معارك الشمال السوري وخيارات تركيا الصعبة

السنة الخامسة عشر ـ العدد 175  ـ (رمضان ـ شوال  1437 هـ ) ـ (تموز 2016 م)

بقلم: خورشيد دلي(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

مصطفى حسن خازم


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

مع تقدم قوات سوريا الديمقراطية نحو مدن غرب نهر الفرات، وتقدم قوات الجيش السوري وحلفائه باتجاه الرقة معقل داعش، دخلت معارك الشمال السوري مرحلة جديدة، وهي معارك ستكون لها تداعيات كبيرة على مسار الأزمة السورية، سواء على مستوى الداخل أو على المستوى الإقليمي، ولاسيما تركيا الدولة الأكثر معنية بالتطورات الجارية في الشمال السوري لأسباب كثيرة.

أهمية معركة منبج

من دون شك، لمعركة منبج أهمية إستراتيجية كبيرة لجميع الأطراف المعنية بالصراع، إذ أن لكل طرف حساباته وخططه المستقبلية، وعليه، فان هذه المعركة تثير الكثير من الجدل والمواقف، انطلاقاً من الحسابات والتداعيات المتعلقة بمرحلة ما بعد تحرير منبج من سيطرة داعش. ولعل في هذه الحسابات:

1- أن منبج تعد مركزاً استراتيجياً لداعش، إذ أنها تعد بداية الخط النظري لحدود دولة تنظيم داعش في سوريا والعراق مع تركيا، فهي تعد مركز عبور للمقاتلين القادمين من الخارج إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم، وكذلك للانتقال من الداخل إلى الخارج وذلك عبر تركيا. وعليه، فإن انتزاع المدينة من داعش يعني قطع التواصل الجغرافي مع تركيا، وهذا يعني الكثيرَ الكثير للتنظيم، لأسباب لها علاقة بالإمداد والتموين والمقاتلين والأسلحة...، وإذ ما نجحت قوات سوريا الديمقراطية في تحرير منبج والتقدم نحو الباب وإعزاز، بالتوازي مع تقدم قوات الجيش السوري وحلفاؤه بدعم جوي روسي نحو منطقة الطبقة في ريف الرقة الشمالي الغربي، فإن داعش سيصبح محاصراً في الرقة، وحينها سيكون بداية التفكير الجدي بمعركة الرقة التي تعد عاصمة التنظيم في سوريا.

2- بالنسبة للكرد، فإن أهمية منبج مضاعفة، إذ أنها ستكون المدينة الأولى غربي نهر الفرات التي ستقع تحت سيطرتهم عبر قوات سوريا الديمقراطية، ومثل هذه السيطرة، تعني:

أولاً، تجاوز الخط الأحمر الذي أعلنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مراراً، ووضع الأخير أمام موقف شديد الصعوبة في ظل الرعاية الأمريكية لتقدم قوات سوريا الديمقراطية.

ثانياً، أن الطريق إلى إعزاز وجرابلس ستصبح مفتوحة، وهو ما يعني توجيه ضربة قوية للفصائل العسكرية في تلك المنطقة، ولاسيما جبهة النصرة وأحرار الشام ولواء سلطان بايزيد... وغيرها من الفصائل المسلحة التي ستجد نفسها محشورة في خط حدودي ضيق جداً، وهي فصائل تتلقى الدعم من تركيا والسعودية وقطر.

ثالثاً، إن السيطرة على إعزاز تعني الربط بين المناطق الكردية شرقاً وغرباً للمرة الأولى، أي استكمال بناء مقومات الإقليم الكردي جغرافياً، ولمثل هذا الأمر سيكون تداعيات كبيرة على الداخل السوري وتركيا معاً، خصوصاً وأن الأخيرة بدأت تعيش على وقع الصعود الكردي والخوف من انتقال هذا الصعود إلى الداخل التركي في ظل المواجهات العنيفة بين الجيش التركي ومقاتلي حزب العمال الكردستاني.

