هل ستكون حماس أكثر استعداداً في المواجهة القادمة مع إسرائيل؟

السنة الرابعة عشر ـ العدد 167 ـ (محرم ـ صفر 1437 هـ) تشرين ثاني ـ 2015 م)

 ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

ترجمات

مجلة جيش واستراتيجيا الصادرة عن مركز أبحاث الأمن القومي

بقلم: غابي سيبوني

دخلت حماس عملية "الجرف الصلب" وهي في أسوأ وضع سياسي غير مسبوق منذ أن سيطرت على قطاع غزة في العام 2007، وهي في أوج عزلتها على الساحة الدولية بشكل عام والعربية بشكل خاص. فمصر التي كانت الداعم الرئيسي السياسي والأكثر أهمية للحركة خلال فترة حكم الإخوان المسلمين، تحولت، منذ أن تولى عبد الفتاح السيسي مقاليد السلطة في العام 2013، إلى عدوها المرير.

وتم التعبير عن الموقف العدائي للنظام المصري الجديد تجاه حماس من خلال تدمير أنفاق التهريب من سيناء إلى قطاع غزة وفي الإغلاق المتكرر لمعبر رفح. استمر النظام المصري، وبعد شهرين من "الجرف الصلب" في تأجيل المفاوضات التي اتفق على إجرائها في نهاية الحرب بين حماس وإسرائيل في محاولة لإبعاد الحركة عن تحقيق إنجاز لها.

   العبرة الجيو- سياسية التي استخلصتها حماس كانت أن العزلة السياسية التي عانت منها الحركة لفترة طويلة، خاصة منذ انتهاء "الجرف الصلب"، لا يمكنها أن تستمر، إذا كانت ترغب في إصلاح صورتها في أعين الجمهور الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية، وكذلك في أعين الفصائل الفلسطينية الأخرى في القطاع، وبالإضافة إلى ذلك، إذا كانت ترغب أن تملأ مجدداً مخازن أسلحتها وإصلاح البنية العسكرية  التي تضررت جدا نتيجة هجمات الجيش الإسرائيلي. والاستنتاج المطلوب من وجهة نظر الحركة كان أنه عليها أن تكتسب دعم لاعب سياسي إقليمي مهيمن آخر.

وكانت إيران هي من ألقى بحبل النجاة تجاه حماس. فعلى الرغم من الشرخ الذي نشأ بين الطرفين بسبب دعم حماس لمعارضي الرئيس الأسد في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا منذ العام 2011، فهم قادة الحركة أن اللاعب الوحيد الذي يمكنه مساعدتهم في الخروج من الحفرة العميقة التي علقت بها بعد "الجرف الصلب" هو إيران. فإيران دعمت حماس على مدار سنوات إلى أن وقع الشرخ بينهما عبر تحويل ملايين الدولارات إلى قطاع غزة، وبالمساعدات العسكرية الواسعة النطاق، والتدريبات، ونقل المعلومات والمعرفة من أجل إقامة بنية تحتية وللإنتاج الذاتي لوسائل القتال، وتحديداً الصواريخ، في القطاع.

منذ انتهاء القتال في عملية "الجرف الصلب"، وتحديداً منذ المصالحة القطرية المصرية، سمعت تصريحات قوية من جانب كبار المسؤولين في حماس لصالح تجديد العلاقات مع إيران. وتحولت هذه التصريحات بسرعة إلى أفعال، فوفد حماس بقيادة عضو المكتب السياسي، محمد منصور، قام بزيارة رسمية لطهران ما بين 8-9 كانون أول من العام 2014 وأجرى لقاءات مع مسؤولين إيرانيين. ومع انتهاء الزيارة قال منصور إن "حماس معنية جداً في الدفع باتجاه تقدم علاقاتها التاريخية مع إيران وإنها تبذل جهوداً خاصة من أجل ذلك".

إن تطلع حماس للعودة إلى الحضن الإيراني كان موسى أبو مرزوق، نائب خالد مشعل، الأكثر تعبيراً عنه، حيث امتدح إيران بقوله "إنها الدولة الوحيدة التي وقفت إلى جانب حماس وساعدت حركة المقاومة بالمال، ووسائل القتال والتدريب". وجرت زيارة أخرى لوفد من حماس لإيران، في 6 كانون ثاني 2015. وكان على رأس الوفد، جمال عيسى، حيث التقى مع نائب وزير الخارجية الإيراني. لقد كان الهدف من هاتين الزيارتين على ما يبدو هو تهيئة الأرضية لزيارة خالد مشعل إلى إيران، كما صرح بذلك، أسامة حمدان، المسؤول عن العلاقات الخارجية في الحركة، إلا أنه لم يتم بعد تحديد موعدا لهذه الزيارة. وفي بداية كانون ثاني 2015، أعلن حمدان رسمياً أيضاً عن تجديد شبكة العلاقات بين الحركة وإيران وان الطرفين تغلبا على الخلافات فيما بينهما.

