قراءة في خطاب الرئيس بشار الأسد

السنة الخامسة عشر ـ العدد 175  ـ (رمضان ـ شوال  1437 هـ ) ـ (تموز 2016 م)

بقلم: توفيق المديني

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

مصطفى حسن خازم


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

حين تتم قراءة التاريخ جيداً بعيداً عن الأهواء والعواطف، نلمس بوضوح أن الحرب الإرهابية التي تشن ضد سورية من قبل التنظيمات التكفيرية المدعومة من جانب القوى الإقليمية والولايات المتحدة الأمريكية، تستهدف أولاً وأساساً تفكيك الدولة الوطنية السورية، وتفتيتها، وإنهاء آخر معقل من معاقل الصمود الوطني والقومي في العالم العربي، تمهيداً لتصفية القضية الفلسطينية، وتالياً خدمة الأمن الصهيوني بالتلازم مع الأمن القومي الأمريكي.

ومنذ خمس سنوات لا يزال الجيش العربي السوريّ، بمؤازرة حلفائه الإقليميين والدوليين، ولاسيما الحضور المتنامي لـ"حزب الله" الّذي شكّل قوّة وازنة حسمت أكثر من معركةٍ مفصليّة في عمر الحرب على سورية، يخوض معارك مشرفة في كلّ أنحاءِ البلاد دفاعاً عن بقاء الدولة الوطنية السورية، وضد ميليشيات صار السواد الأعظم منها أجنبياً، أمّا المجموعات المحليّة فلم يتبقَّ منها إلّا ما يحفظ ماء وجه "معارضة" الخارج، ويسمح لها بأن "تُفاوض سياسياً"، وإن بالوكالة عن رعاتها الدوليين، بحجّة "وجود فصائل تمثّلها عسكرياً على الأرض". والأحداث الدائرة في سورية كان من شأنها أن تفتت الجيش وذلك لجهة إحداث انشقاقاتٍ واسعة في صفوفه، وفق ما كان مخططاً تليها حربُ إنهاكٍ طويلة تحوّل درع البلاد الأوّل إلى "قوّاتٍ مسلّحة كرتونية" على غرار ما حل بالجيش العراقي إثر الاحتلال الأمريكي، الأمر الّذي يُسهّل على "المسلحين" المدعومين من أعداء سورية "إسقاط" الدولة على الطريقة الليبية. لكن حسابات حقل "الفريق" السعودي -القطريّ التركيّ- الأمريكي، ومن خلفه كلّ من بريطانيا وفرنسا بشكلٍ رئيس، لم تطابق حساباتِ بيدر النتائج الّتي جاءت صادمةً بالمعنى الواسع للكلمة، وإذا كانت الحكومة السورية دخلت محادثات جينيف في كانون الثاني 2016 من موقع قوّة، فإنّ الجيش السوريّ، مدعوماً بحلفائه الإقليميين والدوليين، هو صاحب الفضل الرئيس في ذلك.

خطاب الأسد في ظروف استثنائية

يجمع العديد من المحللين السياسيين الذين تابعوا بدقة الخطاب الذي ألقاه الرئيس السوري بشار الأسد يوم الثلاثاء 7حزيران 2016، بأنه جاء في ظروف استثنائية تعيشها سوريا منذ أكثر من خمس سنوات.

أول امرأة رئيسة لمجلس الشعب في سوريا

فقد جاء الخطاب بعد أن انتخب أعضاء مجلس الشعب السوري الجديد، يوم الاثنين6 حزيران 2016، هدية خلف عباس(هي عضوٌ في قيادة فرع حزب البعث في دير الزور، وحاصلة على دكتوراه بالهندسة الزراعية، وعضوٌ سابق في مجلس الشعب)، لتتولى مهام رئاسة مجلس الشعب، كأول امرأة تستلم المنصب في تاريخ سوريا. وهذا يدل على أن المرأة أخذت بخطوات متسارعة مكانها الصحيح في المجتمع وتعززت مكاسبها ما يسرع بإيجاد حل جذري للأزمة السورية، بالتالي فوز هدية عباس هو فوز للمرأة السورية في كل جوانب الحياة.