3- بالنسبة لموقف النظام السوري وروسيا، فإن هذا الموقف يقوم على معادلة مركبة، فمن جهة ثمة نظرة إيجابية للمعركة بوصفها ضد المجموعات الإرهابية بنظر الطرفين، كما أنها تشكل ضربة لنفوذ تركيا وسياساتها تجاه الأزمة السورية. ومن جهة ثانية، ثمة مخاوف دفينة لدى الطرفين من أن تقوي هذه المعركة من الأوراق الأمريكية في الداخل السوري وتدفع الكرد إلى رفع سقف تطلعاتهم القومية خصوصاً بعد إعلانهم الفيدرالية، كما أن الوجود الأجنبي وتحديداً الأمريكي والبريطاني والفرنسي إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية باسم محاربة داعش بدأ يثير الرفض لدى دمشق وموسكو على اعتبار أنه يجري دون موافقة أو تنسيق مع الطرفين.

4- إن جغرافية منبج حيوية ومهمة لمجمل سوريا وحتى العراق وتركيا، إذ أنها تربط عمليا  بين ست محافظات سورية (الحسكة، دير الزور، حماه، حمص، حلب، الرقة) وعملياً السيطرة عليها تعني السيطرة على شبكة الطرق وخطوط المواصلات ولاسيما بين حلب والمناطق الشرقية، كما أنها مهمة للمعارك الجارية في العراق ضد داعش بسبب الترابط الجغرافي بين خط الرقة والموصل حيث خطوط الإمداد وانتقال المقاتلين، كما أنها حيوية لتركيا التي تنظر بحذر شديد إلى الصعود الكردي في سوريا وتطلعات الكرد إلى ربط مناطقهم في القامشلي وكوباني وعفرين جغرافيا، استكمالاً لإقليم روج آفا الكردي في شمال شرق سوريا على غرار ما جرى لإقليم كردستان العراق.

خيارات تركيا الصعبة

باتت المقاربة التركية للأزمة السورية مرتبطة إلى حد كبير بتطورات القضية الكردية وليست بإستراتيجيتها القديمة التي قامت على إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، فالتمدد الكردي شمالاً وشرقاً رسم ملامح كيان جديد يتشكل على طول حدودها الجنوبية، وإذا ما نجح الكرد في ربط عفرين بالمناطق التي سيطروا عليها، فإن كامل حدود تركيا الجنوبية تقريباً ستصبح مع هذا الكيان الجديد، وقد نقل هذا التحول الكبير إستراتيجية تركيا من موقع المبادر وصانع الهجوم إلى دور الدفاع، إذ أن أولويتها باتت كيفية حماية الداخل التركي من تداعيات الصعود الكردي الذي بدأ ينعكس في الداخل حربا دموية مع حزب العمال الكردستاني، وهي حرب يريد أردوغان منها توجيه ضربة إستباقية لإمكانية قيام كيان كردي في الداخل التركي مستقبلاً. وأسباب هذا التحول كثيرة ، لعل أهمها:

1- إخفاق السياسة التركية في إحداث خرق في مسار الأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات من دون وجود بارقة أمل لحلها حتى الآن، وهو ما وضع السياسة التركية في استنزاف دائم خاصة مع التوازنات الجديدة التي فرضها التدخل العسكري الروسي في سوريا، وتقدم الجيش السوري وحلفاؤه شمال حلب.

2- ثمة إحساس لدى صانع القرار التركي، بأنه فوت فرصة ثمينة بعدم التدخل العسكري في المراحل الأولى من الأزمة السورية، فمثل هذه الفرصة لم تعد موجودة، إذ أن مثل هذا الخيار يعني اليوم الصدام المباشر مع روسيا فيما تركيا وحدها غير قادرة على تحمل أعباء مثل هذا التدخل الذي سيكون مغامرة غير مضمونة النتائج، خصوصاً وأن أنقرة تدرك أن الحلف الأطلسي والولايات المتحدة لن يقف معها إذا تحول الأمر إلى مواجهة مباشرة مع روسيا وربما إيران الرافضة لأي تدخل عسكري تركي أو خليجي في الأراضي السورية.

