رسالة السيد القائد الخامنئي إلى الشباب الغربي:
تعرفوا على الإسلام من مصادره الأصلية

السنة الخامسة عشر ـ العدد 169 ـ ( صفر ـ ربيع الأول 1437 هـ) كانون الثاني ـ 2016 م)

بقلم: الشيخ جمال الدين شبيب

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

وجّه قائد الثورة الإسلامية الإيرانية سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، رسالة إلى شباب أوروبا وأمريكا الشمالية، تطرّق فيها إلى الأحداث التي شهدتها فرنسا وبعض الدول الغربية مؤخراً.

ودعا السيد الخامنئي في هذه الرسالة، الشباب إلى أن يتعرّفوا على الإسلام دونما واسطة، عبر القرآن الكريم وسيرة الرسول الأعظم (ص)، وألا يسمحوا للساسة والسياسيين بوضع سد عاطفي وإحساسي منيع بينهم وبين الواقع عبر رسم صورة سخيفة كاذبة عن الإسلام ليسلبوا منهم إمكانية الحكم الموضوعي. وفيما يلي النص الكامل للرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ الأحداث الأخيرة في فرنسا وما شابهها في بعض الدول الغربية أقنعتني أن أتحدّث إليكم مباشرة.. أتحدّث إليكم أيها الأعزة دون أن أتجاهل دور والديكم، لأني أرى مستقبل شعبكم وأرضكم بأيديكم، وأرى أنّ الإحساس بضرورة معرفة الحقيقة في قلوبكم أكثر حيوية ووعياً. وكذلك فإني لا أخاطب الساسة والمسؤولين عندكم لأنِّي أتصور أنهم بعلم ودرايةٍ منهم فصلوا درب السياسة عن مسار الصدق والحقيقة.

حديثي معكم عن الإسلام وبصورةٍ خاصةٍ عن الصورة التي يعرضونها عن الإسلام لكم. قبل عقدين وإلى يومنا هذا، أي بعد انهيار الإتحاد السوفيتي تقريباً، جرت محاولات كثيرة لإعطاء هذا الدين العظيم موقع العداء المخيف. وللأسف إنّ عملية إثارة مشاعر الرعب والفزع والنفور واستغلالها لها ماضٍ طويلٍ في التاريخ السياسي للغرب.

لا أريد هنا أن أتعرّض إلى ما يثيرون من أنواع الرُّعب في قلوب الشعوب الغربية. وعند استعراضكم العابر للدراسات التاريخية والنقدية المعاصرة، ستجدون كيف تؤنب الكتابات التاريخية الأعمال الكاذبة والمزيفة للدول الغربية تجاه سائر الشعوب والثقافات.

إنّ تاريخ أوروبا وأمريكا يطأطئ رأسه خجلاً أمام سلوكه الاسترقاقي والاستعماري وظلمه تجاه الملوّنين وغير المسيحيين. ثم إنّ المؤرخين والباحثين لديكم عندما يمرون على عمليات سفك الدماء باسم الدين بين البروتستانت والكاثوليك أو باسم القومية والوطنية إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية يشعرون بالمرارة والانحطاط.

وهذا بحد ذاته يدعو إلى التقدير؛ ولست أستهدف من خلال استعادة قسم من هذه القائمة الطويلة جَلد التاريخ، ولكني أريد منكم أن تسألوا كل مثقفيكم ونخبكم لماذا لا يستيقظ الوجدان العام في الغرب دائماً إلا مع تأخير عشرات السنين وربما المئات من السنين؟ ولماذا كانت عملية النظر في الوجدان العام تتجه نحو الماضي البعيد وتهمل الأحداث المعاصرة؟ لماذا نجدهم في موضوع مهم من قبيل أسلوب التعاطي مع الثقافة والفكر الإسلامي يمنعون من تكوّن وعي عام لديكم؟.

أنتم تعلمون جيداً أنّ التحقير وإيجاد حالة النفور والرهاب الموهوم من الآخرين تُشكِّل أرضية مشتركة لكل تلك الاستغلالات الظالمة. أريد الآن أن تسألوا أنفسكم لماذا استهدفت سياسة نشر الرُّعب والنفور القديمة الإسلام والمسلمين بقوّة وبشكل لا سابقة لها؟ لماذا يتّجه نظام القوّة والسلطة في عالمنا اليوم نحو تهميش الفكر الإسلامي وجرّه إلى حالة الانفعال؟ هل هناك مفاهيم وقيم في الإسلام تزاحم برامج ومشاريع القوى الكبرى؟ وما هي المنافع التي تتوخاها هذه القوى من وراء طرح صورة مشوّهة وخاطئة عن الإسلام؟..

