المشهد الفلسطيني والحاجة إلى الرؤية الوطنية الشاملة

السنة الخامسة عشر ـ العدد 171 ـ  (جمادى الثانية 1437 هـ ) ـ (آذار 2016 م)

بقلم: عدنان أبو ناصر

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

مصطفى حسن خازم


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

كما هو معروف فإن قدرة حركة التحرر الوطني والمقاومة بجميع أشكالها، على الديمومة وتحقيق أهدافها، مرتبط بمدى قدرتها على الملاءمة الاجتماعية والتكتيكية والإستراتيجية المنظمة، لأدواتها وأنماطها المعتمدة في النزاع مع القوة المحتلة، في إطار المتغيرات الدولية، والإقليمية، والمحلية المحيطة بها؛ وإيجاد رؤية ونظرة موحدة بجميع مركباتها، ومع القيادة السياسية الفلسطينية و م.ت.ف تجاه القوة المحتلة. وبالتالي، التحول بالمقاومة إلى سياق منظم وهادف وموحد، وإنهاء حالة الصراع بين المقاومة والتسوية.

كما أن حركات التحرر والمقاومة في تعرج مساراتها، تتغير وتتبلور في أشكال مختلفة، لكن أيديولوجيتها الدينية والثورية تتحول على نحو بطيء في المسارات البراغماتية السياسية والدبلوماسية، كذلك فأنه لنجاح حركة التحرر والمقاومة الفلسطينية، من الناحية الاستراتيجية والنظرية, لا بدّ من وجود مجتمع دولي، وقوى دولية ذات أجندة قادرة على الاستجابة لطموحات تلك الحركة، وجهد دولي ضاغط سياسياً واقتصادياً على الطرف الأقوى في الصراع، على نمط ما حدث في المسار التحرري لجنوب إفريقيا.

غياب المأسسة والتنظيم

اتسمت المقاومة الفلسطينية في علاقاتها البينية، بمستوى منخفض من المأسسة والتنظيم، بالأهداف والتوجهات. وغالباً ما يكون هناك تنسيق تكتيكي ميداني وليس استراتيجياً. وهنا لا نتحدث عن مفهوم المعارضة السياسية للنظام الحاكم كأي دولة مكتملة السيادة، وإنما عن توجهات مسلحة أو إن جاز التعبير اعتماد حدود مفهوم "الحقل المسلح" في الساحة الفلسطينية، كوصف لهذه المقاومة. إن التيارات المقاومة والمسلحة ليست ذات هيكلية هرمية أو تنظيمية موحدة، فلا يوجد هناك مثلاً هيئة عليا أو مجلس أعلى للمقاومة المسلحة، ذو إستراتيجية في المقاومة وفي السياسة كذلك. قد نجد أنفسنا في حديثنا عن المقاومة أمام "خليط" سياسي ومسلح، تسيطر عليه التوجهات الدينية والقومية واليسارية، حيث السياسي تسيطر عليه فتح والمسلح تهيمن عليه حماس. والنتيجة انعدام وحدة المسار التحرري والمقاوم نفسه. وهذا يضعفه أمام الضغوطات السياسية على مختلف المستويات.

