القدس بين شعر التّفجُّع وأمل التحرير

السنة الخامسة عشر ـ العدد 175  ـ (رمضان ـ شوال  1437 هـ ) ـ (تموز 2016 م)

بقلم: هيثم محمد أبو الغزلان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

مصطفى حسن خازم


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

تحظى مدينة القدس بمكانة عالية قلما حظيت بها مدينة من المدن؛ لما تتمتع به من أهمية دينية تاريخية وحضارية. وحظيت كذلك بمكانة مرموقة في الأدب العربي. وتغنى بها الشعراء العرب على مر القرون فمنهم من تطرق لمكانتها الدينية، ومنهم من تطرق لمعالمها، ومنهم من جمع بين الجانبين فأصبحت القدس في شعرهم رمزاً مقدساً يشعل النفس والمخيلة في السلم والحرب على حد سواء.

والقدس من أقدم المدن التي عرفها التاريخ، وهي مدينة مقدّسة عند أصحاب الديانات السماوية من جهة، وبوَّابة واسعة للقارات الثلاث: آسيا وإفريقيا وأوروبا من جهة أخرى، ومن هنا استرعت اهتمام الغزاة والفاتحين فتعرّضت في تاريخها الطويل إلى ما لم تتعرض له أيّ مدينة أخرى على بقاع المعمورة نظراً إلى موقعها الجغرافي ومكانتها عند الأمم..

يقول الدكتور خليل الموسى في بحثه "القدس في مدوّنة الشعر العربي الحديث": "إنَّ مشكلة القدس مختلفة عن مشكلة أيّ مدينة أخرى في العالم، وهي معقَّدة الخيوط، فعلى الرغم من صغرها نسبيّاً بين المدن الكبيرة في العالم غير أنها تعجُّ بالأماكن المقدّسة عند أصحاب الديانات الثلاث، ولهذه الأماكن ذاكرة تاريخية تزيدها قداسة، ككنيسة القيامة والمسجد الأقصى وسواهما، وقد ذكر هذه الأماكن ووصفها وصفاً دقيقاً عارف العارف وسمير جريس، ومن هنا يتوقَّع المرء أن يطول زمن الصراع على هذه المدينة، وأنَّ جميع الحلول التي تقترحها هذه الجهة أو تلك ستظلّ حلولاً مؤقتة وموضعية، فالصهاينة لن يتنازلوا عن شبر واحد فيها، وقد حزموا أمرهم على ذلك، والعرب مسلمون ومسيحيون لن يتنازلوا عن منازل الآباء والأجداد من جهة، ولن يسكتوا عما يُصيب مقدساتهم ومعتقداتهم في هذه المدينة من جهة أخرى".

"شعر القدس"!!

لقد سارت المخططات الصهيونية الخاصة بمدينة القدس على طريق تأهيل المدينة لتكون عاصمة للدولة بدلاً من تل أبيب، وذلك عبر تغيير ملامحها العربية وإبراز الهوية اليهودية بالقوة وترسيخ الادعاءات الباطلة. ولتنفيذ هذه المخططات ساروا في خطّين متزامنين: ضمّ القدس إلى الكيان الصهيوني، وتهويدها، وهذا ما حدث للقدس الغربيّة في عام 1948، ثم احتلّ الصهاينة القدس الشرقيّة، واستطاع مناحيم بيغن اقتحام المدينة القديمة في صبيحة السابع من حزيران 1967، ودخلها دايان ليعلن أمام حائط المبكى: "لقد أعدنا توحيد المدينة المقدسة وعدنا إلى أكثر أماكننا قدسية، عدنا ولن نبارحها أبداً".