ولهذا، فإنّ طلبي الأوّل منكم أن تتساءلوا وتتحرّوا عن عوامل هذا التعتيم الواسع ضدّ الإسلام.

الأمر الثاني الذي أطلبه منكم أن تقوموا كردِّ فعلٍ لسيل الاتهامات والتصوّرات المسبقة والإعلام السلبي وأن تسعوا لتكوين معرفة مباشرة ودونما واسطة عن هذا الدين. إنّ المنطق السليم يقتضي أن تدركوا حقيقة الأُمور التي يسعون لإبعادكم عنها وتخويفكم منها، فما هي وما هي أبعادها وحقيقتها؟.

أنا لا أصرّ عليكم أن تقبلوا رؤيتي أو أيّة رؤية أخرى عن الإسلام، لكني أدعوكم ألّا تسمحوا أن يستفيد هؤلاء من الإدعاءات المرائية للإرهابيين العملاء لهم وتقديمهم لكم باعتبارهم مندوبي الإسلام. عليكم أن تعرفوا الإسلام من مصادره الأصيلة ومنابعه الأُولى.

تعرّفوا على الإسلام عبر القرآن الكريم وسيرة الرسول الأعظم (ص). وأودّ هنا أن أتساءل: هل راجعتم قرآن المسلمين مباشرة؟ هل طالعتم أقوال رسول الإسلام (ص) وتعاليمه الإنسانية والأخلاقية؟ هل اطلعتم على رسالة الإسلام من مصدر آخر غير الإعلام؟ هل سألتم أنفسكم كيف استطاع الإسلام ووفق أيّة قيم طوال قرون متمادية أن يقيم أكبر حضارة علمية وفكرية في العالم وأن يربي أفضل العلماء والمفكرين؟.

أطالبكم ألا تسمحوا لهم بوضع سد عاطفي وإحساسي منيع بينكم وبين الواقع عبر رسم صورة سخيفة كاذبة عن الإسلام ليسلبوا منكم إمكانية الحكم الموضوعي. واليوم حيث نرى أنّ أجهزة التواصل اخترقت الحدود الجغرافية، عليكم ألا تسمحوا لهم أن يحاصروكم في الحدود الذهنية المصطنعة، وإن كان من غير الممكن لأي أحد أن يملأ الفراغات المستحدثة بشكل فردي ولكن كلاً منكم يستطيع هادئاً لتوعية نفسه وبيئته أن يقيم جسراً من الفكر والإنصاف على هذه الفراغات.

إنّ هذا التحدي المبرمج من قبل لنوع العلاقة بين الإسلام وبينكم أنتم الشباب أمر مؤلم، لكن بإمكانه أن يثير تساؤلات جديدة في ذهنكم الوقاد والباحث.

إنّ سعيكم لمعرفة الأجوبة على هذه التساؤلات يشكل فرصة سانحة لكشف الحقائق الجديدة أمامكم، وعليه يجب أن لا تفوّتوا هذه الفرصة للوصول إلى الفهم الصحيح ودرك الواقع دون حكم مسبق؛ ولعلّه من آثار تحمّلكم هذه المسؤولية تجاه الواقع، أن تقوم الأجيال الآتية بتقييم هذه الفترة من تاريخ التعامل الغربي مع الإسلام، بألمٍ أقل زخماً ووجدانٍ أكثر اطمئناناً.." (السيد علي الخامنئي)

رسالتان للشباب الغربي في عام واحد

ما معنى أن يوجه الإمام السيد علي الخامنئي رسالتين في عام واحد لمستلم واحد هو الشباب في الغرب؟ وأي رسالة في أن تكون الرسالة الأولى في بداية العام، والرسالة الثانية في ختامه؟. أسئلة لا بد من طرحها في بداية الحديث عن الرسالة الثانية التي وجهها الإمام الخامنئي إلى الشباب الغربي قبل أيام.

ما يمكن قوله في هذا المجال هو أن إرسال الرسالة الثانية يعني أن الرسالة الأولى كانت مفيدة، وتركت أثراً مهماً، وإلا لما كان القائد قد تكبّد عناء إرسال الرسالة الثانية، ولصرف وقته في أمر أكثر فائدة.

وما يمكن استنتاجه من هذه الحقيقة هو أن الرسالة الأولى فتحت أبواباً للنقاش على أكثر من صعيد، وأثارت الكثير من ردود الفعل التي كانت بمعظمها إيجابية، ما جعل من اللازم إتباعها برسالة جديدة تستكمل الأفكار التي وردت في الرسالة الأولى.

