استهداف الضاحية الجنوبية.. استهداف للقضية الفلسطينية

السنة الخامسة عشر ـ العدد 168 ـ ( صفر ـ ربيع الأول 1437 هـ) كانون أول ـ 2015 م)

بقلم: معين عبد الحكيم*

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

"هناك انتحاريان ولا يوجد انتحاري ثالث ولا رابع كما أشيع، كما أن الأسماء التي تم تسريبها ثبت أنها غير صحيحة، ولا علاقة للاسمين الفلسطينيين بهذه العملية". هذا ما قاله السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله في إطلالته الثانية خلال أيام بعد الاعتداء الإجرامي في برج البراجنة.

وأشار سماحة السيد إلى أن الهدف من وراء التفجير في برج البراجنة كان إحداث فتنة في لبنان، بين اللبنانيين أنفسهم من جهة،  وبين اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين من جهة أخرى، وذلك اتضح من خلال التسريب السريع لأسماء مفترضة للانتحاريين والقول إن انتحاريين فلسطينيين بينهم. ولفت الانتباه إلى أن الهدف الرئيسي كان الإيقاع بين جمهور المقاومة تحديدا والفلسطينيين في مخيم برج البراجنة، القريب من مكان التفجير، ثم بقية المخيمات في لبنان.

وتحدث أمين عام "حزب الله" عن أشخاص لجأوا إلى مواقع التواصل الاجتماعي واستغلوا التفجير لتحميل المسؤولية لمخيم البرج والتحريض على الفلسطينيين. كما أشار إلى أنه من خلال تسريب اسم السوري كان الهدف أيضا التحريض على الأخوة النازحين السوريين في لبنان.

وأشاد السيد نصر الله بوعي اللبنانيين وجمهور المقاومة وبيئتها تحديداً والانضباط الذي تحلى به الجميع والذي فوت الفرصة على الإرهابيين في تحقيق أهدافهم. كذلك أشاد بوعي الأخوة الفلسطينيين على المستوى الشعبي والسياسي والذين افشلوا بدورهم مخططات الإرهابيين الفتنوية. ودعا أمين عام "حزب الله" إلى تفويت الفرصة على التكفيريين والصهاينة في إحداث فتنة أهلية في لبنان، لأن مشروع هؤلاء هو التدمير، مشددًا في هذا السياق على أن الانجاز اللبناني كان في صيانة لبنان ومنعه من الذهاب إلى الهاوية.

نقطة تحول في مواجهة الإرهاب

سمّى الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله الأشياء بأسمائها، ورسم حدود التحديات وحدد المسؤوليات. أشار إلى الخطر المتصاعد الذي شهدنا واحداً من أبشع فصوله في برج البراجنة، ورفع مستوى التحذير نظراً لما كشفته المعطيات واعترافات الإرهابيين الموقوفين، والتي تؤكد حجم ما كان يحضره الإرهابيون، من الخطورة التي يمكن أن توصل إلى كوارث يخطط لها أن تصيب المجتمع اللبناني.

دلّ السيد على الفتنة التي يحيكها الإرهاب التكفيري ـ الإسرائيلي الذي بات يتطلّب أسلوباً جديداً في المواجهة الشاملة، والمسؤولية هنا لا تقع على "حزب الله" وجمهوره، بل المسؤولية مشتركة على السنة والشيعة والفلسطينيين والسوريين، لأن سيف الإرهاب يهدّد رقاب الجميع بخلق فتنة ما بين السنة والشيعة، وما بين الشيعة واللاجئين السوريين الذين "مهما كان موقفكم السياسي، فإن وجودكم في لبنان ومصلحتكم ومصلحة لبنان والشعب اللبناني ألا تسمحوا لأي من هذه الجماعات أن تستغل وجودكم أو موقفكم".. وما بين الشيعة والمخيمات الفلسطينية "فالفلسطينيون في المخيمات معنيون بالمساعدة لكشف الشبكات التكفيرية".  

