الرعب الإسرائيلي من الانتفاضة الفلسطينية

السنة الرابعة عشر ـ العدد 167 ـ (محرم ـ صفر 1437 هـ) تشرين ثاني ـ 2015 م)

بقلم: عدنان عدوان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

ذكر موقع "واللا" الإخباري العبري بان الوزير الإسرائيلي المتطرف نفتالي بينت، رئيس حزب البيت اليهودي وأربعة من أعضاء الكنيست اليهود بدأوا يوم الخميس  15/10/2015 بحمل المسدسات بسبب الوضع الأمني المتدهور داخل فلسطين المحتلة.

والجدير ذكره فإن معظم بلديات الكيان، ومن بينها رئيس بلدية القدس سمحوا للإسرائيليين بحمل السلاح للمساعدة في مواجهة عمليات الطعن. بأوامر وزير الداخلية. وصادق وزير ما يسمى "الأمن الداخلي" جلعاد آردان في 14/10/2015، على تسهيل إجراء الحصول على رخصة حمل السلاح للإسرائيليين، وذلك حسب الموقع الالكتروني لصحيفة "يديعوت احرونوت". وأشارت الصحيفة انه تم إزالة العديد من التقييدات البيروقراطية في كل ما يتعلق بمتطلبات حيازة السلاح.

الخوف من الانتفاضة

كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، مساء 14/10، عن استهزاء وزير جيش الاحتلال الإرهابي موشيه يعلون بوزير المواصلات يسرائيل كاتس خلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر الذي استمر لسبع ساعات على فترتين. ونقلت الصحيفة عن شخصية حضرت الاجتماع قولها، إنه خلال مناقشة الأوضاع الأمنية وطبيعة التعامل مع البلدات التي تسكنها أغلبية فلسطينية في القدس، اقترح كاتس وضع إسرائيل كامل سيادتها على تلك المناطق وتنفيذ عملية واسعة من منزل إلى منزل "وتنظيفها من الإرهابيين"، حسب وصفه. وتدخل وزير المعارف نفتالي بينيت مطالباً بتغيير الواقع في كافة أحياء القدس الشرقية، فما كان من مفوض الشرطة الإسرائيلية إلا أن قال للوزراء "أنتم لا تعرفون واقع وأنشطة الشرطة.. كل ليلة نبذل اعتقالات في كل حي أو مخيم للاجئين في القدس".  

وانضم وزير الجيش يعلون إلى النقاش الذي شهد احتداما بين المجتمعين، وقال مخاطبا كاتس "هل تريد منا أن نتحرك من منزل إلى آخر، هل تريد أن نتحرك لجمع كل سكاكين المنازل في القدس الشرقية؟".

وذكرت الإذاعة العبرية الرسمية "ريشت بيت" أن ضابطاً إسرائيلياً أثار صباح 15/10 الرعب في أوساط ركاب إحدى القطارات في حيفا شمال فلسطين المحتلة، زاعمًا أنه رأى شخصاً يحمل سكيناً. وقالت الإذاعة إن الجندي بدأ يصرخ "مخرب" فأوقف الركاب القطار وهربوا، ليتضح أنه مجرد جزع وهوس أصاب الضابط نتيجة حالة العصبية السائدة هذه الأيام. وقام الضابط بإطلاق رصاصة في قاطرة مغلقة في القطار قرب حيفا، بادعاء أنه رأى "مشبوهاً" بحمل سكيناً، أوقف القطار فوراً ولم يظهر أي أثر لمشبوه. وأصيب شخصان إصابة طفيفة بسبب الإيقاف الفجائي للقطار، فيما أصيب معظم الركاب بالرعب بعد سماعهم صوت الرصاصة، وعند وصول رجال الشرطة والمعمل الجنائي، لم يجدوا أي أثر لمشتبه ولا لسكين، ونقلوا الجندي للتحقيق معه. وقال شاهد عيان "إن الجندي أطلق النار وبدأت بعض الفتيات والجنديات بالصراخ "مخرب.. مخرب"، ظناً منهم أن هناك عملية إطلاق نار كالتي حصلت في القدس، وبدأت حالة من الفوضى والذعر، والبعض يصرخ "لا أريد أن أموت"، وعند إيقاف القطار "بدأ التدافع بشكل عنيف، وكل شخص يحاول النجاة بحياته بسرعة..". 

