حملة تحريض عنصرية ضد فلسطينيي 1948

السنة الخامسة عشر ـ العدد 171 ـ  (جمادى الثانية 1437 هـ ) ـ (آذار 2016 م)

بقلم: عدنان عدوان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

مصطفى حسن خازم


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

لا يفوّت رئيس حكومة إسرائيل نتنياهو أي فرصة من أجل التحريض ضد المواطنين العرب. وبعد العملية التي نفذها في تل أبيب نشأت ملحم، أوعز بجمع السلاح غير المرخص في المجتمع العربي، بينما تساءل محللون عما منعه من القيام بذلك طوال السنوات الماضية، علماً أن ملحم استخدم سلاحاً مرخصاً يملكه والده.

واعتبر نتنياهو، أن "كل من له عيون ترى، يعلم أنه توجد هناك فجوات كبيرة ما بين الوسط العربي والجمهور اليهودي، وهذه الفجوات موجودة بما يتعلق بالموارد وبتطبيق القانون وبالحقوق وبالواجبات. إن هذه الفجوات قد نشأت على مدار عشرات السنين وآن الأوان لبذل جهود كبيرة على مستوى الدولة من أجل تقليصها". وادعى أن "الحكومات التي ترأستُها قامت خلال السنوات الأخيرة باستثمار أموال طائلة في الوسط العربي والخطة غير المسبوقة التي أقرّتها الحكومة قبل 10 أيام ستحقق المزيد في هذا الاتجاه".

لكن نتنياهو اشترط تنفيذ هذه الخطة قائلا إنه "سنطبق خطة شاملة لفرض أحكام القانون في الوسط العربي. أود أن أوضح أنه ما تم القيام به في مجالات البنية التحتية والتعليم والتجارة والاقتصاد، لا يمكن له أن يمضي قدمًا إن لم نعالج مسألة تطبيق قوانين دولة إسرائيل في الوسط العربي. هذان المخططان مندمجان ببعضهما البعض".

وتشهد "إسرائيل" في السنوات الأخيرة تراجعاً ملموساً في الحيز الديمقراطي الذي كان متوفراً أصلاً للمواطنين اليهود بشكل كبير وواسع وللمواطنين العرب بشكل أقل بكثير. فالتمييز ضد العرب، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وما إلى ذلك، كان سياسة معتمدة منذ تأسيس الكيان الصهيوني.

على الرغم من ذلك، فإن هذا الحيز الديمقراطي تراجع في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ عودة رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، إلى الحكم في العام 2009. ومنذ ذلك الحين تراجع هذا الحيز بوتيرة متزايدة، وعلى ما يبدو سيصل ذروته خلال ولاية حكومة نتنياهو الحالية، اليمينية المتطرفة الضيقة.

وإحدى الحلبات الأساسية التي تهدد الديمقراطية الإسرائيلية على الرغم من نقصها ومساوئها المتأصلة، هي المؤسسة التشريعية، أي الكنيست. وقال تقرير جديد لجمعية حقوق المواطن في إسرائيل إن دورتي الكنيست الـ18 التي انتخبت في العام 2009 والكنيست الـ19 التي انتخبت في العام 2013 "اتّسمتا بمبادرات تشريعية كثيرة هدفها إضعاف الديمقراطية الإسرائيلية، وفي مقدمتها المساس بقيم حقوق الإنسان، مثل المساواة وحرية التعبير والاحتجاج والتنظيم، والمساس بمؤسسات الديمقراطية مثل السلطة القضائية والمؤسسة الأكاديمية ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، والمساس بالفرد ومنظمات حقوق الإنسان". وأشارت الجمعية إلى أنه في موازاة ذلك "تعززت محاولات المساس بالخطاب الديمقراطي وبحيز النشاط، بواسطة تهجمات كلامية وأحياناً جسدية أيضاً ضد الأقلية في الكنيست. وعملياً فإن الثقافة السياسية تلقت مميزات عنف وكراهية وعنصرية، فيما الأغلبية لا تدافع عن الأقلية وإنما تستغل الديمقراطية من أجل فرض حكم الأغلبية، بدلاً من حماية الأقليات وحقوقها".