وتناول الدكتور فاروق مواسي في بحثٍ بعنوان: "القدس في الشعر الفلسطيني الحديث" مسألة كان من المفترض حدوثها كقراءة قصائد عن القدس تظهر مكانتها الدينية، وذلك في فترة الصراع مع الصليبيين منذ بدايات القرنين الحادي عشر والثاني عشر، لكن النماذج الكثيرة لا تدل على نشوء ما أصطلِحُ عليه "شعر القدس". "فلو تتبعنا بعض الدراسات عن هذه الفترة المذكورة، وخصوصاً الفصل الذي يتناول "تحرير بيت المقدس" في كتاب د.عمر موسى باشا "الأدب في بلاد الشام" على سبيل المثال فإننا نجد قصائد كثيرة قيلت في الأحداث والتحرير، ولكننا لا نجد أبياتاً تتناول القدس مكانًا بشيء من التركيز، أو ما يعكس خصوصية بارزة، بل كانت الأبيات مدحاً للأيوبيين ووصفاً لبطولاتهم، وذلك على غرار قول أبي الفضل الجلباني ( ت603 هجري):

الله أكبر أرض القدس قد صفرت          من آل أصفر إذ حَين به حانوا...

حتى بنيت رتاجَ القدس منفرجاً             ويصعد الصخرة الصماء عثمان

واستقبل الناصر المحراب يعبد من         قد تم من وعده فتح وإمكان

ويضيف مواسي: "ولا نستطيع أن نقع على قصيدة مستقلة تتحدث عن قدسية المكان وعن معالمه- أكثر من مجرد ذكر الاسم وإنما هي شذرات جمل وعبارات مختلفة؛ بل كان من المتوقع أن نقرأ قصائد القدس في كتب "فضائل القدس" الكثيرة أو في كتاب الأنس الجليل في تاريخ القدس، والخليل لمجير الدين الحنبلي (ت 1520م)، وفي كتب أخرى من هذا القبيل، أو في كتب الرحلات وما شابهها".

وكتب الدكتور عادل الأسطة: "في الأدب العربي درست صورة القدس في أدب فترة الحروب الصليبية، ولعلّ أهم تلك الدراسات دراسة د. عبد الجليل عبد المهدي "بيت المقدس في أدب الحروب الصليبية". طبعاً هناك دراسات عن القدسيات في أدب تلك الفترة. وهناك دراسات تناولت الأدب الحديث، مثل دراسة د. عبد الله الخباص "القدس في الأدب العربي الحديث في فلسطين والأردن"، ومثل دراسة د. فاروق مواسي "القدس في الشعر الفلسطيني الحديث"، ودراسة إيمان مصاروة "القدس في الشعر العربي الحديث". ولا ينسى المرء دراسة محمد الطحل "رواية القدس في القرن الحادي والعشرين" وهي رسالة ماجستير في جامعة النجاح الوطنية قمت بالإشراف عليها".

وجمع الباحث السوري محمد قجة، في كتاب له صدر في العام 2013، بعنوان "القدس في عيون الشعراء"، مختارات مما كتبه الشعراء على مر التاريخ عن مدينة القدس، وما تحظى به من مكانة كبيرة في نفوس العرب والمسلمين.

وأشار قجة إلى أن ما دفعه لتأليف هذا الكتاب هو الاستئناس ببعض ما قدمه الشعر العربي حول المدينة، وتوظيف هذا الشعر في فصول بحسب الموضوعات التي تناولها الشعراء، مؤكداً أن القدس واحدة من أكثر مدن العالم ذكراً واهتماماً على مدى آلاف السنين وواحدة من أكثر مدن العالم إشكالية، وهي ماثلة في آداب الشعوب وفي كتابات المؤرخين وبارزة في الأساطير.

القدس في الشعر العربي الحديث

أكد الناقد الفلسطيني عبد الله رضوان في مؤلفه الصادر عام 2012، وهو دراسة نقدية تطبيقية، بعنوان "القدس في الشعر العربي الحديث"، "قلة القصائد التي اتخذت القدس موضوعاً فنياً لها، بالقياس للعواصم السياسية العربية، وهذا سؤال يظل قائماً ويحتاج إلى تعمّق يبرر الأسباب ويبحث فيها" (ص77).