وإذا كان الأساس في المواجهة هو تكثيف جهد الأجهزة الأمنية على اختلافها، والتنسيق الكامل بينها، فإن تلك المواجهة لا تكتمل إلا بـ"الجهاد الأكبر" المتمثل بتنقية الداخل، ومنع وجود بيئة حاضنة للعناصر الإرهابية، وكذلك وقف المنطق التبريري للعمليات الإرهابية الذي يعتمده البعض، فكل ذلك يعطي حصانة للداخل اللبناني، ويمنع الإرهابيين من النفاذ إليه وقتل اللبنانيين.

والأهم هنا، هو أن أية مواجهة للمجموعات الإرهابية، ومهما كانت فعالة، تبقى فعاليتها محدودة، إن لم يتم ردع الجهات المحلية والإقليمية والدولية التي ترعى تلك المجموعات وتموّلها وترعاها وتؤمن لها الحماية والملاذ.

لم يكن خطاب السيد نصر الله احتوائياً للفعل الإرهابي الإجرامي، ولا تنفيساً للاحتقان الجماهيري، بل كان شفافاً إلى المدى الأبعد، فمرحلة السيارات المفخخة التي ذاق مرارتها اللبنانيون، أمكن تجاوزها بجهد أمني مشترك من قبل "حزب الله" ومخابرات الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية. وهنا أعطى نصر الله شهادة للأجهزة على اختلافها بأنها تمتلك القدرة على تحقيق إنجازات. لكن مرحلة "الأحزمة الناسفة" قد تكون أخطر، وتتطلّب أسلوباً جديداً في المواجهة. القلق واضح، ولذلك أعلن فتح أفق "حزب الله" على إستراتيجية العمل الوقائي الاستباقي، عبر ذهاب الحزب في هذه المواجهة إلى الينابيع وإلى قواعد الإرهابيين، قاطعاً الوعد هنا بأننا سنذهب إلى حيث يجب علينا أن نذهب.

إضافة إلى ذلك فإن أكثر ما لفت في خطاب السيد نصر الله السبت 14/11/2015، هو إعلانه نصر الله أن "داعش" انتهى، وعلى الرغم من طابعه الإجرامي الكبير، فهو يخسر بشكل مستمرّ في العراق وسوريا، وبالتالي عمره قصير وسيُهزم، ولا مستقبل له لا في الحرب ولا في السلم.

حيث اكتفى السيد بهذا القدر من الكلام، إلا أن لكلامه "تفسيراً" لدى معنيين بالخطاب، وفيه "أننا لو استعرضنا مسار هذا التنظيم الإرهابي، نجد بصماته على طائرة الركاب الروسية، ومجزرة برج البراجنة وبعدها مجزرة باريس وما قبلها في لبنان والعالم، بالإضافة إلى الفظائع التي يرتكبها في سوريا والعراق". 

كل ذلك يثبت أن "داعش" صار، أو سيصير، عبئاً على صانعيه ومشغليه وموظفيه ومموليه، بل صار خطراً أكبر مما كانوا يقدّرون. اليوم ضرب الإرهاب باريس، وربما يضرب غداً أية عاصمة أوروبية أخرى، ورئيس الحكومة البريطانية دافيد كاميرون صاحب المقولة الشهيرة بأنه بات يخشى أن يستيقظ يوماً ويجد "داعش" وقد أصبح على أبراج لندن وفي شوارعها.

تبعاً لذلك، فإن الوقائع الغربية القلقة تشي بأن الأوروبيين لم يعودوا قادرين على التحمّل أكثر، وأن رأياً عاماً دولياً ضد "داعش" بدأ يتشكل، وهذا سيقود حتماً إلى اتخاذ هذا العالم مجموعة من الإجراءات لمواجهته وإنهائه. وفي المقدّمة فرنسا التي ستجد نفسها، بعد مجزرة باريس، مضطرة لأن تغادر التردد و"الموسمية" في قتال "داعش"، إلى المواجهة العسكرية المباشرة. وهنا لا يجب إغفال الكلام الأخير لوزير الخارجية الأميركية جون كيري الذي قال إن أيام "داعش" صارت معدودة.

وهذه الحرب الجديدة على "داعش"، ستتم حكماً ضمن محور إقليمي دولي، وستصب حتماً في رؤية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي تقول بمكافحة الإرهاب أولاً، ويلي ذلك الحل السياسي في سوريا، وهذا يصبّ حتماً أيضاً، في مصلحة الرئيس السوري بشار الأسد، وكذلك في مصلحة الخط والقوى والمحور الذي يقاتل إلى جانب النظام في سوريا منذ خمس سنوات.