3- إن الحليف التاريخي لتركيا أي الحليف الأمريكي بات عملياً حليفاً للعدو التاريخي أي الكرد، وهي تشعر فوق خسارة الحليف الأمريكي بمرارة شديدة، خصوصاً وأن كل مبادرتها لتفكيك التحالف الأمريكي الكردي فشلت، والتي كانت أخرها إعلان استعدادها تأمين قوات بديلة عن الكرد لخوض معارك الشمال ضد داعش إلا أن واشنطن تجاهلت هذه المبادرة ومضت في تحالفها مع قوات سوريا الديمقراطية، كما أن التهديدات التركية لواشنطن بضرورة الاختيار بين تحالفها التاريخي مع أنقرة وتحالفها الجديد مع الكرد انتهت، وعملياً كانت الرسالة الأمريكية المضي في التحالف مع الكرد الذين اثبتوا جدارتهم في قتال داعش على الأرض خصوصاً بعد معركة كوباني عين العرب، التي كانت معركة فاصلة دشنت التحالف الغربي مع كرد سوريا.

4- بسبب غياب بدائل عن فشل سياستها السابقة، بات أردوغان محرجاً أمام الداخل والخارج معاً، ففي الوقت الذي يطالب أمريكا بعدم التحالف مع الكرد لمحاربة داعش هو نفسه وافق على وضع القواعد التركية في خدمة القوات الأمريكية ويقدم العرض تلو العرض للجانب الأمريكي ولكن كل ذلك دون نتيجة، ولعل ما يزيد المشهد قتامة هنا، هو الإحساس بغياب رؤية لمرحلة ما بعد داعش في سوريا وضعف الفصائل المسلحة التي تدعمها في سوريا أمام زحف قوات سوريا الديمقراطية، فيما علاقاتها مع الخارج، من روسيا شرقا إلى أمريكا غرباً مروراً بأوروبا وقلبها ألمانيا تشهد المزيد من التوتر.

في ضوء المعطيات والوقائع السابقة، فإن تركيا تبدو وكأنها أمام خيارين صعبين:

الأول: اتخاذ موقف المتفرج من تقدم قوات سوريا الديمقراطية في الشمال السوري كما حصل أيام معركة كوباني، مع إدراكها بأن تداعيات هذا الأمر قد تكون دراماتيكية على الأمن الداخلي التركي، وهو ما يدفع بالاعتقاد لدى أنقرة بأن كلفة الانتظار من عدم التدخل العسكري باتت أكبر من كلفة التدخل العسكري، وعليه قد تلجأ في ظل هذا الوقع إلى تقديم المزيد من التنازلات للجانب الأمريكي بغية وقف تقدم قوات سوريا الديمقراطية عبر تقديم المزيد من المبادرات التي تؤمن لها تدخلاً عسكرياً ولو محدوداً برعاية وموافقة أمريكية.

الثاني: خيار التدخل العسكري خصوصاً إذا وصلت قوات سوريا الديمقراطية إلى إعزاز التي تعد النقطة الحدودية الأخيرة مع تركيا، لكنها تدرك أن مثل هذا الخيار يعني الصدام مع روسيا وربما الحليف الأمريكي، فمثل هذا القرار سيكون غزواً لدولة جارة كما حصل خلال الغزو التركي لشمال قبرص عام 1974 وهو ما جلب عقوبات وضغوطاً دولية على تركيا.

أمام الخيارين السابقين، ثمة إشارات جديدة تركية تسير في اتجاهين:

الأول: التصريحات الصادرة عن أقطاب الحكومة التركية الجديدة بأن أنقرة بصدد مراجعة سياستها السابقة تجاه الأزمة السورية على شكل اعتراف بفشل هذه السياسة، وإمكانية البحث عن سلالم سياسية للهبوط من قمة الشجرة، وحتى الآن اتخذت هذه المراجعة مجموعة من السلوكيات والممارسات والمواقف على النحو التالي:

1- السعي الحثيث للمصالحة مع روسيا، كما ظهر من رسالة الرئيس رجب طيب أردوغان لنظيره الروسي فلاديمير بوتين وكذلك رسالة رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم لنظيره الروسي ديمتري ميدفيف في العيد الوطني لروسيا، مع الإشارة إلى أن موسكو لم تعطِ حتى الآن أهمية للمساعي التركية هذه، وتصر على استجابة أنقرة لشروط القيادة الروسية، منها تقديم اعتذار عن إسقاط الطائرة الروسية فوق الحدود السورية التركية العام الماضي، ومحاكمة من تسبب بإسقاط الطائرة، وتقديم التعويض المناسب، وهو ما ترفضه أنقرة حتى الآن، وهو ما يعني بقاء العلاقات متوترة بين الجانبين، خصوصاً في ظل التناقض بين سياسة البلدين من الأزمة السورية وكيفية حلها.