هناك مسألة أخرى لا بد من التوقف عندها، وهي أن المخاطَب بالرسالتين الأولى والثانية هو شريحة مختلفة عن الشرائح التي تتم مخاطبتها في الرسائل بين الأمم والثقافات والدول والشعوب.

فالإمام الخامنئي لم يخاطب قائد شعب ولا جهاز دولة ولا حتى مثقفي حضارة، وإنما خاطب الشباب في الغرب، كل الغرب، وجاء خطابه في رسالة تمّت ترجمتها إلى عدد كبير من لغات العالم، ما جعلها تنتشر، وتصل بالضبط إلى حيث هي موجهة. وما ساعد في سرعة الانتشار هو أن طريقة إرسال الرسالة ليست تقليدية، فهي لم تسلك سبيل المراسلات الدبلوماسية التي تبقى حبيسة السفارات، وإنما تم توجيهها عبر وسائل الإعلام المختلفة، ووسائط التواصل الاجتماعي المتوافرة، ومن خلال كل السبل المتاحة، ما كان له الأثر الأكبر في انتشارها، لا بل في توهجها في أنحاء العالم.

المسألة الأخرى التي يبدو من الضروري الالتفات إليها هي اللهجة التي خاطب فيها الإمام الخامنئي الشباب الغربي في كلتا الرسالتين، فسماحته ضمّن الرسالة كل ما يمكن أن تحمله الكلمات من مشاعر ودّ وأجواء مصارحة وتعابير أبوّة، ولكنه في الوقت نفسه لم يستعمل عبارات الفرض أو التعابير اليقينية والأساليب التي توحي بأن ما يقوله هو الحقيقة التي يجب تلقيها دون نقاش، بل بالعكس، ففي كل ما قاله كان يركز على إعطاء المعلومات وطرح الأسئلة بهدف إثارة النقاش، دون أن يضع لهذا النقاش خاتمة حاسمة، ما يسمح بتحفيز عقول هؤلاء الشباب المستهدفين بالرسالتين، ويدفعهم إلى البحث عن الحقائق بأنفسهم، بعيداً عن أسلوب التلقين وطريقة الاستعلاء التي تدفع هؤلاء الشباب إلى النفور، بما يؤدي إلى خلق حاجز عصي على الكسر بين المرسل والمتلقي.

ومع العلم أن هذا الأسلوب هو الأسلوب الأمثل في مخاطبة الناشئة والأجيال الجديدة، فإن سماحة القائد نجح بشكل كبير في استعماله دون أن يبدو في ذلك متصنعاً أو متكلفاً، لا بل إنه وضع هؤلاء الشباب أمام مسؤولية البحث عن الحقيقة لسبب خطير وجوهري، هو أنهم هم الذين سيصنعون مستقبل بلدانهم، وبالتالي فإن فهمهم لما يحصل من أحداث اليوم هو الذي يجعلهم يبنون المستقبل الأفضل لشعوبهم.

لقد طلب آية الله العظمى من هؤلاء الشباب أن يُحسنوا التعرف على الأحداث، حتى لا يقعوا في الندم الذي يعيش فيه الجيل الذي سبقهم من جراء معرفة أبنائه متأخرين بحقيقة ما حصل من أحداث في الماضي، وقد عبّر سماحة القائد عن هذه الفكرة بشكل دقيق في الرسالة الأولى التي وجهها في شهر كانون الثاني الماضي حيث قال:

"لا أريد هنا أن أتعرض إلى ما يثيرون من أنواع الرعب في قلوب الشعوب الغربية، وعند استعراضكم العابر للدراسات التاريخية والنقدية المعاصرة ستجدون كيف تؤنب الكتابات التاريخية الأعمال الكاذبة والمزيِّفة للدول الغربية تجاه سائر الشعوب والثقافات. إن تاريخ أوروبا وأمريكا يطأطئ رأسه خجلاً أمام سلوكه الاسترقاقي والاستعماري وظلمه تجاه الملوّنين وغير المسيحيين. ثم إنّ المؤرخين والباحثين لديكم عندما يمرّون على عمليات سفك الدماء باسم الدين بين البروتستانت والكاثوليك أو باسم القومية والوطنية إبان الحربين العالميين الأولى والثانية يشعرون بالمرارة والانحطاط.