إن المصلحة الإيرانية في تجديد علاقاتها مع حماس مرتبطة برغبتها في تعزيز مكانتها في المنطقة، وكذلك التلميح للاعبين الإقليميين الآخرين، وربما للولايات المتحدة أيضاً، أن تأثيرها ما زال قائماً فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ويشهد على الرغبة الإيرانية في إعادة الدفء للعلاقات مع حماس، التقارير الواردة عن تجديد تحويل الأموال من طهران إلى الحركة.

نظرة أخرى حول التقارب المتجدد بين إيران وحماس يتعلق بصلة حماس مع حزب الله. فحماس تعلمت وطبقت في جولات القتال الأخيرة مع إسرائيل دروساً كثيرة كان حزب الله قد استخلصها من صراعه مع إسرائيل، وذلك في إطار التعليم المتبادل الذي كان قائماً بين حماس وحزب الله ما قبل الأزمة بين حماس وإيران. ومن المنطقي الافتراض أن حزب الله من جانبه يرغب قدر الإمكان، في استخلاص رؤى معمقة من حماس تجاه إجراءات الجيش الإسرائيلي وعن التكتيكات وطرق عمله، وكذلك من الحركة نفسها خلال "الجرف الصلب". وليس من المستبعد، ومن المنطقي الافتراض، أن عملية التعلم واستخلاص العبر سوف تتحول حالياً إلى جهد ثلاثي مشترك، لإيران ولحزب الله ولحماس.

إن إعادة الدفء إلى العلاقات بين حماس وإيران لا يلاقي استحساناً في أوساط الدول العربية المعتدلة، وخصوصاً الأردن والعربية السعودية (وكما هو معروف مصر، والتي توصف علاقاتها بحماس حالياً أنها سيئة). وذلك على ضوء التأثير السلبي الذي من شأنه أن ينشأ بسبب هذه العلاقة على الوضع الداخلي في هذه الدول، وخصوصاً فيما يتعلق بقرب حماس من الإخوان المسلمين وبسبب محاربة هذه الدول للتأثير الإسلامي المتطرف للإخوان المسلمين على أراضيها، والمخاوف من القيام بعمليات فيها. ويشار بهذا الخصوص إلى اعتقال نشطاء لخلايا عسكرية تابعين لحماس في الضفة الغربية في أيلول من العام 2014، تبين أنه تم تنظيمهم في الأردن وهناك اجتازوا دورات تدريبية تحت رقابة نشطاء من الذراع العسكري للحركة، كتائب عز الدين القسام.

ومن الممكن أن يضاف إلى عزلة حماس السياسية ووضعها المتزعزع أيضاً، العلاقات المعكّرة بينها وبين السلطة الفلسطينية برئاسة أبو مازن، والتي تدهورت أكثر بعد تشكيل حكومة الوفاق الفلسطيني في حزيران 2014. إن التوتر في العلاقات ازداد في أعقاب عملية "الجرف الصامد" ووجد تعبيره من خلال تبادل الاتهامات بين الطرفين. فحماس هاجمت السلطة الفلسطينية، لأنها لم تحول الأموال لدفع رواتب الموظفين في القطاع وتمنع إعادة الأعمار في القطاع، وفي الوقت نفسه فإن مسؤولي فتح يتهمون حماس بإفشال محاولات إعمار القطاع، و"تعكير أجواء المصالحة". وفي تعبير عن وصول العلاقات إلى أسوأ أوضاعها بين الطرفين، كان وضع العبوات الناسفة بالقرب من بيوت مسؤولين من فتح في القطاع في بداية تشرين ثاني 2014.

ويشير وضع حماس على الساحة الإقليمية وعلى الساحة التنظيمية الداخلية، والداخلية الفلسطينية بعد "الجرف الصلب" إلى أن قيادة الحركة، على ما يبدو، لا تتطلع وليس لها مصلحة في تجديد القتال مع الجيش الإسرائيلي. والدرس الذي استخلصته قيادة الحركة وتعلمته من جولة القتال الأخيرة مع إسرائيل هو أنها لا تستطيع أن تسمح لنفسها، بفتح معركة قريبة، أو الخروج في مواجهة إضافية مع إسرائيل بالحجم الذي كان في صيف 2014. إن عملية إعادة إعمار قطاع غزة سوف تستغرق وقتاً طويلاً، وان إعادة إصلاح البنى العسكرية، وللتعزيز من قواتها وتجديد ملء المخازن بالوسائل القتالية تتطلب وقتاً طويلاً من أجل أن تكون الحركة في وضع مناسب على الأقل لمثل الوضع الذي كانت عليه وقت "الجرف الصلب". كما أنه يجب أن نذكر أن الانتظار، ولو لفترة طويلة أيضاً، يعد أمراً تافهاً، مقابل تليين الإيديولوجية الإسلامية المتطرفة لحماس، التي تعارض بإصرار وجود دولة إسرائيل.