هؤلاء لا ينتمون إلى فلسطين

وفيما كان تنظيم "داعش" يعلن أن فلسطينيَيْن اثنين كانا من بين الانتحاريين الثلاثة، كان شبان مخيم برج البراجنة يتبرعون بالدم للجرحى في مستشفى حيفا في المخيم ثم ينقلونه إلى مستشفيات الضاحية، في رد صريح على الفتنة التي أراد الإرهابيون زرعها بين المخيم ومحيطه. وجاء إعلان المعاون السياسي للأمين العام لـ"حزب الله" الحاج حسين خليل أن "هؤلاء لا ينتمون إلى فلسطين ولا إلى الفلسطينيين" ليترك أثره على الأرض ويبرد الأجواء نسبياً بين المواطنين الغاضبين.

في سيرة الضاحية، أنها وطن مختلف. متاخمة للحدود، وهي بعيدة عنها. هي الجبهة الأمامية في مواجهة العدو، وهي على مسافة أقضية من الاحتلال. محاذية للشريط الحدودي وعيونها مكتظة بالفسحة المتاحة لرؤية فلسطين. هي الطريق إلى قرى وبلدات الجنوب والبقاع. هي المباركة بين المدن والتي أعطيت رتبة الأبوة لبنت جبيل. بنت جبيل التي من ركامها نهضت لتنثر الأرزّ والدمع على القوافل الباسلة، وليزف القائد منها "عرس التحرير". بنت جبيل شرفة الضاحية، وكل القرى المحرّرة شرفات... الضاحية، هي الطريق إلى بيروت لتعكس صورتها السياسية والنضالية على العاصمة المفتوحة على مرايا العالم. لا تغار من بيروت، لأنّها في مرتبة الشقيقة الكبرى. الضاحية، هي التي تعيش طقس القدس وزياحات فلسطين. لا تخطئ القِبْلَةَ أبداً. القدس أولى الطلقتين.

في سيرة الضاحية، أنها ساحة لمرور العابرين المتعبين. الذين تتزيّن جباههم بعرق التعب، وتلهج صدورهم بشكر النعمة. وهي أكثر من ذلك، هي محطة العزة والاعتزاز، بـ"أشرف الناس" وأقدس الناس، الناس الذين جاؤوها من كل حدب، وقفوا على أنقاضها الشاهدة والمجيدة بجدارة. رأوا فيها منارات وقباباً ومآذن. كبَّروا جميعاً وقالوا: "لبيك" يا بلاد.

جرَّب العدو كل أسلحته.. لم تركع.. لم تستسلم.. لم ترفع الرايات البيض.. من الركام خرجت... سبحان الحياة، كبرت الضاحية أكثر، صارت عاصمة من عواصم العرب، ولو لفترة... الانقضاض المذهبي شوَّه التاريخ وقزّم الصورة... ولكنّها، ظلت كبيرة.. صار الركام فيها مزارات للمؤمنين بالحجر والبشر.. علت الضاحية.. صارت علماً يجوب الأزرق الكبير.. ازدحمت الأرض المفرغة بالقتل والقصف، بشيوخ ونساء وأطفال، قالوا جميعاً بملء حناجرهم، صدحوا بعمق أرواحهم، قالوا: "لبيك نصر الله". كانوا مستعدّين لوراثة الملحمة، وللسير في المأساة، حتى ينبلج الفجر الفلسطيني الجديد.

في سيرة الضاحية أنّها جلجلة متكرّرة... قاتل الله الفتنة.. كانت على وئام صعب مع المحيط القريب والبعيد، لما في لبنان من أحقاد، وعند العرب من مذاهب.. صيغت تهمة التشيُّع.. لم تعد أيقونة المقاومة كما كانت للعرب، ناساً وحكاماً. كأن الناس على دين ملوكها.. تبعوهم حذو الحقد بالحقد.. وبدأ الحصار.. مَذْهبوا المقاومة بعد انتصاراتها. انتصارات أُهديت للأمة، دولاً وشعوباً... يا لعار أمة، أنكرت الانتصار وفضّلت تبني الهزيمة.. أغرقت الأمة في فتنتها.. لم يأخذها الانتصار إلى "مقام تحت الشمس".. فضلَّت خسارة غرناطة، وكانت الخسارة فادحة.

