تناقض الفكر التكفيري مع مبادئ الإسلام

السنة الخامسة عشر ـ العدد170 ـ ( ربيع الثاني ـ جمادي اول 1437 هـ) شباط ـ 2016 م)

بقلم: المحامي الشيخ مصطفى ملص

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

الحرب على الإرهاب مقولة أجمعت عليها دول العالم، وقد انحصر أو يكاد تعريف الإرهاب بأولئك المقاتلين باسم الإسلام وهم في كل تصرفاتهم وأفكارهم مناقضون لمبادئ الإسلام وقيمه وأخلاقه وما يدعو إليه. لقد استطاع هؤلاء أن يرسموا للإسلام صورة تجعل من شعوب الأرض في حالة خوف من تلك الوحشية وذلك السلوك الإجرامي التي ألصقها هؤلاء الأدعياء زوراً وبهتاناً بهذا الدين.

وهذه الصورة البشعة لا تخيف غير المسلمين فقط، بل تخيف المسلمين أيضاً لأن الجريمة تستهدفهم كما تستهدف غيرهم.

إن هذه الجماعات التي اتفق على تسميتها بالجماعات الإرهابية تستند إلى فكر تكفيري متشدد ومتزمت يرجع إلى رجلين وضعا أسسه وجاء بعدهما من زاد في تزمته وتشدده، وهذان الرجلان هما أحمد لابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، وأفكار ابن تيمية جاءت صياغتها في فترة من أهلك الظروف التي مرت على الأمة الإسلامية وهي فترة الغزو المغولي لبلاد المسلمين، حيث أراد ابن تيمية أن يجيّش الأمة لمواجهة ذلك الغزو فعمد إلى تبني آراء وأفكار استغربها علماء عصره وفقهاؤه، وحكم بعضهم عليه بالخروج من الملة جراء هذه الآراء والأفكار التي حكم فيها هواه السياسي، وحكم بموجبها على طوائف من المسلمين بالكفر أو الفسق لمجرد أنها لم توافق هواه السياسي.

ويُقال أنّه سُجن وعُذّب فكان كل ذلك سبباً في تشدده وتطرفه والرجل الثاني وهو محمد بن عبد الوهاب الذي تحالف مع أمير الدرعية عبد الرحمن آل سعود على إقامة مملكة يكون فيها الحكم لابن سعود وتكون فيها المرجعية الدينية لابن عبد الوهاب، وقد كان هذا الحلف سبباً في حروب أزهقت أرواح مئات الآلاف من أبناء جزيرة العرب الذين جرى إخضاعهم بقوة السيف، وجرى فرض آراء وأفكار محمد بن عبد الوهاب على أهل الجزيرة العربية وكان من آثار الدعوة الوهابية محو كل الآثار التاريخية الإسلامية في جزيرة العرب لاسيما في الحجاز بحجة محاربة البدع التي انتشرت والتي رأى فيها ابن عبد الوهاب خطراً على الإسلام واستمرت الدولة السعودية في تبني ودعم الوهابية، ورصدت الأموال الطائلة من أجل نشرها في العالم الإسلامي على مدى عشرات السنين، حتى انتشر هذا الفكر وصار له أتباع ودعاة في كافة البلاد التي يتواجد فيها مسلمون.

لقد نشر الوهابيون الفكر المتطرف والتكفيري، ما أدى إلى وقوع الفتن والنزاعات في صفوف أبناء الأمة الإسلامية، فلم تطأ هذه الأفكار أرضاً إلا وأثارت النزاعات ودخلت في صراع مع أهل هذه الأرض، وقسّمت الناس إلى فرق، وليس لها من رسالة سوى القضاء على كل فكر أو رأي مخالف لما تراه، فهي معادية لكل المذاهب الإسلامية سواءٌ كانت سنية أو شيعية أو أباضية أو زيدية أو إسماعيلية أو علوية أو صوفية أو أشعرية أو ماتريدية.

وقد ساعد في نمو وانتشار الفكر المتطرف والمتشدد هذا سياسة العالم الغربي الذي ناصب المسلمين العداء فغزا أرضهم وقهر شعوبهم، واغتصب أرض فلسطين وأقام عليها دولة اليهود بل إن الاستعمار الأوروبي لبلاد المسلمين، أقام بعد رحيله عن البلاد حكاماً تابعين له يأتمرون بأمره ويحمون مصالحه على حساب الأمة ومصالحها وفي نفس الوقت قاموا بمهمة قمع شعوبهم والحؤول دون تطوير الحياة السياسية عبر الاستبداد والطغيان وأنظمة المخابرات. كل ذلك وضع الشباب في العالم الإسلامي أمام الحائط المسدود مما جعل الحل لا يكون إلا في واحد من أمرين: إما الهجرة إلى الغرب والذوبان في محيطه، وإما اللجوء إلى العنف والتشدد.