وأغلقت محطة القطار فترة من الزمن حتى انتهاء أعمال البحث والفحص، وفتشت الشرطة كل شبر من المحطة في حيفا دون إيجاد أي سكين ولا مشتبه. وذكر موقع "واينت" العبري أن الجندي الذي أطلق النار حصل على سلاحه فقط بسبب الوضع الأمني، وقال في التحقيق إنه لم يقصد إطلاق النار بل أراد التأكد من أن السلاح يعمل. وفي حادثة أخرى خاف يهودي يمني في إسرائيل من قتله بسبب شكله وملامحه العربية فكتب على قميصه باللغة العبرية: "اهدأوا أنا يمني.. لم أصب بهذا الذعر في حياتي، ظننت أنه سيطلقون الرصاص علي في حال عرفوا أني عربي".

وقال محلل الشؤون الأمنية في صحيفة "يسرائيل هيوم" الإسرائيلية، "يوءاف ليمور"، إنه "في المرحلة الحالية يوجد إصرار في إسرائيل والسلطة الفلسطينية على احتواء الأحداث، والامتناع قدر الإمكان عن امتدادها إلى مواجهة واسعة"، زاعماً أن "إسرائيل تحرص على عدم المس بنسيج الحياة المدني للفلسطينيين في الضفة" وأن المواجهات بالضفة هي "أحداث صغيرة نسبياً لا يشارك فيها أكثر من 100 إلى 200 شخص"، في كل نقطة مواجهات. وأضاف ليمور في مقالة له يوم 11/10 أنه "طالما أن هذه المواجهات لا تنتهي بقتلى، بالإمكان منع التصعيد"، ولذلك فإن قادة جيش الاحتلال يعتقدون أن تعزيز قواته بأربع كتائب هو أمر كافٍ حالياً، وأن تغيرا في الوضع يمكن أن يحدث في حال انضم إلى المواجهات شبيبة حركة فتح والنشطاء في المخيمات.

واعتبر ليمور أن "مشكلة إسرائيل الأساسية هي داخل الخط الأخضر ومع مواطنيها، إذ أن جميع العمليات التي وقعت في الأيام الأخيرة كانت داخل المدن في الداخل المحتل، غالبيتها نفذها فلسطينيون من 48 أو من القدس، كما أن العمليات التي نفذها فلسطينيون من الضفة كانوا يتواجدون في القدس بصورة غير قانونية، ولهذا السبب امتنعت إسرائيل عن فرض إغلاق على المناطق، بسبب الإدراك أن ثمة ما يخسره من لديه عمل في إسرائيل".

وتابع ليمور أن "إسرائيل لا تواجه خطراً وجودياً، والمطلوب هو حزم أمني، إلى جانب ترجيح للرأي، وصبر وحكمة سياسية وبراغماتية سياسية، من أجل التغلب على هذه الموجة، علماً أنها ليست الأخيرة". 

ونشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية مقالاً للمحلل العسكري "عاموس هارئيل" اعتبر فيها أحداث 10/10 في قطاع غزة بأنها تشكل "تحولاً خطيراً". وقال هارئيل إنه "قد يكون لموت تسعة فلسطينيين بنيران الجيش الإسرائيلي في مواجهات عند حدود قطاع غزة انعكاسات على طبيعة المواجهة الحالية، فلأول مرة ينشأ خطر امتداد القتال إلى جبهة أخرى هي القطاع". وأضاف هارئيل أن "السؤال الآن هو ما هي مصلحة حماس؟، فمنذ الحرب تبذل الحركة جهداً بعدم المخاطرة بمواجهة جديدة مع إسرائيل، لكن من الجائز هذه المرة أن يسمح لحشود بالتوجه إلى الشريط الحدودي من خلال الإدراك بأنهم سيتعرضون للأذى، وبذلك تسهم من تصعيد المواجهة من دون التورط بجولة قتال في القطاع".