وتوجه الرئيس الأسد إلى أعضاء مجلس الشعب بالقول.. اليوم تبدؤون دوركم التشريعي في مرحلة مفصلية تتجاوز خطورتها ما واجهته سورية منذ جلاء المستعمر الفرنسي.. وهذا يتطلب منكم دوراً استثنائياً للتعامل مع قوتين متعاكستين.. الأولى تدفع للوراء بما تحمله من محاولات لإضعاف سورية وانتهاك سيادتها ومن قتل وتخريب وجهل وتخلف وارتهان البعض للخارج.. والثانية تدفع باتجاه الأمام بما تحمله من تصميم على الإصلاح تجلى بحزمة القوانين والدستور الجديد التي وسعت المشاركة الشعبية في إدارة شؤون الوطن.

وأضاف الرئيس الأسد.. إذا كان الوقوف في وجه الهجمة الإقليمية والعالمية على بلدنا ليس بالمهمة السهلة فإن التأقلم مع الإصلاحات وتعزيزها ليس بالعملية السهلة أيضاً.. بهذه الإصلاحات نصد جزءاً كبيراً من الهجمة علينا ونبني سداً منيعاً في وجه الأطماع الإقليمية والدولية ونجاحنا في ذلك يعتمد على استيعابنا لمتطلبات الإصلاح على المستويين الرسمي والشعبي.. والشعب الذي تمكن من استيعاب حجم وأبعاد المخطط الذي رسم لسورية وللمنطقة وواجهه بتصميم ووعي وطني كبيرين هو نفسه القادر على استيعاب متطلبات الإصلاح.. ومن حق هذا الشعب علينا وهو الذي أثبت قدراته باختبارات وطنية فائقة الصعوبة ونجح فيها أن نرتقي بأدائنا إلى مستوى وعيه وصلابته لكي يحق لنا أن نفخر بتمثيله ونتشرف بالعمل لأجله.

الاستعمار الجديد وتقسيم المنطقة وسوريا إلى دويلات طائفية وعرقية

لم يلق الرئيس الأسد خطاباً عادياً في ظروف طبيعية، وإنما كان نتاجاً لتحدٍّ كبير في ظروف استثنائية. فقد ميزّت درجات الثقة والارتياح العالية خطاب الأسد عن سابقاته، وكانت تبدو واضحة على ملامح وجهه وحركات يديه بالإضافة إلى نبرة صوته، وهنا كثرت الأسئلة عن المعطيات التي استند إليها وبنى عليها الأسد ثقته الكبيرة هذه، وكأنّ المعركة في مراحلها الأخيرة، وعلى الرغم من أنّ الوقائع على الأرض متشابكة ومعقدة كثيراً، كما أنّ الرقة تكاد تتحوّل إلى حلبة صراع ومحطة سباق عنيف، بين الجيش السوري وروسيا من جهة وبين قوات سورية الديمقراطية وأمريكا من جهة أخرى

إن الحرب على سورية تدخل في نطاق إستراتيجية التفكيك الجديدة للبلدان العربية، والتي بدأت بعد زوال "المعسكر الاشتراكي"، وانتهاء الحرب الباردة، إذ جرت وقائع تنفيذ هذه الهندسة الكولونيالية الجديدة تحت عنوان "نظام الشرق الأوسط الجديد"، لتمرّ بمحطات خمس استهلكت من الزمن عقداً ونصف العقد. فكانت المحطة الأولى، العدوان على العراق عام 1991، ثم جاءت المحطة الثانية في مؤتمر مدريد للسلام  عام 1991، الذي عقد على قاعدة "الأرض مقابل السلام" بدلاً من مرجعية قرارات الأمم المتحدة. وكانت المحطة الثالثة، إبرام اتفاق أوسلو 1993، واتفاقية وادي عربة بين الحكومة الأردنية و"إسرائيل" عام 1994، أما المحطة الرابعة، فتمثلت بالغزو الأمريكي للعراق في 20 مارس 2003، حيث كان هدف الاحتلال الأمريكي إسقاط الدولة الوطنية العراقية بكل مؤسساتها.

