الإستراتيجية الروسية تقلب الموازين الإقليمية والدولية

السنة الرابعة عشر ـ العدد 167 ـ (محرم ـ صفر 1437 هـ) تشرين ثاني ـ 2015 م)

بقلم: معين عبد الحكيم*

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

رأت صحيفة "دير شبيغل" الألمانية أن "النظام العالمي القديم، حيث لعبت الولايات المتحدة دورا مهيمنا، اقترب من نهايته". واعتبرت المجلة أن "آخر التطورات على الساحة السياسية الدولية تمثل نقطة تحول رئيسية وبداية لحقبة جديدة تغيرت فيها علاقات القوة"، لافتةً إلى أن "عصر الهيمنة الغربية أصبح من الماضي ولم يعد للولايات المتحدة الأمريكية تأثير حاسم على النظام العالمي"، موضحةً أن "طيلة الأشهر الماضية كرر الغرب باستمرار أن روسيا معزولة عن العالم، مع أن السياسة الدولية لم تعد تتمحور حول أوروبا وواشنطن فقدت الكثير من قوتها".

ووفق "دير شبيغل" تميل الآن المزيد من الدول إلى اعتبار روسيا حليف مهم، ذاكرةً أن "الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين قد حضر مع نظيره الصيني شي جين بينغ، عرضين عسكريين في موسكو وبكين".

كما أشارت المجلة الألمانية إلى أن "وزير الدفاع السعودي، الحليف القوي للولايات المتحدة، زار موسكو مرتين في الآونة الأخيرة لإبرام اتفاقات"، معتبرةً انه "في جميع الأحوال، أثبتت الحرب في أوكرانيا والأزمة السورية أن الهيكليات القديمة للأمن العالمي تخطاها الزمن. لذلك، يجب عدم البحث عن مسؤولين لإدانتهم، بل يجب النظر إلى الأمام". وفقا لمجلة دير شبيغل، فإن "أوروبا تحتاج إلى اتفاقيات جديدة في مجال الأمن والتعاون، فضلا عن اتفاق هلسنكي  جديد".

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في تقرير لها أن الغارات التي تشنها القوات الروسية في سوريا لقصف مواقع تنظيم داعش الإرهابي أتاحت لأجهزة المخابرات الغربية فرصة عظيمة للتعرف على آخر ما وصلت إليه قدرات الجيش الروسي في ظل عهد الرئيس بوتين. وهو ما شكل مفاجأة كبيرة بالنسبة لهم بعدما أدركوا أن قدرات بعض الأسلحة الروسية تتفوق على نظيرها الأمريكي من حيث القدرات التكنولوجية.

وأشار التقرير إلى أن بعض الطائرات الحربية المستخدمة في هذه العمليات لم تجر لها أية تجارب قتالية قبل استخدامها بالفعل مثل: (سوخوي سو 34) و صواريخ كروز البحرية والتي يمكنها أنت تصل إلى بعد يقدر ب 900 ميل. وأشارت الصحية الأمريكية إلى أن ثمة تعاوناً إيرانياً روسياً لقصف بعض معاقل الإرهابيين في مناطق شمالية مثل حلب. وقالت الصحيفة إن هذا التعاون يعكس مدى التخطيط الدقيق الذي وضعته موسكو نصب أعينها قبل الانخراط في أول عملية عسكرية لقواتها بعد انهيار ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي.

وقال التقرير إن ما يلفت نظر الإدارة الأمريكية بشدة الآن ليس التعاون بين موسكو وطهران بقدر ما هو التطور الذي استطاعت روسيا تحقيقه في إمكانياتها العسكرية على  الرغم من معاناتها الاقتصادية المعروفة للعالم كله.. وكيف أنها استطاعت فرض ضوابط على ميزانيتها لصالح تنمية إمكانياتها الحربية. واستشهد التقرير بفيديو نشرته وزارة الدفاع الروسية على موقعها الرسمي من واقع العمليات الروسية العسكرية في روسيا.

المعارضة الأمريكية لروسيا

كما هو معروف فإن الولايات المتحدة تعارض "داعش" بل تقوم وحلفاءها بقصف مواقعها, لذلك فمن المنطقي أنه حينما تدخل روسيا الساحة السورية لتحقيق الهدف ذاته، فإن الولايات المتحدة يجب أن ترحب. ولكن المدهش أنها وحلفاءها فعلوا العكس.