وبفعل مشاعر الإحباط التي أصيب بها كثير ممن هاجروا إلى الغرب إما جراء التهميش الذي مورس ضدهم، وإما بسبب الخواء الروحي الذي شعروا به تحوّل بعضهم نحو الفكر السلفي الوهابي المتطرف، هذا الفكر الذي وعدهم بجنتين إحداهما في الدنيا عبر العيش في ظل دولة إسلامية يكون لهم الأمر فيها ويتمتعون بمزاياها أو ثرواتها وسباياها، وجنة في الآخرة حيث الحور العين والقصور والجنان والأنهار من خمر ومن عسل.

 لقد اختفت من أذهان كثير من الناس صورة الإسلام دين الرحمة والعفو والتسامح والتعاون على البر والتقوى، وحلّ محلها صورة إسلام السيف والقتل والبطش، وصار نبي الإسلام محمد(ص): "الضحوك القتّال" بعد أن كان نبي الرحمة والإنسانية ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾ ﴿..... بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾.

التناقض بين الفكر التكفيري ومبادئ الإسلام

1- إن أتباع الفكر التكفيري يدعون إلى مبادئهم ويعملون على فرضها على الناس بالقهر والغلبة وقد ظهر ذلك من خلال ممارساتهم في العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان وفي كل مكان امتلكوا فيه السيطرة على العباد.

فهل تتوافق هذه الطريقة مع الإسلام؟ بالتأكيد إنها لا تتوافق بل إنها تتناقض حتماً معه، فالآية القرآنية الكريمة تقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(النحل: من الآية 125)، فالدعوة لا تكون إلا بالحوار والنقاش والمحبة والإقناع، ولا يقبل قهر الناس على الدين، ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾(البقرة: من الآية 256)، ومهمة المسلم أو الداعية إلى الله هي تذكير الناس ليؤمنوا وليس تهديدهم وإرهابهم ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾(الغاشية:21-22).

ومن هنا ندرك أن دعوة تلك الجماعات ليست دعوة لإدخال الناس في الإسلام، وإنما هي وسيلة لقهر الناس والسيطرة عليهم كعمل من أعمال السلطة الجائرة والطاغية، فهذا هو دين الطغاة على مر العصور، إنهم يتوسلون الدين سبيلاً إلى الملك وهي هي غايتهم الحقيقية.

2- الحكم على الناس بالكفر إذا لم يكونوا على نهجهم وشاكلتهم، وجعل ذلك سبيلاً لسفك دماء المخالفين من أبناء الإسلام، وتراهم يضعون للإيمان قيوداً ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يأت بها رسوله (ص)، وهذا مخالف لسنة المصطفى في الدعوة وتأليف قلوب العباد، فقد رضي عليه الصلاة والسلام من الناس بالشهادتين ليعتبرهم مؤمنين، فقال لهم قولوا لا اله إلا الله تفلحوا وقال: "من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله مؤمناً بها قلبه دخل الجنة" والناطق بالشهادتين له ما للمسلمين من حقوق وعليه ما عليهم من واجبات، ورضي من الناس مظهر الإيمان فاعتبر أن الدخول إلى المساجد وتكرار ذلك منه علامة على إيمانه فقال:" إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان".

3- طرد الناس من بلادهم وأماكن سكنهم إذا كانوا غير مؤمنين أو غير مسلمين كما حصل مع المسيحيين في العراق وسوريا ومع الأزيديين في العراق أو قتلهم وسبي نسائهم واسترقاق ذراريهم، وهذا أيضاً مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما سار عليه المسلمون خارج جزيرة العرب فلم يخرج النبي أحداً من بلاده إلا من حارب المسلمين أو أعان على قتالهم وحربهم كما فعل اليهود من بني قريظة وبني النضير، وبني القينقاع الذين تآمروا على المسلمين وقاتلوهم وساندوا أعداءهم رغم المعاهدة التي كانت بينهم وبين المسلمين.

أما غير اليهود خارج جزيرة العرب فلم يتم التعرض لهم بسوء وأبقوا في ديارهم وأراضيهم، ولم يُجبر أحد منهم على ترك معتقده أو دينه، لذلك بقيت النصرانية والصابئة وغيرها من المعتقدات في العراق والشام وبلاد فارس.

4- كما لم يعتد المسلمون على معابد بقية الأمم والأديان ولا على آثار السابقين ولم يدمروها كما تعمل الجماعات الإرهابية والتكفيرية في سوريا والعراق واليمن، حيث تم القضاء على آثار حضارات مرت عبر التاريخ وانقضت، وما بقي من آثارها إنما هو شاهد على وجودها في الزمن ليس إلا، هذا بالإضافة إلى تدمير الآثار الإسلامية والأضرحة والمقامات والزوايا والتكايا الصوفية والمساجد، كل ذلك تحت دعوى محاربة البدع والانحرافات وكأن الأمة ما زالت تعيش أيام عبادة الوثن بينما الحقيقة أن هدف هذه الجماعات هو تصحير الثقافة والتاريخ الإسلاميين والعربيين. وفي هذا أيضاً نقض لدعوة القرآن الكريم للاتعاظ والاعتبار بأحوال السابقين" قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم".