ولقد أطلق هذا المشروع الجديد للاستعمار الأمريكي المتمثل بمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، ولا يزال، حروباً مذهبية وموجات عنفٍ دموي، ومغامرات انفصالية (كردية)، على النحو الذي أذهَبَ البقية الباقية من روابط الوطن بين العراقيين. أما المحطة الخامسة في مشروع "الشرق الأوسط الكبير" فكانت الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز-آب/ من العام 2006.

وجاءت أخطر محطة في عملية تفكيك المنطقة العربية، مع الحرب الإرهابية التكفيرية ضد سورية، وهي أشد خطورة من المحطات السابقة كلها، لأنها نقلت الصراع مع العدو الخارجي، إلى الصراع مع العدو "القريب". ولا تقتصر خطورة هذا المشروع على هذا التبديل في أولويات الصراع، أو على أولويات التقسيم على حساب الوحدة، بل تزداد هذه الخطورة لأن المشروع يدغدغ آمال جيل كامل، أحبطته تجارب الكثير من الحكومات العربية، وأحبطه اللايقين  في "الإسلام المعتدل" فبات يتطلع هذا الجيل إلى "الخلافة" المفقودة، ولو كان ذلك بالعنف والذبح على حساب وحدة المجتمعات نفسها وتفتيت الجيوش وتهديد الكيانات.

وتعد الحرب الإرهابية ضد سورية أداة من أدوات التفكيك الغربي للدولة الوطنية السورية، وأداة من أدوات محاولات تصديع المجتمع السوري، وهذا أشد خطورة من أي أمر آخر.

وقال الرئيس الأسد: "بالتوازي مع الحرب العسكرية كنا نخوض حرباً إعلامية نفسية.. تهدف لتسويق وترسيخ فكرة سورية المقسمة إلى كيانات موزعة جغرافيا بين موالاة ومعارضة وكيانات طائفية وعرقية وكانوا يعززون هذه الفكرة من خلال استخدام مصطلح الحرب الأهلية ومن خلال تكرار مصطلحات طائفية وعرقية والتركيز عليها في أي حديث أو تصريح أو تعليق حول ما يحصل في سورية.. الهدف من كل ذلك كان تكريس هذه المفاهيم في عقولنا كسوريين ويعني أن يتكون لدينا شعور بأن هذا هو الواقع ولا مفر منه ولا أمل من عودة سورية إلى الوضع السابق وبالتالي نقبل بهذا الأمر الواقع ونقبل بالاملاءات التي تفرض علينا من الخارج...".

وأضاف الرئيس الأسد: "في الواقع إن هذا الواقع على الرغم من تعقيده ليس كذلك.. لأن التقسيم لا يحصل على أسس جغرافية.. فالمواقع تسقط وتستعاد.. والسيطرة تفقد وتسترد.. أما التقسيم فلا يحصل إلا عندما يقبل الشعب به أو يسعى إليه.. عندما ينقسم الشعب على نفسه وعندما تنتفي إرادة العيش المشترك بين مكونات الشعب في سورية هل هذا هو الواقع في سورية.. دعونا نرَ!!.. ألا يهرب السوريون بكافة أطيافهم ومكوناتهم من مناطق الإرهابيين إلى مناطق الدولة؟!.. ألا تعيش هذه الأطياف التي خرجت من مناطق الإرهابيين مع بعضها البعض في مختلف المناطق في سورية التي هي تحت سيطرة الدولة بنفس التناغم والتجانس الذي كان موجوداً قبل الأزمة؟!!.. سيقول البعض ما هذه المبالغة؟!.. المفروض أن هذه أخذتنا باتجاه طائفي!!.. لا.. الحقيقة هذا الكلام غير صحيح اللغة الطائفية شيء والشعور الطائفي شيء آخر الحقيقة الكثير من لم يكن واعياً قبل الأزمة لخطورة الشعور الطائفي الآن تعلم دروس الحرب وفي مقدمتها نبذ الطائفية ونبذ الانغلاق لأن فيه تدمير وطن".