وبمجرد بدء التدخل العسكري الروسي، وقبل أن تمضى عدة أيام، قامت آلة الدعاية الغربية بالتشهير بالدور الروسي، وبررت الولايات المتحدة اعتراضها على أساس أنه "وصفة للكوارث" لأنه يؤدي إلى دعم الرئيس السوري بشار الأسد، وبالتالي سيؤدي إلى تمديد وإطالة الصراع في سوريا، وأن الحل يجب أن يكون عبر عملية انتقال سياسي حقيقي. ومفتاح الشفرة هنا يكمن في مصطلح الانتقال السياسي الحقيقي، أي إسقاط النظام بإرادة خارجية، وليس نتيجة لانتخابات نزيهة تتم تحت إشراف دولي, ولكنها تريد إسقاط النظام بإرادتها، كما حدث في العراق وليبيا بحيث يتحكمون في تحديد مستقبل سوريا.

لم تقف آلة التشهير الأمريكي بالقول إن هذا الدور الروسي سيؤدى إلى نشوب حرب باردة جديدة، وأن الطائرات الروسية تقصف المدنيين السوريين، كما أن الطائرات الروسية قصفت مواقع للإرهابيين الذين دربتهم الولايات المتحدة وأرسلتهم إلى سوريا لإسقاط النظام، ما يُعدُّ اعترافاً أمريكياً بأن من تسميهم الثوار ليسوا إلا عملاء قامت بتدريبهم، وهو أمر لم يخجل أوباما من الاعتراف به علناً، أضف إلى ذلك سلسلة الاتهامات الكوميدية المعتادة مثل القول إن الطائرات الروسية تتعمد دخول المجال الجوي التركي، أو أن صواريخ إيرانية لم تصل إلى أهدافها، وسقطت في إيران. ويذكرنا بما فعله بعض العرب في بداية الأزمة حينما أفشلوا بعثة الجامعة العربية قبل أن تبدأ عملها، وطالبوا بسحب البعثة قبل أن يعرفوا ماذا ستفعل.

كيف نفسر هذا التناقض المتمثل في الاعتراض على الدور الروسي، مع قيام الولايات المتحدة نفسها بضرب بعض مواقع داعش ؟ الولايات المتحدة تريد إطالة أمد الأزمة السورية للإجهاز على ما تبقى من سوريا، من خلال تحويلها إلى كانتونات طائفية ضعيفة تعيش تحت الهيمنة الإسرائيلية الكاملة وإعطاء إسرائيل فسحة أكبر من الوقت لتنفيذ مشروعها الاستيطاني في الضفة الغربية في ظل انشغال عربي كامل بالملف السوري، وتهميش أمريكي كامل للمسألة الفلسطينية، انعكس في خطاب أوباما الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ويمكن أن نؤكد ذلك التفسير في ضوء تصريحات أوباما التي تقول إن القضاء على داعش سيستغرق وقتاً طويلاً. معضلة الولايات المتحدة هو أن الدور الروسي فضح المخطط الأمريكي. يضاف إلى ذلك، أن الولايات المتحدة لا تريد شركاء خارج نطاق الحلفاء يمكن أن يسهموا في التشكيل السياسي للشرق الأوسط بعد انتهاء الأزمة .المعضلة الأخرى هي أن الدور الروسي قد حقق في أيام ما لم تحققه الولايات المتحدة في عام. فقد أعلنت روسيا أن الدواعش يهربون من سوريا بالمئات، كما أن الجيش العربي السوري يتقدم لاستعادة أرض بلاده من إرهابيي القوقاز، وهو ما لا تريده الولايات المتحدة إذ تريد لهؤلاء أن يعودوا إلى روسيا منتصرين.

