقى".

ومناصرة لم يكن يتوقع عندما صدرت مجموعته الشعرية الأولى "يا عنب الخليل" في نواتها الأولى في القاهرة أن تثير ضجيجاً كالذي حدث، ويقول المناصرة في لقاء صحافي مع صحيفة (المستقبل، 2-1-2012) "..حتى إن المرحوم محي الدين صبحي قال إنه لا يمكن شاعر مصري أن يكتب بهذه اللغة الفخمة والحداثية، وإنما يجب أن يكون شامياً".

وعبّر المناصرة عن شعوره بالدفء الإنساني وحبه للوطن وترابه من خلال شوقه الملتاع لمدينته الخليل، التي شكّلت لديه رمزاً لفلسطين.. فكتب في "يا عنب الخليل":

مضت سنتان.. قالت جدتي وبكت/وأعمامي يهزون المنابر آه ما ارتجوا/ولا ارتاعوا/مضت سنتان ـ قال/الشاعر المنفي حين بكى/أضاعوني/وأي فتى أضاعوا/مضت سنتان، أرض الروم واسعة/وجدي دائماً عاثر/وسوق عكاظ فيها الشاعر الصعلوك/وفيها الشاعرُ الشاعر/ وأعمامي/يقولون القصائد من عيون الشعر/وأمي مهرة شهباء تصهل قبل خيط/الفجر/تفل هنا ضفائرها / وتلبس ثوب الأسود/وأمي تقرأ الأشعار في الأسواق/وفي الغابات عند تجمع الأنهر/وأمي.. ولدت طفلاً له وجهان/ يشبهني/فأقسم والدي في القبر أنكرني/وأنكر كل أعمامي/وراحوا ينشدون الشعر/وراحوا يشترون القول بالميزان/وأمي ولدت طفلاً له وجهان/فما ارتجوا ولا ارتاعوا/وكان الطفل ينشدهم قصيدته..

وأضاف المناصرة: "اعتقد أن انطلاقتي الحقيقية كانت من هذا الديوان، واعتقد أن سبب النجاح خارج النص يتعلق بأنني اخترت من ثلاث مجموعات مخطوطة أفضل ما فيها، وجعلته في مجموعة واحدة، لأنني كنت أكتب الشعر الحديث وأنشره، وقد نشر في صحف فلسطين ولبنان... وفي تلك المرحلة تعرفت إلى غسان كنفاني، في القاهرة أيضاً، وكان يكبرني بعشر سنوات، وكان شهيراً، فبدأت صلتي بغسان وأصبحت صداقة حيث طلب مني أن أراسله لمجلة "فلسطين: ملحق المحرر"التي كانت تصدر في بيروت.

في هذه الأجواء جاءت كارثة ونكسة 1967، وأعتقد أنها أول صدمة حقيقية لي في حياتي حيث كنت أرى العالم وردياً قبل ذلك وهنا ولد رمز امرئ القيس عندي ورمز زرقاء اليمامة والرمز الكنعاني بتأثير من هزيمة 1967، حيث اكتشفت لأول مرة أنني سوف أدفع الثمن كفلسطيني. رحت أنشر بحماسة في مجلات وصحف عدة".

ويرى المناصرة بداية ظهور شعر الحداثة الفلسطينية كان مع تأسيس وصعود منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964 على وجه التحديد، ويقول في مقابلة صحافية مع صحيفة (الخليج، 09/06/2013)، تأسس شعر الحداثة الفلسطينية من خلال فرعين، "الأول شعر الثورة الفلسطينية في المنفى، ويتميز بالمقاومة والحداثة، وكنت أنتمي إلى هذا الفرع، فأنا أحد الشعراء القلائل الذين حملوا السلاح دفاعاً عن المخيمات والجنوب اللبناني، وكان هذا الفرع ينتمي مباشرة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، أي إلى فلسفة التحرر الوطني.

أما الفرع الثاني فهو شعر المقاومة في شمال فلسطين، وارتبط هذا الفرع بأيديولوجيا الصراع الطبقي، والمفارقة الإعلامية التي حدثت هي أن قيادة الثورة الفلسطينية قامت بتضخيم دور شعراء المقاومة في شمال فلسطين، على حساب شعراء الثورة، لأسباب سياسية لا تخفى على أحد، أما النقد العربي الحديث، فقد وقع تحت ضغط الإعلام العربي، فلم يدرس الشعر الفلسطيني الحديث من زاوية الحداثة" .

المرأة في شعر المناصرة

تتربع "جفرا" على عرش شعرية المناصرة، وتحوز الاهتمام الأكبر، والانشغال الأوفر لدى الشاعر، بما هي وجه آخر ضامر أو مُسَاوٍ لا يهم- للكنعنة. ويكتب الناقد محمد بودويك، تحت عنوان (منـازل المـرأة في شعر الفلسطيني عز الدين المناصرة، موقع هسبريس، 3-4-2014) إذ تَرِدُ المرأة، في أكثر المتن، رمزاً مشعاً، متحدراً من سلالة كنعان. ويهمنا الآن- من بين دلالاتها الأخرى ما يرتبط بالمرأة- الرمز التي خلع عليها دمها المسفوح خطأ وغدراً، طقساً ابتهالياً، عرف الشاعر كيف يوظفه، وينجح في إخفائه ضمن تضاعيف شعريته، فيختلط بعناصر أخرى، مما يستوجب الفداء، والتَّقْدِمَاتِ. عن هذه الجفرا، يقول الشاعر: "ولدت جفرا في شعري، لأول مرة عام 1962، حيث عادت لي بقوة من خلال حادثة مأساوية: فقد قتلت جفرا في بيروت بسبب ثوبها المطرز بأوراق وأغصان العنب. لكن صورتها تختلط مع جفراوات أخريات، لهذا رثيتها رثاء مُرّاً". ويكتب في قصيدة: (جفرا):

"أرسلتْ لي داليةً.. وحجارةً كريمة

مَنْ لم يعرفْ جفرا... فليدفن رأْسَهْ

من لم يعشق جفرا... فليشنق نَفْسَهْ

فليشرب كأس السُمِّ العاري يذوي، يهوي ... ويموتْ

جفرا جاءت لزيارة بيروتْ

هل قتلوا جفرا عند الحاجز، هل صلبوها في تابوت؟؟!!.."

وعن رمز "جفرا" لدى الشاعر عز الدين المناصرة، يقول الكاتب والناقد فيصل دراج (مجلة الموقف، 18-4-2014) إن "الذي ينتسب إلى أرض ولا يعيش فيها، فقد آثر العنب رمزاً: "يا عنب الخليل"، إلى أن وقع على رمز غنائي هو: "جفرا"، الكلمة التي يعرفها القلب الفلسطيني قبل أن تصافح الأذن".

في الختام، لقد اعتبر عز الدين المناصرة الشعر نسغ الحياة مثل الماء في غصون الشجر، فإذا تلاشى نشفت الغصون، وهو أيضاً رسالته التي كتبها في ديوانه "جفرا":

"لا ممالكة الوهم وجهتنا

سنصلي الليلة لشرايين أرض كنعان

أن ترش الغيث من الغربة

ولتسحي يا أمطار أجدادنا على الوهاد

اهطلي في القرى وأعيدي دخان الطوابين.."

.. وهكذا بين "يا عنب الخليل"، وزيتون فلسطين، و"جفرا"، وعشبة المريمية، والرموز الكنعانية.. ظل المناصرة يتنقل بصدق الكلمة، صارخاً:

"أعيدوا إليّ جبالي، أريد الكروم، أريد القرى:

شارعاً، شارعاً.. 

اعلى الصفحة