وتابع الرئيس الأسد: "لم نسمع منذ بدأت الأزمة أن هناك نزوحاً من مناطق الدولة باتجاه مناطق الإرهابيين.. ولم نسمع بأن التنوع السوري الغني موجود الآن في مناطقهم ولا عن التجانس والتناغم الموجود في سورية في المجتمع السوري الذي يعيش في ظل رعايتهم لم نسمع كل هذه الأشياء.. كلنا يعرف هذه الحقائق فإذا بالواقع يقول شيئاً وحيداً أن المكونات الموجودة على الأرض السورية هي مكونان فقط.. الإرهابيون بكافة جنسياتهم في جانب وبقية السوريين في جانب آخر.. هذان المكونان الموجودان وبذلك ينتفي الكلام والضجيج عن التقسيم الطائفي أو العرقي والذي يوحي كأننا أصبحنا في مرحلة محاصصة الوطن.. وتقاسم أشلائه.. من يريد تقييم الوضع في سورية عليه أن يقيمه سكانياً وشعبياً قبل أن يقيمه جغرافياً وعسكرياً وعلى من يقيم الوضع في سورية أن يقرأه ببعد نظر لا بقصر نظر.. بعمق لا بسطحية.. عندما يقرأ بعمق فسوف يفهم بأن حصة كل سوري هي كل سورية.. سورية الواحدة الموحدة.. سورية الغنية بألوانها.. الفخورة بأطيافها".

وقال الرئيس الأسد: "هذا الواقع الشعبي الذي أتحدث عنه هو الذي يبقي للخطاب الوطني معنى عدا عن ذلك إن لم يكن هذا الواقع الشعبي بهذا الشكل فالخطاب الوطني الموحد هو مجرد كلام إنشائي ليس له معنى في مثل هذه الحالة وفي مثل هذا الواقع الخطاب له معنى وهو الذي كان أحد أهم أسباب استمرار الدولة والوطن.. كياناتهم هي مجرد وهم لسبب بسيط فلا يمكن أن يكون المجتمع منقسما والدولة موحدة.. هذا الكلام مستحيل.. لا يمكن أن يكون المجتمع منهارا مفككا والدولة تقف على أقدامها رغم كل الطعنات لأن الدولة انعكاس للشعب وليس العكس".

في مقابل إستراتيجية التفكيك للدولة الوطنية السورية، وإعادة تقسيمها على أسس طائفية ومذهبية وعرقية، طرح الرئيس الأسد إستراتيجية وطنية متكاملة تقوم على صيانة وحدة سوريا جغرافياً وسياسياً، أي المحافظة على الدولة الوطنية السورية المتمسكة بثوابتها الوطنية والقومية المناهضة للمشروع الامبريالي الأمريكي والمشروع الصهيوني، والمتمسكة بخيار المقاومة، والرافضة لمخططات الاستعماريون الجدد وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، التي تستخدم حلفاءها الإقليميين من تركيا إلى المملكة السعودية وقطر، لكي يطيلوا الأزمة السورية من خلال السماح لتدفق الإرهابيين والأسلحة والمال إلى الحركات الإرهابية والتكفيرية التي  تخوض الحرب الإرهابية ضد الدولة والمجتمع السوريين.

