المواجهة التركية الروسية: عِبر لإسرائيل

السنة الخامسة عشر ـ العدد 171 ـ  (جمادى الثانية 1437 هـ ) ـ (آذار 2016 م)

 ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

مصطفى حسن خازم


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

ترجمات

بقلم: عاموس يدلين مركز أبحاث الأمن القومي

لدى إسرائيل مصالح متعارضة في المواجهة التركية- الروسية، لكنها في الواقع تشير إلى الهدف الأهم حالياً، كذلك حيال الولايات المتحدة وأوروبا، تشكيل وبلورة إستراتيجية، تؤدي إلى إضعاف وحتى إبعاد القوتين السلبيتين اللتين تعملان في سوريا: نظام الأسد من جهة والدولة الإسلامية من جهة ثانية.

المطلوب عمل مشترك لإيجاد حلّ للازمة في سوريا، في غضون دمج لمسعى عسكري، دبلوماسي وسياسي. الإبداع الإسرائيلي في هذا الصدد يجب أن يشير إلى عدم القدرة على إعادة توحيد سوريا وكذلك على ضرورة ترسيخها من خلال إعادة رسم الحدود، ربما في إطار فدرالي.

في أي حلّ يتم إيجاده، العبرة من المواجهة التركية الروسية بالنسبة لكافة المتدخلين في سوريا، هي، أنه في الشبكة المعقّدة التي تشكّلت في الشرق الأوسط لا يجب السماح للخصومة بين الطرفين أن "تبيّض" طرفاً ثالثاً. الزمن الحاضر يقول، الرغبة في إضعاف الدولة الإسلامية لا يثبت نظام الأسد المدعوم من قبل إيران، ومن جهة أخرى، معارضة التدخل الروسي- الإيراني لا يقر بدوره الدولة الإسلامية أو جبهة النصرة كبديل للأسد. التحدي هو، إيجاد الإستراتيجية الصحيحة والشاملة، المدعومة بشكل حازم، بالموارد والقوات البرية، لمحاربة بشكل متوازٍ الأسد والقوات السلفية الجهادية في سوريا، وبذلك خلق واقع مستديم في هذه الساحة.

إسرائيل ليست جزءاً من البلبلة الشرق أوسطية وتقريباً لا تتدخل فيها بشكل فعلي. سواء تعلقت المسألة بخيار جديد أو لزوم الواقع، تفضّل السياسة الإسرائيلية حتى الآن الجلوس على الحياد ومراقبة ما يحصل من الجانب الآخر. بغض النظر عن المسألة الجوهرية فيما يخصّ الحكمة الكامنة في هذه السياسة، فإن معظم الأحداث تُلزم إسرائيل على أقل تقدير بفهم وإدراك الفرص والاحتمالات الناجمة حيالها جيداً، نتيجة لما يحصل حولها. وهنا، في منطقة تهيئ لنفسها أساليب جديدة في بعض الأوقات مرة بعد أخرى، في غضون تغيير متكرر للتوازنات الدقيقة بين اللاعبين الكثر، سُجل فصل آخر في المشهد المعقّد مع التصادم العسكري الأول بين تركيا وروسيا. إسقاط الطائرة الروسية من قبل الأتراك أبرزت وشحذت خلافات وحقائق في المستوى الثنائي والدولي.

أولاً، وقبل أي شيء، تتعلق المسألة بمواجهة بين دولتين، تعود العلاقات بينهما على خصومة تاريخية والتي لا ترتهن بشأن آني فحسب. شهد الروس والأتراك في السابق تصادمات عسكرية على نحو كامل، على خلفية صراعات على السيطرة والتأثير في مناطق أساسية، لاسيما البلقان والبحر الأسود، في حين ترى أنقرة في موسكو تهديداً متواصلاً لمصالحها. سياسة الزعيمين الحاليين للدولتين فقط توقد الترسّبات القائمة بينهما. رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين يمثلان زعامة عنيفة وطامحة، تجسّد رغبتهما بجعل دولهما قوى عظمة كما في السابق- ليس اعتباطاً تمت تسميتهما "السلطان" و"القيصر"، كتلميح للشخصية التي يحاولان اكتسابها.