نظراً لهذا الواقع الفلسطيني المعقد، فإنه لا يمكن تجاوز مسألة أن المقاومة تعيش حالة من وضع عاصرته المقاومة الجزائرية، ألا وهي حالة التشرذم المسلح بوصفها "جزر مقاومة". وفي الاتجاه نفسه، فالمطالب السياسية للقيادة الفلسطينية أيضاً محل خلاف، وفي حالة هبوط مستمر منذ أوسلو على الأقل. فبعد فشل قمة كامب ديفيد الثانية سنة 2000، بدأت أمريكا و"إسرائيل" بنشر رواية مفادها أن الطرف الفلسطيني غير راغب في السلام، ويتحمل نتيجة الفشل. وفي إطار الانتفاضة الثانية 2000 كانت المطالب السياسية مرتفعة ثم بعد شهور تراجعت، إلى حدّ المطالبة بالعودة لحدود 28/9/2000. وقد بررت بعض التوجهات ذلك بكونه مجرد تكتيك. وفي الإطار المقاوم، فقد فقدت المقاومة بوصلتها الموحدة، "حيث لم تكن المقاومة محكومة برؤية إستراتيجية وخطة تنفيذ". في ظلّ إدراك الفلسطينيين بتجربتهم في كامب ديفيد أيقنوا أن "إسرائيل" لا تريد منحهم شيئاً. ولذلك كان الصمود الفلسطيني في كامب ديفيد، يعكس الفهم المستند على الانتفاضة الشعبية العنيفة، والمقاومة المسلحة كأداة لإعادة المفاوضات وعملية السلام إلى المسار السياسي الصحيح. وهكذا جاءت الانتفاضة الثانية (28/9/2000) بطابعها الشعبي المقاوم، قبل أن تتجه نحو "عسكرة " الانتفاضة، بعد أن استمرت "إسرائيل" بهجومها العنيف على الفلسطينيين. هذه المواجهات أعادت إلى الذهن الأمريكي الإسرائيلي خطورة وضع ما بعد كامب ديفيد. فسارع رئيس وكالة المخابرات الأمريكية جورج تينيت George Tenet إلى ممارسة ضغوطات على القيادة الفلسطينية، لتهدئة الأوضاع ووقف إطلاق النار، واللجوء لترتيبات أمنية ترجمتها وثيقة تينيت سنة 2001.

لم تكن الوثيقة ذات مضمون سياسي بقدر ما هي التزامات أمنية لوقف الانتفاضة، إلى جانب استمرار الهجمات الإسرائيلية على مخيم جنين (12/4/2002)، تبعتها رغبة أمريكية إسرائيلية جامحة في الدعوة إلى تغيير القيادة الفلسطينية، كشرط للدخول في مفاوضات سياسية.

كانت فترة الرئيس عرفات قمة الدور الذي لعبته المقاومة على الساحة الفلسطينية، وتبرير ذلك على حدّ تعبير المفكر إدوارد سعيد هو "الافتراض أن ياسر عرفات معتاد أكثر على دور القائد الثوري للمقاتل الفدائي والمسؤول عن الكفاح المسلح، أكثر مما لو كان سياسياً يدير دولة روتينية ومأسسة تطلب الحلول الوسط". على الرغم مما على هذا التعليق من انتقادات، إلا أنه في جزئياته تفسير منطقي للكاريزما العرفاتية التي سادت حتى سنة 2004، والتي سعت لإبقاء المقاومة والعمل المسلح في إطار التحكم والسيطرة، والتوجيه المفيد للسلطة في حال تأزم الموقف السياسي والموقع التفاوضي في إطار العملية السلمية، من منطلق أن عملية التحرير، تتطلب جهداً سياسياً، وآخر مسلحاً. وعلى النقيض، أثارت هذه الثنائية حالة انتقاد واسعة؛ يقول سامي أحمد: "ومن غير المعقول القبول لا دولياً ولا فلسطينياً بحالة من التواطؤ بين النهجين، والمقصود استنكار عمليات المقاومة، واستخدامها في الوقت ذاته سياسياً، ففي هذه الحالة تخسر السياسة النهجين، نهج المقاومة والنهج الدبلوماسي". لكن السياق الفلسطيني شهد تحولات جذرية أبعد من ذلك، فنهج المقاومة المسلحة تمّ تجميدها سياسياً وأمنياً في الضفة الغربية، ونهج الدبلوماسية الرسمية يراوح مكانه. لقد بدت هذه المرحلة، وكأنها بداية جديدة.