المستوى العملي

منذ عملية "عامود السحاب" استعدت حماس لمعركة غير متماثلة مع إسرائيل وركزت على ثلاثة عناصر رئيسية لها: قوة صاروخية، أنفاق متشعبة (هجومية باتجاه إسرائيل، وداخل غزة لعدة استعمالات عملياتية)، وقوات هجومية أرضية (وعلى مستوى أقل استخدام بقدرات بحرية وجوية). وخلال "الجرف الصلب" استخدمت الحركة كل واحد من هذه العناصر. ومن المنطقي الافتراض أنه مع انتهاء القتال بدأت قيادات ونشطاء عز الدين القسام بعملية دراسة وتعلم بهدف الوصول إلى جولة المواجهة القادمة مع إسرائيل بعد بناء القوة وتعاظمها على مستوى أكبر من الاستعداد، وذلك على الرغم من المصاعب التي وضعتها أمامها كل من مصر وإسرائيل.

قضية الأنفاق الهجومية إلى داخل إسرائيل هي واحدة من المواضيع الجوهرية جداً وهدف رئيسي ممن تعاملت معه حماس منذ انتهاء القتال. ترى الحركة بالأنفاق الهجومية عنصراً رئيسياً في عقيدتها القتالية وتدرك مدى أهميتها الإستراتيجية.

لقد فهمت حماس أن العدد الكبير للأنفاق التي أعدتها ونطاق استخدامها سيشكل عملياً مفاجأة إستراتيجية تجاه إسرائيل، على الرغم من أن تهديد الأنفاق كان معروفاً لجميع العناصر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية منذ عدة سنوات. كما فهمت الحركة أيضاً بوجود فجوة بين قدرات إسرائيل في مواجهة هذه الأنفاق من خلال الإحباط المسبق لها، في الوقت الذي ما زال لا يوجد في العالم أجمع حل مناسب للتعامل معها. لذا فمن الممكن الافتراض بصورة كبيرة، أن كتائب عز الدين القسام سوف تستمر بحفر الأنفاق الهجومية التي تمتد إلى داخل الأراضي الإسرائيلي وسيحاولون أن يفاجئوا مرة أخرى من أجل أن يجبوا ثمناً دموياً ثقيلاً من إسرائيل ولخلق الصدى الإقليمي والدولي المناسب.

إن أحداث "الجرف الصلب" أثبتت لحماس أن الأنفاق تخلق عاملاً رادعاً ومخيفاً ذا تأثير قوي في أوساط السكان المدنيين في مستوطنات غلاف غزة وإن إسرائيل ترى بها وباحتمالية ضررها تهديداً استراتيجياً. ولذلك، فإن الأنفاق التي تمتد إلى داخل الأراضي الإسرائيلية شكلت إحدى العناصر الهامة في خلق الشعور بعدم الأمن في المستوطنات المحاذية للجدار ودفعت بالكثير من السكان في أن يقرروا مغادرة المنطقة في فترة الحرب. وربما أن حماس تعتزم استخدام الأنفاق الهجومية على نطاق واسع في المواجهة القادمة ولا تقوم بعمليات تسلل إلى داخل الأراضي الإسرائيلية على نطاق أكثر تأثيراً مما حصل في "الجرف الصلب".

فهم آخر لحماس بهذا الخصوص، يتمثل بفهم الدرس الهام الذي تعلمته الحركة بعد أيام القتال الطويلة في "الجرف الصلب"، وهو أنه يجب الاستمرار في توسيع شبكة الأنفاق التي تم حفرها تحت قطاع غزة وتشعبها قدر الإمكان.

لقد استخدمت حماس شبكة الأنفاق لعدة أغراض، والتي ساهمت بشكل كبير في قدرة حماس على الصمود لمدة خمسين يوماً من القتال ومنحت لقواتها المقاتلة نفساً طويلاً في إدارة المعركة. ومن بين الأغراض التي استُخْدِمَت من الممكن تعداد: تخزين ونقل الوسائل القتالية، القدرة على الخروج في كمائن ضد قوات الجيش الإسرائيلي، من خلال استخدام أفراد انتحاريين، بهدف التسبب لأكبر عدد من الإصابات وخصوصاً في خطف الجنود، وإطلاق الصواريخ بصورة خفية والقدرة على إطلاق "وجبات يومية" من الصواريخ تجاه إسرائيل، واستخدامها لانسحاب القوات، وربما الهدف الأكثر أهمية الحفاظ على القوات المقاتلة بوجه الضربات الجوية والبرية الإسرائيلية، وتحديداً المحافظة على نظام الاتصال والرقابة لجناح حماس العسكري والحفاظ على حياة كبار المسؤولين من القيادة السياسية للحركة الأمر الذي مكن من استمرار الأداء على مدار أيام القتال. وبناء على ذلك، فمن المتوقع، أن تستخدم حماس الأنفاق أيضاً، في أية جولة قتال إضافية مع إسرائيل.

لقد أطلقت حماس وباقي المنظمات الإسلامية في القطاع حوالي 4564 صاروخ خلال عملية "الجرف الصلب" مختلفة المدى. والمغزى في ذلك، إن عنصر القوة الصاروخية خلال القتال كان ذو تأثير كبير جدا بالنسبة لحماس. على الرغم من أن إطلاق الصواريخ الذي استمر طوال أيام القتال أدى إلى تعطيل الحياة اليومية للسكان وضعضع الشعور بالأمن لديهم.