وأكدت الجمعية أن "الرياح التي تهب من جهة البرلمان الإسرائيلي ومنتخبي الجمهور تؤثر على الجمهور الإسرائيلي بصورة عميقة ومتواصلة". ولفتت إلى نتيجة أخرى لهذا الوضع وهي عملية "فرض رقابة ذاتية مبالغ فيها من جانب مؤسسات وهيئات، تفرض قيوداً على نفسها مسبقاً تحسّباً من هجمات ضدها. وهذه الرقابة الذاتية، سواء كانت من جانب السلطة القضائية أو الصحافيين ووسائل الإعلام أو نشطاء اجتماعيين ومنظمات المجتمع المدني، تمس بحرية التعبير وبمبدأ المساواة وبمبدأ التوازنات والكوابح، وتقيد القدرة على الدفاع عن الأقليات" أي المواطنين العرب في إسرائيل والفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

حملة ضد النواب العرب

تصدّر بنيامين نتنياهو، حملة تحريض واسعة وغير مسبوقة ضد نواب حزب التجمع الوطني الديمقراطي في القائمة المشتركة، شارك فيها جميع أحزاب اليمين والوسط واليسار الصهيونية بدون استثناء، وكذلك وسائل الإعلام الإسرائيلية، وذلك في أعقاب لقاء عقده نواب حزب التجمع مع عائلات شهداء القدس، الذين تحتجز إسرائيل جثامينهم وترفض تسليمها إلى عائلاتهم من أجل دفنها.

وكان النواب في الكنيست جمال زحالقة وحنين زعبي وباسل غطاس التقوا مع عائلات شهداء القدس في منتصف، بعد أن وجهت العائلات دعوة إلى نواب القائمة المشتركة للالتقاء بهم من أجل بحث ما يمكن أن تفعله القائمة المشتركة من أجل تحرير الجثامين. وشارك في اللقاء نواب التجمع. وأعلنوا أنه فور عودتهم من لقاء عائلات الشهداء، توجهوا إلى وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، غلعاد إردان، وقدموا طلباً بتحرير جثامين الشهداء بناء على طلب عائلاتهم.

وأصدر النواب الثلاثة بياناً، قالوا فيه إنه "بعد أن فهم نتنياهو أن لا مخالفة قانونية أو جنائية في اللقاء المعقود لتحرير الجثامين، يحاول الآن أن يحوّل كل الضجة الفارغة إلى مكسب سياسي لنفسه، من خلال تقديم مشروع قانون يهدف إلى ضرب التمثيل السياسي للأقلية العربية، وتقويض فضاء العمل السياسي".

وأضافوا أن "نتنياهو يعرف جيدا أن هدف اللقاء هو تحرير الجثامين، لكنّه مستمرّ في تزوير الحقائق والتحريض من خلال كيل الاتهامات الملفّقة بحقّ نواب التجمّع؛ القضيّة هي تحرير الجثامين، وكل ما عدا ذلك هو تلفيق وكذب".

وجاء هذا البيان في أعقاب تصريحات نتنياهو لدى افتتاحه اجتماع حكومته الأسبوعي، صباح يوم 7/2/2016، حيث اعتبر أن "ثلاثة نواب من حزب التجمع الوطني الديمقراطي ذهبوا ليعزوا أهالي إرهابيين قتلوا مواطنين إسرائيليين. أعتقد أن الكثيرين من المواطنين الإسرائيليين لا يشعرون بأن هؤلاء النواب يمثلونهم. إننا نبذل جهوداً كبيرة من أجل دمج المواطنين العرب في المجتمع الإسرائيلي بينما هؤلاء النواب يقومون بعكس ذلك. إنهم يبنون أسوارا من الكراهية. أحاول أن أتخيل ماذا كان رد الفعل في البرلمان البريطاني أو في الكونغرس الأمريكي لو وقف نواب دقيقة صمت حداداً على مقتل إرهابيين قتلوا مواطنين بريطانيين أو أمريكيين. أعتقد أن هذا كان سيثير غضباً كبيراً وبحق". 