ثانياً، انضمت إلى العلاقات المشحونة ذاتياً بين تركيا وروسيا اعتبارات إستراتيجية ومصالح سياسية، مرتبطة بالواقع القائم في الشرق الأوسط وأوروبا. لا تنظر الدولتان بالطريقة ذاتها إلى الأزمة في سوريا والحل المنشود لها. في حين وضعت تركيا في قمة أهدافها تنحية الأسد، ترى روسيا في بقائه شرطاً ضرورياً لتعزيز استقرار الدولة المقطّعة الأوصال وللحفاظ على مصالحها الإستراتيجية في الشرق الأوسط. تعارض الدولتان، في الواقع بشكل رسمي، الدولة الإسلامية وترغبان في إضعافها، لكنهما عمليا تستخدمانها لإضفاء شرعية للعمل في سوريا لصالح المسعى الأهم بالنسبة إليهما: تركيا- ضد الأكراد والروس- ضد المعارضة، التي ليست "الدولة الإسلامية" (الجزء الأكبر منها تدعمه تركيا). الأزمة في أوكرانيا ووقوف الغرب ضد بوتين، عضوية تركيا في الناتو، المصالح المتعارضة لروسيا وتركيا في سوريا والمعارضة الصارمة لتركيا للتدخل العسكري الروسي في سوريا- كل ذلك وضع الدولتين في مسار التصادم.

دون شك، المواجهة بين تركيا وروسيا تعزّز عدم الاستقرار في المنطقة، لأنها تقلّص إمكانية إنهاء الأزمة المتواصلة في سوريا ومواجهة الدولة الإسلامية بنجاح. على ضوء ذلك، توجد سيناريوهات مستقبلية محتملة مختلفة في المواجهة التركية - الروسية على جدول الأعمال - بدءاً من احتواء المواجهة والعودة إلى علاقات طبيعية بين الدولتين، مرورا بمواجهة دبلوماسية واقتصادية بينهما (على شاكلة الأزمة التركية -الإسرائيلية)، وانتهاءً بتصعيد عسكري (إطلاق صواريخ S-400 أو اعتراض طائرة تركية، هجمة سايبر أو خطوة عسكرية أشمل). من الصعب تقدير ما هو السيناريو الأكثر منطقياً، لكن شاع مفهوم في تركيا، أن إسقاط الطائرة الروسية كان خطوة بعيدة المدى وقد أعرب أردوغان عن استعداده لتقديم اعتذار (خجول) ومن المحتمل أنه من الآن فصاعداً سيتصرّف الطرفان بحذر. على الرغم من ذلك، بمعزل عن كل السيناريوهات، تستطيع إسرائيل استخلاص عدة عِبر ودلالات.

العِبرة التكتيكية

يشير إسقاط الطائرة بالدرجة الأولى إلى أن المسألة تتعلق بمسافة خطأ صغيرة: بهذا المقياس، كان بمقدور الأتراك ضبط أنفسهم وعدم إسقاط الطائرة الروسية. بحسب صور الرادار التي تم نشرها يبدو أن الطائرة الروسية قد دخلت فعلاً إلى المنطقة التركية، إلا أن ذلك كان حد أدنى للاختراق (حوالي 10-15 ثانية طيران)، لم يكن هناك شكّ، أنه ليس من ورائها نوايا عدوانية حيال تركيا. لم يتم إسقاط الطائرة عن طريق الخطأ، لكن ليس واضحا من كانت لديه صلاحية المصادقة النهائية لإطلاق النار. في إسرائيل، يجب التأكّد من أن هذه الصلاحية بقيت في المستوى العسكري-السياسي الأعلى.

يشير تسلسل الأحداث منذ لحظة اتخاذ القرار بإسقاط الطائرة إلى ضرورة ضمان سيطرة قصوى على اتخاذ القرارات مع إمكانية حصول تصعيد في مواجهات قد تكون إسرائيل متدخلة بها في المستقبل. في الواقع، في إسرائيل أجهزة مراقبة التصعيد فعّالة بما فيه الكفاية ولا يؤدِي كل حادث عسكري إلى مواجهة شاملة، لكن يتوجب عليها تطوير التفكير الاستراتيجي فيما يتعلق بأجهزة منع حصول تصعيد ونهاية معارك- كذلك بعد عملية مبادرة فعّالة أو ردّة فعل، تنفيذها مهم وضروري.