بالأمس، وقبلها بشهور، تحوَّلت الضاحية هدفاً.. الإرهابيون يتصيّدون ناسها وأبرياءها.. أبشع وسائل القتل، جاؤوا بها، وأبشع مِن قتلهم، نفوسُهُم المترعة بسموم الحقد.. وأبشع من انتحارهم، تحويلهم العقائد حراباً، وتوظيف الإيمان في السفك...

خلف القتلة، عواصم من الحقد الأسود.. لو كان الخلاف بين سنّة وشيعة، لصحَّ الاعتزال وتحميل الاثنين تهمة الفتنة.. ولكنها ليست كذلك.. هؤلاء القتلة، يقتلون السنة.. دماء السنّة تكرج كالماء.. هؤلاء، دينهم قتل وربهم قاتل وخليفتهم سفاح.. عار على أمة أن يتبنّى بعضها "داعش" و "نصرة" وجيوش فتوحات الجريمة.

خرج أهالي الضاحية يتفقدون أنفسهم وأرواحهم وخصوصاً أحباءهم على وقع التفجيرين الإرهابيين اللذين استهدفا شارع عين السكة في منطقة برج البراجنة، في لحظة الذروة في السوق الشعبي الأول في الضاحية بعد منطقة حي السلم. يعيد أصحاب المحلات في السوق فتح محلاتهم عند الخامسة من بعد الظهر إلى ما بعد العاشرة ليلاً، ليشكل سوق عين السكة مقصد معظم سكان الضاحية، كونه السوق الشعبي الأهم في المنطقة. مع السوق، لعب المخططون للتفجيرين على توقيتين اثنين: صلاتي المغرب والعشاء في ظل وجود حسينية وجامع الإمام الحسين، وعودة الموظفين من أشغالهم.

عاد أهالي الضاحية إلى عيش ما عانوه على مدى عام كامل من منتصف العام 2013  ولغاية حزيران 2014، حيث وقع التفجير الأخير في منطقة الطيونة. بعد ذلك خرق الانتحاريون الإجراءات الأمنية في الضاحية ليتمكن اثنان من بينهم من تفجير نفسيهما (قيل أن أحدهما فجر معه دراجة نارية مفخخة) فيما قيل إن ثالثاً قتل إثر أحد التفجيرين قبل الضغط على زر تفجير نفسه (ولم يتم التأكد من المعلومة) لتنجو المنطقة من كارثة أكبر مما وقع فيها.

وهناك، ومع الدماء التي تناثرت على الأرصفة وحوافي بعض الطبقات الأولى من المباني المحيطة بالتفجيرين، ومعها أحذية الشهداء والجرحى، زجاج واجهات المحلات وبضائعها المرمية في الشارع، كان مشهد قلق الأهالي على ذويهم وجيرانهم وأصدقائهم سيد الموقف. وهناك بقي بعض الأهالي، وعلى مدى أربع ساعات من التفجير الذي وقع عند الخامسة و45 دقيقة من مساء أمس، ما زالوا يركضون من مستشفى إلى آخر بحثاً عن مفقودين لا يعرفون عنهم شيئاً فيما هواتفهم النقالة إما مقفلة أو لا يردون عليها.

ومن مكان التفجيرين في شارع الحسينية في عين السكة ولغاية مبنى مستشفى الرسول الأعظم الذي استقبل العدد الأكبر من الشهداء والجرحى، كونه الأقرب إلى المكان، كانت الأمهات القلقات تزرعن الطريق جيئة وذهاباً بحثاً عن أبنائهن. وهناك أيضاً بكى كثيرون "استشهد... علي يا رانيا"، قال الشاب الذي ضم شقيقته على ما يبدو وهو ينتحب.

الإرهاب لم يضرب سكان عين السكة فقط، يقول الأهالي إن معظم الشهداء والجرحى هم من رواد السوق القادمين، إما من مخيم برج البراجنة القريب (استشهد منه حسين الشناوي)، وكذلك من المناطق المحيطة به أو من خارج الضاحية، وكذلك من العمال الأجانب الذين يقصدون السوق لشعبيته.