على خلفية فوز الرئيس محمود عباس بالانتخابات الرئاسية سنة 2005، كقيادة بدت متناقضة مع بعض ما ساد في العهد القديم (2004)، عقدت في حزيران/ يونيو من سنة 2006 انتخابات تشريعية، وتحول أحد أقطاب المقاومة الفلسطينية المسلحة (حماس)، من ضفة القتال، إلى ضفة الإدارة والسياسة. وترأست الحركة الحكومة الفلسطينية، على قاعدة "أنها تحارب الواقع ولا تستثنى أن تكون جزءاً منه". بعد أن عاشت تلك الحركة مرحلة تعثر المسار السياسي، وانعدام الهدوء الأمني والسياسي، والعمليات المسلحة والانتفاضات المستمرة، في محاولة لكسر جمود عملية السلام والمفاوضات، والذي أسس فيما بعد لمبدأ "شركاء في الدم، شركاء في القرار"؛ ولكنها اليوم تواجه مرحلة جديدة، حيث المفاوضات المستمرة، والمقاومة الشعبية السلمية، وما يمكن تسميته "بنهج أبو مازن"، والعمل في كلا الوقتين أمر فيه تعقيدات وتحديات، ويفرض ديناميات جديدة.

هكذا برزت رئاسة الحكومة بقيادة حماس، فهي مجبرة على عدم ملاحقة المقاومين لكونها تحمل شعار المقاومة المسلحة، وبالوقت نفسه هناك كمّ هائل من الضغوطات الإقليمية والمحلية الداعية إلى تقديم العمل السياسي على العمل المسلح. لكن الأحداث السياسية وتطوراتها بشكل عام تفيد بصعوبة تحقيق إجماع استراتيجي وليس تكتيكياً بين الفصائل التي تسعى بالعمليات المسلحة، أو في جزء من أهدافها، إلى الاستحواذ على جزء من المشروع الوطني التحرري، بحيث لا يتم تجاوزها في سياق أيّ ترتيبات قيادية وحكومية لاحقة. يشير الكاتب يانيف بيرمان Yaniv Birman إلى ذلك فيقول: "وانتهت سلسلة من التفاهمات بين الفصائل الفلسطينية على وقف إطلاق النار بالفشل في كانون الأول [ديسمبر] عام 2003"، ما حذا بالفصائل الفلسطينية إلى التفكير باستخدام قدراتها لإيجاد واقع سياسي داعم لها، مما أوقعها في خطأ استراتيجي، كما يشير الكاتب عيسى أبو زهرة في قوله: "الغباء السياسي الاستراتيجي والذي أقنعهم أن الوضع الإقليمي يساعدهم في خلق أمر واقع في فلسطين، وأن العالم سيتعامل معهم وكأنهم القوة الوحيدة والتي يمكن لها أن تفاوض وتبرم صفقة مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية".

ولكن الأحداث التالية جعلت الأمور تبدو كذلك بالفعل حيث تزايدت الدعوات لحركة حماس أن تبرهن من جديد عن رغبة في التعايش في الشرق الأوسط، بديلاً عن العنف. ومثل ذلك دعوة عبد العزيز سعيد، أستاذ السلام الدولي وحلّ النزاعات، وبنيامين جانسون، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأمريكية في مقال لهما بعنوان "كيف يمكن لحماس إنقاذ العالم؟". فعلى المقاومة المشرذمة أصلاً التعايش مع سلطة قائمة على التسوية. مما جعل التزاماتها الإقليمية والمحلية محل اختبار كما هي مصدر قلق للبعض.

تضارب في الرؤى السياسية

إن المتابع للأحداث السياسية على الساحة الفلسطينية, يشعر بحالة من اللاوعي والعجز في الإدراك تحكم سلوك السياسيين من كافة الألوان الفصائلية, فهل يعي هؤلاء ماذا يريد الوطن؟ وهل يطلعون بشكل جيد عن طموحات الفلسطيني في الوطن والشتات؟, والأدهى من هذا وذاك هل يحيط السياسيون الحاكمون منهم أو المنظرون بماهية القضية الفلسطينية؟!, وما هو الطريق الأقرب والأسلم لإنجاز التحرر الوطني والانعتاق من الاحتلال الصهيوني؟.