وأشار هارئيل إلى وجود قلق في هيئة أركان جيش الاحتلال من سيناريو كهذا الذي "من شأنه أن يقزّم أحداث الأسبوع الماضي ويذكر بالصيف الماضي".

رعب غير مسبوق

انتشرت مجموعة من الفيديوهات عبر اليوتيوب، وقصص عن الرعب الذي يواجه الإسرائيليين بمن فيهم الأمنيين، في جميع الأماكن التي يتواجد أو يظهر فيها فلسطينية أو فلسطيني، ويدبّ الرعب قلوبهم من أول نظرة لأي عربي أو ملامحه تبدي أنه عربي، ليشتعل المكان بالحركة، والتأهب والاستعدادات وفي بعض الأحيان تتخذ إجراءات عاجلة تترجم رعبهم غير المسبوق بإصابة شابة وهي تحاول فتح حقيبة يدها لإخراج محفظة نقودها، أو طفل يركض للإلحاق بمركبة عامة فتجده مرمياً أرضاً برصاص الأمن الإسرائيلي، أو منقبة توقف على حاجز عن بعد ومن ثم يطلق النار عليها وقتلها كما حدث مع الهشلموني في الخليل.

يقول أحمد الطريفي: "إن الرعب حالة طبيعية بين الإسرائيليين وهم يعيشون بعقدة نقص الأمن، ولكن هذه الأيام نسبة الرعب في قلوبهم زادت بشكل ملحوظ ووصلت إلى حد الهاجس، فكل عربي بأي مكان يلاحظونه، يبدأ التفكير بتصفيته إذا ما قام بأي حركة حول جسده، بحجة الاشتباه به، وهذه الحالة تشكل منعطفاً خطيراً وتهدد باستقرار الحالة وإدخالها مرحلة الفوضى، فالفلسطينيون لن يسكتوا وهم يعتقلون أو يطلق عليهم النار عن مسافة صفر بحجة "الاشتباه"، هذا الأمر سيؤجج الواقع وسيأخذ الإسرائيليين إلى منطقة معقدة، وسيصبح كل فلسطيني حاملاً سكيناً أو مسدساً أو آلة حادة، وهذا التسلح صنعه الرعب الذي يعيشه الإسرائيليون".  

أما تغريد برغوثي فتدلل على الرعب المصاب به حتى رجال الأمن الإسرائيليون بحادثة وقعت في منطقة حيفا، عندما أطلق مستوطن النار على شخص اعتُقِدَ أنه فلسطيني، وثَبُتَ أنه إسرائيلي وجاءت الشرطة الإسرائيلية للمكان وأطلقت النار على أحدهما، وتبين فيما بعد أنهم يقتلون بعضهم البعض، ويشتبهون ببعضهم البعض، هذه الحالة غير مسبوقة، وتشكل خطراً حقيقياً على وجودهم، وتقول: "هم بشكل طبيعي مرعوبون ويعيشون برعبهم لأنهم أخذوا ما لا يحق لهم ويلاحقون أصحاب الحق دوماً".

وكدلالة واضحة على حالة الرعب التي يعيشها الإسرائيليون وحكومتهم فقد أصدرت الحكومة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو في 13/10, حزمة من الإجراءات المشددة ومنها، إسناد رجال الشرطة بجنود من الجيش الإسرائيلي، وهدم منزل منفذ أي عملية طعن، وسحب الهويات الإسرائيلية من الفلسطينيين وسحبها من كل مساند لهم ولو بشكل غير مباشر، وفرض الحصار على بلدات القدس، ونشر الجيش في محيطها لمنع سكانها من الحركة.