وتدرك روسيا هذا المخطط. فروسيا لا تتدخل فقط لحماية الحليف السوري، ولكن أيضاً لحماية مصالحها حيث إن قسماً لا يستهان به من إرهابيي داعش أتوا من بلاد شمالي القوقاز كما أن انتصارهم سيؤدى إلى تحولهم إلى روسيا نفسها. كما قال ايفانوف، رئيس الجهاز الإداري للرئيس بوتين. كما أن روسيا اكتشفت أن الولايات المتحدة تتظاهر بمحاربة داعش ولكنها لا تغير الحقائق على الأرض، وهو الأمر الذي كشفته استقالة الجنرال جون ألن، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي في العراق وسوريا، احتجاجاً على عدم تخصيص أوباما موارد كافية لتصفية الدواعش. أما بخصوص الدول العربية التي تصر على المنهج الأمريكي ذاته، فإنه دون تدخلها المبكر في الأزمة السورية، وإفشالهم بعثة الجامعة العربية في بداية الأزمة بل وتدخلهم مع تركيا لتهريب السلاح إلى سوريا، وتدريب بعض الفصائل السورية على استعمال العنف، ما كانت الأمور قد وصلت إلى ما وصلت إليه. فهم من شرع فكرة التدخل العسكري في سوريا، لكنهم يريدون لهذا التدخل أن يقتصر عليهم. يتصورون أن إسقاط النظام السوري سيؤدى إلى إضعاف الدور الإيراني في الشرق الأوسط عن طريق القضاء على حليف لإيران وقطع الصلة بين حزب الله اللبناني وإيران. قد يكون ذلك صحيحاً، ولكن الأمر يتطلب حسابات إستراتيجية حول المكسب والخسارة.

لا يمكن تصور إضعاف النظام الإيراني عن طريق تدمير سوريا، بل عن طريق إقامة قوة عربية توازن إيران وإسرائيل من قبلها.. كما أننا يجب أن نتعلم الدرس التاريخي الذي طالما دفعنا أثماناً باهظة لعدم تعلمه، وهو أننا قد نكسب في المدى القصير ولكن نخسر في المدى البعيد. هل يجب أن نعيد قراءة المشهد الأفغاني والمشهد الليبي وغيرهما حيث كسب بعض العرب في المدى القصير ولكن الخسارة كانت فادحة في المدى البعيد. أين الذاكرة التاريخية العربية التي نأخذ منها العبرة نتعلم منها لبناء المستقبل؟ .

نتصور أن مصر قد قرأت المشهد السوري قراءة صحيحة، وفهمت أنه إذا نجح المخطط الأمريكي في سوريا، فان مصر ستكون هي المحطة التالية في سلسلة تحطيم الأنظمة بل المجتمعات العربية التي بدأت سنة 2003. ومن ثم فإنها أيدت الدور العسكري الروسي وعليها أن تبدأ خطوات محسوبة لإعادة إدماج سوريا في الإطار العربي. هل يؤدى الدور الروسي في سوريا إلى تعقيد حل الأزمة السورية؟ إذا كان المقصود هو تعطيل الحل الأمريكي، فمن المؤكد أن هذا الدور قد أدى إلى الإجهاز على الاسطوانة المشروخة بضرورة تغيير النظام.

وإذا كان المقصود هو الوصول إلى حل سياسي سوري توافقي يضمن وحدة سوريا، فان الدور الروسي يقربنا خطوات من هذا الحل. فروسيا في طريقها للإجهاز على الدواعش، ويومها لن يصبح في يد دعاة تدمير سوريا أي أوراق سوى القبول بالحل السوري الخالص المدعوم من القوى الكبرى. ومما يدعم من هذا الاحتمال أن روسيا لا تحصر دورها في العمل العسكري، ولكنها دعت إلى تحالف دولي ضد داعش وأقامت تحالفا إقليمياً حول سياستها، كما شرعت في التحضير لمؤتمر جنيف-3.

كما أنها شرعت في إجراء محادثات عسكرية ودبلوماسية مع الولايات المتحدة حول إنهاء المأساة السورية. ويشهد كل ما سبق على صحة المقولة التي تؤكد أن بنيان القطبية الثنائية (وليس الحرب الباردة) أفضل للدول الصغيرة من النظام أحادي القطبية الذي سيطر على العالم منذ سنة 1991. وهو ما كان يختلف معنا فيه بعض دعاة الاندماج في أحادية الغرب في بداية حقبة القطبية الأحادية.