والحقيقة نقول: لا يمكن أن نغفل أن لدينا في الساحة الفلسطينية, تضارباً في الرؤى السياسية فيما يتعلق بالصراع مع الاحتلال الصهيوني, ويدخل أصحاب هذه الرؤى في تصادم واختلاف عميق فيما بينهم في غياب الجامع المشترك أو نقاط الالتقاء, وهذا ما يعطل أو يؤخر ميلاد البرنامج الفلسطيني الوطني الشامل, ولعل أهمية نجاح هذا المشروع تكمن في إعلان التصادم مع الاحتلال الصهيوني والتأكيد على مقاومته بكافة الوسائل والإمكانيات, وأن أي مفاوضات مع الاحتلال يجب أن تنصب في مسار استعادة الحقوق الفلسطينية, دون تفريط أو تنازل أو التزام أمني أو سياسي ينعكس بالسلب على جوهر القضية الفلسطينية, والتي يسعى أصحابها وأهلها إلى استعادة الوطن كاملاً من بحره إلى نهره, فالاحتلال جريمة بشعة يجب أن تزول وينعدم أثرها على الأرض ويزول للأبد, ومن القواعد القانونية المتعارف عليها أن التقادم لا يسقط الحقوق, فما بالنا بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني المظلوم, فالوطن هو ملك الأجيال المتعاقبة, فلا يمكن التنازل عن شبر واحد منه لصالح الاحتلال تحت أي مبرر أو شعار.

وهنا يبرز بوضوح حقيقة القول بأن أول لبنة للانقسام الحقيقي بين الفلسطينيين, وضعت في الجسد الوطني كانت اتفاقيات أوسلو المشؤومة, حيث برز بوضوح الانقسام الحاد بين مؤيد لمسار التسوية وبين معارض بقوة لذلك المسار لما فيه من تفريط بكامل الوطن عبر بوابة الاعتراف بكيان الاحتلال وشرعية وجوده كدولة, مقابل سلطة حكم ذاتي في الضفة وقطاع غزة أطلق عليها مصطلح السلطة الفلسطينية, ولقد مارست السلطة القمع عبر أدواتها الأمنية ضد المعارضين لسياساتها التفاوضية مع الاحتلال, ولقد وصل الأمر إلى حد تجريم الفعل المقاوم ضد المحتل, بادعاءاتٍ باطلة بأن الفعل المقاوم يعرض الوليد الفلسطيني للخطر, ولقد شاركت السلطة الفلسطينية والتي جاءت نتاج اتفاقية أوسلو المختلف عليها فلسطينياً, في أعمال مؤتمر مكافحة (الإرهاب) عام 1996م, والذي تم عقده في مدينة شرم الشيخ المصرية, بعد تعرض الكيان الصهيوني لموجة من عمليات الانتقام للمهندس يحيي عياش, والذي اغتالته المخابرات الصهيونية في يناير 1996م.

في المقابل تمسك الفريق المعارض لأوسلو, بموقفه الرافض لإفرازات هذا الاتفاق وخاصة الشق الأمني الذي هو صلب تفاهمات أوسلو, والذي يصب في خدمة الكيان الصهيوني بامتياز, ولقد كان أثر ذلك واضحاً عبر قمع كل حالات المقاومة من مختلف المشارب الفلسطينية الإسلامية والوطنية, وكان الفريق الرافض لأوسلو يعلن في كل مناسبة الرفض المطلق للمسار التفاوضي مع الكيان الصهيوني, وانشغل هذا الفريق في مرحلة الضعف, بعد تعرضه للقمع الواسع بالتنظير للفشل المتوقع للعملية التفاوضية في جلب واستعادة الحقوق الوطنية, ولعل هذا الفشل حدث سريعاً في أواخر عام 2000م بعد انهيار المفاوضات واندلاع انتفاضة الأقصى.