وهذا بحد ذاته يدعو إلى التقدير؛ ولست استهدف من خلال استعادة قسم من هذه القائمة الطويلة جَلد التاريخ ولكني أريد منكم أن تسألوا كل مثقفيكم ونخبكم لماذا لا يستيقظ الوجدان العام في الغرب دائماً إلا مع تأخير عشرات وربما مئات السنين؟ ولماذا كانت عملية النظر في الوجدان العام تتّجه نحو الماضي البعيد وتهمل الأحداث المعاصرة؟".

بناء على هذا الواقع فإن المطلوب من شباب اليوم ألا يقعوا في الخطأ نفسه، وألا يتركوا الأجيال التي تأتي بعدهم تقع في مستنقع الندم على عدم معرفتهم بحقيقة ما يجري من أحداث اليوم، كما وقع أسلافهم في المستنقع نفسه إزاء الأحداث التي حصلت في العقود والقرون السابقة.

من هنا كانت دعوة الإمام الخامنئي إلى الشباب كي يستقوا المعلومات من مصدرها الحقيقي، ولاسيما فيما يتعلق بقضية أساسية تشغل الشرق والغرب وهي مسألة النظرة إلى الإسلام والمسلمين، فلا تكون وسائل الإعلام المغرضة هي وسيلة تلقي المعلومات، ولا يكون الساسة والمسؤولون "لأني أتصور أنهم بعلمٍ ودرايةٍ منهم فصلوا درب السياسة عن مسار الصدق والحقيقة"، كما قال سماحته في الرسالة الأولى أيضاً.

لقد حملت الرسالة الثانية التي وجهها سماحة الإمام الخامنئي الجواب العملي لهذه الحقيقة، فدعا شباب الغرب إلى التمعن بما يحصل من أحداث فـ"القضايا المؤلمة إذا لم توفّر الأرضية للتفكير بالحلول ولم تعطِ الفرصة لتبادل الأفكار، فستكون الخسارة مضاعفة".

وشرح سماحته هذه الفكرة بطريقة أكثر تفصيلاً حين قال: "القضية هي أن آلام اليوم إذا لم تؤدّ إلى بناء غد أفضل وأكثر أمناً، فسوف تختزل لتكون مجرد ذكريات مُرّة عديمة الفائدة". وبناءً على هذه الفكرة كانت الدعوة الموجهة إلى الشباب الغربي لأن يكون هو بنفسه مصدر المعلومة والمتيقن من مصداقيتها والحاكم على أساسها، لذلك هو خاطب هؤلاء الشباب بالقول: "إنني أؤمن أنكم أنتم الشباب وحدكم قادرون، باستلهام الدروس من محن اليوم، أن تجدوا السبل الجديدة لبناء المستقبل، وتسدوا الطرق الخاطئة التي أوصلت الغرب إلى ما هو عليه الآن".

إنها دعوة لا يمكن أن تخطئها العين أو يغفلها الإدراك السليم، والمطلوب أن تصل هذه الدعوة بأقصى قوتها إلى أقصى مكان في عالمنا، كي تكون جسراً لردم الهوات التي يصنعها الإرهابيون بين الثقافات والحضارات، وبين الأديان والأمم، خدمةً لمصالح السادة الغربيين.

صدى الرسالة في الصحافة العربية

وقد تطرقت بعض الصحف العربية إلى رسالة قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي إلى شباب البلدان الغربية، حيث قدمت تحليلات وقراءات مختلفة عن الرسالة.

وأفادت وكالة مهر للأنباء أن الشبكات والصحف العربية رصدت رسالة قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي للشباب في البلاد الغربية ضمن تحليلات وقراءات مختلفة فيما كانت الرسالة الأولى التي وجها القائد للشباب الغربي منذ عشرة أشهر قد أحدثت صدى واسع فی العالم العربي.

فكتب الصحفي والناشط السياسي الأردني هشام الهبيشان مقالاً  تحت عنوان "عندما تضع رسالة السيد الخامنئي للشباب الغربي النقاط على الحروف" معتبراً أن الرسالة "جاءت في ظل مرحلة خطيرة تمر بها صورة الإسلام السمح المعتدل، فهناك اليوم هجمة شرسة من قبل بعض الجماعات الراديكالية بالغرب وبتحريض ودعم من "جماعات اللوبي الصهيوني التلموذية الماسونية" تستهدف تشويه صورة الإسلام والمسلمين وخصوصاً بعد أحداث باريس الأخيرة، ومن هنا وفي ذروة هذه الهجمة الشرسة على الإسلام جاءت دعوة السيد علي الخامنئي للشباب الغربي بضرورة البحث عن حقيقة الإسلام بعيداً عن من يحاولون تشويه صورته الحقيقية.