2- الإيحاء التركي بالاستعداد للانفتاح على دمشق من زاوية الاتفاق والتعاون بشأن كيفية التعامل مع الصعود الكردي في شمال سوريا، وقد تجسد هذا الأمر في محاولة تركيا توسط الجزائر مع دمشق للاتفاق على هذا الأمر، ولكن الرد السوري يجعل من هذه المصالحة غير ممكنة، إذ أن دمشق تشترط أي تعاون مع تركيا في هذا المجال بوجوب سريان التعاون بشأن كل الفصائل المسلحة التي تدعمها تركيا في الشمال السوري، ووقف الدعم والإسناد التركي لهذه الجماعات، وهو ما ترفضه أنقرة التي تستخدم هذه الجماعات كأدوات لتنفيذ أجندتها إزاء الأزمة السورية والسعي الحثيث لإسقاط النظام السوري والمجيء بالجماعات المؤيدة لها إلى الحكم، ولاسيما جماعة الأخوان المسلمين التي تتخذ من أنقرة مقراً لها.

3- محاولة الانفتاح على إيران والعراق ولاسيما إقليم كردستان العراق من زاوية المصالح الاقتصادية، إلا أن التوجه التركي هذا يصطدم بسياستها المستندة إلى أمرين:

الأول: حضور البعد الغربي ولاسيما الأطلسي في سياستها تجاه هذه الدول والمنطقة، وهو ما يلقى الرفض من هذه الدول.

الثاني: التدخل التركي في الشؤون الداخلية لهذه الدول، ولاسيما العراق وكذلك مصر، الأمر الذي يجعل من المحاولات التركية في هذه المجال دون مفعول على أرض الواقع. ولعل أخر محاولات التدخل التركي في الشؤون الداخلية للعراق وسوريا معاً، هو التحرك على خط  الائتلاف الوطني السوري المعارض - إقليم كردستان العراق - المجلس الوطني الكردي الذي يعتبر نفسه المظلة السياسية لقوة بيشمركة روج افا، والأخيرة عبارة عن قوة عسكرية موجودة في إقليم كردستان العراق ومكونه من نحو ثلاثة آلاف مقاتل (حسب التقارير) وهي تابعة للأحزاب الكردية السورية المناوئة لوحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية وحزب الاتحاد الديمقراطي برئاسة صالح مسلم، حيث يجري الحديث عن اتفاق حصل  بين هذه الأطراف خلال زيارة قام بها رئيس الائتلاف أنس العبدة مطلع شهر يونيو/حزيران إلى أربيل لإدخال هذه القوة إلى أعزاز في شمال سوريا عبر تركيا، لمواجهة تقدم قوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري، وقد جرى هذا الاتفاق بدعم وتشجيع تركي للأطراف المذكورة. 

أردوغان  يؤسس لعودة العسكر

مجمل سياسة أردوغان في داخل تركيا وخارجها، وضعت السياسة التركية أمام طريق مسدود. ففي الداخل صعّد من حربه ضد كل من يعارض سياسته أو لا يوافق على أجندته السياسية ولاسيما بخصوص قضية الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي. وعلى خلفية هذه القضية ضغط على البرلمان لرفع الحصانة النيابية بهدف إقصاء المكون الكردي من البرلمان وإضعاف المعارضة السياسية ولاسيما حزب الشعب الجمهوري، إذ في ضوء تنفيذ التزامات قانون رفع الحصانة البرلمانية، فان البرلمان التركي سيصبح عمليا من حزب واحد، هو حزب العدالة والتنمية الذي بات أردوغان يتدخل في كل تفاصيله الصغيرة والكبيرة ، علماً أن مثل هذا الأمر يخالف الدستور التركي الذي ينص على أن رئيس الجمهورية يجب أن لا يكون حزبياً أو يمارس نشاطاً حزبياً لصالح هذا الحزب أو ذاك. 

