الثورة الإسلامية... مبادئ وإنجازات

السنة الخامسة عشر ـ العدد 171 ـ  (جمادى الثانية 1437 هـ ) ـ (آذار 2016 م)

بقلم: محمود إسماعيل

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

مصطفى حسن خازم


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

بعد مرور ٣٧ عاماً، لا تزال الجمهورية الإسلامية في إيران آخذة في الرقي والازدهار، متعالية على التوصيفات والتصنيفات واضعة نصب عينيها أهدافا لا تنحصر في تطورها ومكانتها في مصاف الدول المتقدمة فحسب، وإنما هي تخدم القضايا العامة للأمة.

إنجازات إستراتيجية هامة حققتها الثورة الإسلامية في إيران منذ انطلاقتها إلى اليوم، أخرجت البلاد من ظلمات التبعية والارتهان إلى زمن الريادة. ثورة صدرت الدعم للشعوب المستضعفة في مواجهة الاستكبار العالمي، وتعدت بنظرتها الثاقبة آفاق التطور الحضاري والعمراني، وصولاً إلى فضاءات الابتكار التكنولوجي، باكتفاء ذاتي وكسر قيود الحصار والتهديدات والعقوبات، ما دفع الدول الغربية إلى الهرولة نحو السوق الإيرانية الخصبة، فما صدرته الثورة إلى الخارج حقق انتصارات للمقاومات والشعوب المظلومة في المنطقة.

من جديد، كان ١١ شباط على موعد مع ذكرى انتصار الثورة الإسلامية، حيث عمت مسيرات مليونية كافة أرجاء الجمهورية الإسلامية، احتفاء بعيد استقلال وسيادة الشعب الإيراني. ساحة آزادي غرب العاصمة طهران، احتضنت كعادتها الذكرى للمرة الـ٣٧. الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني، الذي شارك الشعب مسيرته أطلق من على منبر الاحتفال تأكيدات على ثبات الشعب الإيراني رغم كل الأزمات التي مر بها مؤكدا أن انتصاراته نتاج لتمسكه بمبادئه وقيمه الثورية.

المسيرات شهدت زخماً إضافياً هذا العام، فعلى الرغم من برودة الطقس وتساقط الثلوج في العديد من المناطق الإيرانية، خرج المواطنون ليجددوا العهد والميثاق مع الثورة ومرشدها. كان لافتاً الحضور الشبابي، إضافة لوضع مجسمات تمثل رسائل أرادت منها الجمهورية الإسلامية إيصالها للخارج، من خلال استعراض قدراتها العسكرية والعلمية، ومن خلال رفع الشعارات المعادية للكيان الصهيوني والسياسات الأميركية، والداعمة لمحور المقاومة والقضية الفلسطينية.

انتصار ثورة الشعب الإيراني

في ١١ شباط ١٩٧٩ ، كان يوم الانتصار التاريخي للشعب الإيراني بقيادة الإمام الخميني ( قده ). فمع بزوغ فجر هذا اليوم، كانت الجماهير الإيرانية المنتفضة تواجه الدبابات العسكرية، حيث تحولت شوارع العاصمة طهران إلى مسرح لقتال دام بين أزلام الشاه وأبناء الثورة. وعلى الرغم من قسوة النظام بقمع المتظاهرين، فإن مجريات المعركة لم تكن في مصلحته، إذ سرعان ما أخذت النقاط الحساسة في العاصمة الإيرانية تسقط واحدة تلو الأخرى في قبضة أبناء الثورة، وأبرزها قواعد الحرس الملكي، ومقر الإذاعة والتلفزيون، حيث أخذت تبث بيانات الإمام الخميني وتعليمات قيادة الثورة الإسلامية.

وفي نفس ذلك اليوم، الإمام الخميني يبطل قسم اليمين العسكري الذي يلزم الجنود بالدفاع عن نظام الشاه ويفتي بأن القسم من أجل حفظ نظام الطاغية غير صحيح ومخالفته واجبة.

التطورات الميدانية المتسارعة في ذلك اليوم أخذت تنذر بإفلات زمام الأمور من يد النظام وبطانته، ورئيس حكومة الشاه شاهبور بختيار، الموالي لواشنطن، يتخذ قرار الهروب إلى باريس لينهار بذلك نظام الشاه وترتفع راية الثورة الإسلامية بقيادة الإمام روح الله الموسوي الخميني (قده).