وتابع نتنياهو "لقد تحدثت مع المستشار القانوني للحكومة وطلبت منه أن يدرس اتخاذ خطوات قانونية بحق هؤلاء النواب. سأطلب النظر في إدخال تعديلات جديدة وقوية في القانون تسمح لنا بمنع كل من يتصرف بهذا الشكل من أن يكون عضوا في الكنيست. أعتقد أن هذا الأمر مهم لأنه يصف المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه. وفي موازاة ذلك سأقدم اليوم مع رئيس الكنيست يولي إدلشتاين شكوى إلى لجنة الآداب البرلمانية، وأتوقع من جميع نواب المعارضة الذين عبروا عن استيائهم من هذا التصرف أن يدعموا المقترحات المختلفة التي سنطرحها".

وفي إطار الحملة الحالية، حاول وزير الحرب الإسرائيلي، موشيه يعلون، دق أسافين بين النواب العرب والأقلية العربية في إسرائيل، واعتبر أن "المواطنين العرب يطمحون إلى الانخراط في المجتمع الإسرائيلي، لكن هناك مجموعة قليلة من المتطرفين الذين يمثلهم نواب التجمع يعيقون انخراط الآخرين والتمتع بالميزات التي تمنحها إسرائيل إلى مواطنيها".

ودعا إدلشتاين الإسرائيليين إلى تقديم شكاوى ضد نواب التجمع إلى لجنة الآداب في الكنيست، وقالت صحيفة "يديعوت آحرونوت", إن قرابة 200 شكوى جرى تقديمها إلى هذه اللجنة.

كذلك استغل وزير التربية والتعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت، من "البيت اليهودي"، حملة التحريض من أجل مهاجمة القائمة المشتركة، معتبراً أن "المجتمع العربي ليس مثل النواب"، ودعا "المواطنين العرب لأن يكونوا جزءاً من دولة إسرائيل الموحدة"، وأن يرفضوا لقاء ما أسماهم: "أعداءنا وقاتلينا". 

وقال عضو الكنيست من كتلة "المعسكر الصهيوني" المعارضة، إيال بن رؤوفين، إن "على الكنيست ألا يمر مرور الكرام على زيارة نواب التجمع، بسبب الرسالة الواضحة للزيارة وهي التشجيع على الإرهاب. يجب إدانة هذه الزيارة باعتبارها خطيرة للغاية"، معتبرا هو الآخر أن "هذه الزيارة غير مقبولة على شرائح واسعة من المواطنين العرب".

بدوره اعتبر رئيس حزب "يسرائيل بيتينو (إسرائيل بيتنا)"، أفيغدور ليبرمان، أنه "لا داعي لوجود أدلة أخرى لإثبات أن نواب القائمة المشتركة بشكل عام ونواب التجمع بشكل خاص هم ممثلون للتنظيمات الإرهابية في الكنيست. إن لقاءهم مع عائلات المخربين الذين قتلوا مواطنين إسرائيليين هو تذكير لكل من يحتاج إلى تذكير أن علينا طردهم من الكنيست وكذلك من دولة إسرائيل". وقال وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينيتس، إن "زيارة نواب التجمع خطيرة جدًا، وتبلغ حد الخيانة".

وقال وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، الذي يصر على عدم تسليم جثامين الشهداء لعائلاتهم، إنه طلب ترحيل أسر الشهداء إلى غزة، لكن اعتراض المستشار القانوني منع تنفيذ ذلك، وطلب من الحكومة فحص إمكانية أن يكون لقاء نواب التجمع يشكل مخالفة قانونية، وما إذا كانت هذه المخالفة تعتبر "تحريضا على العنف والإرهاب".

ودعا وزير الداخلية ورئيس حزب شاس، أرييه درعي، إلى طرد النواب من الكنيست، وقال إن "هذه الزيارة تعتبر تجاوزًا لكل الخطوط الحمراء. نواب التجمع ليسوا جديرين بالتواجد في الكنيست". 

وأدانت كتلة "المعسكر الصهيوني" اللقاء وقالت في بيان إن "هذه الزيارة تشجع الفلسطينيين على تنفيذ المزيد من العمليات ضد إسرائيل"، واتهمت نواب التجمع "بالتحريض على الإرهاب".

وادعت تسيبي ليفني أن "زيارة نواب التجمع ليست تضامنًا مع الفلسطينيين إنما تضامن مع الإرهاب، هذه الخيارات السيئة تهدم الخير الذي نحاول بناءه هنا".