وبموازاة هذا التصعيد في البرلمان لتمرير أجندته، صعد أردوغان من حربه ضد الكرد في المناطق الجنوبية والشرقية باسم مكافحة إرهاب حزب العمال الكردستاني، حيث يؤكد أردوغان أنه سيواصل حربه هذه حتى يوم القيامة، وسط تقارير صادرة عن الجيش التركي تقول إن عدد القتلى من الكرد زاد عن سبعة آلاف شخص فيما نفس التقارير كانت تقول في السابق إن عدد مقاتلي حزب العمال الكردستاني لا يتجاوز أربعة آلاف مقاتل، وهو ما يعني أن نصف عدد الضحايا هم من المدنيين إذا سلمنا جدلاً بأن الجيش التركي قضى على كل عناصر حزب العمال الكردستاني. لكن الثابت هو أن الوقائع تشير إلى كذب التقارير التركية، إذ في مقابل الحرب التركية صعد حزب العمال الكردستاني من عملياته العسكرية، وباتت عملياته اليومية توقع العديد من القتلى في صفوف الجيش التركي فضلاً عن المدنيين، وكذلك زيادة وتيرة العمليات الانتحارية في العديد من المدن التركية الكبرى بما في ذلك اسطنبول والعاصمة أنقرة. وأمام هذا الواقع لم يجد أردوغان سوى تكثيف الإجراءات العسكرية في المناطق الكردية والعودة إلى فرض حظر التجوال وإعلان حكم الطوارئ في الأقاليم الكردية، وإعطاء صلاحيات مطلقة للعسكر في  تشجيع مباشر للعنف وارتكاب الجرائم، كما حصل في مدن نصيبين وشرناخ وديرسيم وسور بديار بكر وجزرة، حيث أشارت العديد من التقارير الحقوقية الصادرة عن المنظمات الدولية بارتكاب الجيش التركي العديد من أعمال القتل والمجازر ولاسيما في مدينة جزرة.

كذلك فإن التصعيد ضد المنظمات الحقوقية والمؤسسات الإعلامية والصحفيين وجماعة فتح الله غولن الحليف السابق لأردوغان بلغت مرحلة غير مسبوقة، فحملات الاعتقال والإقصاء ضد هذه الجماعات لا تتوقف، وهو ما جعل من تركيا في مقدمة الدول التي تنتهك الحريات الشخصية والإعلامية، إلى درجة أن هذا الأمر بدأ يثير انتقادات شديدة لنظام أردوغان، بل إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أضطر إلى أن ينتقد هذه الإجراءات علناً خلال زيارة أردوغان الأخيرة إلى واشنطن، وهو ما تسبب بردود فعل متبادلة بين الجانبين على شكل أزمة سياسية باردة بين البلدين.

في الواقع، من أولى نتائج التصعيد الذي يمارسه أردوغان في الداخل، هو وضع نهاية للمسار الإصلاحي الذي اتبعه حزب العدالة والتنمية خلال الفترة الماضية، وإعادة جانب من الصلاحيات للعسكر بعد أن نجح في المرحلة السابقة من إخراج العسكر من المشهد السياسي عبر إعادة هيكلة مؤسسة الأمن القومي وإلحاق رئاسة هيئة الأركان بوزارة الدفاع وإصدار قوانين تسمح بمحاكمة العسكريين أمام المحاكم المدنية، وفي ظل القانون المنتظر بإعادة محاكمة العسكر أمام المحاكم العسكرية فقط فإن الجيش يستعد للدخول مرحلة جديدة من ممارسة تدخله في الحياة السياسية، مع أن هدف أردوغان من وراء ذلك هو إطلاق يد الجيش في ممارسة المزيد من البطش ضد الكرد والمعارضين لسياسته من خلال إعطاء رسالة بأن مرتكبي الجرائم لن يتعرضوا للمحاكمة  والعقوبات والسجن.