لم يكن انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني مجرد حادثة داخلية قادت إلى تغيير النظام السياسي في إيران، بل كان زلزالاً أصابت ارتداداته العالم الغربي ومصالحه في المنطقة. فمنذ صبيحة الـ ١١ من شباط عام ١٩٧٩، بدأ العداء الواسع والشامل للثورة وقائدها من قبل الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، تتبعها الأنظمة العميلة لها. كما انضم إلى هذا المحور الإتحاد السوفيتي السابق والبلدان الدائرة في فلكه، بسبب موقفها من تشكل نظام يحكم باسم الدين في جوارها.

في غضون ذلك، أعلن الإمام الخميني التعبئة العامة للشعب الإيراني لإعمار البلاد، فأنشئت مؤسسة جهاد البناء التي انضم إليها كل ذوي الاختصاصات الإنمائية، لتبدأ خلال فترة وجيزة عمليات شق الطرق وإنشاء المراكز الصحية والعلاجية، وتأسيس شبكات المياه والكهرباء في المناطق المحرومة والقرى والأرياف على نطاق واسع.

لم يمض سوى شهرين على انتصار الثورة الإسلامية في إيران، حتى أعلن الشعب الإيراني، في واحدة من أكثر الانتخابات حرية في تاريخ البلاد، تأييده بنسبة ٢,٩٨ % إقامة نظام الجمهورية الإسلامية. خلال هذه الظروف تحديدا، اشتدت وتيرة الضغوط الخارجية على النظام الفتي، وكانت الولايات المتحدة الأميركية تسعى عن طريق طابورها الخامس في إيران، لافتعال المشكلات والاضطرابات الداخلية تمهيدا لإسقاط نظام الثورة.

من أولى الوسائل التي لجأ إليها أعداء الثورة لإضعاف نظام الجمهورية الإسلامية، اغتيال وجوه الثورة وشخصياتها الأساسية. فخلال فترة قصيرة، تمكن العملاء من اغتيال آية الله الشيخ مرتضى المطهري، الذي كان عضواً في مجلس قيادة الثورة، والدكتور محمد مفتح، والفريق قرني، رئيس هيئة الأركان، وآخرين.

كان بإمكان الإمام الخميني (قده) تأجيل قراراته الصادمة حتى يستقر له الحكم، لكنه اختار البدء بأصعب قرار، القرار الذي سيحول بلاده، خلال أشهر فقط، بنظر الولايات المتحدة والغرب، إلى راعي الإرهاب الأول في العالم. لقد قرر فوراً قطع العلاقات وسحب الاعتراف بإسرائيل، وحوّل سفارتها إلى مقر لأول سفارة فلسطينية، ثم مستقبلاً قيادات المقاومة، رفاق السلاح في الجنوب اللبناني الذي أطلق فيه لاحقاً نموذجاً جديداً للمقاومة.

في نظر الإمام الخميني، بناء دولة قوية يستلزم أسساً بذات قوة ومتانة الدولة، ولأنه لم يكن يريد أمة كأي أمة ضعيفة، نحا منحى القرارات التي لا يتخذها عادة إلا الشجعان. فقد كان رضوان الله عليه مثيراً للجدل، فتحدى الولايات المتحدة، رافعاً شعار الموت لأمريكا، وقد وصفها تكراراً بالشيطان الأكبر، مباركاً اقتحام سفارتها واحتجاز دبلوماسييها.

في رسالة مباشرة من الإمام الخميني إلى آخر رؤساء الإتحاد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، دعاه لإنجاز استئصال آخر الأعشاش المهترئة لحقبة الـ٧٠ عاماً من انحراف العالم الشيوعي. إلى ذلك، فقد أباح دم سلمان رشدي بسبب كتابه "آيات شيطانية"، مثيراً الغرب وجماعات حقوق الإنسان، كل هذا وهو في قلب حرب ضروس مع العراق، في وقت كانت الثورة الإسلامية لا تزال جنيناً، حرب أطلقها صدام حسين الذي قدم نفسه مدافعا عن البوابة الشرقية للعالم العربي في مواجهة تصدير الثورة.