عملياً، فإن القبة الحديدية لم تحل مشكلة إطلاق الصواريخ على إسرائيل. وحماس أدركت أنه على الرغم من أنها لم تنجح في إيقاع عدد كبير من القتلى والجرحى في أوساط السكان الإسرائيليين كما تأملت بذلك في بداية القتال، إلا أن إدخال ملايين السكان إلى الملاجئ بصورة يومية ومتتابعة يعتبر انجازاً مهماً بالنسبة لها، وهو ما أدى أيضاً إلى إلحاق الضرر بالاقتصاد الإسرائيلي. يبدو أن من الواضح بالنسبة لحماس أنها لن تحقق نصراً عسكرياً على إسرائيل، إلا أنه على الرغم من ذلك، فإن "حرب الاستنزاف التي استخدمتها عن طريق إطلاق الصواريخ خلال عملية "الجرف الصلب" سمحت لها بتعزيز خطاب النصر لها بالصمود الطويل والمتواصل أمام "الجيش الأقوى في الشرق الأوسط" وللادعاء بأنها حققت نوع من النصر فيما يتعلق بالنسبة لأمن السكان.

هناك رؤيتان إضافيتان عززتا من قرار حماس بالاستمرار في تصنيع الصواريخ بكميات كبيرة، وتحسين دقتها وزيادة مداها. الرؤية الأولى، هي نجاح الحركة في تشويش حركة الطيران المدني الإسرائيلي لمدة يومين خلال "الجرف الصلب" من خلال إطلاق الصواريخ باتجاه مطار بن غوريون. فلقد أدركت حماس أن إغلاق المطار الدولي لإسرائيل لفترة أطول من يومين، ينطوي على احتمال إجباري بالنسبة للضرر المعنوي الكبير للمجتمع الإسرائيلي، وعلاوة على ذلك ضرر اقتصادي كبير لإسرائيل، والرؤية الثانية، لحماس تجاه فعالية الصواريخ تنبع من الإطلاق المكثف لها خلال "الجرف الصلب" باتجاه مستوطنات غلاف غزة، عملية الإطلاق هذه دفعت (مع تهديد الأنفاق) بالسكان إلى مغادرة بيوتهم بصورة شبه تامة تقريباً. يبدو انه في مقياس نجاحات حماس، فإن مغادرة السكان هو انجاز كبير وذو تأثير اكبر.

من الممكن أن نتوقع من حماس، وكدرس من "الجرف الصلب"، أنها ستقوم في الجولة القادمة بإطلاق كميات كبيرة جداً باتجاه مطار بن غوريون وباتجاه أهداف إستراتيجية أخرى في إسرائيل، مثال المفاعل النووي في ديمونا، محطات تكرير البترول في حيفا، ميناء أسدود وغير ذلك. إن إلحاق الضرر بمنشأة إستراتيجية، حتى ولو جزئياً وبدون التسبب بضرر فعلي، سوف يشكل من وجهة نظر حماس انجازاً كبيراً، ولو من ناحية رمزية.

لقد تسببت الصعوبات في عمليات التهريب إلى داخل القطاع، في أن يكون التزود الرئيسي بالصواريخ من قبل حماس عن طريق التصنيع الذاتي. وجزء من عملية التقارب الجديدة مع إيران تنظر إليه حماس من أجل الحصول على المساعدات الإيرانية في مجال التصنيع، ولإقامة بنية تحتية متطورة، وخاصة في تحسين مستوى الدقة في إصابة الأهداف لهذه الصواريخ وفي مداها. فبعد أشهر قليلة من عملية "الجرف الصامد" بدأت حماس في إجراء تجارب، الهدف منها، على ما يبدو، تحسين أداء الصواريخ، كما تدلل على تحديث خط إنتاج محلي لها. فلولا نية الحركة لإطلاق الصواريخ في المواجهة المقبلة أيضاً تجاه إسرائيل، فمن المنطقي الافتراض أنها لم تكن لتبذل جهودا في إجراء تجارب إطلاق للصواريخ بمعدلات متواصلة هكذا.

إلى جانب استخدام الوسائل القتالية التقليدية، فقد استخدمت حماس خلال "الجرف الصلب " (وعمليا حتى قبل ذلك) تشكيلة من الوسائل القتالية المتطورة، والدقيقة والفاعلة. ومن بين هذه من الممكن تعداد صواريخ ضد الدبابات من إنتاج روسي من طراز "فاغوت" "كونكورس" والأكثر تطوراً "كورنيت"، صواريخ تطلق من على الكتف من طراز SA24 ,SA-18, SA7, ، وكذلك هي أيضاً من إنتاج روسي، بالإضافة إلى وسائل طيران غير مأهولة .