وزعم رئيس حزب "يش عتيد (يوجد مستقبل)"، يائير لبيد، أن "نواب التجمع يستخدمون حصانتهم البرلمانية من أجل تأييد الإرهاب والتحريض. ولا شك في أنه يوجد هنا استخدام سيء لكونهم أعضاء كنيست يحملون حصانة برلمانية في دولة ديمقراطية، ويحظر الموافقة على ذلك". 

حملة غير مسبوقة

أعدمت قوات خاصة تابعة للشرطة الإسرائيلية وجهاز الأمن العام (الشاباك)، نشأت ملحم، الذي أطلق النار في قلب مدينة تل أبيب. وتفيد التقارير الصحافية أن قوات الشرطة والشاباك لم تحاول اعتقال ملحم، وإنما أعدمته، بعد أن أجرت إسرائيل محاكمة ميدانية له طوال ثمانية أيام طاردته فيها، وبذلك يكون الغموض الذي يحيط بهذه القضية أكثر من الوضوح فيها، ويبدو أن ملحم سيأخذ معه إلى قبره أسراراً في هذا السياق.

على الرغم من ذلك، وبعد أن تتبدد هذه القضية، ستبقى في الذاكرة مسألة تعامل السلطات الإسرائيلية معها، بدءاً من المحاكمة الميدانية، ومروراً بأداء أجهزة الأمن وإخفاقاتها والتحريض ضد الأقلية العربية، على لسان كبار السياسيين وفي مقدمتهم رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، وانتهاء بإعدام ملحم.

وزير ما يسمى بـ "الأمن الداخلي الإسرائيلي"، غلعاد إردان، اعتبر أن "بالإمكان القول بصورة تكاد تكون مؤكدة أن الخلفية القومية لملحم هي التي أدت به إلى تنفيذ عمله في تل أبيب". ورفضت الشرطة تسليم جثمان ملحم إلى عائلته لدفنه، أمس الأحد. وذكر موقع "واللا" الالكتروني أن إردان يعارض بشدة إعادة الجثمان.

كذلك فإن موقف جهاز الأمن الإسرائيلي هو عدم السماح بإجراء جنازة لملحم من شأنها أن تسخن الأجواء وتحويلها إلى "مظاهرة دعم للإرهاب"، خاصة أن العائلة تريد دفنه إلى جانب ابن عمه، نديم ملحم، الذي قتلته قوة من الشرطة بدم بارد، في العام 2006.

وواصلت الشرطة والشاباك اعتقال أشخاص مقربين من نشأت ملحم، وسط تقديرات بأن حوالي عشرين شخصا ساعدوه على الاختباء.

وانتشرت قوات الشرطة في قرية عرعرة، يوم 10\1\2016، وتجول أفرادها شاهرين أسلحتهم، وكان بعضهم ملثّماً. وقالت صحيفة "يديعوت آحرونوت" 12\1\2016, إن قوات الشرطة كانت تغلق شارعاً تلو الآخر على مرأى تلاميذ المدارس الذين أنهوا دوامهم.

وداهمت القوات بيتاً تشير الشبهات إلى أن ملحم اختبأ فيه في مرحلة معينة، وقامت بتفتيشه ودمرت محتوياته، كما ألحقت هذه القوات أضرارا فادحة بسيارة أصحاب المنزل. ووفقاً للتحقيقات، فإن ملحم استعان بعدد من الأشخاص في أعقاب إطلاق النار، وهؤلاء ساعدوه في الهرب والاختباء في البيت الذي تواجد فيه في قرية عرعرة، قبل إعدامه.

وبحسب هذه التحقيقات فإن نقطة التحول في البحث عن ملحم كانت صباح يوم 5\1\2016، حيث ارتكب عندها خطأ سمح للمحققين بالتعرف على مكان تواجده، وهذا ما جعل المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، روني ألشيخ، يعلن في حينه عن خفض مستوى التوتر في منطقة تل أبيب ووسط إسرائيل عموماً.

من جهة ثانية، قالت القناة العاشرة للتلفزيون الإسرائيلي، إن معلومات جديدة تفيد بأن ملحم، وبعد أن قتل سائق سيارة الأجرة العربي أمين شعبان وترك سيارته، انتقل من تل أبيب إلى عرعرة بسيارة أخرى، وقد استغرق الوصول إلى قريته ساعة وأربعين دقيقة.