بعد مرور ٣٧ عاماً على نزوله الهادئ سلم الطائرة، يمكن القول إن عالم ما قبل ثورة الإمام الخميني(قده)، أو ربما الأصح معادلات ما قبله لم تعد كما بعده.

رسالة الإمام الخميني (قده) لغورباتشوف

يقول الإمام الخميني: "حضرة السيد غورباتشوف.. لقد وجه الزعيم الصيني ماو تسي تونغ الضربة الأولى للشيوعية، وها أنتم تنزلون بها الضربة الثانية، ويبدو أنها القاضية، ولكني أطلب منكم على نحو أكيد أن تحذروا من الوقوع في سجن الغرب والشيطان الأكبر  فيما أنتم تحطمون جدران الماركسية".

هذا مقطع من الرسالة التي بعثها الإمام الخميني (قده)، قائد الثورة الإسلامية في إيران، إلى ميخائيل غورباتشوف، رئيس الإتحاد السوفيتي، عام ١٩٨٩ ، في وقت كان الإتحاد السوفيتي يعد ثاني أقوى دولة في العالم. وقد عدت هذه الرسالة تاريخية نظرا لمضمونها وجرأة كاتبها وكشفه عن أهم أزمات العصر الحديث المتأتية من الأيديولوجيات الوضعية، وما اشتملت عليه من دعوة صريحة إلى اعتماد الإسلام ليكون بديلا عن الأنظمة الحاكمة.

لم يكن أشد المراقبين تشاؤماً بشأن مستقبل الشيوعية يتوقع انهيار الإتحاد السوفيتي بعد أقل من سنتين على رسالة الإمام إلى غورباتشوف أي في عام ١٩٩١. وفيما أكدت وسائل إعلام غربية أن ما قاله الإمام الخميني بشأن سقوط الفكر الشيوعي كان استنتاجاً علمياً ومنطقياً، فقد دهش المراقبون السياسيون من أن يبعث زعيم دولة إقليمية أنهكتها الحرب رسالة توجيهية إلى زعيم دولة عظمى.

بعث الإمام الخميني برسالته هذه بعد مضي سنوات على الإصلاحات السياسية لغورباتشوف ضمن ما عرف بـ"البريسترويكا"، أي إعادة البناء الشاملة، بعد ما أطلت الأزمات في سماء الإتحاد السوفيتي خصوصا، والدول الاشتراكية عموماً. وقد أثنى الإمام الخميني في رسالته على محاولة غورباتشوف الإصلاحية، ولكنه في الوقت نفسه شكك في القدرة على تحقيق إنجازات ما لم يتطلع إلى الثقافة الإسلامية ويستفد من منجزاتها ورؤيتها.

لقد أفصح الإمام الخميني في رسالته عن حقيقة يراها في غورباتشوف بأنه لم يعد يؤمن بالماركسية، وأنه مضطر لاستخدام بعض مقولاتها ليمرر خطته الجديدة، فقال بجرأة: "إن هذه الشيوعية يجب تحنيطها في متاحف التاريخ".

يقول الإمام الخميني: "إن الشيوعية لم تعد تلبي أي حاجة من الحاجات الواقعية للإنسان، كما أن الدول اليوم لم تعد مستعدة لأن تواكبكم لحرصها على أوطانها وشعوبها ومنع هدر ثرواتها الطبيعية لترسيخ أقدام الشيوعية. أما الشيوعية، فقد باتت أصواتاً تهشم عظامها تطرق الأسماع".

لقد أثبت الإمام الخميني في رسالته، وببلاغة شديدة، أن المسار التاريخي الذي جرى في الإتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية أفشل مقولة "إن الدين أفيون الشعوب"، بدليل أنه على الرغم من مرور ٧٠ عاماً على التجربة الماركسية في الدعوة ضد الدين، فإن ذلك لم يستطع إبعاد الشعوب عن الإيمان بالله، وأن الدين الحقيقي هو عامل تثوير للشعوب المطالبة بحريتها وكرامتها، وإن كان من دين مخدر للشعوب، فهو دين الإمبريالية والتسلط والاستغلال والغزو الثقافي واستلاب القيم المعنوية للإنسانية.