وتناول رضوان في بحثه انعكاس الصورة الشمولية حول تعاطي 32 شاعراً عربياً مع قضية القدس والكيفية التي تعاملوا بها معها. وماذا تمثل القدس في أذهان هؤلاء الشعراء العرب المعاصرين؟ وهل ما زالت القدس هي بيت القصيد؟ وهل ما زالت تعيش في الوجدان الشعري العربي، حضوراً تاريخياً وأسطورياً نبيلاً، وراهناً تعتصره الآلام ويلفه ما لف الأمكنة العربية الأخرى من سواد؟!..

واعتبر رضوان أن هناك غياباً حقيقياً وفاعلاً للمدينة إنساناً وأمكنة وتاريخاً عن الخارطة الشعرية العربية التقليدية، وربما يعود ذلك إلى أنها لم تكن عاصمة في يوم ما، لكن عقب هزيمة حزيران / يونيو 1967 وسقوطها بدأت تأخذ حضورها النسبي في المعطى الشعري العربي وإن ظل هذا الحضور محدوداً كمّاً وكيفاً.

ووفق رضوان فقد أمكن رصد صيغ وأشكال التمثلات الشعرية لمدينة القدس في التوظيف التاريخي والأسطوري والديني والتماهي والتناغم بين الذات والمكان وعرض الوقائع اليومية مع استمرار التعلق الروحاني النبيل، وباعتبارها خصوصية فلسطينية نادرة وحالة نضالية.

ومن الصيغ أيضاً إدانة الحاضر العربي والتوجع من الواقع اليومي والتباهي والافتخار بالمكان، ونظرة إنسانية حزينة وموقف ديني أيديولوجي واضح ودعوة للثورة والتغيير.

ووصل الدكتور فاروق مواسي إلى نتيجة: "..أن الحال لم تكن بأفضل حتى منتصف القرن العشرين، مع أن القدس ومنذ بدايات هذا القرن أخذت تعيش في صراع جديد يستلزم بالضرورة أن تكون هناك قصائد معبّرة عن الخطر ومنذرة بما يحدق منه، فهذا خليل مطران (1871-1949)، في قصيدة "تحية للقدس الشريف"، لا يجد إلا لغة التعميم في ذكره حبه لها:

سلامٌ على القدس الشريف ومن به             على جامع الأضداد في إرث حبه

على البلد الطهر الذي تحت تربه                قلوبٌ غدت حبّاتها بعض تربه

القدس بين النكبة والنكسة

أحدث احتلال جزء من القدس (1948)، واستكمال احتلالها بشكل كامل (1967)، صدمة قاسية على الشعراء والشعر العربي الحديث، واعتبر الدكتور خليل الموسى أن هذا الاحتلال قد أثّر تأثيراً بالغاً في سيرورة الشعر واتجاهه وبنيته في آنٍ معاً، ويمكن أن ندَّعي بأنَّ الصرخة الملحمية التي تجلَّت في شعر ما قبل النكبة، وكانت موجَّهة إلى استنهاض الهمم للقضاء على الغرباء، قد تحوّلت إلى صرخة أليمة حادة وزفرة رومانسية حارقة اتجهت إلى الداخل، ولاسيّما بعد النكسة. وفقد الشعراء الأمل إلى حدّ كبير بالبطل الملحمي، وحلَّ محلَّه البطلُ التراجيدي الذي استيقظ من أحلامه الوردية على واقع مرعب، وحلّ القلق محل الاطمئنان واليقين، كما حلَّت الرومانسية الدامعة محلّ الكلاسيكية الهادرة، وربما كانت صرخة الشاعر عمر أبو ريشة في قصيدته "بعد النكبة" معبّرة عن غياب البطل الملحي الذي كان ينتظره الشعراء من قبل"؛ ولنستمع إلى آلامه الدامية وهو يخاطب أمته ويشكو منها إليها ويوازن بين ماضيها وحاضرها:

أُمَّتي! كم غَصَّةٍ دامـــــــــــــيةٍ           خَنَقَتْ نجوى عُلاَكِ في فمي

أيُّ جُرْحٍ في إبائي راعفٍ           فَاتَهُ الآســـــــــــــــــــــــــــي، فلم يَلْتَئِمِ

أَلإِسْــــــــرَائِيلَ تعلـــــــــــــــــــــو رايةٌ             حِمَى المَهْدِ وظِلِّ الْحَرَمِ

   كيفَ أَغْضَيْتِ على الذُّلِّ ولم             تَنْفُضي عَنْكِ غُبَارَ التُّهَمِ...

رُبَّ "وَامُعْتَصِمَــــــــــــــــــــــاهُ" انْطَلَقَتْ        مِلْءَ أَفْـــــــــــــــــــــــــوَاهِ البناتِ اليُتَّمِ

لاَمَسَتْ أَسْمَاعَهُمْ لكنَّها                    لم تُلاَمِسْ نَخْوَةَ الْمُعْتَصِمِ

وخاطب الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود الأمير سعود منبهاً إلى الخطر الذي يحيط بالقدس ومسجدها الأقصى فقال:

يا ذا الأمير أمام عينك شاعر    ضمت على الشكوى المريرة أضلعه

المسجد الأقصى أجئت تزوره     أم جئت من قبل الضياع تودعه؟

ولبدويِّ الجبل قصيدة بكائية طويلة صارخة بعنوان "من وحي الهزيمة" نظمها بعد حرب تشرين 1973، وهو يبكي فيها على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس في ظلّ الاحتلال الصهيوني، ويوازن فيها بين حاضر العرب وماضيهم، ويرى أنَّ المسلمين فيها ضعاف، وكأنه يصرخ: "وامعتصماه" ولكن ليس من مجيب:

هَلْ دَرَتْ عَدْنُ أنَّ مَسْجِدَها الأَقْـ                ـصَى مكانٌ من أَهْلِهِ مَهْجُورُ

أينَ مَسْرَى الْبُرَاقِ، والقُدْسُ والمَهْـ              ـدُ وَبَيْتٌ مُقَدَّسٌ مَعْمُورُ؟

لم يُرَتّلْ قُرْآنُ أَحْمَدَ فيهِ                         وَيُزَارُ المبكى ويُتْلَى الزَبُورُ

طُوِيَ المُصْحَفُ الكريمُ، وَرَاحَتْ               تَتَشَاكى آياتُهُ والسُّطُورُ

ولم يقتصر الأمر على الآلام والبكاء والشكوى، وإنَّما تمادى الصهاينة في غِيّهم، ولم تقتصر اعتداءاتهم على الأرض والبشر، وإنَّما ذهبت إلى المقدسات الإسلامية والمسيحية، ولاسيّما المسجد الأقصى، فهو المكان الأكثر استهدافاً بحجّة كاذبة من حجج الصهاينة، وهي أنَّه مبني فوق الهيكل المزعوم، ولذلك دُنِّس هذا المكان غير مرّة، ولذلك يتوجَّه هارون هاشم رشيد إلى العرب الغافلين عما يُدَبَّر لهذا الصرح الديني في الخفاء، فيقول في قصيدته "صرخة الأقصى":

الْمَسْجِدُ الأَقْصَى يُبَاحُ وَيُهْدَمُ                   وَالْعَالَمُ الْعَرَبِيُّ غَافٍ يَحْلُمُ

المسجدُ الأقصى يَدُورُ بِسَاحِهِ                 الآثِمُونَ الْغَادِرُونَ ويُظْلَمُ