وعلى الرغم من قناعة القيادة التاريخية لمنظمة التحرير والسلطة بقيادة الراحل أبو عمار رحمه الله, بفشل عملية التسوية في إنجاز أي مشروع وطني مرحلي لصالح الشعب الفلسطيني, إلا أن فريقاً واسعاً في المنظمة والسلطة, استمروا بذات المسار التفاوضي حتى في ظل الحصار السياسي والفعلي للرئيس الراحل, وبعد رحيله مسموماً تمت السيطرة من قبل ذلك الفريق على كامل مفاصل وهيئات القرار في المنظمة والسلطة, لصالح النهج التفاوضي كإستراتيجية حياة لمشروع السلطة التي تتغذي على أموال ضرائب المقاصة والمال المسيس, وبعد فشل أصحاب نهج التسوية في الحصول على الشرعية عبر انتخابات 2006م, حاولوا بكافة إمكانياتهم السلطوية ومؤسساتهم المتعددة, إجبار الفريق الفائز والذي كان يحمل شعار يد تبني ويد تقاوم, أن يسلك مسلكهم وأن يمضي وفقاً لرؤيتهم السياسية, بالقول بأن البناء والإصلاح في المجتمع الفلسطيني يحتاج إلى أن تسقط اليد الأخرى البندقية, وأن يعترف الفريق المقاوم الفائز بشروط الرباعية وفي مقدمتها الاعتراف بـ"إسرائيل", حتى أصبح البعض يتحدث بلسان الرباعية في الحوارات الفلسطينية الداخلية, مطالبين بضرورة الاعتراف بشرعية الاحتلال ونبذ المقاومة كوسيلة تحرر في مواجهة المحتل.

هذه الحقيقة التاريخية يجب أن لا تغيب عن أذهاننا, أمام حدة التجاذب والتراشق الإعلامي حول الدور الوظيفي للسلطة اتجاه الفلسطينيين في الضفة وغزة, والواضح أن الطرف المعترف به صهيونياً وإقليمياً ودولياً, يحاول على مدار الساعة إجبار الكل الفلسطيني على أن يسير في مركبه, فهو حصرياً صاحب المشروع الوطني وغيره ليس له الحق في تبني أي مشروع سياسي لإنجاز الحقوق الوطنية خارج رؤية السلطة السياسية القائمة على التفاوض مع الكيان الصهيوني والاعتراف بدولته, والتي تقوم على ما مساحته 80% من فلسطين المحتلة.

وهنا تبدو اللقاءات والحوارات التي حصلت مؤخراً في قطر حول المصالحة الفلسطينية من قبيل الطحن في الهواء, ففي الوقت التي يتم التفاوض على تطبيق المصالحة الفلسطينية, يذهب الرئيس عباس بعيداً بالتأكيد على التزامه الشخصي والتزام سلطته, بالتنسيق الأمني مع المحتل الصهيوني, وعلى مدار الساعة تعقد اللقاءات الأمنية بين قادة الاحتلال وقادة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة!.

ويطرح هنا سؤال مهم هل المصالحة الفلسطينية تنحصر في موضوع الحكومة وواجباتها الوظيفية فقط؟ بكل تأكيد هناك مواضيع أخرى أكثر أهمية فيما يتعلق بمصير القضية الفلسطينية ومستقبلها, في مقدمتها اجتماع الإطار القيادي لمنظمة التحرير, والذي يعول عليه في تصحيح المسار الوطني للمنظمة, وتوسيع المشاركة الفلسطينية بانضمام حركتي حماس والجهاد, وكما أن الملف الأمني وعقيدة الأجهزة الأمنية الأكثر خطورة من الملفات المطروحة للحوار فلسطينياً, فهل تقبل حماس باتفاق يشرعن التنسيق الأمني؟! عبر حكومة (توافق أو وحدة) تعتمد برنامج الرئيس عباس كخط سياسي لها؟! أو أن تعترف الحكومة بـ (إسرائيل) حتى تنال الاعتراف الدولي! إن حوار السلطة مع حماس وفي نفس الوقت استجدائها لقاء نتنياهو لا يستقيمان, فمن البديهيات أن لقاء نتنياهو يتوجب لانعقاده الابتعاد عن حماس كشرط من شروط استمرار العلاقة بين السلطة والاحتلال.