في مستوى التنسيق مع روسيا، في أعقاب تدخلها العسكري في سوريا، يجب الحفاظ على التفاهمات القائمة التي تم إحرازها في تشرين الأول 2015 بينها وبين إسرائيل واختبار إن كان مطلوباً تحسينها حالياً، كعبرة من الحادثة على الحدود التركية. علاوة على ذلك، يغيّر نصب منظومات S-400  متقدّمة قواعد اللعبة في المجال الجوي حيال إسرائيل أيضا ويلزم بلورة آلية صارمة لمنع حصول تصادم إسرائيلي - روسي. في وجه تركيا كذلك - التي ليس لإسرائيل حالياً نقاط احتكاك مهمة معها- يجب استخلاص العِبر الصحيحة.

أثبتت تركيا أن يدها خفيفة على الزناد وأنها تنفّذ تهديداتها: قبل نحو عامين حذّرت تركيا أنها ستستهدف كل طائرة تنتهك سيادتها. في نظرة إلى الأمام وعلى خلفية تصادمات سابقة (مثل القافلة إلى غزة عام 2010)، يجدر بإسرائيل أن تتذكر هذه القضية عند مواجهة محتملة مع قافلة أو طائرة تركية مستقبلية، ستقترب من الحدود الإسرائيلية.

العِبرة الإستراتيجية

هنا يُطرح سؤال الخيار الإسرائيلي: هل تتخذ موقفاً في الصراع الحالي بين تركيا وروسيا، إذن، إلى جانب أي دولة ستقف؟ إسرائيل، باستثناء هجمات منسوبة إليها على وسائل قتال نوعية تُنقل من سوريا إلى حزب الله، لا تشكّل لاعبا أساسيا في المواجهة الداخلية في سوريا وبين جهات خارجية تتدخل فيها، وبالتأكيد ليست طرفا في المواجهة التركية - الروسية. لكن اختبار المصالح الإسرائيلية مقابل هذه المواجهة يكشف عن وضع معقد.

من جهة، في المستوى الثنائي، لإسرائيل مصالح واضحة في دعم موسكو. بين الدولتين علاقات جيدة، راسخة وثابتة، وحتى اللحظة نجحتا في اجتياز المطبّات الروسية العسكرية في سوريا. في المقابل، العلاقات بين إسرائيل وتركيا بزعامة أردوغان تعتبر سيئة ومنذ 2009 تتّسم بعدوانية متواصلة، يبدو أنه من الصعب إنهاؤها طالما يتحكّم أردوغان باتخاذ القرارات في تركيا. اختيار الجانب الروسي قد يحمل معه ثماراً اقتصادية: روسيا فرضت عقوبات اقتصادية على تركيا، وإسرائيل من جهتها تستطيع أن تؤمن لروسيا بديلاً جزئياً لتركيا في مجالات الزراعة، السياحة وغيرها.

من جهة ثانية، بالتأكيد اختيار تركيا، التي تعمل ضد المحور المتطرّف في سوريا، يجسّد أكثر المنطق الاستراتيجي والمصالح الإسرائيلية الجوهرية. النشاط الروسي في سوريا، بغطاء محاربة الدولة الإسلامية، يمنح في الواقع تفويضاً دولياً لأعداء إسرائيل الأكثر خطراً: إيران، حزب الله، ونظام الأسد.

في هذا الصدد، لتركيا وإسرائيل مصالح مشتركة، تشمل تنحية الأسد، إضعاف السيطرة الإيرانية في سوريا واستهداف حزب الله جراء ذلك. في حال أومأت تركيا بالفعل عن استعدادها للعمل مع إسرائيل مقابل تلك التهديدات والتحدّيات وتقليل عدائها لإسرائيل، ستظهر على جدول الأعمال قضايا أخرى قد تجلب أرباحا متبادلة: فتح السوق التركي للغاز الإسرائيلي (ضرورة تتعزز مع تقليص تزويد الغاز الروسي إلى تركيا)، تحسين دمج إسرائيل في نشاط الناتو- (التي تواجه صعوبات عقب الاعتراضات التركية)، إعادة تركيا للعب دور حيوي وأساسي في العملية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين والعالم العربي (التي تصرخ لإيجاد خطوة إبداعية، تنقذها من الجمود).

ربما، المصالح المتعارضة لإسرائيل في المواجهة التركية - الروسية تشير بالتأكيد إلى الهدف الأهم حالياً - كذلك حيال الولايات المتحدة وأوروبا- وهو تشكيل وبلورة إستراتيجية تؤدي، بشكل متزامن أو على مراحل وفترة قصيرة، لإضعاف وحتى لتنحية القوتين السلبيتين اللتين تعملان في سوريا- نظام الأسد من جهة والدولة الإسلامية من جهة ثانية.

اعلى الصفحة