تلافياً لما كان يمكن أن يشعر به الزعيم السوفيتي خطأ من أن قائد الثورة الإسلامية طامع في إسلامه، لتقوية المسلمين به وببلاده، فقد عمد الإمام إلى التوضيح بأنه خاطبه ليس لأن الإسلام والمسلمين بحاجة إليه، بل لأجل القيم العالمية الرفيعة للإسلام. وفي هذا ينطلق الإمام من اليقين بأن الله تعالى أقوى، وأن الحاجة إليه وحده سبحانه، لا إلى البشر، وأن الإسلام لا ينتشر بالقوة المادية بل بالإيمان قبل كل شيء.

لا تزال شخصيات كثيرة تولي اهتماماً بالغاً برسالة الإمام الخميني إلى غورباتشوف وتصفها بالخالدة، لما اشتملت عليه من ضرورة عدم ترك العالم يتجه إلى الأحادية، والتحذير في الوقوع في فخ الرأسمالية، وأن مواصلة الإصلاحات تكون بالعودة إلى الله  تعالى وبالاتكال عليه وعلى الشعب بعد الله سبحانه.

سياسة إيران الخارجية

 يلاحظ مراقبون أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية حازت على مدى السنين الأخيرة اهتماماً واسعاً من وسائل الإعلام والخبراء والمحللين في منطقة غرب آسيا والعالم على حدّ سواء، ولاسيما في ما خصّ سياساتها الخارجية والأسس التي تقوم عليها، فكما نعرف تحوّلت "إيران ما بعد الثورة الإسلامية" التي قادها الإمام الخميني (قده) عنصراً أساسياً ومؤثراً وفعّالاً على الساحتين الإقليمية والدولية.

أحد الشواهد الكثيرة على ذلك، تمثّل في "الاتفاق النووي التاريخي" الذي أبرمته إيران مع السداسية الدولية، والذي تضمّن إقراراً صريحاً وللمرة الأولى بعد نحو عقد من التعنّت والرفض بحق الشعب الإيراني بالاستفادة من الطاقة النووية السلمية والإستحصال على أحدث العلوم والتكنولوجيا اللازمة في هذا المجال.

هذا الاتفاق "الزلزال" بآثاره ونتائجه كما وصفه البعض لا يزال صداه يتردّد في الأروقة الدبلوماسية والإعلامية العالمية. فقد رفع مكانة إيران من دولة في العالم الثالث إلى مصافي الدول المتقدمة والمتحضّرة. وهي إذ أثبتت بعد سنوات من مواجهتها للضغوط الخارجية سلمية برنامجها النووي، تمكنت من الاستفادة من هذا المصدر المهم للطاقة في سدّ احتياجاتها وتطوير صناعاتها ومتابعة مسيرها في الإستحصال على المعرفة والعلوم ذات الصلة.

الحديث عن السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية لا يستوي من دون التطرّق إلى القضية الفلسطينية المؤلمة ومآلاتها، فالجمهورية الإسلامية الإيرانية تولي هذه القضية المفصلية اهتماماً خاصاً، بحيث تتعامل مع مختلف التطورات الجارية في المنطقة وتتخذ مواقف إزاءها انطلاقاً من مدى تأثيراتها وتداعياتها على القضية "المركزية"، أعني بذلك القضية الفلسطينية. وفق قاعدة أن "لا شرعية لثورة، فلسطين ليست شعارها".

ولا ننسى أن إيران تُعدّ في يومنا هذا على الرغم من كل الضغوط والمؤامرات التي تتعرّض لها وكل المحفزات والمغريات التي تعرض عليها لثنيها عن ذلك، الداعم الأول سياسياً ومالياً وتسليحاً لقوى المقاومة في المنطقة، والراعي الأول والوحيد لفصائل المقاومة العسكرية الفلسطينية.

"فلسطين هي البوصلة" ليست بالنسبة إلى الإيرانيين شعاراً للمزايدة، بل قناعة ونهجاً جدّياً أثبتهما تاريخهم الحديث، فمنذ الساعات الأولى التي أعقبت ولادة الثورة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩، كان القرار بإغلاق سفارة الكيان الصهيوني في طهران، واستبدالها بالسفارة الفلسطينية، كما أعلن الإمام الخميني (قده) يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان ليكون يوماً مخصصاً لفلسطين ولنصرة المستضعفين في كل العالم تحت مسمى يوم القدس العالمي.