وقال الرئيس الأسد: في مقابل هذه الطروحات علينا كسوريين أن نبقى متمسكين بمفرداتنا الوطنية الجامعة الموحدة.. بعيداً عن كياناتهم الافتراضية وهوياتهم الفرعية التي تريد استبدال سورية الوطن الواحد بسورية الأوطان.. واستبدال المجتمع المتماسك المتجانس بمجتمعات منقسمة مريضة طائفية وعرقية لذلك يجب أن نكون واعين لكل المصطلحات التي نستخدمها.. البعض يظهر خصوصاً في الإعلام ويتحدث بنفس اللغة الطائفية والتقسيمية والتفتيتية التي يتحدثون بها في الإعلام المعادي.. هو يعتقد ربما عن حسن نية بأنه بهذه الحالة إنسان واقعي وموضوعي.. في الواقع هو مجرد إنسان سطحي لأنه لا يعلم بأن الواقع يبدأ بفكرة ويبدأ بكلمة وعندما نقبل بهذه المصطلحات أن تكون جزءا من ثقافتنا علينا أن نتوقع بأن هذا التقسيم أو التفتيت أو التخريب سيكون جزءا من واقعنا خلال أعوام قليلة لذلك لا يجوز أن نستخدم جملا تتحدث بمظهرها عن وحدة الوطن ولكنها تمارس التفتيت.. تتحدث بمظهرها عن البناء ولكنها تنتج التدمير.. يجب أن نكون واعين بدقة للمصطلحات لأنها مهمة.. كل شيء في العالم يبدأ باللغة اللغة هي حامل الأفكار وهي التي تؤدي لاحقاً للواقع.

الهدنة الغدارة وعبثية المفاوضات في ظل تنامي الإرهاب التكفيري

تمّت قراءة خطاب الأسد من البعض عن الهدنة والمفاوضات إلا أن الرئيس الأسد  نسف المساعي والجهود الروسية مع أمريكا التي باءت بالفشل.. وليس هذا فحسب، بل يضاف إليه أنّ الأسد ينسف الحلّ السياسي الذي تسعى إليه روسيا دائماً بكليته وعدم صيرورته، إذا ما كان خارج بنود ورقة المبادئ التي قدّمها الدكتور بشار الجعفري للمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، دون الحصول على أيّة إجابات، إضافة إلى اتهامه لوفد المعارضة بالخونة، وتطرّقه للفراغ الذي أحدثه إصرار ذلك الوفد على جملة الشروط غير المتوازنة ولا المنسجمة، والتي كانت تتصدّر جولات المفاوضات حتى قبل انعقادها بشكل جدّي وكامل.

ليس بالأمر المفاجئ أن تختلف القراءات والترجمات لخطاب الرئيس الأسد، وأن يكون محط جدل ونقاش كبيرين، لأسباب عديدة أهمها: فخطاب الرئيس الأسد لم يختصر مشهد الأحداث في سورية فقط.. بل كان خطاباً بلهجة الوطن الذي كان وسيبقى حراً أبياً.. وبلهجة الدم السوري الطاهر الذي سال على الأرض السورية دفاعاً عن وحدتها وكرامتها، بنكهة العرفان بالجميل لملاحم البطولة والصبر والصمود التي تميّز بها أبطال الجيش العربي السوري، وكذلك أبطال المقاومة اللبنانية ممثلين بحزب الله، فكان خطاباً تاريخياً برسائل عديدة أهمّها.

أولاً: لا تفاوض في نطاق التنازل عن مبادئ لو تمّ التنازل عنها مسبقاً، لما كانت المؤامرة ولا كانت الآن حبراً مصبوباً في ورقة على طاولة مهجورة.

ثانياً: فشل المفاوضات والهدنة.. ليس اتهامات أو نسفاً للجهود الروسية، فالأسد لم يقل إنّه تمّ فرضهما على الحكومة السورية، أو أنّ الأخيرة تعرّضت للضغوط فوضعّت تحت الأمر الواقع مضطرة للقبول والموافقة، لأنّ من يتمسك بالسيادة لا يمكن أن يتقبّل الإملاءات، وإنما المقترحات جميعها كانت تطرح بالاتفاق وبالإجماع وليس بالإجبار والقوة، على الرغم من قناعة الحكومة السورية وإدراكها الكامل باضمحلال النتائج الايجابية أمام فيضان السلبيات التي تتكاثر حتى اليوم في محيطها.. ولكن! لا يمكن التغاضي عن مسار الحلول المطروحة، ولاسيما أنّ الأزمة تشعّبت وتفلتت من كلّ حدود.