لقد أقامت حماس وحدة جوية قامت بتشغيل طائرات بدون طيار خلال القتال، مع أنها كانت غير ناجحة إلى حد كبير. وهذا هو المجال الذي باستطاعة الحركة أن تقوم به بقفزة كبير جداً إلى الأمام، خصوصاً على ضوء حقيقة أن التطورات التكنولوجية في هذا المجال آخذة بالتطور. فإن تراجع أسعار هذه التكنولوجيا تحفز وتوسع قوة التدمير، والمدى والدقة للعديد من الوسائل القتالية الجوية. فإيران لديها إمكانيات كبيرة ومتطورة في تطوير وإنتاج وسائل طيران غير مأهولة، وهي قد قدمت المساعدات بهذا الخصوص لحماس، ومن المتوقع أن تستمر بتقديمها، خصوصاً في ظل إعادة الدفء للعلاقات بين الطرفين. ومن المنطقي الافتراض أن حماس، سوف تستخدم، من بين الأمور الأخرى، الطائرات بدون طيار في المواجهة المقبلة مع إسرائيل، سواء على شكل أعمال انتحارية، أو على صورة أجهزة رقابة من أجل تحسين تأهيل قدرة التصويب والدقة في عمليات إطلاق الصواريخ أو قذائف الهاون. وذلك كبديل مناسب لإطلاق الصواريخ، بهدف توسيع نطاق الأذى والقتل والتدمير داخل الأراضي الإسرائيلية.

على الرغم من الحصار على قطاع غزة واليد القاسية من قبل السلطات المصرية ضد الأنفاق، إلا أن ذلك مسألة وقت إلى أن تجد حماس مسارات بديلة جديدة للتهريب وأن تُدْخِل إلى القطاع وسائل قتالية نوعية بكميات هائلة. من المهم للحركة أن تقوم بذلك في محاولةٍ لتحقيق إنجاز كبير في المواجهة المقبلة مع إسرائيل، سواء من حيث معدل الإصابات في أوساط جنود الجيش الإسرائيلي، أو من حيث خلق صورة نصر تجاه السكان في قطاع غزة. وعليه، فمن المتوقع أن تستثمر حماس جهوداً كبيرة في التزود في تشكيلة صواريخ متطورة سواء صواريخ مضادة للدبابات، أو صواريخ بر بحر ضد السفن، أو صواريخ كتف مضادة للطائرات.كما تسعى الحركة لتعزيز منظومة الدفاع الجوي لديها، على الرغم من أنها تدرك مدى التفوق لسلاح الجو الإسرائيلي، إلا أنه بمجرد إسقاط طائرة مقاتلة أو مروحية، أو إصابة سفينة من سلاح البحرية، فإن ذلك سوف يشكل بالنسبة لها صورة نصر تتمناه منذ فترة طويلة.

نمط قتال حماس خلال "الجرف الصلب " شمل أيضاً الحرب الاليكترونية. فمنذ عملية "الرصاص المسكوب"، حيث استخدمت حماس هجمات اليكترونية محدودة، بدأت في عملية تحسين فعلي على قدراتها في هذا المجال. الأمر الذي برز جداً في عملية "الجرف الصلب"، فمع دخول القوات البرية إلى قطاع غزة في تلك العملية، ظهر تزايد كبير في عدد الهجمات الالكترونية على إسرائيل.

مع وصول حماس إلى "الجرف الصلب" كانت أكثر استعداداً في ساحة الانترنت والحرب الاليكترونية، بالمقارنة مع جولات المواجهة السابقة، وذلك نتيجة لإرسال أعضائها إلى الخارج من أجل اجتياز دورات تأهيلية على هجمات السايبر. وليس من المستبعد أن تتجه الحركة إلى "مصادر خارجية" بغرض شن هجمات سايبر مستقبلية على إسرائيل، سواء على أيدي منظمات الإجرام المختلفة التي تسعى للكسب المادي، وسواء من قبل مجموعات إرهابية مستقلة أو كتلك التي تعمل تحت غطاء من دول، والمتخصصة في مجال السايبر. وعلى الرغم من أن حماس لم تنجح في تحقيق هجمات سايبر إستراتيجية ضد إسرائيل خلال "الجرف الصلب" إلا أنه من المنطقي الافتراض أنها سوف تستمر في استثمار الوسائل وفي خلق القدرات في هذا المجال، التي تسمح لها بزيادة فعاليتها في مجال الحرب الالكترونية، وذلك في أن تمتلك في جولة المواجهة المقبلة مع إسرائيل القدرة على تشويش الحياة المدنية والعسكرية لإسرائيل، التي تعتمد في غالبيتها على منظومة الاتصالات والانترنت.

مستوى استخدام القوة

لقد أثبتت عملية "الجرف الصلب" الحرب الإستراتيجية التي تدور بين الجيش الإسرائيلي والذراع العسكري لحركة حماس. فالحركة خرجت منهكة ومتضررة جداً من العملية، ولكن إذا أردنا أن نحكم على الأمور من خلال وجهة نظر "المقاومة" التي تؤمن بها الحركة وتتصرف على ضوئها، فإن صمودها خلال خمسون يوما في معركة عسكرية معقدة وشاملة في وجه الجيش الإسرائيلي اعتبرت من وجهة نظر الحركة، انجازا ملفتا، تتفاخر به، خصوصاً أمام السكان الغزيين، ويبدو أنها سوف تحظى بفضل ذلك بمكسب سياسي أمام حلفائها الجدد- القدامى، إيران وحزب الله، وكذلك أمام جزء من البلدان العربية. ومن المنطقي الافتراض أن حماس لن تغير بشكل درامي عقيدتها القتالية، استعداداً للمواجهة القادمة مع إسرائيل، بل ستحاول تحسينها وتعزيزها، من خلال استيعاب وتحقيق الدروس والعبر التي استخلصتها منها.