المسجدُ الأقصى على أَفْوَاهِنا            نَغَمٌ نُرَدِّدُهُ وشِعْرٌ يُنْظَمُ

وَقَصَائِدٌ رَنَّانَةٌ نَهْذِي بها                  وَتَلفُّتٌ وَتَحَسُّرٌ وَتَأَلُّمُ

وفي مسيرة الشعراء الذين تعاطوا مع القدس في شعرهم، يتوقف الناقد الفلسطيني عبد الله رضوان عند الشاعرة هلا الشروف وهي من الأراضي المحتلة، التي عمدت في قصيدتها "ودخلت في القدس القديمة" إلى شخصنة العلاقة مع المكان عبر تقديم حالة سردية أقرب للسيرة الذاتية قدمت فيها بوحها ورؤيتها ووعيها لمدينة القدس وكيف تراها:

"والقدس قناديل المقاتل/ والقدس ذاكرة المناضل/ كنا نمر على البلاد كما يمر الغيم فوق البحر/ صوب نهاية مجهولة/ كنا نمر على الجراح/ جراحنا متصوفين".

ومن وجهة نظر الشروف فالقدس نقطة رئيسة مضيئة في مسيرة النضال الفلسطيني.

أما القدس التي يقدمها تميم البرغوثي فهي قدس الصراع اليومي بين حضارتين وثقافتين ورؤيتين لا تلتقيان أبداً، بين غريب محتل طارئ يحمل تاريخاً مزيفاً وبين الإنسان الفلسطيني المتجذر في أرضه وتاريخه ووطنه: "في القدس توراة وكهل جاء من منهاتن العليا/ في القدس شرطي من الأحباش يغلق شارعاً في السوق/ رشاش على مستوطن لم يبلغ العشرين/ قبعة تحيي حائط المبكى/ في القدس متراس من الاسمنت/ في القدس دب الجند منتعلين فوق الغيم".

وكتب محمود درويش في قصيدة "سرحان يشرب القهوة في الكفاتيريا":

وما القدسُ والمدنُ الضَّائِعَهْ / سوى ناقةٍ تَمْتَطِيْها البداوه / إلى السُّلطةِ الجائِعَهْ. / وما القدسُ والمدنُ الضائعهْ / سوى منبرٍ للخطابَهْ / ومستودعٍ للكآبَهْ./ وما القدسُ إلاَّ زُجَاجَةُ خمرٍ وصندوقُ تبغ.. / .. ولكنَّها وطني. / منَ الصَّعْبِ أن تَعْزلوا / عصيرَ الفواكهِ عن كرياتِ دمي.. / ولكنَّها وطني

ويحاول الشاعر إبراهيم نصر الله في قصيدة "الطريق إلى القدس" بطريقته الخاصة الإجابة عن سؤال يمثل مركزية لديه حين يقول:

"نحنُ!! مَنْ نحن؟!/ نحن الطريق إلى ما نحب/ ونحن بداية ذاك الطريق إلى القدس/ حكمة هذا الشجر".

ويُبرز الشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد في قصيدته "القدس"، من خلال نصه حزن وفجائعية المشهد عبر استعراض ما حدث من احتلال والمناداة على الأهل والعشيرة لطلب النصرة مع التشكيك بإمكانية الاستجابة:

"لها للقدس وهي تئن/ تحت سنابك الحقد/ خطى الغازين تصفعها/ تلطخ جبهة المجد تفض الطهر من عينين/ أنادي لو يهز نداي/ لو يسمع لو يجدي/ أنادي المئة مليون/ من قومي ومن جندي/ أناديهم لعل الصوت يكسر صخرة اللحد".

أما الشاعر سليمان العيسى ففي قصيدته "عن الأقصى" فنجد حزناً إنسانياً ثائراً يشيد بالمقاومة والانتفاضة ويدعو إلى استمرارها مستخدمًا المسجد الأقصى رمزًا للقدس بخاصة وفلسطين بعامة:

سلام على الأقصى ونحن حجارة / تصب عليها النار رعبا جهنم / سلام على الأقصى وتخبو انتفاضة / لتشعل ألفا هذه الأرض أكرم..