وفي هذا الصدد قال الرئيس الأسد: "إن ما نواجهه هو مشروع فتنة وتدمير للوطن وأداة هذه الفتنة هي الإرهاب فكيف يمكن أن نربط بين العمل السياسي والإرهاب.. وبالتالي فإن هذا الفصل ضروري جداً ومع ذلك نحن منذ الأيام الأولى لم نترك طريقة سياسية إلا وجربناها وأنا أقول هذا الكلام لأن البعض ربما يتوقع من الرئيس في كل خطاب أن يأتي بحل معجزة مثل العصا السحرية التي أتحدث عنها دائماً.

وأضاف الرئيس الأسد: "لا يوجد لدينا عصا سحرية ونحن جربنا كل الطرق السياسية من القوانين وتغيير الدستور والعفو عمن تورط وما زلنا مستمرين بهذا الموضوع.. وحتى الحوار الوطني قلنا لا توجد مشكلة فيه كمبدأ ولكن هذا الحوار بحاجة إلى تهيئة وإلى أطراف معروفة تتفق وعندها نستطيع أن نصل إلى الحوار الوطني".

وقال الرئيس الأسد: "إن كل الطروحات السياسية وافقنا عليها وكنا مرنين جداً ولكن هناك فرق بين أن نقوم بعملية سياسية ونعتقد أنها ستنتج ونصاب بالإحباط ويكون الإرهاب قد قطع مراحل للأمام وبين أن نعرف أن هذه العملية السياسية نحن نحتاجها بغض النظر عن موضوع الإرهاب.. نحن نواجه الآن حرباً حقيقية من الخارج والتعامل مع حرب يختلف عن التعامل مع خلاف داخلي". وأضاف الرئيس الأسد: "عندما نقول إن القضية قضية إرهاب فنحن لم نعد في الإطار الداخلي السياسي بل نحن نواجه الآن حرباً حقيقية من الخارج والتعامل مع حرب يختلف عن التعامل مع خلاف داخلي أو مع أطراف سورية وهذه النقطة يجب أن تكون واضحة".

وقال الرئيس الأسد: "مبدئياً إن الأساس الوحيد الموجود هو الانتخابات فهل شاركت هذه القوى التي ستحاور في الانتخابات أم أنها تنطحت للدفاع عن الشعب أو للتحدث باسم كل الشعب وعندما أتى الاستحقاق الانتخابي هربت لكي لا نرى الحجم الحقيقي لهذه القوى؟!!".

وأضاف الأسد: "إن هذه القوى هربت من الانتخابات تحت عنوان المقاطعة وعندما نقاطع الانتخابات فنحن لا نقاطع الدولة والحكومة والحزب الحاكم بل نقاطع الشعب لأن الانتخابات حق للشعب ولأن الناخب هو المواطن وليس الدولة ولا الحزب وبالتالي كيف يمكن لشخص أن يقف أمام الناس ويقول أنا أمثل الشعب وأنا أقاطع الشعب فهذا تناقض غير ممكن وإذا أردنا أن نضعه في فيلم خيال لما تمكنا".

وأكد الرئيس الأسد أن أي عملية سياسية لا ترتكز على الحالة الشعبية هي عملية ليس لها قيمة من الناحية الفعلية.. والحالة الشعبية عبرت عن نفسها حيث نزل الملايين من الناس إلى الشوارع.. رجالاً ونساءً وشباباً وشابات وأطفالاً وشيوخاً وعبروا بشكل واضح عن رفضهم للتدخل الأجنبي وللارتهان للخارج ورفضهم للمساس بوحدة الوطن ووحدة أراضيه ونسيجه الاجتماعي.. كما عبرت عن نفسها بالمشاركة في الانتخابات في هذه الظروف الصعبة وقبلها في انتخابات الإدارة المحلية وفي المشاركة الواسعة بالاستفتاء على الدستور على الرغم من التهديد والإرهاب.

وقال الرئيس الأسد: "إن أي عمل سياسي نقوم به يجب أن يرتكز على الأسس التي حددتها الجماهير ومنها الحوار الوطني الذي نتحدث عنه.. والحوار الوطني المقبل يجب أن يرتكز على هذه الأسس لكي لا يبقى حواراً شكلياً لا يحقق أي نتائج للمواطنين وللوطن.. ولذلك أقول.. عملية سياسية ولا أقول حلاً سياسياً.. فعندما نقول حلاً سياسياً فإن هذا يعني أن ما نقوم به الآن سيؤدي إلى تحسن الظروف ونحن قلنا إن الإرهاب منفصل عن العمل السياسي.. ولذلك أنا أقول هو مسار سياسي.