وانسحبت الصدمة على سكان المباني المحيطة بالتفجير. كانت الشرفات فارغة فيما خرج قاطنوها يطمئنون إلى من كانوا في الشارع من أبنائهم، وإلى جيرانهم الذين لم يعودوا بعد، وإلى أصحاب المحلات وموظفيها الذين يتصبحون بهم ويقفلون يومهم على وجوههم.

الإرهاب هو الإرهاب

الإرهاب هو الإرهاب ولا يجوز لصقه بجماعه أو مذهب أو دين محدد فالإرهاب عابر للقارات، وكذلك لا يجوز التفريق أو التبرير في التعاطي مع الإرهاب على أساس الأصل القومي أو توظيف هذه الجماعة الإرهابية أو تلك خدمة لأهداف وغايات ومصالح دول أو أحزاب أو أفراد، والإرهاب مارسته دولة أو أحزاب أو أفراد لا يجوز التستر عليه، أو دعمه وتشجيعه ومنحه الجوائز بالسيطرة على الحكم، ولكن ما يحدث ونرى بأن الإرهاب يجري التعاطي معه وتفسيره على أساس المصلحة والهدف والمنشأ والأصل القومي، وهنا نجد بأن الأمثلة صارخة ومدوية فما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إرهاب منظم على يد كيان الاحتلال الإسرائيلي حيث شعب اعزل طرد وشرد عن أرضه منذ 68 عاماً بفعل العصابات الصهيونية، يحرم من حقه في العيش والعودة إلى أرضه، بل وحتى العيش على جزء من أرضه في دولة مستقلة كباقي شعوب البشر، ويجري وسم نضاله المشروع  من اجل نيل حريته واستقلاله من قبل الشرعية الدولية والقانون الدولي بأنه "إرهاب" في حين يتم توصيف ما ترتكبه إسرائيل من جرائم بكل أشكالها وعناوينها  من إعدامات وتصفيات ميدانية بحق المواطنين العزل، والتي كان آخرها جريمة اقتحام ما يسمى بالمستعربين  للمستشفى الأهلي في الخليل وإطلاق النار في أقسامه وقتلها للشهيد عبد الله الشلالدة الذي لم يكن لا مسلحاً ولا مطلوباً ولا يشكل خطرا على قوات الاحتلال، وقس على ذلك ما تعرضت له المستشفيات والمؤسسات الطبية الأخرى في الضفة الغربية والقدس من عمليات اقتحام وإطلاق للقنابل الغازية والصوتية في ساحاتها وبالقرب من أقسامها، مستشفى المقاصد نموذجاً، وليس هذا فقط بل ما يستخدم من عقوبات جماعية بحق شعبنا ترتقي إلى جرائم حرب ضد الإنسانية والقانون الدولي من هدم للمنازل وسحب للإقامات وترحيل وإبعاد عن القدس والأقصى  والاستيطان المدمر والجرائم بحق الأسرى والمعتقلين والاحتفاظ بجثامين الشهداء وغيرها، بأنه دفاع عن النفس ولعل ما قاله أوباما في لقاءه مع نتنياهو مؤخراً ورسالة كيري للرئيس عباس، تكشف بشكل جلي ،بأن  من يحاولون القول بأنهم يحاربون الإرهاب، هم أول من يدعمونه ويقفون إلى جانبه ويشجعونه على التطاول وعدم الانصياع للقانون الدولي والإنساني وعدم احترام أية مواثيق واتفاقيات دولية.

 كل الجرائم التي ترتكب بحق شعبنا الفلسطيني ومصادرة حقه في الحياة والبقاء بحرية وكرامة، لم تحرك ساكناً عند من يدّعون حمايتهم ودفاعهم عن الشرعية والقانون الدولي، وعن قيم الحرية والديمقراطية، والذين هم أول  من"يعهرونها" ويستخدمون المعايير المزدوجة في تطبيقها.