كذلك فإن وزير الجيش الإسرائيلي يعلون يحقق معادلة الرعب في المجتمع الإسرائيلي، بعد أن صرح بشكل واضح بتسليح كل إسرائيلي، وناشد جميع الإسرائيليين باستخدام السلاح الحيّ ضدّ مَنْ أسماهم بـ"الإرهابيين" الفلسطينيين، وهكذا عمليًا اكتملت الدائرة: لأوّل مرّةٍ في تاريخ إسرائيل، اذ يقوم وزير الأمن بتوجيه دعوةٍ صريحةٍ وواضحةٍ إلى الجمهور بالإقدام على الإعدام الميدانيّ للآخر، الفلسطينيّ، الذي يتظاهر متسلحًا بصدره العاري وبإيمانه بعدالة قضيته، وهكذا ينضّم المواطنون في إسرائيل إلى قوّات الأمن للمُشاركة في سفك دماء الفلسطينيين ولو على الاشتباه.

أحمد المدلل القيادي في حركة الجهاد الإسلامي يقول إن على الفصائل استثمار حالة الرعب التي يعيشها الإسرائيليون اليوم، بتكثيف خسائرهم، وزيادة عمليات الطعن، والاحتكاك المباشر مع قوات الاحتلال، ومع المستوطنين، والتعامل معهم وفق معطيات كل حالة منها، فالطعن بالسكاكين عمل مباح اليوم، ورمي الحجارة وسيلة من وسائل المقاومة.

شكل جديد من المقاومة

الحقيقة أنها ليست انتفاضة بالمعنى الحرفي، إنها شكل آخر "إبداعي" من المقاومة، لا تجمعات بشرية كبرى، لا تظاهرات، ولا مواجهات حاشدة، ولكن مسامير زرعت في قفا كل من "استوطن" أرض فلسطين من اليهود، لا فرق في هذا بين من يقيم في تل أبيب أو كريات أربع، هذا شكل جديد من المقاومة، يمكن تسميته بما بعد الانتفاضة!

وللتوضيح فقط، سأستعير تعبيراً لكاتبة عبرية اسمها كرميت سفير فايتس كتبت في معاريف أمس - 13/10/2015 – مقالا بعنوان: "إسرائيل 2015 – سلطة الخوف" قالت فيه: الحياة في ظل الخوف المتعاظم هي مثل السير مع مسمار مغروز في القفا. أنت تسير، تواصل الخطى، تقوم بكل الأعمال اليومية التي اعتدت عليها، ولكن هذا المسمار لا يترك لك مجالاً للراحة. فبين الحين والآخر تجده ينزف... في إسرائيل 2015 الخوف ليس فقط مما يحصل في الشارع هنا والآن. الخوف هو من الغد. فإذا أرادوا أن يقتلوا أحداً ما، فليأخذوا منه الغد".

إسرائيل أخذت من الفلسطيني، كل شيء: الماضي والحاضر، الأرض والماء والشواطئ، والتلال، ولكنه اليوم يأخذ منها الغد. في إسرائيل العام 2015 يخاف الأهالي السماح لأولادهم بالخروج، العودة سيرا على الأقدام إلى البيت من المدرسة، الذهاب إلى النوادي أو الخروج إلى حديقة الملاهي. كما أن زيارة إلى حاوية القمامة المجاورة ليست واردة حقاً، أهالي الجنود لا يمكنهم أن يغمضوا أعينهم، جنود الاحتياط يجلسون متحفزين، الشيوخ تغمرهم الذكريات من النوع الأكثر قرفاً ـ هكذا تضيف كرميت ـ إسرائيل احتلت الأرض، وفتية السكاكين "احتلوا" وجدان المحتلين، مغتصبي الأرض، وزرعوا فيه "هستيريا" من نوع جديد!