وأكد السيد الرئيس الأسد أن أي طرح سياسي لحل الأزمة في سورية لا يستند في جوهره إلى القضاء على الإرهاب هو طرح لا معنى له ولا فرصة له ليرى النور لذلك ستبقى أولى أولوياتنا القضاء عليه أينما وجد على الأرض السورية فلا سياسة ولا اقتصاد ولا ثقافة ولا أمان ولا حتى أخلاق حيثما يحل الإرهاب. وكان الأسد قد تعهد أمام مجلس الشعب بالاستمرار في محاربة ما وصفه بـالإرهاب، وأعلن أن عملية السلام للتوصل إلى حل سياسي للأزمة ماتت، وقال: "حربنا مع الإرهاب ستستمر، ليس لأننا نحب الحروب، لأنهم هم من بدأوا الحرب ضدنا، ولكن لأن سفك الدماء لن يتوقف سوى باقتلاع الإرهاب من جذوره أينما كان وبصرف النظر عن أي قناع يرتدي".

معركة حلب هي الفيصل الحاسم في الحرب

في الواقع، تشير سير المعارك منذ تحرير ريف اللاذقية، وشمال حلب، وتدمر، من قبل الجيش العربي السوري وحلفائه من المقاومة اللبنانية وإيران، وروسيا، وما يجري الآن من معارك متصاعدة في مدينة منبج التي وإن كانت لا تكتسي تلك الأهمية الإستراتيجية الكبرى قياساً إلى مدن سورية أخرى على غرار تدمر والقريتين ودير الزور والقصير وغيرها إلا أن أهميتها تنبع من كونها تشكل حلقة وصل بين الشرق والغرب وأساساً بين "عين العرب" وعفرين لتكون أعزاز لاحقاً في مرمى "النار" التي ستطيح بحسابات أردوغان وتضيّق هامش مناوراته التي باتت ضيقة بطبعها بعد أن فشلت جل مخططاته بسوريا بدءاً من مخطط المنطقة الآمنة مروراً بمحاولته الدفع باتجاه منطقة حظر جوي في الشمال السوري ووصولاً إلى نهاية أحلامه العثمانية بالتدخل البري في سوريا وانتزاع حلب من الجسد السوري...

وهذا يعني أن تحرير مدينة "منبج" يحقق عدة أهداف دفعة واحدة لعل أهمها:

- إنهاء وجود تنظيم "داعش" في هذه المدينة وبالتالي قطع "الحبل السري" الذي يربطه مع نظام أردوغان.

- وضع حدِّ لأحلام أردوغان باستعادة أمجاد السلطنة العثمانية عبر الزج بالدواعش في هذه المدينة ومحيطها لمحاربة الأكراد وإقامة "إمارة إسلامية" في أعزاز ما يعني عمليا كف يد أنقرة نهائيا عن سوريا وتصفية "لاعبيها المحليين" على الساحة السورية.

- قطع خط ا لإمداد "الساخن" بين تركيا وسوريا ومنع الدواعش من تركيز عصاباتهم الإجرامية على الحدود التركية - السورية وتشتيت مخططاتهم تمهيدا لتقطيع أوصالهم.