روسيا تقلب الموازين

من يتابع تطورات الموقف الروسي حيال سورية، من حيث الدعم التسليحي الكاسر للتوازن للجيش العربي السوري، ومن حيث التنسيق السوري ما بين القيادتين الروسية والسورية الذي وصل إلى درجة التطابق في المواقف السياسية وبخاصة في مسألتي عدم المساس بالنظام السوري، ومسألة أولوية مكافحة الإرهاب. ومن يتابع التصريحات المتتالية للمسؤولين الروس بشأن استمرار الدعم العسكري لسورية وتزويدها بأحدث الأسلحة المتطورة، وأن روسيا مستعدة لدراسة إرسال قوات روسية لدعم الجيش السوري.

ومن يتابع نقل أقوال القيادة الروسية إلى أفعال، من حيث مد سورية بطائرات حربية متطورة وطوافات مقاتلة وطائرات استطلاع، وأنظمة اتصالات ورادارات وأجهزة رصد وصواريخ أرض ـ أرض متطورة، ومن حيث تحويل البحر المتوسط قبالة الساحل السوري إلى ميدان للمناورات لإسماع أطراف المؤامرة قعقعة السلاح، ومن حيث أن الطائرات الروسية بدون طيار وطائرات سوخوي بدأت في التحليق في الأجواء السورية، وحيث بتنا نرى مفاعيل الأسلحة الروسية المتطورة - التي بات يستخدمها أبطال الجيش العربي السوري - تتبدى في حجم الخسائر الهائلة التي تقع في صفوف الإرهابيين، وتدفعهم لاستجداء الهدنة والمقايضات في الزبداني ومضايا في ريف دمشق وفي محيط بلدتي الفوعة وكفريا بمحافظة إدلب.

من يتابع كل ما تقدم، يصل إلى حقيقة مفادها أن القيادة الروسية حسمت أمرها في سوريا لصالح انتصار النظام وإنهاء الإرهاب، وأن روسيا انتقلت إلى موقع جديد في دعم النظام السوري، موقع الهجومين العسكري والسياسي، وموقع المشاركة في القتال لوضع حد للإرهاب بكل تلاوينه، ولإسقاط المؤامرة الاستعمارية الرجعية عليها إدراكاً منها أن سقوط النظام في سوريا سيخرجها من المنطقة هذا (أولاً) (وثانياً) لأنها باتت متأكدة أن مجاميع الإرهاب القادمة من الشيشان ومن دول آسيا الوسطى ستعود إلى تلك الدول وإلى روسيا لممارسة الإرهاب فيها .

القيادة الروسية حسمت أمرها، وواشنطن تلهث وراءها باحثةً عن شكل من التنسيق معها لمواجهة داعش، وموسكو تعلن بصريح العبارة أنها ماضية في خطتها لتصفية الإرهاب من خلال الدور المركزي للجيش السوري، وأنه إذا لم توافق واشنطن على خطتها للتنسيق في ضرب معاقل الإرهاب فإنها ستباشر ذلك بنفسها.

الإدارة الأمريكية تحاول أن تحيد جبهة النصرة بعد لقائها مع بعض قياداتها في الدوحة بزعم أنها تنظيم غير إرهابي!!

 وموسكو ترد أن الإرهاب لا يتجزأ فجبهة النصرة وهي وغيرها من المسميات تنظيمات إرهابية شأنه شأن داعش ولا داعي للعب على الحبال.

أما الكيان الصهيوني فقد أسقط في يديه، ولم يعد بإمكانه استثمار الأزمة السورية في شن الهجمات الجوية من فترة لأخرى على مواقع سورية في ضوء تواجد القوات الروسية على الأرض أو في الجو، وهذا متغير جديد وخطير لم يحدث حتى إبان وجود الاتحاد السوفييتي.

لقد أحدث الموقف الروسي الجريء، بالاستناد للموقف الصلب للقيادة السورية وتماسك وانتصارات الجيش العربي السوري في الميدان، انقلاباً جذرياً في الموازين العسكرية والإقليمية والدولية، وباتت أطراف المؤامرة (الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وتركيا وقطر والسعودية وغيرها) في حالة من الذهول التام كأنما وقع على رؤوسها الطير.