كما أدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دوراً هاماً على صعيد مكافحة الإرهاب بكافة أوجهه ولاسيما التكفيرية منها، فكما هو معلوم وقفت الدولة الإيرانية على نحو واضح وصريح إلى جانب الجيشين السوري والعراقي في مواجهة الإرهاب "الداعشي" والمجموعات التكفيرية الأخرى كـ"جبهة النصرة" وأخواتها، وكان إصرار دولي عبّر عنه المبعوث الأممي إلى سوريا لإشراكها في مؤتمر جنيف السوري الرامي لإيجاد حل للأزمة السورية.

لقد أثبتت التطورات الماضية أن الجمهورية الإسلامية تدافع بصلابة عن مواقفها المبدئية، وأنها على استعداد لأن تتحمل من أجل ذلك كل أصناف المؤامرات والضغوط ، وهي تؤمن حقيقة بأن تحوّلها إلى إحدى أهم دول المنطقة والعالم إنما هو نتيجة لعنفوانها وصمودها.

من المعروف أن الدول المتحضّرة عادة ما تنتهج سياسة خارجية قائمة على مبادئ وأسس محددة تتطابق مع مصالحها وتوجّهاتها. وانطلاقاً من هذه القواعد تحدد أولويتها وتراتبية اهتماماتها. وعلى هذا النحو حدّد الإمام الخميني منذ اليوم الأول للثورة الهدف الأسمى للدولة الإسلامية بالعمل وفق أسس ومبادئ وتعاليم الدين الإسلامي المحمدي الأصيل. وقد نصّ دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية على ذلك بوضوح.

وفي نظرة مقتضبة على القسم المتعلق بالسياسة الخارجية في الدستور الإيراني، يمكننا أن نلاحظ أن التعاليم القرآنية والإسلامية هي الأطر الكبرى التي تحدد وترسم طريقة مقاربة إيران لشتى الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المطروحة. ولهذا السبب فإن اختلاف الحكومات ورؤساء الجمهورية على مدى العقود الثلاثة المنصرمة لم يغير من توجهات السياسة الخارجية الإيرانية، التي يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:

ــ رفض الهيمنة: وهو أحد أهم مبادئ السياسة الخارجية الإيرانية، إذ تعتقد إيران أن العلاقات بين الدول يجب أن تخلو من أي هيمنة وتسلط لطرف على الآخر، وعليه فإن إيران ترفض الخضوع لأي هيمنة من أي دولة أتت، كما ترفض بدورها الهيمنة على أي دولة في المنطقة. وفي هذا الإطار، يقول الإمام الخميني(قده) إن "من المبادئ الهامة للجمهورية الإسلامية عدم خضوع المسلمين لهيمنة الكفار، والله سبحانه وتعالى لم يرضَ بأي سلطة لكافر على مسلم ولا يجوز للمسلمين أن يخضعوا أنفسهم لهذه الهيمنة".

ــ طلب الحق ورفض الظلم والغطرسة: وتحت هذا العنوان يندرج التصدي لمخططات الاستكبار العالمي والظلم الذي يطاول الشعوب المسلمة وغير المسلمة في أنحاء العالم.

ــ الدفاع عن المستضعفين: وذلك يكون من خلال أسلوبين، عبر المواجهة المباشرة مع المستكبرين الذين تسببوا باستضعاف الشعوب، أو عبر الدفاع عن المستضعفين في الأروقة السياسية والدبلوماسية. وفي هذا الخصوص قال الإمام (قده) " يجب علينا أن ندافع عن مستضعفي العالم..."، مردفاً إن " الإسلام هو المدافع الأول عن المستضعفين في العالم ".

ــ الدفاع عن المسلمين ودعمهم: فسياسة إيران الخارجية التي تعتمد على الأصول الإسلامية ملزمة بالإهتمام بشؤون مسلمي العالم والدفاع عن حقوقهم. ويشير الإمام الخميني إلى هذا الأمر على نحو صريح من خلال قوله: " نحن وجميع المسلمين أخوة، وهذا مبدأ إسلامي يلزم أي مسلم بمساعدة أخيه المسلم ".