وأضافت القناة العاشرة أن من الجائز أن السيارة التي هرب فيها ملحم من تل أبيب إلى عرعرة هي لشخص يعرفه ملحم، وأنه "لا شك في أن شخصاً خطط مسار فراره كان بإمكانه الوصول خلال أقل من ساعتين إلى القرية من دون أن يلقى القبض عليه أو يقتل".

لكن القناة نفسها أكدت أن أجهزة الأمن لا تعرف حتى الآن الطريق التي سلكها ملحم بانتقاله من تل أبيب إلى شمال البلاد، علما أنه بعد إطلاق النار استمرت التقديرات لثلاثة أيام بأنه متواجد في تل أبيب.

وجه محللون في الصحف الإسرائيلية الصادرة يوم 10/1/2016، انتقادات شديدة إلى الشرطة الإسرائيلية والشاباك حول أدائهما وإخفاقاتهما في قضية نشأت ملحم. ورأى المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت آحرونوت"، أليكس فيشمان، أنه "من الناحية المهنية: القبض على القاتل، خلال سبعة أيام، يُعدّ فترة معقولة، وحتى سريعة. لكن خلال هذا الأسبوع طفت وتكشفت أسئلة كثيرة وصعبة يتقزم الإنجاز المهني أمامها". وأضاف أنه "إذا كان هناك في امتحان الواقع إنجاز مهني، فإنه في امتحان شكل معالجة قلق الجمهور، وامتحان الذعر، كان الفشل مدوياً".

كذلك كتب المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" 13\1\2016، عاموس هرئيل، أن الأحداث خلال الأسبوع الماضي "ليست مصدر فخر خاص لأذرع الأمن". 

وتساءل المحللان حول كيفية تمكن ملحم من إطلاق النار في تل أبيب والعودة إلى وادي عارة من دون عائق، والأنكى من ذلك، برأيهما، أن يبقى في وادي عارة عدة أيام والحصول على مساعدة من دون أن يبلغ أحد عن ذلك. ورأى فيشمان أنه "يوجد هنا ثقب أسود استخباري عملاق"، وأضاف أن الشرطة والشاباك لا يعرفان شيئاً عما يحدث في وادي عارة، وفي المجتمع العربي عموما.

واعتبر هرئيل أن "التأخير في العثور على ملحم يكشف فجوات في نوعية تغطية الشاباك، ومن شأنه أن يدل على ضعف استخباري في كل ما يتعلق بإحباط الإرهاب".

واتفق المحللان على أن إعدام ملحم يترك أسئلة كثيرة مفتوحة مثل هل عمل ضمن تنظيم؟ ومن هم أولئك الذين قدموا المساعدة له؟ وهل كانوا يعرفون بعملية إطلاق النار مسبقا أم لا؟ وإذا كان الحديث يدور عن تنظيم فإن الإخفاق الاستخباري أكبر بكثير مما بدا في الماضي.

حرب مفتوحة

أعلن بنيامين نتنياهو، أن حكومته تعتزم اتخاذ قرارات تقضي بتشديد التعامل مع الفلسطينيين الذين يتصدون لاقتحام غلاة المستوطنين وعناصر اليمين المتطرف للمسجد الأقصى، على خلفية المواجهات في بداية الأسبوع الحالي، وأنه ستصدر توجيهات إلى أجهزة الأمن بعدم التردد في إطلاق النار على المشاركين في المواجهات.

وقال نتنياهو، خلال جولة في شارع رقم 443 (القدس - موديعين - تل أبيب) وفي القدس الشرقية، "نحن بصدد تغيير السياسة، والوضع الحالي ليس مقبولاً علينا. وسنمنح الأدوات للجنود وأفراد الشرطة من أجل العمل بحزم بالغ جدا ضد من يلقون الحجارة والزجاجات الحارقة".

وزار نتنياهو المكان الذي لقي فيه ألكسندر ليفلوفيتش، من سكان مستوطنة "هار حوماه" في جبل أبو غنيم في جنوب القدس الشرقية، مصرعه بحادث طرق قرب بلدة صور باهر، وتدعي السلطات الإسرائيلية أنه أصيب بنوبة قلبية بعد أن أصاب حجر ألقاه فلسطينيون سيارته.