كذلك فإن ملف المصالحة الفلسطينية لكي يكتب له النجاح, يجب أن يتجاوز الثنائية بين فتح وحماس, بحيث يتم إشراك الفصائل الفلسطينية الفاعلة وترتيب الأولويات الوطنية, حيث أن ترتيب الإطار القيادي المؤقت للمنظمة, أولى من إجراء الانتخابات التشريعية, لأن ترتيب البيت المركزي الممثل في المنظمة, أهم من ترتيب السلطة المشار إليها كإحدى مؤسسات منظمة التحرير, وكما يجب العمل على فصل قيادة المنظمة عن قيادة السلطة وعدم الجمع بينهما تحت أي ذريعة, فالمنظمة ككيان جامع للفلسطينيين في الداخل والخارج من الممكن لها أن تحمل مشروعاً تحررياً شاملاً, والسلطة ذات برنامج وظيفي خدماتي لصالح الفلسطيني في الداخل المحتل, وكما أن انعقاد المجلس التشريعي المنتخب مقدم على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية, لدواعي نيل الشرعية القانونية للحكومة وإخضاعها لرقابة المجلس التشريعي أثناء مدة عملها, وكما أن الانتخابات الشاملة خيار مقدم عن أي انتخابات جزئية, لأن (الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمجلس الوطني) مجتمعة سينتج عنها قيادة الشعب الفلسطيني الجديدة.

وهنا يقع على الفصائل الفلسطينية واجب فرض الرؤية الوطنية الشاملة, على الحوارات بين حماس وفتح, ليصاغ برنامج وطني تحرري, يضم الكل الفلسطيني وتتمحور كافة جهود وطاقات الفلسطينيين لإنجازه, وهنا يجب أن تنصب المطالبة على ضرورة أن يكون الحوار وطنياً جامعاً, للخروج من دائرة التجاذب بين فتح وحماس على الملفات الخدماتية, لأن الاتفاق الوطني الشامل ينجز للفلسطينيين برنامج سياسي وطني مجمع عليه, يتم من خلاله مخاطبة العالم موحدين, وبذلك فقط يتم القضاء على كافة الخلافات السياسية في رأس الهرم القيادي الفلسطيني, وبتحقيق ذلك الأمر يتم معالجة كافة الإشكاليات والنزاعات الجانبية التي ستذوب تلقائياً, والتي لن يكون لها وجود في حالة الاتفاق والإجماع الفلسطيني على البرنامج الوطني الفلسطيني.