ــ التعايش السلمي: لقد بنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية سياساتها الخارجية على مبدأ السلام والتعايش مع الدول المجاورة إنطلاقاً من المبادئ الإسلامية، حيث أن الإسلام يرى أن حالة الحرب غير طبيعية، ويحرم الاعتداء على الآخرين وشنّ الحروب من دون وازع.

ــ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وإرساء العلاقات الثنائية على أساس الاحترام المتبادل: فالجمهورية الإسلامية تعتقد بأن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى يتسبب بحالة من التوتر قد تؤدي لاحقاً إلى حروب بين الدول. والدستور الإيراني ينص صراحة على التزام الدولة "الامتناع الكامل عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى...".

ــ الالتزام بالمعاهدات والقوانين الدولية: فالجمهورية الإسلامية الإيرانية عضو فعال وأساسي في المجتمع الدولي يلتزم القوانين والمعاهدات والاتفاقيات الدولية. وقد أكد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي أن إيران دولة إسلامية تحترم كل المعاهدات التي وقعتها سابقاً.

إيران بعد الاتفاق النووي

إنّ تحرّر إيران من عبء العقوبات، سيجعل من حركتها في الإقليم أكثر فعالية، وهنا سيكون التأثير المباشر في ساحات أساسية ثلاث تختصر المشهد في الشرق الأوسط وهي العراق، سوريا واليمن، ولن يكون في مقدور الدول الإقليمية المناهضة لها أن تجاريها في التنافس على هذه الساحات، فإذا كانت طهران قبل رفع العقوبات استطاعت مع حلفائها في محور المقاومة أن تحقق إنجازات هامة على مختلف الأصعدة أنبأت بفشل العدوان على هذا المحور، على الرغم من الكمّ الهائل من الضخّ الإعلامي والمادي، فالسؤال الكبير الآن كيف سيكون أثر الفعل الإيراني بعد تحرّر الجمهورية الإسلامية من القيود الاقتصادية والسياسية التي كانت مفروضة عليها وخروجها من عزلة اقتصادية استمرّت سنوات وعودتها إلى السوق النفطية وإعلانها بعد دقائق من رفع العقوبات الدولية على لسان نائب وزير النفط الإيراني أمير حسين زماني أنها مستعدّة لزيادة صادراتها من النفط الخام ٥٠٠ ألف برميل يومياً؟

سيكون العالم على موعد مع عصر صاعد جديد لإيران وللمحور الذي تنتمي إليه. لقد دخل الاتفاق النووي التاريخي بين إيران والسداسية الدولية حيز التنفيذ، ورُفعت العقوبات الدولية عن طهران بعدما تحققت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) أنها نفذت التزاماتها النووية، وفق بنود الاتفاقية الشاملة حول البرنامج النووي الإيراني.

تجاوزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة الحظر ودخلت مرحلة التنمية من خلال تثبيت حقوق الشعب النووية ووضع الاقتصاد الإيراني في مدار الاقتصاد العالمي، مع مراعاة مطالب واحتياجات الأطراف كلّها، ما يشكل فرصة للمساهمة في استقرار وأمن المنطقة والعالم ويمهّد الأرضية لاتّخاذ خطوات جبّارة في مجال العلاقات الخارجية على المستوى الإقليمي والدولي.

لن تتراجع طهران التي خاضت المباحثات النووية بأفضل شكل ممكن عن ثوابتها. ستبقى تحالفاتها على ما هي عليه وستترسّخ أكثر بعد تنفيذ الاتفاق النووي، وستكون المعارك التي تخوضها أكثر إصراراً عليها. فهي تعتبر أنّ هذا الصمود على كلّ ساحات الاشتباك مع حلفائها هو الذي أوصل إلى هذه اللحظة التي تحقق فيها هذا الإنجاز الكبير، لكن هذا لا يعني أنها قبل توقيع الاتفاق ليست كما بعده بالنسبة لعلاقتها مع العالم والمجتمع الدولي مع تأكيدها على خياراتها الإستراتيجية والثوابت التاريخية للثورة الإيرانية، ولا يعني أنّ الإيراني عاد ومن الباب العريض إلى ما يسمّى المجتمع الدولي، فهذا الأمر ما كان ليحدث لولا ثبات الإيرانيين وإصرارهم على موقفهم واعتبارهم أنّ الغرب هو الذي تغيّر وسلّم بإيران القوية المستقرّة صاحبة الدور الإقليمي.