وتأسيساً على هذه الأهداف، نستطيع أن نفهم خلفيات التصريح الذي أطلقه الرئيس السوري بشار الأسد  في خطابه الأخير أمام نواب مجلس الشعب ، بأن حلب ستكون مقبرة أحلام أردوغان... ونستطيع أن نفهم سر الصمت التركي إزاء العملية العسكرية التي تشنها قوات سوريا الديمقراطية في مدينة منبج التي يبدو في الواقع أنها آخر "اسفين" في الدور التركي وفي ألاعيب أردوغان في سوريا والمنطقة بعد أن أدار الأمريكيون "لعبة" محكمة التوقيت والأدوار ليس فقط في الدفع بـ"حلفائهم" الأكراد في منبج بل أيضاً في توجيه رسالة دموية "كردية" إليه من خلال التفجير الأخير الذي ضرب مدينة اسطنبول التركية. مع العلم أن هذه المنطقة كانت قد أعلنتها تركيا "خطاً أحمر" وكان آخر تصريح في هذا الصدد من قبل وزير الخارجية التركي الذي أعلن أن أنقرة لا تريد رؤية أي مقاتل كردي على الضفة الغربية لنهر الفرات... لكن الولايات المتحدة وجهت صفعة مدوية لأردوغان الذي ما إن شعر بأن الحجر قد بدأ "يتدحرج" عليه حتى سارع إلى إبداء اعتراضات "مهذّبة" معتبراً أن تحالف الفصائل المسلحة التي تشن عملية عسكرية ضد تنظيم "داعش" في شمال سوريا بدعم أمريكي يتألف في معظمه من مقاتلين عرب محاولاً بذلك لعب آخر أوراقه بإحداث فتنة بين العرب والأكراد تشغلهم عن المضيّ في هذه المعركة التي ستليها معركة الباب مع ما تحمله من انعكاسات وانتكاسات جديدة بالنسبة إلى تركيا وأيضاً اغتنام فرصة للمراجعة والتراجع ولو قليلا عن مواقفه حيال هذه التطورات.

لكن الولايات المتحدة لم تعر أي اهتمام لذلك ليس فقط ليقينها أن أنقرة غير جادة في محاربة تنظيم "داعش" خصوصاً وأن تقارير إعلامية كشفت أن واشنطن أمهلت تركيا ستة أشهر كاملة للقضاء على داعش لكنها عجزت عن ذلك، بل أيضاً لأنها لا تريد إحراج "حليفها الكردي الجديد" الذي يشكل بدوره عنواناً لمشروع أمريكي يهدف إلى إنتاج "كانتون كردي" ورسمت "أمام الجيش العربي السوري "خطاً أحمر" له يمتد من دير الزور والرقة والطبقة ومنبج والباب وإعزاز وعفرين... وهذا الخط الأحمر الذي "يلتحف" بغطاء "الفيدرالية" التي تواتر التسويق لها في سوريا وخصوصاً في شمالها خلال الأشهر الأخيرة والذي تحاول الولايات المتحدة الترويج له بذرائع واهية منها أن الإمساك بمنطقتي "مبنج" و"الباب" سيقطعان طرق التواصل أمام تنظيم "داعش" ويفضيان إلى محاصرة وتطهير "مبنج" هدفه تحرير 40 ألف سوري من قبضة الدواعش... هذا "الخط الأحمر" الذي رسمته واشنطن في الشمال السوري لا يحدّده في الحقيقة "العطف" الأمريكي على أكراد سوريا ولا الموقف التركي المحكوم بمعادلة حسّاسة وبعلاقة جدلية مع واشنطن ولا "حدود الدم"، تلك التي ترسمها داعش على لوحة المشهد الإقليمي المرتبك والمشتبك بـ"خليط" يجمع كل هذه العوامل التي هي في النهاية ليست سوى "معاول" في مشروع أمريكي يرمي إلى إنتاج "كانتون كردي" في شمال سوريا... "كانتون" كثيراً ما "دغدغ" أحلام الكيان الإسرائيلي الذي لم يخف على مدى السنوات الماضية من عمر "الحريق السوري" أحلامه ونواياه بتقسيم سوريا عملاً بإستراتيجية "بن غوريون" المسماة بإستراتيجية "شدّ الأطراف"... والظاهر أن عملية تحرير منبج وعلى الرغم من أهميتها ومدلولاتها في الداخل السوري ورغم ما رافقها من هالة، ليست في الحقيقة إلا "الشجرة" التي تحجب "غابة" الأهداف الأمريكية الرامية إلى تمزيق سوريا وتقسيمها إلى دويلات معزولة.

اعلى الصفحة