ودعا الصحفي اللبناني ماهر الخطيب في تصريح لوكالة مهر للأنباء إلى التوقف عند الأسئلة الهامة التي طرحها آية الله العظمى السيد علي الخامنئي ضمن رسالته إلى شباب البلدان الغربية مؤكداً على أهمية دعوة قائد إلى ترميم الهوّات بدل تعميقها بين الغرب والعالم الإسلامي. مضيفاً أن بعض الأوساط في الدول الأوروبية باتت تتحدث بشكل صريح عن ضرورة مراجعة العلاقات القائمة مع بعض الدول الإقليمية التي تعتبرها داعمة للجماعات الإرهابية، سواء كان ذلك على المستوى الفكري أو المالي والتسليحي.

ومن جهتها نشرت قناة "الميادين" على موقعها الالكتروني أقساماً مهمة من رسالة القائد ذكرت ما يعانيه المسلمين من تهم إرهابية وهم منها براء. وحقيقة هذه الاتهامات ما هو إلا الحقد، وصرحت هذه القناة أن: آية الله السيد علي الخامنئي اعتبر الحملات الهجوم على العاصمة الفرنسية مؤخراً ما هو إلا صورة للإرهاب اليومي الممارس في بلدان عديدة منها سورية والعراق وأفغانستان واليمن.

وغطت قناة "المنار" اللبنانية القسم الأعظم من رسالة القائد التاريخية موضحةً ان آية الله السيد على الخامنئي أكد على الدور الذي تلعبه أمريكا في تشكيل وتجهيز الجماعات الإرهابية التكفيرية مثل "طالبان" و"القاعدة".

كما واكب موقع العهد الأخباري نقل رسالة قائد الثورة إلى الشباب في الغرب منذ اللحظات الأولى معنوناً إياها: "الإرهاب اليوم ألم يجمع بيننا وبينكم".

وعنونت صحيفة النهار خبرها عن رسالة قائد الثورة بأن "أمريكا تدافع عن الإرهاب" مركزةً في مقالها على التناقض الغربي في سياستها تجاه الإرهاب. كما اختارت قناة "العربية" السعودية بعضاً من مقاطع رسالة القائد وذكرت إن قائد الثورة  في إيران أدان السياسات الغربية الداعمة للإرهاب.

والى ذلك نقلت بعض المواقع نص الرسالة كاملاً مثل موقع "كربلاء" العراقي  وموقع "بوصلة" الأردني و"اليوم السابع" المصري و"هنا صيدا" اللبناني.

وكتب الإعلامي الأردني هشام الهبيشان مقالاً لوكالة مهر للأنباء حول رسالة آية الله الخامنئي إلى شباب البلدان الغربية مؤكداً على أن هذه الرسالة جاءت في وقتها داعياً إلى اعتبارها بمثابة مرجعية فكرية وثقافية ودينية لإيجاد التقارب بين الشرق والغرب في ظل المرحلة الخطيرة التي تمر بها صورة الإسلام السمح المعتدل في العالم الغربي.

قائد الثورة: الإرهاب ألم مشترك بيننا وبينكم

جاءت رسالة آية الله الخامنئي عقب هجمات باريس وبالتزامن مع هجمة شرسة من قبل بعض الجماعات المتطرفة بالغرب وبتحريض ودعم من "جماعات اللوبي الصهيوني التلمودية الماسونية" تستهدف تشويه صورة الإسلام والمسلمين وخصوصاً بعد الأحداث الإرهابية الأخيرة في لبنان وفرنسا، ومن هنا وفي ذروة هذه الهجمة الشرسة على الإسلام جاءت هذه الدعوة للشباب الغربي بضرورة البحث عن حقيقة الإسلام بعيداً عن من يحاولون تشويه صورته الحقيقية.

وقام آية الله الخامنئي بتوجيه الرسالة للشباب الغربي تحديداً لأنه يدرك ويعرف أن هذا الشباب هم قادة المستقبل، فالسيد الخامنئي قال برسالته مخاطباً الشباب الغربي "إنني أؤمن أنكم أنتم الشباب وحدكم قادرون، باستلهام الدروس من محن اليوم، على أن تجدوا السبل الجديدة لبناء المستقبل، وتسدوا الطرق الخاطئة التي أوصلت الغرب إلى ما هو عليه الآن"، فوجه حديثه للشباب الغربي لأنه يدرك أن أي حديث مع بعض ساسة الغرب لن يجدي نفعاً، لأن بعض هؤلاء الساسة هم بالأصل جزء من هذه المؤامرة والحرب التي تشن على الإسلام والمسلمين اليوم.