5- جرائم القتل الجماعي: تستبيح الجماعات الإرهابية التكفيرية قتل الناس جملة من أجل إيقاع الرهبة والرعب في قلوب الخصوم، ودفعهم إلى الهروب من المواجهة والرضوخ والاستسلام لإرادة القتلة ثم الدخول في جماعاتهم وتنفيذ مخططاتهم، لذلك تراهم يعتمدون أسلوب تفخيخ السيارات بالمتفجرات ووضعها في أماكن اكتظاظ الناس المدنيين كالأسواق الشعبية حيث تجد النساء والأطفال أكثر مما تجد فيها من الشباب أو الرجال، وفي المساجد والمعابد والمنتديات والحسينيات، وغيرها من الأماكن، فيقتل جراء إجرامهم هذا الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى التواجد صدفة في الأماكن المستهدفة، ولقد حرّم الإسلام قتل النفس الإنسانية بغير حق ما لم يكن صاحبها قد ارتكب جناية معاقباً عليها بزهق النفس وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التعرض في الحرب لغير المحاربين سواءً كانوا رجالاً أو نساءً أو أطفالاً أو كهنة أو أصحاب معابد لزموا معابدهم. كما نهى عن التعرض لأملاك الناس من شجر أو حيوان أو أبنية. فأين سلوك الجماعات التكفيرية الإرهابية من تعاليم وتوجيهات المصطفى(ص).

6- التمثيل في القتلى وقتل الناس بطرق وحشية كقطع الرؤوس وفصلها عن أجسادها، والقتل حرقاً كما حصل للطيار الأردني معاذ الكساسبة، وذبح الضحايا بدمٍ بارد. وقد نهى النبي عن قتلة السوء ونهى عن التمثيل بالقتلى، حتى ولو كان المقتول كلباً عقوراً: "نهى النبي عن المثلة ولو بالكلب العقور".

هذه بعض الأمور الظاهرة والصريحة من أفعالهم التي تتناقض مع الدين الإسلامي وقيمه وأخلاقه فضلاً عن تناقضها مع السلوك الإنساني السوي، مما يدل على أن هذه الجماعات لا تقيم وزناً للدين ولا لقيمه ومبادئه.

ما هو مستقبل الفكر والجماعات التكفيرية؟

إن الفكر التكفيري ليس بالأمر الجديد، ولقد عرف العالم الإسلامي كما بقية الأمم هذا الفكر، فلقد كفر أتباع المذاهب المسيحية بعضهم بعضاً وأعملوا السيف في رقاب بعضهم البعض بسبب التكفير، كما حصل في مجمعي نيفية وخلقدونية، حيث قام الحاكم الروماني بقتل جميع المخالفين لرأيه في قضية لاهوتية المسيح عليه السلام.

وكان الخوارج أول من سنّ سُنة التكفير في المسلمين ونشأ بعدهم جماعات كثيرة سارت على نهجهم وارتكبت جرائم كثيرة بناءً على هذا النهج.

إلا أن ذلك الفكر الذي كان ينشط لفترة لا يلبث أن يعود ليخفت ثم ليندثر لأزمانٍ طويلة فتعود بعد ذلك ظروف الطغيان والفساد والظلم لتساعد على إيقاظه من سباته ولقد ذكرنا أن مما ساعد على عودة هذا الفكر في هذا العصر هو الطغيان الغربي والظلم والفساد الذي وضع الشباب أمام حائط مسدود، عندما أقام أنظمة ديكتاتورية في العالمين العربي والإسلامي سدّت منافذ العمل السياسي الحر أمام أبناء المجتمع، بالإضافة إلى البطالة وسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

إن الفكر التكفيري الإرهابي هو ظاهرة مرضية في حياة الأمة وهو غير قابل للحياة، وإذا كان قيام بعض الحكومات والأنظمة المحلية أو القوى العالمية باستغلال أتباع هذا الفكر من أجل مواجهة خصومها ودعمه وتمويله وغض النظر عن أعماله، فإن هذا الوضع لن يستمر طويلاً، لأن الإرهابيين والتكفيريين هم مجرد أدوات وعندما تنتهي الحاجة إليهم فسينقلب عليهم من أوجدهم ودعمهم للتخلص من خطرهم، وسيعمل على إيقاع الفتن فيما بينهم فيقتتلون بقتال أشد مما يواجهون به خصومهم، كما حصل مع جماعات الجهاد والأفغاني بعد هزيمة الإتحاد السوفيتي في أفغانستان، وكما هو حاصل اليوم في سوريا حيث تتقاتل هذه المجموعات أكثر مما تواجه عدوها.

أضف إلى ذلك أن طبيعة الشعوب ترفض أمثال هذه الجماعات ولا تستطيع تحمّل وجودها، لذلك مصير الإرهاب إلى الزوال والاندثار وستعود الأمة إلى اعتدالها وسماحة دينها.. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾(الشعراء: من الآية 227).

اعلى الصفحة