ولم يعد بوسع أطراف المؤامرة على سورية العروبة، سوى أن تتكيف مع متطلبات الموقف الروسي الميداني، ومع معطيات الأمر الواقع الذي فرضه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والجيش العربي السوري على الأرض، فوزير الخارجية الأمريكي جون كيري لم يعد يتحدث عن الرئيس الأسد باللغة السابقة، ثم كرت المسبحة، فوزير خارجية فرنسا لوران فابيوس والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ووزيرا خارجية بريطانيا واسبانيا وغيرهم، لحسوا مواقفهم المتطرفة والعدوانية ولو مؤقتاً- ضد النظام العروبي السوري، وباتوا يتحدثون عن الدور الضروري للرئيس الأسد في أية عملية سياسية، وأردوغان العثماني الاستعماري لف حول نفسه نصف دورة مجبراً، وسيكون مجبراً على إكمال الدورة ليتخذ نفس موقف الدول الأوروبية بشأن سورية والرئيس الأسد.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي دفع القيادة الروسية إلى تطوير موقفها حيال سورية بسرعة فائقة، وإنجاز جسر جوي لنقل الأسلحة والذخائر النوعية لسورية؟؟.

لقد ضاعفت القيادة الروسية من وتيرة تحركها لصالح سورية العروبة وقيادتها وعجلت بإحداث الانقلاب في الموازين السياسية والعسكرية في ضوء العديد من العوامل أبرزها:

أولاً: الاتفاق التركي الأمريكي في يوليو/ تموز من العام الجاري، الذي يسمح لأمريكا باستخدام "قاعدة إنجيرليك" التركية لمقاتلة تنظيم "داعش" لم يتضمن أدنى ضمانات أن لا تستخدم طائرات حلف الأطلسي الموجودة في القاعدة ضد الجيش العربي السوري.

ثانياً: خشية موسكو من أن يكرر حلف الناتو بقيادة واشنطن، ما قام به في ليبيا عندما استثمر قرار مجلس الأمن في حينه، والخاص بمنع الطيران الليبي بالتحليق في الأجواء الليبية، وعمل في حينه على تجاوز القرار باتجاه إسقاط نظام الرئيس معمر القذافي وترك ليبيا تواجه الفوضى والتقسيم.

ثالثاً: أن موسكو ومن واقع رصدها للمجاميع الإرهابية في سورية تبين لها بأن هناك عدداً لا يستهان به من هذه المجاميع تنحدر من الشيشان ومن الجمهوريات السوفييتية السابقة في آسيا الوسطى، وأن هذه المجاميع في حال عودتها ستشكل خطراً حقيقياً على روسيا، وعلى دول آسيا الوسطى التي ترتبط مع موسكو بمعاهدة للأمن الجماعي.. ذلك الخطر الذي قد يلقى استحساناً لدى الإدارة الأمريكية.

رابعاً: تبين لموسكو أن ضربات التحالف الأمريكي الجوية لتنظيم داعش ما هي إلا ضربات شكلية وتكتيكية وليست اجتثاثية، وأن دور هذا التحالف في العراق يختلف عنه في سورية، فهو يسعى لبقاء داعش قوية في سورية من أجل إضعاف النظام وقدرات الجيش العربي السوري، لاسيما أن الإدارة الأمريكية على الرغم من دعمها العسكري والسياسي لفصائل الإرهاب منذ عام 2011، فشلت في تحقيق أي من أهدافها في سورية.

خامساً: الضغط السعودي على الإدارة الأمريكية، بعدم متابعة الحل السياسي للأزمة السورية إلا بتنفيذ الاشتراط الوهم، ألا وهو استثناء الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد من التسوية المزعومة، وخشية القيادة الروسية من أن تتمكن كل من أنقرة والرياض من إقناع الإدارة الأمريكية بمواصلة موقفها المتشدد ضد نظام السوري.

واقع سياسي جديد

روسيا تدرك تماماً بأن الحرب التي يخوضها الجيش والشعب والقيادة السورية ضد قوى الإرهاب ومكوناته والقوى المشاركة به بشكل مباشر وغير مباشر، هي ليست حرباً فقط للدفاع عن سوريا وشعبها ووحدتها الجغرافية، بل هي أيضاً دفاعاً عن الأمن القومي الروسي، فسوريا هي القاعدة والمنفذ البحري الوحيد لروسيا على البحر المتوسط، ولذلك لا تكمن أهميتها الإستراتيجية في ذلك فقط، بل هي تمكن روسيا من الدخول على أمن أوروبا وشمال أفريقيا، وسوريا لها دور بارز ومحوري في الحرب على الإرهاب والتوازنات في التحالفات.