وقال نتنياهو إنه "لا يمكن التمييز بين حجر يُلقى على سيارة رُجمت هنا وقتل فيها مواطن إسرائيلي وبين حجر يتم إلقاؤه داخل الخط الأخضر. ونعتزم تبني تغييرات في التعليمات بشأن إطلاق النار وفي الحد الأدنى من العقوبات على من يلقون الزجاجات والحجارة".

وأضاف "أعتزم تشديد الغرامات على القاصرين وعائلاتهم بشكل كبير، من أجل التسبب بردع شديد. وليس مقبولاً أن يحدث أمر كهذا (إلقاء حجارة) في إسرائيل. أنا لا أتحدث عن الطرق الموصلة إلى القدس أو في القدس نفسها فقط، وإنما عن الجليل والنقب أيضا... إننا نعلن الحرب ضد من يلقون الحجارة والزجاجات". 

وتطرق نتنياهو إلى الوضع في الحرم القدسي، حيث تزايدت خلال ولايته اقتحامات المتطرفين اليهود وتزايدت القناعة بأن حكومته تسعى إلى تقسيم زماني للحرم كما هي حال الحرم الإبراهيمي في الخليل، فزعم أنه "نؤيد الحفاظ على الوضع القائم. لكن يتم اختراقه طوال الوقت من جانب المشاغبين الذين يتحصنون في جبل الهيكل ويتعرضون للزوار اليهود. وهذا ليس مقبولاً علينا ونحن نعالج هذا الأمر أيضاً، من خلال التعاون والحوار مع الأردن، ولكن ليس معه فقط". ووفقاً للتقارير الإعلامية الإسرائيلية، تبين خلال مداولات عقدها نتنياهو لبحث الوضع في القدس، أن هناك فرقاً بين تعليمات إطلاق النار لدى الجيش الإسرائيلي في الضفة وبين تعليمات كهذه لدى الشرطة، وأنه يحظر على الشرطة استخدام القناصة.

وأشارت "هآرتس" إلى أن "لجنة أور" الرسمية الإسرائيلية، التي حققت في أحداث هبة أكتوبر العام 2000، التي سقط فيها 13 شهيدا من المواطنين العرب في إسرائيل بنيران الشرطة، أكدت في تقريرها أن "إطلاق النار الحية، بما في ذلك إطلاق نيران قناصة، ليس وسيلة لتفريق حشد على أيدي الشرطة. إطلاق النار الحية هو وسيلة للتعامل مع أوضاع خاصة، مثل وضع يوجد فيه خطر حقيقي وداهم على الحياة أو أثناء إنقاذ رهائن". 

ومؤخرا جرى سجال بين رئيسة المحكمة العليا الإسرائيلية، مريم ناؤور، ووزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، الذي طالب بعدم ترقية قضاة وصفهم بأنهم "يتساهلون" في قرارات الحكم التي يصدرونها على معتقلين بشبهة إلقاء حجارة خلال المواجهات.

ونقلت القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، عن إردان اعتباره أنه في الوقت الذي ينص فيه القانون على فرض عقوبة السجن لمدة قصوى تصل إلى عشرين عاماً على من يدانون بإلقاء حجارة، وأن "قوات الأمن تبذل جهودا من أجل اجتثاث هذه الظاهرة، فإن الحلقة الأخيرة في السلسلة، المحاكم، تمس بمحاولة ردع من يلقون الحجارة". واقترح إردان تحويل قرارات المحاكم بشأن من يلقون الحجارة إلى اعتبار يؤخذ في الحسبان لدى اتخاذ قرار بترقية قاضٍ من محكمة الصلح إلى المحكمة المركزية.

وردت ناؤور، على أقوال إردان، وقالت في بيان خاص إن "الأقوال المنسوبة للوزير إردان تلائم دولاً ما كنا نريد أن نتشبّه بها، ولا تتشبه بها دولتنا كدولة يهودية وديمقراطية". وأضافت أن الأفكار التي يطرحها إردان "تتناقض مع مبدأ الاستقلالية الشخصية للقاضي، الذي هو عنصر مركزي في أي نظام ديمقراطي، وتتناقض مع المبدأ الماثل في قانون أساس: القضاء، الذي بموجبه لا سلطة تعلو على من يمسك بصلاحية القضاء باستثناء سلطة القانون. وإذا بدا للسلطة التنفيذية أن قرار حكم كهذا أو ذاك مخفف أكثر مما ينبغي، فإن الطريقة المناسبة لمواجهته هي الاستئناف عليه". واعترضت ناؤور على "محاولة تحذير القضاة من أنه إذا لم يحكموا وفقا لاعتقاد السلطة التنفيذية، فإنهم لن يترقوا"، وشددت على أن "قضاة إسرائيل سيستمرون في القيام بعملهم بإخلاص، ولن يهابوا أحدا". 