بالنسبة لعملية إطلاق الصواريخ، فإنه من المتوقع أن تقوم حماس بتحليل قدرة الاعتراض لدى "القبة الحديدية" على الأرجح بالاشتراك مع إيران وحزب الله. إن تحليل منظومة القبة الحديدية سوف يتيح لها تحسين طريقة عملية إطلاق الصواريخ وزيادة الاحتمال، ولو قليلاً، بأن زيادة نسبة الضرر داخل المناطق السكنية في إسرائيل وعدد الإصابات في الجانب الإسرائيلي، تزداد، في المواجهة المقبلة، وذلك على الرغم من النتائج الضئيلة التي أحرزتها الحركة بواسطة هذه الوسائل في عملية "الجرف الصلب".

والدرسان الرئيسيان اللذان استخلصتهما حركة حماس من أداء بطاريات "القبة الحديدية" في عملية "الجرف الصلب" هما: أن المنظومة لا يمكنها حماية جميع مساحة الأراضي الإسرائيلية، وأن المنظومة لا تجدي نفعاً مع الصواريخ قصيرة المدى أو مع قذائف الهاون ذات المدى القصير والذي يصل من 5-7 كيلومتر. بالإضافة إلى أن حماس بإمكانها أن تتوصل إلى استنتاج أنه كما في كل منظومة دفاعية ضد الصواريخ، وكذلك الأمر بالنسبة لـ"القبة الحديدية" فإن هناك نقطة إشباع، بمعنى أنها لا تستطيع أن تعطي ردوداً تتعدى هذه النقطة. والدرس المستخلص من ذلك هو أن الصواريخ التي أطلقت برشقات متتالية كان بإمكانها أن تخترق غلاف الحماية للمنظومة. ولذا، فإن حماس قامت خلال "الجرف الصلب" بإطلاق رشقات كبيرة، وذلك على ما يبدو بهدف تفحص نقطة الإشباع لدى "القبة الحديدية".

لقد تسبب العدد القليل من بطاريات منظومة "القبة الحديدية"، خلال "الجرف الصلب" في إبقاء مناطق كثيرة في إسرائيل، سواء في العمق أو في الضواحي، بدون حماية. فمن أجل الدفاع عن جميع المنطقة المأهولة في إسرائيل، وعن المنشآت الحيوية والإستراتيجية، فإن الأمر يستوجب التزود بعشرات البطاريات. وأن الكلفة العالية لصواريخ الاعتراض التي تطلقها المنظومة، تقيد جداً، من قدرة إسرائيل على التزود بكميات أكثر من البطاريات والصواريخ الاعتراضية التي تكفي لتغطية محكمة لجميع المناطق المأهولة في إسرائيل خلال مواجهة متواصلة. لقد أبقى هذا الوضع مناطق كثيرة في إسرائيل بدون حماية وسمح لحماس باستغلال ذلك من خلال إطلاق رشقات كبيرة ومتلاحقة ومختلفة المدى من الصواريخ.

لقد جعل العدد القليل من بطاريات "القبة الحديدية" حماس، لأن تدرك أنه عندما ستدخل في جولة مواجهة جديدة مع إسرائيل، فإن عليها أن توزع بصورة كبيرة أهداف الإطلاق، من أجل أن تفرض بهذه الطريقة، وعلى إسرائيل، أن تقلل من نشر البطاريات وتركز منظومتها الدفاعية حول أهداف محددة الأمر الذي سيزيد من احتمالات إيقاع الإصابات الأكثر دقة بواسطة الصواريخ التي تطلقها الحركة. وبناء على ذلك فمن الممكن الافتراض أن حماس سوف تحاول إطلاق رشقات كبيرة ومتتابعة من الصواريخ باتجاه التجمعات السكانية، في حين تقوم بتوجيه الصواريخ الدقيقة إلى الأهداف الإستراتيجية. وبذلك، يصبح بإمكان الحركة أن تحقق فاعلية أكبر بعملية الإطلاق وكذلك من احتمالات إيقاع الإصابات الفعلية ضد تلك الأهداف، والتي سوف تؤدي بزيادة ترك السكان لهذه المناطق، وإلحاق ضرر أكبر بالممتلكات. وليس من المستبعد أنه ومن أجل زيادة توزيع الأهداف كذلك، والتسبب في قلة تغطية بطاريات "القبة الحديدية"، أن تستعين حماس بحلفائها من أجل أن يقوموا هم أيضاً بإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، سواء من الشمال أو من الجنوب.