يمثل إلغاء العقوبات وفق الرئيس روحاني انفراجة كبيرة أمام الشعب الإيراني وسيزيد من مدخول البلاد من العملات الصعبة، بسبب رفع القيود عن صادرات النفط والإفراج عن الأرصدة المجمّدة، وسيخفض تكلفة التبادل التجاري مع الخارج ويوفر إمكانية الاستفادة من خدمات النظام المصرفي الدولي والاستفادة من الرساميل الأجنبية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والحصول على التكنولوجيات الجديدة وزيادة الصادرات غير النفطية، ولذلك فإنّ الاتفاق النووي يشكل نقطة تحوّل في التاريخ الاقتصادي للبلاد.

وفي موازاة ذلك، سيشهد حلفاء إيران بعد رفع العقوبات عنها تضييقاً وحصاراً، باعتبار أن واحداً من المآخذ السعودية والأوروبية على الإدارة الأميركية أنها ستحرّر طهران من الضغوط الاقتصادية، وتساعدها على استعادة قوتها العسكرية والاقتصادية، بشكل أنّ حلفاءها سيستفيدون أكثر، ما يعني أنّ كلّ إزالة للعقوبات عن إيران سيقابلها مزيد من التضييق على هؤلاء، لكن في المقابل ستبقى التزاماتها حيالهم مستمرة، لن يتأثر أصدقاؤها بالعقوبات طالما أنّ هناك مئة طريقة للالتفاف عليها، فهذه العقوبات محدودة المفعول ولا تتعدّى الخربطات الغربية التي جاءت بطلب من بعض الأطراف الداخلية اللبنانية.

إنّ من شأن عودة إيران إلى موقعها الطبيعي سياسياً وجيو/استراتيجياً ونفطياً ومالياً، أن توسّع من دائرة تأثيرها في المنطقة، لاسيما أنّ دول الخليج قدّمت نفسها في كلّ الحالات في موقع الخاسر، وهذا ظهر في هبوط أسواقها كردّ فعل لهذا التموضع، ولو تحكّمت الموضوعية والعقلانية والحكمة بسياسة هذه الدول اتجاه إيران لكان من المفروض أن تكون استجابة الأسواق الخليجية لحدث كهذا ارتفاعاً في الأسهم لا العكس.

وعليه، تنظر السعودية بريبة لبدء تنفيذ الاتفاق وستحاول عرقلته بمختلف الطرق، فهي بدأت قبل أيام من بدء تنفيذه بحملة تصعيد كبيرة، كانت باكورتها إعدام الشيخ نمر النمر، في محاولة منها لجرّ طهران إلى تصعيد مقابل، من شأنه أن يُطيّر الإتفاق، غير أنّ الإيرانيين كانوا متنبهين جيداً إلى هذا الأمر، ودرسوا خطواتهم بدقة. ولذلك، ستكون المرحلة المقبلة مرحلة تصعيد سعودي و" إسرائيلي "، فلن ترضى الرياض بمرور هذا الاتفاق وستلجأ إلى افتعال أزمات جديدة من خلال ملفات أخرى، ومحاولة استدراج طهران إلى التصعيد، على الرغم من أنه لم يعد بمقدورها التصعيد إلا بورقة الحرب التي لن يسمح الداخل السعودي المنقسم إزاء السياسة السعودية باستخدامها، وكذلك الولايات المتحدة لكي لا تحترق مصالحها في الخليج. أما " إسرائيل " ، فمن جهتها ستعمل من خلال اللوبي "الإسرائيلي" في أمريكا على التأثير على الجمهوريين عشية الانتخابات الرئاسية الأمريكية، لاستصدار قرارات تكون بمثابة التنصّل من هذا الاتفاق.

ويمكن القول إنّ المنطقة أمام إيران جديدة تدرك كيف تميّز بين نوعين من الانعكاسات عليها، أكانت الإيجابية منها أم السلبية، كنتيجة للاتفاق النووي، ولذلك تسعى هي لأخذ الإيجابيات ورفض السلبيات. 

   

اعلى الصفحة