هذه الروح الحزينة والمتمردة معاً نجدها عند عدد من شعراء الكلاسيكية سواء في الوطن العربي أو المهجر فالشاعر عمر أبو ريشه بقصيدته "عروس المجد" يشير بوضوح لخصوصية القدس ودورها العربي وأهميتها الإسلامية مع التأكيد على ما صنعته الآلام من توحيد المشاعر:

يا روابي القدس يا مجلى السنا                     دون عليائك في الرحب المدى

ومن وجهة نظر الباحث عبد الله رضوان فإن الحالة الإنسانية الأجمل في التعامل مع القدس باعتبارها حالة إنسانية شاملة ومغلفة بحس رومانسي عميق ومؤثر قد تمثلت في قصيدة الأخوين رحباني، التي غنتها فيروز، وفيها:

عيوننا ترحل إليك كل يوم/تدور في أروقة المعابد/تعانق الكنائس القديمة/وتمسح الحزن عن المساجد...

وقد عمد شعراء إلى إعلاء البعد الديني بموضوع القدس باعتباره البعد المسيطر انطلاقا من موقف أيديولوجي عقدي لا يرى القدس إلا صرحاً دينياً، فالشاعر يوسف العظم يقول:

حجارة القدس نيران وسجيل/وفتية القدس أطيار أبابيل/وساحة المسجد الأقصى/ ومنطق القدس آيات وتنزيل

وبمثل هذه الروح يعالج أمين شنار في قصيدته "بيت المقدس" موضوع القدس ممزوجًا بنظرة رومانسية حزينة فيقول:

"هنا المآذن الحزينة التي تسامر النجوم/ تمتد في وجوم/ المسجد الأقصى هنا مسرى الرسول/ مشى المسيح ها هنا وأمه البتول/ وها هنا الفاروق شاد مسجدا".

وقد اعتبر مظفر النواب في رائعته "سفينة القدس" المدينة بأنها بوصلة لقراءة المواقف وكل الجهات بعيدًا عنها خيانة:

"أيها الجند/ بوصلة لا تشير إلى القدس مشبوهة/ حطموها على قحف أصحابها".

وكتب الشاعر أحمد إبراهيم عبد الله الحاج الحلاحلة:

.. والقدسُ في كبدي جمرْ،/والقدسُ شوكٌ بالحلوقِ كما الإبرْ،/..

.. في القدسِ شعبٌ قد صبرْ،/في القدس شعبٌ قد تحصّنَ ما نخرْ..

ويتساءل الشاعر لطفي الياسيني:

أيُحرم الأهل من أرض لهم سلبت    وينعم الوغد حاشا لست راضيه

إرادة الله أقوى من إرادته              جسر التلاقي غدا لا بد نأتيه

وعن "آهات القدس"، كتب الشاعر شادي المناصرة:

آهـات صـدر الـقـدس يـا أمــم        عن وصفهـا قد يعجـز القلـم

صـرخات قدسي قـد تعالـت لوعـة        دوت لتسمـع من بـه صمـم

القدس قـد جرحـت و أدم جرحهـا        هيهـات أن الجـرح يلتلـئـم

ودعت الشاعرة شريفة السيد الفلسطيني بأن لا يترك أرضه فخاطبته:

أخي في القدس لا ترحـل تَشَبَّثْ، أمسِـك الأرضَا

وكُنْ لـو قيَّـدوكَ مُـدًى تجـزُّ القيـدَ لا ترضَـى

ونسراً في سمـاء الحـق فـوق القهـر مُنقـضَّـا

بـأسـنـانٍ مُـدَّبـبـةٍ تعـضُّ قلوبهـم عضَّـا

أما الشاعر عبد العزيز جويدة فكتب:

يا قدسُ قد غامتْ رُؤاي/ يا قدسُ أنتِ سَجينةٌ / والقيدُ أوَّلُهُ يداي / يا قدسُ أحلُمُ كُلَّ يومٍ/ أنْ يضُمَّكِ ساعِداي / يا قدسُ مَثْقوبٌ أنا  / كَثُقُوبِ ناي / فَلْتعزِفي حُزني لأبكي / رُبَّما هدَأتْ خُطاي / يا قدسُ جِسمي طَلقَةٌ / فَلْتُطلقيها واعلمي / أنَّ البِدايَةَ منكِ كانتْ مُنتهاي..

وكتب الشاعر محمود درويش:

واقف تحت الشبابيك / على الشارع واقفْ / درجات السلم المهجور لا تعرف خطوي / لا ولا الشباك عارفْ / وعلى أنقاض إنسانيتي / تعبر الشمس وأقدام العواصفْ

أما الشاعر نزار قباني فكتب:

بكيت حتى جفت الدموع / صليّت حتى ذابت الشموع / ركعت حتى ملني الركوع / سألت عن محمد فيك، وعن يسوع / يا قدس يا مدينة تفوح أنبياء / يا أقصر الدروب بين الأرض والسماء

وكتب الشاعر هارون هاشم رشيد:

لعينيها.. مدينتي التي سُجِنت

لمسجدها لأقصاها.. لحرمتها التي انتهكت

لخطو محمد فيها لما حملت، وما حفظت

وفوق جبينها المشجوج آي الله قد طُمِست

ومن قصيدة (عاش.. يسقط) للشاعر أحمد مطر نقرأ:

يا قدس معذرة ومثلي ليس يعتذر / مالي يدٌ فيما جرى، فالأمر ما أمروا / وأنا ضعيف ليس لي أثر.. / وأنا بسيف الحرف أنتحر/ وأنا اللهيب.. وقادتي المطر/فمتى سأستعر.. هُزّي إليك بجذع مؤتمر/ يسّاقطْ حولك الهذر/ عاش اللهيب.. ويسقط المطر!

ويقول الشاعر راشد حسين، في قصيدة "القـدس والساعة":

كانت الساعة في القدس قتيلاً وجريحًا ودقيقهْ / ولهذا كلما مرت بمحتلّي عيون القدس طفلهْ / طفلةٌ بنت صغيرهْ / فتّشتْ أعينهمْ.. آلاتهمْ في صدرها / في رحمها.. في عقلها.. عن قنبلهْ / وإذا لم يجدوا شيئًا أصرّوا:

"هذه البنت الصغيرةْ / وُلدت في القدسِ/ والمولود في القدسِ/ سيُضْحى قنبلةْ/ صدقوا المولودُ في ظل القنابلْ/ سوف يُضحى قنبلةْ..!"

في الختام، لقد تناول الشعراء قضية القدس في عدة وجوه؛ تراجيديا وألم، وصف دقيق لمعالمها، حلم بعودتها إلى أهلها، بواقعها الحالي الصعب المتمثل بسياسة التهويد والطمس، والإصرار على مواجهة كل مشاريع التهويد، وعلى أن تبقى القدس بوجهها العربي.

ولا أجمل من كلمات المحامي جواد بولس، لختام هذا الموضوع حين كتب: "القدس دمعة شمس منسية.. تنام كمدينة الهزيمة الدائمة التي كلّما حمت ضلعًا في صدرها الهش المكشوف خانتها الجهات وغدرت فيها الرياح.

إنها المدينة العانس، تأوي إلى حضن جورية ندية، وتحلم، كالمجدلية وكأيائل صهيون، بولادة فجر يندلق كالأماني، لكنها تفيق مع أول السحر لتجد خاصراتها تدميها خناجر الأصحاب والأهل والأعداء"...  

اعلى الصفحة