لا حدود لإبداع العقل الجماعي لشعب مقهور، يشعر بالظلم والخذلان والخيانة، من ذوي القربى والبُعد على حد سواء، من الأخ والصديق، الذي يطعن في الظهر، قلنا وقالوا في زمن ما سمي بـ"الربيع العربي"، إلا الفلسطينيون نائمون، فيما الشعوب العربية هادرة، لكأن على رؤوسهم الطير، وها هو الشعب العربي ينام، أو يكاد، فيما يستيقظ الفلسطيني، ويوقظ معه جزءاً لا بأس به من نيام العالم، عما قليل ستسمعون وسترون، كيف سيُهرع محبو إسرائيل الكثيرون لإنقاذها، ورمي الفتات للشعب الثائر، ولكن، هل سيقتنع فتية السكاكين؟

في كل مرة خاضت فيه إسرائيل حرباً ضد جيش عربي، انتصرت، مع استثناءات قليلة جدا، وغير مؤثرة على صحة الاستدلال، حرب رمضان/أكتوبر كادت تنتهي بفضيحة مدوية، بعد محاصرة الجيش المصري الثالث، التدخل الأمريكي منع انتصارا إسرائيليا ساحقا على مصر!. آخر انتصار "مؤزر" لإسرائيل، وغير قابل للتأويل، كان في حرب حزيران (النكسة!) 1967، بعدها كل حروب إسرائيل، كانت انتصاراتها ملتبسة: بعد الانتفاضة الأولى وقعت على أوسلو، ويعد الانتفاضة الثانية أخلت غزة، وكل اعتداءاتها على غزة لم تحقق أهدافها المعلنة، اليوم، بدأت تنطلق دعوات، ولو كانت خافتة، تدعو لإخلاء مستوطنات الضفة الغربية، هروبا ليس من المسمار في القفا فقط، بل من "دولة ثنائية القومية".

لا نسرف في التفاؤل، ولا نعيش في الأوهام، مواجهتنا مع إسرائيل طويلة ومريرة، لكن المنحنى بدأ يميل لغير صالحها، لقد فر اليهود من "المحرقة" في أوروبا، وجاءوا إلى بلادنا، ليبنوا محرقتهم!

عمليات في القلب

في اليوم الثالث عشر لانتفاضة فلسطين، انتفت الخطوط الحمراء. لا شيء يمنع المتهافتين على الشهادة من غرز سكاكينهم في قلب تل أبيب. هكذا، افتتح الفلسطينيون هذا اليوم بخمس عمليات متتالية، كان أبرزها عملية نفذها مقدسيَان، حيث أطلق أولهما، وهو بهاء عليان، النار في حافلة "رقم 78" في حي "أرمون هنتسيف" في القدس قبل أن يسقط شهيداً، فيما قام بلال أسعد بطعن الركاب، ما أسفر عن مقتل إسرائيليَيْن وجرح ستة عشر آخرين، بينهم ثمانية بحال الخطر. وبعد تنفيذ العملية اعتقل أسعد على يد قوات الاحتلال.

أما العملية الثانية، فقد نفذها المقدسي علاء أبو جمل، على مقربة من محطة الحافلات في القدس، حيث دهس خمسة مشاة، قتل أحدهم وأصيب أربعة بإصابات خطرة. وأيضاً في باب العامود في البلدة القديمة في القدس، استشهد مقدسي بنيران العدو، بعدما نفذ عملية طعن قتل فيها إسرائيلي. وفي رعنانا، بالقرب من عاصمة الكيان الصهيوني تل أبيب، نفذ الشاب طارق خليل دويك (22 سنة) عملية طعن، أصيب خلالها بجروح خطرة، فيما أصيب الإسرائيلي بجراح متوسطة. كذلك أفيد، في نفس اليوم، عن عملية طعن أخرى في رعنانا أصيب فيها خمسةُ إسرائيليين أحدهم جراحه خطرة.