أما على الصعيد العربي فإن هذه الرسالة لقيت أصداء جيدة وكبيرة بين الكثير من الأوساط العربية إعلامياً وسياسياً، ولاسيما بالصحافة العربية ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي العربية،وخصوصاً بين صفوف الشباب العربي المثقف ، حيث أوجدت ردود فعل مجتمعية وفكرية وثقافية عربية صاخبة وايجابية حول مضامينها.

السيد القائد: الإرهاب الصهيوني أبو الإرهاب العالمي

ولقد وضح السيد الخامنئي برسالته للشباب الغربي الكثير من التفاصيل حول معاناة الشعب الفلسطيني باعتبارها القضية الأساسية للأمة العربية والإسلامية جراء الإرهاب الصهيوني الممارس بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، والمقصود هنا بحديث السيد الخامنئي هو تصوير حقائق الواقع المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني منذ أكثر من ستين عاماً على يد المحتل الصهيوني ومقارنة هذا الإرهاب بالإرهاب الحديث الممتّد لأوروبا نتيجة سياسات بعض الأنظمة الأوروبية الداعمة للإرهاب بالمنطقة والداعمة للإرهاب الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني.

واعتقد أن رسالة السيد الخامنئي وحديثه عن القضية الفلسطينية وحجم الإرهاب الصهيوني بحق الفلسطينيين سيكون لها أثر ايجابي بتركيز فكر الشباب الغربي والمجتمع الغربي بعمومه وتوضيح الصورة الحقيقية لهم عما يجري بفلسطين بشكل واضح .

 وهنا تجدر الإشارة إلى أن مواجهة الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين هي من صلب عقيدة الثورة الإسلامية الإيرانية، وقائد الثورة الإسلامية عندما يتحدث عن هذا الموضوع بالتحديد، فالهدف هو توعية وزراعة فكر راسخ بعقول النشء والجيل المسلم الجديد لتبقى قضية فلسطين وتحريرها هي قضية كل جيل مسلم قادم، وما المناورات العسكرية الأخيرة للجيش الإيراني والتي تحاكي تحرير المسجد الأقصى إلا دليل واضح على أن فلسطين وقضيتها هي الشغل الشاغل للسيد الخامنئي وللمجتمع وللقيادة والجيش بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 ومن جانب آخر إن رسالة آية الله الخامنئي إلى الشباب الغربي تمهد الطريق لتخفيف حدة التوتر والتعصب الثقافي والديني في الغرب ضد المسلمين، فقد جاءت هذه الرسالة بحسب اغلب المتابعين بوقتها، و من المتوقع أن تساهم إلى حد كبير في تخفيف حدة الهجمة على الإسلام والمسلمين بالعالم ونشر فكرة التسامح والاعتدال وقبول الآخر بين مختلف الأديان، ومن هنا يبدو واضحاً أن الرسالة كان لها صدى جيد وقد حققت مرحلياً جزءاً من أهدافها، وكذلك نجحت في تحقيق نوع من التقارب الفكري والثقافي بين المجتمعات الإسلامية الشرقية والمجتمعات الغربية المسيحية. فهذه الرسالة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة للسيد الخامنئي الذي يسعى جاهداً اليوم لتحقيق حالة من التقارب والتوازن الفكري والثقافي بين مجتمعات الشرق والغرب.

 أما على الصعيد الدولي جاءت الرسالة في ظروف قامت قوى التحالف الغربي بدعم الإرهاب من خلف الكواليس وخصوصاً بسورية والعراق، وهذا ما أكد عليه السيد الخامنئي برسالته للشباب الغربي عندما قال: "إن هذا العنف كان للأسف مدعوماً على الدوام من قبل بعض القوى الكبرى بشكل مؤثر وبأساليب متنوعة، قلّما يوجد اليوم من لا علم له بدور الولايات المتحدة الأمريكية في تكوين وتقوية وتسليح القاعدة، وطالبان، وامتداداتهما المشؤومة، وإلى جانب هذا الدعم المباشر، نری حماة الإرهاب التكفيري العلنيين المعروفين كانوا دائماً في عداد حلفاء الغرب بالرغم من أن أنظمتهم أكثر الأنظمة السياسية تخلفاً، بينما تتعرض أكثر وأنصع الأفكار النابعة من الديمقراطيات الفاعلة في المنطقة إلى القمع بكل قسوة، والازدواجية في تعامل الغرب مع حركة الصحوة في العالم الإسلامي هي نموذج بليغ للتناقض في السياسات الغربية".