ورد إردان على ناؤور بالقول "لست بحاجة إلى مواعظ أخلاقية في موضوع الحفاظ على القانون والدفاع عن المحكمة... وثمة أهمية كبيرة لأن يعرف مندوبو لجنة تعيين القضاة من يتساهل ومن يتشدد قبل تصويتهم على القضاة القلائل الذين ستتم ترقيتهم من بين عشرات المرشحين".

ووفقاً للقناة الثانية، فإن إردان يعتزم الاجتماع مع "وزيرة العدل"، أييليت شاكيد، من حزب "البيت اليهودي" اليميني المتطرف، والتي ترأس لجنة تعيين القضاة، كي يستعرض أمامها قرابة ثلاثين قرار حكم صدرت في السنوات الأخيرة وفرضت "أحكاما مخففة" على مدانين قاصرين وبالغين بشبهة إلقاء حجارة.

واعتبر محللون أمنيون إسرائيليون، أن التصعيد الأمني الحالي في القدس يأتي على خلفية سياسة إدارة الصراع، وأكدوا أن الجانبين، إسرائيل والسلطة الفلسطينية، مسؤولان عن الوضع الحاصل.

ووفقاً للمحلل الأمني في صحيفة "معاريف"، يوسي ميلمان، فإن الأحداث الأخيرة في القدس "هي نتيجة لغياب رؤيا وبسبب سياسة حكومة إسرائيل. وهي التعبير الأبرز عن سياسة نتنياهو ووزير حربه موشيه يعلون، اللذين لا يؤمنان بتقدم عملية السلام ويرسخان توجه "صيانة الصراع" الإسرائيلي الفلسطيني وإدارته".

واعتبر ميلمان أن "السلطة الفلسطينية بقيادة أبو مازن (الرئيس محمود عباس) تتطلع إلى أن تكون المواجهات دائرة على "نار هادئة"، وأن يدوي صداها في وسائل الإعلام العالمية وفي الدول العربية، مرسلة تذكيرا بأن القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، المبعدين عن الأجندة والعناوين في العالم، لا يزالان موجودين. لكن المقاومة تريد أكثر من ذلك. إنها تسعى إلى تغذية الغرائز وتسخين الأجواء وإشعال الأرض وتدهور الوضع إلى انتفاضة جديدة". 

وأضاف ميلمان أن "حكومة إسرائيل، بواسطة الشرطة، تحاول تفريق المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع والاقتحام والاعتقالات، وهكذا دواليك. لكن الحكومة تواجه مشكلة، فهي تشعر بأن من واجبها الرد على المشاغبين والمتظاهرين من أجل الحفاظ على الشعور بالردع والمصالحة مع اليمين والرأي العام، كي لا تُصور بأنها لينة وخنوعة". 

وتابع ميلمان أنه في أعقاب التنديد الدولي والعربي، فإن "التخوف الأكبر في إسرائيل هو من ردود الفعل في العالم العربي المنقسم والذي يشهد حروبا أهلية دموية. والمواجهات في جبل الهيكل، أحد الأماكن المقدسة في الإسلام، قد تثير ردود فعل متتالية". 

من جانبه، اعتبر المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، أن "إلقاء الحجارة يحظى الآن بانتباه إعلامي (إسرائيلي) بسبب مقتل ألكسندر ليفلوفيتش. لكن في الواقع، تجري في القدس الشرقية وأحياء خط التماس بصورة دورية انتفاضة محلية منذ صيف العام 2014، في أعقاب خطف وقتل الشبان الإسرائيليين الثلاثة وقتل الفتى الفلسطيني (محمد أبو خضير) في حي شعفاط".    

اعلى الصفحة