دبلوماسية المصالحة

وسنحاول هنا فهم تطور المقاومة وعملية التحرر في نطاق الاتفاقيات الداخلية المتعلقة بالمصالحة وبالتوافق الوطني منذ سنة 2000. على خلفية الافتراضات التالية، فشلت عملية تنفيذ وتطبيق الاتفاقيات ميدانياً وسياسياً لعدة أسباب أبرزها التغيرات في البيئة الدولية والإقليمية والمحلية. وجوهر الفشل ناتج عن تأثير السياسة الكولونيالية الإسرائيلية. وهذا يتضح في الأسس المعتمدة في صياغتها أو الأرضية الهادفة إلى المواءمة مع المعطيات السياسية للحالة الفلسطينية والإقليمية العربية الضعيفة، وتوظيفها كمحاولة لفرملة العمليات المسلحة المؤثرة على الموقف الرسمي والسياسي والموقع التفاوضي للسلطة الفلسطينية، من منطلق الاستيعاب المشروط للمقاومة في العمل السياسي. وللتذكير، فإن أبرز هذه الاتفاقيات هي: اتفاق القاهرة (1517/3/2005) برعاية مصرية، ووثيقة الأسرى (10/6/2006)، والوفاق الوطني للقوى والفصائل الفلسطينية، تمّ تبنيها بشكل رسمي من السلطة الفلسطينية وصدر بها مرسوم رئاسي. واتفاق مكة المكرمة للمصالحة (68/2/2007) برعاية سعودية، ووثيقة القاهرة للوفاق والمصالحة (1019/3/2009)، واتفاق المصالحة الفلسطينية (46/5/2011)، ونصّ اتفاق تنفيذ المصالحة الأخير بين فتح وحماس (22/5/2012) برعاية مصرية، واتفاق الشاطئ (23/4/2014) حيث كان من المفترض أن يقود إلى توحيد البنية والمسار لحركة التحرر والمقاومة بكل مكوناتها، وهذا تطور في رؤية المقاومة الفلسطينية للعمل السياسي والتسوية، لكن المتغيرات الخارجية حالت دون نجاحه.

 أكدت اتفاقية القاهرة على الحق في المقاومة لإنهاء الاحتلال بكافة أشكاله. لكن في أثناء الممارسة برز نهجان، حاول أحدهما نفي الآخر في سياق التحرر. وهذه الجدلية بين المقاومة والمنظمة يوضحها سمير عوض بقوله إن "م.ت.ف تحاول الآن أن توسع تمثيلها، وتثبت شرعيتها وتبحث عن رافعه ونقطة قوة جديدة (بمعنى ضمّ المقاومة) لكي تمكنها من تجاوز هذه الأزمة"، وبالنسبة للمقاومة فهي تستفيد كونها "ستصبح محمية لأن المنظمة اكتسبت شرعية دولية... وحماس سوف تتغطى بهذه الشرعية". في حين تضمنت وثيقة الأسرى "الوفاق الوطني" بنود مباشرة مست صلب المقاومة وأساليبها، فالبنود 3، و2، و10، و14، و15، و16 دعت بشكل غير مباشر إلى إبقاء الباب مفتوحاً أمام مختلف أشكال المقاومة، كما نصت على استيعاب فصائل المقاومة (حماس والجهاد الإسلامي) لتكون جزءاً من الجسم السياسي والتنظيمي الفلسطيني العام، ما يعني إخضاع المقاومة للعمل السياسي وقواعده، والتزام المقاومة ضمن حدود الدولة الفلسطينية وفق الاعتراف الدولي بها في الأمم المتحدة. وهذا يعكس اعترافاً واضحاً للتيارات المقاومة بحدود المطالب السياسية والإستراتيجية لحركة التحرر الوطني، وبالتالي الدخول لمعترك السياسة الدولية. وأكثر ما يفيد المقاومة ولكنه لم يجد ترجمة واقعية، هي الدعوة الصريحة لتشكيل جبهة مقاومة موحدة، وفق مرجعية سياسية البند 10. وهذا إعلان سياسي سيكون له ثمنه، إذ لم يتم الفصل بين ما هو سياسي وعسكري بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي في استهدافه للفلسطينيين، خصوصاً أنها ضمنت لكافة تشكيلات المقاومة حقّ السعي لتحرير الأسرى وفق البند 8.

ورسخت اتفاقية مكة (2007) لمبدأ المقاومة بتوحيد الجبهة الداخلية الوطنية، وحلّ الخلافات الداخلية بالحوار، كما أكدت على مبدأ الشراكة السياسية، ما ينعكس على المقاومة ومصيرها، أو القيود الجديدة حيث أن قيادتها السياسية ستكون جزءاً من منظمة تمارس التفاوض مع الاحتلال، كما أن بقية الاتفاقيات لم تبتعد عن السياق ذاته. إن هذه الاتفاقيات ذات سمة تكتيكية للمقاومة أكثر منها إستراتيجية، والهدف تجاوز مرحلة الصدام مع السلطة الفلسطينية والمضي في مسارات التسوية والمقاومة لأجل غير معروف، والتملص من الضغوطات المحلية والإقليمية والدولية.