ومن الواضح اليوم أن هذه الدول والحكومات التي ذكرها وتحدث عنها قائد الثورة الإسلامية في إيران برسالته وغيرها ، مازالت لليوم تحارب أي جهد فعلي دولي إقليمي يسعى بشكل حقيقي للقضاء على الإرهاب بالمنطقة العربية، ولهذا لا نرى نوايا صادقة من القوى الغربية للانضمام لأي جهد وجبهة دولية موحدة تسعى لمحاربة الإرهاب الذي بات فعلياً يهدد المنظومة الغربية بفرنسا وغيرها، بينما الجهد الروسي الإيراني السوري سيكون له أثر فاعل بمحاربة هذا الإرهاب، وهناك بالتأكيد قوى عربية وإقليمية ودولية ستنضم لجهد هذا الثلاثي لمحاربة الإرهاب.

رسالة قائد الثورة تأكيد على القيم الإسلامية الأساسية

ودعا الإعلامي اللبناني ماهر الخطيب إلى التوقف عند الأسئلة الهامة التي طرحها آية الله العظمى السيد علي الخامنئي ضمن رسالته إلى شباب البلدان الغربية مؤكدا على أهمية دعوة قائد الثورة إلى ترميم الهوّات بدل تعميقها بين الغرب والعالم الإسلامي.

واعتبر ماهر الخطيب في تصريح لوكالة مهر للأنباء أن هذه الرسالة تحظى بأهمية كبيرة، لاسيما على مستوى التوقيت، في ظل المرحلة الحساسة التي يمر بها العالم، وبعد التهديدات الإرهابية وانتشار الأفكار المتطرفة، الأمر الذي يترك تداعيات خطيرة على مستوى النظرة إلى الدين الإسلامي.

وأضاف: من هذا المنطلق، كانت رسالة قائد الثورة بمثابة تأكيد على القيم الإسلامية الأساسية، التي تنص على أن الرسالة جاءت رحمة للعالمين وليس فقط المسلمين، وبالتالي ما يراه العالم اليوم لا يمت بأي صلة إلى الإسلام، وكان من الواضح أن السيد علي الخامنئي يريد أن يتوجه إلى فئة الشباب من أجل أن يلعبوا دوراً فاعلاً في بناء العلاقات الإنسانية.

وفي معرض إشارته إلى توجيه الرسالة إلى الشباب الغربي بدلاً عن كبار الساسة في الغرب قال الخطيب: من اللافت أن السيد الخامنئي لم يتوجه إلى الحكومات الغربية، على اعتبار أنها مشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالأزمة القائمة، فالجميع بات يعلم بأن هناك منها من دعم الجماعات الإرهابية أو على الأقل غض النظر عنها من أجل الاستفادة منها على المستوى السياسي، وهو ذكر بشكل أساس بدور الولايات المتحدة في دعم حركة "طالبان" خلال الحرب الأفغانية، وبالتالي على هؤلاء الشباب أن يدركوا أيضاً أن سياسات دولهم الخاطئة تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الواقع الراهن.

وحول أصداء الرسالة بين الأوساط الغربية قال الخطيب لوكالة مهر للأنباء : قد يكون من المبكر الحديث عن أصداء إيجابية أو سلبية لهذه الرسالة، لكن من المؤكد أن هناك أصوات باتت ترتفع في العديد من البلدان تسأل عن الأسباب التي أوصلتهم إلى هذه الحال.

وتابع: في الدول الأوروبية باتت بعض الأوساط تتحدث بشكل صريح عن ضرورة مراجعة العلاقات القائمة مع بعض الدول الإقليمية التي تعتبرها داعمة للجماعات الإرهابية، سواء كان ذلك على المستوى الفكري أو المالي والتسليحي.

وفي معرض إشارته إلى أسباب تركيز قائد الثورة على مقارنة الإرهاب الذي تعرض له الغرب بالإرهاب الطي يتعرض له الفلسطينيون أكد الخطيب: من المعلوم أن الدول الغربية تتغاضى منذ البداية عن إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل منذ سنوات، مستهدفة شعوب المنطقة، خصوصاً اللبنانيين والفلسطينيين، الأمر الذي يطرح ازدواجية المعايير التي يتم فيها التعامل، في حين أن هذه الدول نفسها تصنف قوى وفصائل المقاومة منظمات إرهابية.

ولفت إلى أن هذه الدول كانت الدعم الأساسي لولادة الكيان الصهيوني في المنطقة، من وعد بلفور مروراً بكل المراحل اللاحقة، وبالتالي لا يجب أن يكون إرهاب مقبول وآخر مرفوض.