المتتبع للمواقف الغربية والأمريكية وتوابعها إقليمياً وعربياً يجد بأن حالة من الإرباك والتشوش والتناقض والرفض والهجوم والتشكيك تسود تلك المواقف على ضوء القرار الروسي ليس فقط بتزويد سوريا بأسلحة حديثة ونوعية، بل إرسال قوات روسية قتالية برية وجوية وبحرية إلى سوريا لتكون جاهزة وفي خدمة القرار الروسي في الحرب على المنظمات الإرهابية المنتشرة في سوريا وبغض النظر عن تسمياتها "داعش"، "نصرة"، "جند شام"، "فتح الإسلام" وقاعدة وأية متفرعات إرهابية آخر، حيث الدوائر الأمنية والعسكرية والسياسية الأمريكية والأوروبية الغربية وتوابعها وما يندرج تحت مظلتها  وفي خدمتها من رجال صحافة وإعلام وكتاب، انبروا للهجوم على القرار الروسي، فتارة يقولون بأن روسيا ستكون جزءاً من غرفة عمليات مشتركة مع الأمريكان لمحاربة "داعش" فقط، لأن بقية التنظيمات الإرهابية مثل النصرة هي إرهاب معتدل من وجهة نظرهم، وسيكون لها دور في الحل السياسي القادم، ناهيك عن التشكيك في قدرة روسيا على محاربة الإرهاب دون مساعدة أمريكية وغربية، وبأنها ستغرق في المستنقع السوري كما غرق الاتحاد السوفيتي سابقاً في المستنقع الأفغاني، والخطوة الروسية في التدخل العسكري في سوريا من شأنها تعقيد الوضع وتأخير الحل السياسي في سوريا، حتى أن نتنياهو المربك طار إلى موسكو للوقوف على حقيقة الموقف الروسي، وهو الذي بات يدرك بأن زمن العربدة الإسرائيلية في الأجواء السورية وقصفها لأهداف هناك بحجة محاربة الإرهاب ومنع وصول أو تزود حزب الله بأسلحة إستراتيجية أصبح لها حدود واضحة من الآن فصاعداً، وحديث نتنياهو  عن تنسيق روسي- إسرائيلي بشأن الطلعات الجوية فوق سوريا، وبأن سوريا لن تفتح جبهة الجولان أمام عمليات المقاومة ضد "إسرائيل" وان الهدف الروسي هو محاربة الإرهاب، جاءت لكي تخفي فشل نتنياهو وعجزه عن إقناع الروس بمشروعية تخوفاتها الأمنية، وليس نتنياهو وحده من هو قلق من الخطوة والقرار الروسي، فتركيا التي كان خليفتها يحلم بالصلاة في المسجد الأموي "لص مصانع حلب"، وفي اقتطاع جزء من الأراضي السورية من خلال دعم أمريكا وأوروبا الغربية لمشروعه بإقامة منطقة عازلة وآمنة في الشمال السوري، بات يدرك بأن فشله في كل ذلك سيعيد لتركيا دورها وحجمها الطبيعي، هذا الدور الذي تعاظم وانتفخ قبل التدخل الروسي المباشر، وبنى أردوغان رهاناته عليه للفوز في الانتخابات المبكرة في تشرين ثاني القادم، سيجد نفسه أمام استحقاقات قد تجر عليه هزيمة اكبر في هذه الانتخابات، ومن فشل إلى فشل أكبر، قد يطيح بحزب العدالة والتنمية الأردوغاني، وينهي إلى غير رجعة حقبة الإخوان المسلمين.