الإرهاب ضرب في عين السكة في الضاحية الجنوبية، وراح ضحية تفجيراته الإجرامية من قبل عدد من القتلة والمجرمين المتوحشين عشرات الشهداء من المواطنين الأبرياء ومئات الجرحى، وهذه التفجيرات التي جرت نعرف بأن من استخدموا تلك العناصر الإرهابية في هذا القتل الإجرامي المقزز، يستهدفون وحدة لبنان واستقراره والسلم الأهلي فيه، وشعبنة الفتنة المذهبية سني شيعي، وزجهم لأسماء فلسطينية وهمية شاركت في تلك التفجيرات أيضاً يراد له تحريض المقاومة والشعب اللبناني على شعبنا الفلسطيني، وكذلك يراد من ذلك وقف دعم ومشاركة حزب الله والمقاومة اللبنانية للجيش السوري في حربه على المجاميع الإرهابية هناك، وهذا دليل إفلاس وانهيار ودخول تلك العصابات المجرمة في أزمة عميقة جراء ما يجري لها من اجتثاث على يد الجيش العربي السوري وحلفاءه في المناطق التي يسيطرون عليها.

هذه الأعمال الإرهابية جرى التعامل معها بلغة المصلحة والتوظيف والتبرير من قبل الغرب الاستعماري ومشيخات النفط والكاز وحواضن تلك الجماعات الإرهابية، ومن أمدها بالمال والسلاح والرجال، لكي تمارس كل أشكال القتل والإرهاب والخطف والتعذيب والتدمير والتطهير العرقي، ولكن لم يجر التصدي ومحاربة تلك الجماعات الإجرامية والإرهابية والتنبه لخطرها، سواء على الأرض السورية أو العراقية أو الليبية أو المصرية أو التونسية أو في الضاحية الجنوبية، بل كان يجري توظيفها خدمة لمصالح ومشروع يراد له تدمير كامل المنطقة العربية وإغراقها في حروب التدمير  الذاتي والفتن المذهبية والطائفية وتقسيم الوطن العربي المقسم تقسيماً جديداً على أسس طائفية ومذهبية، ولكن بدا التحرك للتصدي لهذه الجماعات الإرهابية من القاعدة ومتفرعاتها "داعش"، نصرة" فتح الإسلام"، أحرار الشام، "جند الشام" وغيرها، ولكن أيضاً في إطار توظيفي وتفريقي بين إرهاب جيد وإرهاب سيء، عندما شعر الغرب الاستعماري وأمريكا بان خطر تلك الجماعات الإرهابية سيرتد عليها، بعد عودة تلك الجماعات الإرهابية إلى بلدانها من سوريا والعراق وليبيا وغيرها، حيث حدث أكثر من تفجير إجرامي في أكثر من عاصمة أوروبية ومشيخة خليجية.

فرنسا الداعم الأول للإرهاب في سوريا وفلسطين وغيرها، والتي كانت تقاتل في ڤيينا بشكل قوي حول من هي التنظيمات التي يجب تصنيفها كتنظيمات إرهابية أو غير إرهابية  ويحق لها أن تكون جزء من المشاركة في الحل السياسي للأزمة السورية، ضربها الإرهاب مجدداً وعدد القتلى  تجاوز المائة وخمسين والجرحى تجاوز المائتين، من يوظفون الإرهاب ويشغلونه حتماً سيكتوون بناره، ولعل تجارب الجهاد الإسلامي العالمي، جماعة القاعدة والعرب الأفغان، الذين جندتهم أمريكا وأمدتهم بالسلاح  والسعودية بالمال والرجال من اجل محاربة الروس في أفغانستان، حيث انقلبوا على مشغليهم الذين حولوهم من مناضلين من أجل الحرية إلى قتلة وإرهابيين ومجرمين بعد انتهاء الدور والهدف والمهمة من التشغيل.

الإرهاب يجري التعامل معه على أساس المعايير المزدوجة والمصالح والانتقائية والأصل القومي، حيث الذرائع والحجج والتبرير والمصوغات جاهزة لتبرير ارتكابه سواء في فلسطين أو سوريا أو العراق أو مصر أو اليمن وليبيا والضاحية الجنوبية، ولكن عندما يضرب باريس وقلب العواصم الغربية، يتقاطر كل الزعماء الأوروبيين وتوابعهم من العربان في المشيخات الخليجية وغيرها، من اجل التنديد والاستنكار والتوعد والتهديد والمشاركة في المسيرات المنددة بهذا الإرهاب المدمر.