وبخصوص احتمال تشكيل جبهة موحدة جادة للقضاء على داعش على الصعيد الدولي رأى انه حتى الساعة، ليس هناك ما يؤشر إلى إمكانية هذا الاحتمال، بسبب إصرار بعض الدول على الاستفادة من هذه الورقة من أجل تحقيق مصالحها في المنطقة، وهذا الأمر كان واضحاً من خلال تعمد طرح مشاريع التقسيم والحديث عن ولادة شرق أوسط جديد من رحم ما يحصل من أحداث دموية.

وأضاف: على صعيد متصل، أظهر التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن عدم رغبة في القضاء على التنظيم الإرهابي، حيث كان العمل على احتوائه بشكل رئيسي، وهو ما تأكد من خلال ردة الفعل على الحملة التي أعلنت الحكومة الروسية رغبتها القيام بها بالتعاون مع الحكومات السورية والعراقية والإيرانية، لأن الجميع بات يدرك من هي القوى الحقيقية التي تحارب الإرهاب على أرض الواقع.

وحول تفسيره بشأن التأكيد المستمر على مواجهة إسرائيل في كل خطاب لقائد الثورة الإسلامية في إيران صرح الإعلامي اللبناني أن مواجهة إسرائيل من صلب السياسات الإيرانية، وهذا الأمر ينبع من إدراك حقيقة المشكلة الكامنة في المنطقة، خصوصاً أن الدور الإسرائيلي في كل ما يحصل بات واضحاً، معتبراً أن إسرائيل، بحسب ما قال بنيامين نتنياهو مؤخراً، لا تجد نفسها معنية بالقضاء على داعش، كما أنها تدخلت في الحرب السورية بشكل علني في أكثر من مناسبة من أجل مساعدة الإرهابيين عندما تشعر بأن هناك خطراً عليهم، ودعمها جبهة النصرة من خلال معالجة جرحاها لم يعد سراً.

ورأى أن إسرائيل تعتبر الطرف الأول المستفيد من كل ما يحصل، فهي كانت دائماً تسعى إلى إشعال الفتن المذهبية والطائفية والعرقية من أجل تدمير المجتمعات في الدول الأخرى، مشيراً إلى أن اليوم إسرائيل تشعر بأنها في أفضل حال مع الحروب التي تخوضها الجماعات المتطرفة بالنيابة عنها، بالإضافة إلى ذلك العالم ينسى ما يحصل في هذه الأيام من جرائم بحق الشعب الفلسطيني حيث تجري التصفيات في الشارع، وبالتالي من الضروري دائماً التذكير بما تقوم به من جرائم.

وفيما يتعلق بإشارة القائد إلى صلات فاشلة بين الشرق والثقافات الغربية قال: في رسالته، طرح آية الله  الخامنئي جملة من التساؤلات التي ينبغي التوقف عندها على هذا الصعيد، من استخدام العالم الغربي "أدوات متطورة مصرّاً على الاستنساخ والتطبيع الثقافي في العالم، بالإضافة إلى الأسباب التي تدفع من وُلِد في أوروبا إلى الانضمام إلى الجماعات المتطرفة" لافتاً إلى أن هناك نظرة غير محببة في التعامل مع المجتمعات العربية والإسلامية من قبل الدول الغربية، حيث تعتبرها متخلفة وغير ناضجة، في حين أن الأخيرة تفتخر بما تمتلكه من مخزون ثقافي عريق، وهي كانت في الأصل مهد الحضارات الإنسانية.

وأكد على أهمية دعوة السيد الخامنئي إلى ترميم الهوّات بدل تعميقها، وعدم الذهاب نحو ردود الأفعال المتسرّعة التي تزيد من حالات القطيعة الموجودة، وبالتالي يجب أن تكون محاربة الإرهاب المرفوض من كل الشعوب عامل وحدة لا عامل شرذمة وتفرقة.

عود على بدء

أياً تكن الأسباب والدوافع من وراء توجيه هذه الرسالة في هذه اللحظات التاريخية المفصلية، فإنها تبقى وثيقة هامة يمكن أن ينطلق المسلمون من خلالها لبناء حوار جدي وهادف مع الشباب الغربي يكشف له عمق الخداع الذي يتعرض له من قبل قادته ونخبه السياسية الحاكمة في أوروبا وأمريكا ويرشده بالتالي إلى دراسة الإسلام والتعرف عليه من مصادره الأصلية وينابيعه الصافية وليس من خلال الفهم المنحرف المتطرف لنصوص الدين.

اعلى الصفحة