وكذلك ليس القلق فقط ينتاب "إسرائيل" وتركيا فالسعودية وبقية مشيخات النفط التي كانت تقول لحلفائها وشركائها من التنظيمات الإرهابية على الأرض السورية بأنه لا حل سياسي للأزمة السورية إلا برحيل الأسد، فهي باتت الآن أمام مستجد جديد بعد التدخل الروسي، ولا مجال للاستمرار في التمسك بمثل هذا الموقف، وخصوصاً بأن مكونات العدوان الرئيسية من أمريكا إلى أوروبا الغربية فحتى الأمين العام للأمم المتحدة تبدلت رؤيتها ومواقفها بشأن الحل السياسي في سوريا، فقد نتج عن القرار الروسي بالمشاركة المباشرة في الحرب على الإرهاب في سوريا واقع سياسي جديد في سورية وحولها، يكون فيه الحديث عن شروط غربية تتصل بموقع الرئيس السوري لإطلاق العملية السياسية نوعاً من الهراء والسخف. ولهذا أطلق ممثل الأمين العام للأمم المتحدة ولأول مرة منذ الأزمة قولاً مفيداً يقول فيه "إنّ مصير الأسد يقرّره الشعب السوري حصراً"، وتبعه في ذلك مسؤولون غربيون من أكثر من دولة حيث صرحوا بمرارة قائلين: "إنّ اشتراط تنحّي الأسد لإطلاق العملية السياسة هو أمر هراء وغير واقعي".

والمتغير هذا ليس هو الوحيد الذي قاد وسيقود إليه الموقف والقرار الروسي، بل هو سيعري أمريكا وحلفاءها من الحرب على الإرهاب، حيث هم يخوضون حرب بهلوانية استثمارية في الحرب على "داعش" ضربات محدودة غير فاعلة ومؤثرة، وكذلك تقديم الدعم لـ"داعش" من جهة أخرى، فهنا ستكون حرب حقيقية على الإرهاب، وستنشأ جبهة إقليمية لها قوامها ومحورها روسيا إيران سوريا وحزب الله، وربما يكون العراق جزءاً منها وسيكون الباب مفتوحاً لمكونات أخرى لكي تكون جزءاً من هذه الجبهة على ضوء التطورات في اليمن، وهذا من شأنه أن يغير من خارطة ومعادلة التحالفات والتوازنات الإستراتيجية في المنطقة، والتي قد ترجح تدريجياً لصالح محور المقاومة.

والمتغير الآخر الواضح هنا، أن التدخل العسكري الروسي في سوريا، يرسم سقوفاً لأدوار دول الإقليم "المتورطة" في الأزمة، ويضع قيوداً لا يمكن إنكارها، على "هوامش" الحركة والمناورة التي طالما تمتعت بها هذه الأطراف طوال السنوات الخمس الفائتة، والمؤكد أن موسكو ستعلب من الآن وصاعداً، دور "ضابط إيقاع" الأحداث والتطورات في سوريا، وحتى إشعار آخر.

هذه المستجدات الناشئة عن الموقف الروسي بالتدخل العسكري المباشر في الحرب على الإرهاب في سوريا، جعلت المواقف الأمريكية والأوروبية الغربية و"إسرائيل" والتوابع من جماعة التتريك ومشيخات النفط والكاز تمتاز بالتناقض والرفض والتشكيك والهجوم على هذه الخطوة النوعية الروسية، لكونها تخلق واقع تنسيق ميداني بين روسيا ومكونات محور المقاومة بما فيها إيران وحزب الله، وكذلك جزء منها له علاقة بحرب اعلامية تضليلية وحرب نفسية ،لخلق نزاعات أو خلافات بين روسيا وأطراف حلف المقاومة، لكي تختلف ولا تنجح في مهمتها ومسعاها في الحرب الحقيقة على الإرهاب.

على الرغم من كل هذه الحرب والهجوم والتشكيك والرفض الأمريكي والأوروبي الغربي  للقرار والموقف الروسي، إلا أننا نرى بأن المنطقة الآن أقرب من أي وقت مضى لحلول سياسية من  صنعاء وحتى دمشق

تحترم إرادة الشعوب وسيادتها، وتضع حداً للإرهاب والتطرف الديني، وتعيد للمنطقة أمنها واستقرارها تحفظه قوة ذاتية وتحالفية لا يكون لأمريكا وأتباعها سيطرة أو نفوذ عليها.

باحث في القضايا الإقليمية(*) 

اعلى الصفحة