الاحتمال الأكثر ضرراً في مجال الأهداف الإستراتيجية هو الإصابة المحتملة لهذه الصواريخ لمنشآت إنتاج الغاز. فعلى الرغم من أن منظومة صواريخ حماس ليست دقيقة وأن احتمالات إصابتها لمثل هذه المنشآت هو ضعيف جداً، إلا أنه وفي مجال استخلاص العبر من قبل الحركة، فإنها سوف تتوصل إلى رؤية أن إطلاق كثيف لعشرات الصواريخ باتجاه منشآت إنتاج الغاز من شأنه أن يزيد من احتمال إصابتها. وأن من شأن إصابة منشآت الغاز أن يتسبب بأضرار كبيرة وأن يؤدي إلى شلل في عمل إنتاج الغاز لفترة طويلة.

ويجب علينا أن نتوقع أن حماس، وخلال الفترة القادمة، سوف تستمر في جهودها من أجل تراكم مخزونها من الصواريخ والقذائف النوعية والدقيقة والأبعد مدى قدر الإمكان. يبدو أنها سوف تقوم بذلك على الرغم من كلفتها العالية والصعوبة الكبيرة المتعلقة بتهريبها إلى مناطق القطاع.

عنصر رئيسي آخر في استخدام القوة من قبل الذراع العسكري لحماس وهو الأنفاق الهجومية التي تجتاز الجدار إلى داخل الحدود الإسرائيلية، وأنفاق البنى التحتية الموجودة داخل القطاع. وكما تمت الإشارة إلى ذلك أعلاه، فإنه من الممكن الافتراض ان حماس سوف تستمر في حفر الأنفاق الهجومية إلى داخل الأراضي الإسرائيلية. ولكن، وعلى ضوء الوقت الطويل الذي يتطلبه حفر مثل هذه الأنفاق، وعلى ضوء الصعوبات التي تواجه الحركة بالحصول على كميات كافية من الاسمنت اللازمة لتدعيم هذه الأنفاق، فليس من المستبعد أن تركز أعمال الحفر عندها في عدد قليل نسبياً من المحاور، ولكنها ستكون ذات فاعلية عالية. وذلك، من اجل التوصل مع مرور الأيام إلى تحقيق انجاز بعيد المدى بالنسبة لها خطف جنود أحياء (وبمستوى أقل خطف جثث) لغرض المساومة في عمليات إطلاق سراح الأسرى.

إن حماس مطالبة الآن أيضاً باستخلاص العبر في مجال الاستخدام التكتيكي لهذه الأنفاق. فالحركة لم تستعد لاستخدام الأنفاق الهجومية بصورة أفضل خلال "الجرف الصلب"، والدرس الذي يمكن أن تستخلصه استعداداً للمواجهة القادمة، على ما يبدو، هو تحديداً توقيت استخدام هذه الأنفاق وإيجاد الاحتمال الأفضل لإيقاع الضرر المتوخى منها.

أنفاق البنى التحتية، التي تم حفرها كشبكة متشعبة في عمق ارض قطاع غزة، شكل مكونا رئيسيا في قدرة حماس على إدارة قتال متواصل خلال "الجرف الصلب" اثبت نفسه وبفعالية كبيرة. والانجاز الأكبر الذي حققته هذه الأنفاق، تمثل في منحها لجميع قيادات حماس، ولجميع مستويات الإدارة العليا للحركة، حرية الحركة من منطقة إلى أخرى بدون الخوف من أن يتم اكتشافها. وحقيقة أنه مع نهاية العملية تبين أن جميع شبكة القيادة الكبيرة وجميع مسؤولي القيادة السياسية لحماس بقيت على حالها، تعزز الرؤية حول أهمية أنفاق البنى التحتية بالنسبة لقيادات الجناح العسكري والسياسي للحركة. وكعبرة من العملية، والقريبة إلى اليقين فإن الحركة سوف تعمل على إصلاح البنى التحتية التي تضررت أو هدمت وسوف تواصل وبأقصى مدى جهدها في تعزيز هذه الأنفاق.

وصلت حماس إلى "الجرف الصلب" بعد تعلم واستيعاب العبر من جولات المواجهة السابقة مع إسرائيل، وكذلك تعلم واستيعاب دروس حزب الله من جولات مواجهاته مع الجيش الإسرائيلي، وتحديداً في الحرب اللبنانية الثانية. وكنتيجة لذلك، فإن الوحدات التكتيكية لحماس داخل الكتائب كانت فاعلة وهجومية أكثر من جولات المواجهة السابقة مع الجيش الإسرائيلي. لقد أدرك الجناح العسكري للحركة، أنه إلى جانب استخدام الوسائل القتالية المتطورة، فإن استخدام السلاح التقليدي والذي هو ليس بمستويات تكنولوجية عالية، وكذلك استخدام أساليب القتال الأساسية، من شأنها أن تكون أكثر إيذاءً. وبناء على ذلك، فقد استخدمت حماس، وبشكل واسع نيران القناصة، والألغام، والراجمات، وقذائف الهاون، وزراعة العبوات الناسفة بشكل مكثف، وفي محاولات جرجرة قوات الجيش الإسرائيلي إلى "المناطق القاتلة". بهذه الطرق وهذه الوسائل تمكنت حماس أن تجبي من إسرائيل ثمنا باهظا من عدد الجنود القتلى (67 جنديا) أكثر من أي مواجهة سابقة بين الطرفين خلال السنوات الثماني الأخيرة.