الملاحظ في هذه الاتفاقيات الفلسطينية الداخلية، وجود حالة من الاقتراب الحذر لمختلف الفصائل من أشكال المقاومة غير المسلحة والشعبية، في جدواها وقدرتها على التأثير على السياسات الإسرائيلية المدعومة دولياً، على الرغم من وجود بعض التطور في موقف الفصائل من المقاومة بكافة أشكالها. أما القيادة السياسية الفلسطينية (السلطة) فقد أرادت المقاومة أداة لكسر الجمود التفاوضي والسياسي. يوضح ذلك الباحث والأكاديمي علي الجرباوي بقوله "ولتحقيق هذا التأثير اندلعت الانتفاضة لتشكل في بداياتها حركة تأثير فلسطينية رسمية محسوبة في مسار عملية التسوية السياسية". لكن فترة أبو مازن تمّ استبدال المقاومة المسلحة بالشعبية كمسار بديل لسد الفراغ الناجم حالة الجمود السياسي والتعنت في المواقف الإسرائيلية إزاء عملية السلام.

قد لا تكون نتائج أي استطلاع دقيقة, إلا أن الاستطلاع الذي أجراه مركز أرواد، في مناطق الاحتلال الثانية العام 1967، لدى مواطني الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، قد تكون مؤشر واقعي على مقدار الفهم السياسي الذي يجتاح عقل ورؤية هذا المكون من مكونات الشعب العربي الفلسطيني، عاكساً إدراكهم المتزن وقراءتهم للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المسيطرة على حياتهم، ووعيهم في كيفية التصدي للمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي ومقاومته، بعد حصيلة الإخفاق التي وصل إليها المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني وفشل الفصيلين الكبيرين فتح وحماس من استكمال مهمات التحرر الوطني، وتحقيق تطلعات الشعب العربي الفلسطيني بمكوناته الثلاثة:

- حقه في المساواة في مناطق الاحتلال الأولى عام 1948، أبناء المثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة.

- حقه في الاستقلال لمناطق الاحتلال الثانية عام 1967 أبناء الضفة والقدس والقطاع.

- حق العودة لأبناء اللاجئين إلى المدن والقرى التي طردوا منها عام 1948، واستعادة ممتلكاتهم منها وفيها وعليها.

الاستطلاع أشار إلى نتائج ليست مفاجئة لكل عين بصيرة، وحس مسؤول، وأذن حساسة، فقد أعطى نتيجة تشير إلى تراجع شعبية سلطتي فتح في الضفة وحماس في القطاع، واظهر انخفاض نسبة من يعتقدون أن المجتمع الفلسطيني يسير بالاتجاه الصحيح من 49% إلى 30%، وأكثر من ذلك عبر 79% من أهالي قطاع غزة عن اعتقادهم أن مجتمعهم يسير في الاتجاه الخاطئ، وتفسيري لذلك يعود إلى سياسة التسلط والأحادية التي تمثلها حركة حماس وهيمنتها المنفردة على قطاع غزة مقارنة مع حركة فتح التي تُشرك نسبياً الفصائل أو الأحزاب أو الشخصيات الأخرى من خارج حركة فتح في قيادة منظمة التحرير وسلطتها الإدارية في الضفة الفلسطينية.

أرقام الاستبيان يجب أن تكون جرس إنذار لحركتي فتح وحماس ولكل فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية لعل لقاءات المصالحة تُثمر عن نتائج عملية ملموسة لصالح وحدة العمل الوطني وبرنامجه وأدواته، ومن دون ذلك سيبقى الاحتلال هو عنوان فلسطين وسلطتها.  

اعلى الصفحة