الفلسطينيون أول من اكتوى بنار هذا الإرهاب الذي يمارس اليوم، وكذلك في سوريا والعراق والضاحية الجنوبية وليبيا ومصر واليمن، لذلك لا بد أن يجري التعامل مع الإرهاب وفق قاعدة عامة متفق عليها وبما ينسجم مع قوانين وقواعد الشرعية الدولية، سواء الممارس من قبل دول أو جماعات أو أفراد، فلا يوجد إرهاب جيد وإرهاب سيء، ولا يوجد إرهاب مبرر وإرهاب غير مبرر، ومن يتقاطرون إلى باريس من أجل إدانة التفجيرات الإرهابية التي نحن كشعب فلسطيني مظلوم مقهور يكتوي بنار إرهاب دولة إسرائيل، نعلن إدانته واستنكاره، ومن يريدون محاربة الإرهاب فعلاً عليهم التقاطر إلى الشام والعراق والضاحية الجنوبية وشرم الشيخ وعدن وطرابلس من أجل إدانته واستنكاره، والعمل على تجفيف منابعه ومصادره المالية، وتدمير بناه وقواعده المؤسساتية والخدماتية والإغاثية، وإغلاق ووقف كل منابر الفتن المذهبية والطائفية والتحريضية الإعلامية والدينية، ووقف دعم ومساندة الدول التي ترعاه وتحتضنه، وعزل ومقاطعة الدول الممارسة له  اقتصادياً وسياسيا وفرض عقوبات عليها وجلب قادتها للمحاكم الدولية كمجرمي حرب حتى تكون المعالجة ناجحة وفعالة.

وأخيراً نقول: ليس مفاجئاً ما جرى في الضاحية الجنوبية. كان بديهيا، والغموض كان يقتصر على موعد الجريمة تحديداً ومكانها. ومنذ أن قررت المقاومة، والأجهزة اللبنانية، ان تقتص - واقتصت - من الأيادي التي بدأت تعبث بالأمن اللبناني قبل عامين، ولُوحق المخططون والمعتدون إلى جرود جبال السلسلة الشرقية، وحتى إلى الداخل السوري، كان هناك من يعمل على التمهيد للموجات الجديدة من حملات الترهيب.

في الجحور والأنفاق، هناك غمامة سوداء تخيم فوق رؤوس مئات الخلايا وآلاف العناصر من العصابات المسلحة. الغيمة ذاتها تظلل بعض الرؤوس الحامية في أنقرة والدوحة والرياض وباريس.. وواشنطن. في ڤيينا نقاش فرض ذاته واقعيا. التسوية، إذا ما وقعت، ستبدل في المشهد كثيرا. آلاف الأسماء ستوضع تدريجياً على لوائح الملاحقين دوليا. لا مفر من ذلك. هذا تطور حتمي للأحداث مهما كان النفاق رائجاً، ومهما كانت معالم التسوية السورية بأبعادها الإقليمية والدولية.

حتى العديد من أولئك الذين خدموا أجندات الخارج، سيجدون أنفسهم ملاحقين بشكل أو بآخر. ما من دولة ستحتمل وجودهم مستقبلاً.. إلا ربما في أرض يُراد لها الخراب أيضاً.. "خدماتهم" قد تنتفي أهميتها، ووجودهم ذاته ربما سيكون محرجاً ومكلفاً.. هؤلاء سينتهون "فرق عملة" على طاولات التفاوض.. هناك محاولات تبرئة وعمليات تبييض لسمعة القتلة.. وفي مثل هذه البيئة الإقليمية الحاضنة للإرهاب، في كل من سوريا ولبنان والعراق، على الرغم من بعض التلعثم، يصبح متاحاً لجماعات المسلحين أن تعمل إما لتقديم أوراق اعتماد جديدة عبر خدمات دموية خاصة، لتعزيز الموقع التفاوضي لراعيها الإقليمي، (الحاقدون على دمشق أو المنجرفون بالخرف المذهبي)، أو توجيه رسائل لمن يهمه الأمر، سواء في دمشق وبيروت وموسكو، أو للمتحاورين، بأن رؤوس عتاة الإرهاب، لم يحن قطافها بعد.

باحث في القضايا الإقليمية(*)

اعلى الصفحة