لقد استغلت حماس الثغرة الموجودة في الغلاف العملياتي لـ "القبة الحديدية" وأطلقت آلاف قذائف الهاون، والتي حصدت حوالي 25% من مجموع القتلى الإسرائيليين في عملية "الجرف الصلب"، وكذلك في تشويش الحياة اليومية لسكان غلاف غزة وأدت، من بين الأمور الأخرى، إلى هجرة جماعية لسكان المنطقة. إن غياب منظومة رادعة لقذائف الهاون وغياب الحل العملياتي لاعتراضها، ساهم في أن تستخدم حماس هذه الوسائل القتالية بشكل كبير.

وما بين أن يتم إيجاد حل دفاعي لإطلاق القذائف، أو عدمه، من المتوقع أن تستخدم الحركة في المواجهة المقبلة، وبصورة كبيرة، إطلاق قذائف الهاون باتجاه مستوطنات غلاف غزة، من أجل أن تتسبب بفرار أكبر عدد ممكن من سكان هذه المنطقة. وكذلك، من المتوقع أن يتم إطلاق قذائف الهاون على مناطق تجميع واستعداد الجيش الإسرائيلي بهدف إيقاع خسائر كبيرة قدر الإمكان في صفوف الجنود.

فاجأت حماس الجيش الإسرائيلي في "الجرف الصلب" باستخدام عدة طرق، تشهد نتائجها انه لم يتم بعد استيعابها بصورة كافية من اجل استخدام تكتيكي أكثر فاعلية. وعلينا أن نتوقع انه في مواجهة قادمة سوف تستخدم كتائب عز الدين القسام مرة أخرى بتلك "المفاجآت" بهدف خلق عامل ردع إعلامي في أوساط السكان الإسرائيليين، كما انه ليس من المستبعد ان جزء منها سوف ينجح في إيقاع الأذى الحقيقي في الأرواح والممتلكات. ومن بين هذه "المفاجآت" من الممكن تعداد تسلل الكوماندوس البحري التابع لحماس، وكذلك الاستخدام الواسع للطائرات بدون طيار.

حماس مستمرة على الدرب وإجراء تمرينات عسكرية بمعدلات واسعة  بهدف تطبيق العبر التي استخلصتها وتستخلصها من اكتشاف عمليات التسلل خلال "الجرف الصلب"، وكذلك من أجل أن تكون مستعدة بصورة أفضل استعداداً للمواجهة المقبلة مع إسرائيل. لقد قامت بذلك تحديداً في التدريبات على القتال في المناطق المأهولة، وذلك من أجل تحسين قدراتها على مهاجمة مواقع الجيش الإسرائيلي ولخطف جنود أحياء أو جثثهم. وفي هذا الإطار أجرى الذراع العسكري للحركة تمريناً عسكرياً في 18 كانون أول 2014، شمل عمليات إطلاق النار من أسلحة خفيفة، وإطلاق صواريخ مضادة للدروع وقذائف الهاون، وكذلك القوات البحرية. بالإضافة إلى، قوات "الأمن الوطني" التابعة لحماس التي أجرت تمريناً في أعقاب انتهاء دورة للضباط، قاموا خلاله بتمثيل عملية اقتحام لموقع إسرائيلي واحتلاله.

إجراء إضافي قامت به حماس، في إطار استخلاصها للعبر في أعقاب عملية "الجرف الصلب" وهو إقامة "الجيش الشعبي". ففي السابع من تشرين ثاني 2014، أعلن الذراع العسكري للحركة عن إقامة الكتيبة الأولى من "الجيش الشعبي" في مخيم جباليا للاجئين، والذي يضم 2500 مقاتل. ووفقاً لأحد مسؤولي حماس، محمد أبو عسكر، فإن إقامة هذا الجسم الجديد "تهدف إلى إعداد الشبان الفلسطينيين لأي هجوم إسرائيلي محتمل. وعلى ما يبدو، فإن الهدف من إقامة الجيش الشعبي هو لاستخدامه كقوة شبه عسكرية مساعدة لأعضاء الذراع العسكري، وذلك من أجل زيادة احتمالات التجنيد لكتائب عز الدين القسام مستقبلاً، وكذلك من أجل تعزيز دائرة الدعم لحماس في أوساط الجمهور الغزي. ومن وجهة نظر الحركة فإن لهذه المليشيات ميزة كأداة تقريع لإسرائيل في وسائل الإعلام في حال موت المجندين خلال العمليات القتالية ومن خلال اتهامها بالتسبب بمقتل الفتية والقاصرين غير المشاركين في القتال.

وإلى جانب التكتيكات العسكرية التي اتخذتها حماس في عملية "الجرف الصلب"، والتي أدت إلى نجاحها في قتل عدد من الجنود وفي تشويش مجرى حياة الإسرائيليين، فقد وضعت الحركة إستراتيجية دفاعية مندمجة مع إستراتيجية إعلامية ناجحة.

اعلى الصفحة