وعلى مستوى الخارج، فإن التصعيد المتواصل مع سوريا عبر الحدود ونشر المزيد من القطاعات العسكرية هناك، والسعي الدائم إلى إقامة منطقة أمنية عازلة بحجة حماية المدنيين، والتلويح الدائم بالخيار العسكري والتدخل في سوريا، وكذلك الأمر بالنسبة لشمال العراق ونشر قوات في منطقة بعيشقة وغيرها باسم مكافحة إرهاب داعش، كل هذه الأمور وغيرها، تجعل من مسألة عودة العسكر إلى واجهة المشهد التركي عودة ممكنة ومشروعة ومن البوابة التي رسمها أردوغان، ولعل أردوغان يريد من وراء ذلك إطلاق يد العسكر مقابل الاستئثار بالسلطة السياسية عبر إقامة نظام رئاسي مطلق الصلاحيات يتوِّجه سلطاناً عثمانياً في البلاد، وهو بهذا السلوك يؤسس لمرحلة من العسكريتاريا التي تمارس الاستبداد، وربما العودة إلى مرحلة الانقلابات العسكرية إذا ما جرى التصادم يبين الجهتين، خصوصاً في ظل استمرار الصراع الخفي العلني بين العلمانية والإسلام السياسي في البلاد.                          

مرحلة جديدة

من دون شك، مجمل التطورات السابقة غير بعيدة عن ما يجري في سوريا وتحديداً في شماله حيث تقترب المعارك من الحدود التركية، وتكاد تنتقل إلى الداخل التركي، ولعل من شأن هذا المسار الدخول في مرحلة جديدة ستكون لها تداعيات كبيرة على مسار الأزمة السورية من جهة وعلى الداخل التركي من جهة ثانية. ولعل الأطراف المعنية تدرك أهمية هذه المعارك الإستراتيجية، لذلك بدأت تتحرك لكيفية التعاطي مع تداعياتها المستقبلية. فعلى وقع اطلاق قوات سوريا الديمقراطية بدعم أمريكي جوي ومشاركة عسكرية برية محدودة معارك منبج وما بعدها ، أعلن الجيش السوري وقوات صقور البادية بدعم روسي عن معركة تحرير الرقة من داعش ، وتحركت نحو مدينة الطبقة شمال غرب الرقة حيث تشكل المنطقة نقطة فاصلة بين محافظات حماه والرقة وحلب وحمص، وتأخذ هذه المعركة شكل سباق روسي أمريكي إلى الرقة، وسواء حصل صدام أو تعاون بين الطرفين في هذه المعركة، فإن تحريرها من داعش يعني الدخول في مرحلة جديدة، ربما تكون مرحلة التسوية الحقيقية للأزمة السورية بعدما فشلت مفاوضات جنيف في تحقيق مثل هذا الحل المنشود للسوريين، إذ بات بحكم المؤكد أنه لا يمكن تحقيق الحل السياسي في سوريا في ظل وجود التنظيمات الإرهابية مثل داعش والنصرة وغيرها من المجموعات التي لا تؤمن سوى بالعنف والقتل. ولعل من شأن تقدم هذا المسار العسكري والسياسي معا على الأرض وضع تركيا أمام خيارات صعبة جداً، إذ أن خيار التدخل العسكري سيكون بمثابة انتحار سياسي في ظل التفاهم الروسي الأمريكي على الحل السياسي، كما أن الانتظار في ظل تقدم قوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري معاً، يضع تركيا في امتحان مع نفسها وعجز مزمن، ولعل مشكلة تركيا الأساسية هنا، هي أن من أوصل تركيا إلى قمة الشجرة دون أن يستطيع النزول منها بسلام وحكمة وعقلانية، هو أردوغان الذي بات يحدد كل تفاصيل سياسة تركيا الداخلية والخارجية، فهل أردوغان قادر تغيير جلده والانقلاب على نفسه؟ أم انه سيواصل رهاناته الخاطئة وصولاً إلى وضع تركيا نفسها أمام المجهول؟!.

كاتب وباحث متخصص بالشؤون التركية(*) 

اعلى الصفحة