وفي اليوم الثالث عشر أيضاً، كبُر خوف العدو الإسرائيلي، فصار يطلق نيرانه لمجرّد الشبهة. وكبُرت لائحة الشهداء، حتى أصبحت اليوم تضمّ سبعة وعشرين شهيداً، من غزة إلى الضفة فالقدس. وهو ما أكّدته وزارة الصحة الفلسطينية، مشيرة إلى أنه "منذ بدء الانتفاضة الشعبية مطلع الجاري، بلغ عدد الشهداء سبعة وعشرين شهيداً، من بينهم سبعة أطفال، فيما بلغ عدد المصابين بالرصاص الحي والمطاطي أكثر من ألف وأربعمائة شخص، وأكثر من أربعة آلاف مصاب بالاختناق جراء الغاز المسيّل للدموع". وينقسم الشهداء ما بين ستة عشر شهيداً في الضفة الغربية والقدس المحتلتين وأحد عشر شهيداً في غزة.

في سياق منفصل، صادق "الكنيست" الإسرائيلي ، على اقتراحين قانونيين ينصان على تشديد العقوبات على "ملقي الحجارة وذويهم وكل من يحاول المس بإنسان آخر باستخدام السلاح". 

وجاء في أحد نصوص الاقتراح الأول، بأن كل "من يصيب إنساناً آخر بضرر ويلحق به الأذى مستخدماً حجراً أو سكيناً أو مقلاعاً أو أي سلاح آخر يعاقب بالسجن الفعلي لمدة ثلاث سنوات، كما يُحرم هو وذووه من المخصصات الحكومية التي تندرج ضمن حقوقه كمواطن". 

أما الاقتراح الثاني، فيتضمن فرض غرامات ماليّة على أهالي قاصرين يدانون برشق الحجارة، ويجبرهم على دفع تكاليف المسار القضائي كاملاً، إضافة إلى دفع مبلغ من المال لمن وقع عليه الضرر. وصادق "الكنيست" على الاقتراحين في القراءة الأولى بغالبية اثنين وأربعين عضواً مقابل أحد عشر عضواً، ومن المتوقع أن تطرح تعديلات للمصادقة عليها في القراءتين الثانية والثالثة في وقتٍ لاحق.

وتعد هذه التعديلات دليلاً واضحاً على سيطرة الحكومة الإسرائيلية على جهازها القضائي ومحاكمه، فهي التي تفرض العقوبات وتحدد الحكم مسبقاً، فيما ينطق القاضي بالحكم. لا أكثر من ذلك ولا أقل.

محاولات الاحتواء

تحاول حكومة نتنياهو احتواء الهبة الشعبية قبل تحولها لانتفاضة مستمرة. آليات حكومة العدو عديدة للوصول إلى الاحتواء والإجهاض، ويمكن حصرها في عناوين محددة، وهي:

1- استخدام القوة المفرطة في القدس وداخل أراضي الـ48، لرفع تكلفة الاستمرار وقمع المتحمسين، وهنا لا تبالي الحكومة بقتل جنودها للأبرياء على أدنى شبهة.

2- محاولة الاستعانة بأجهزة السلطة والتنسيق الأمني وتقاسم الأدوار والإجراءات، ولا مانع من تليين الخطاب مع السلطة في هذه المرحلة.

3- محاولة الاستعانة بدول عربية محددة للضغط على السلطة لإجبارها على عمل كل شيء لإيقاف الهبة الشعبية ومنع تواصلها.

4- الإعلان الإعلامي عن تراجع نتنياهو وحكومته عن الإجراءات في الأقصى، ومنع زيارات المسؤولين الحكوميين، ووقف مؤقت للاستيطان، ودعوة عباس للقاء نتنياهو.

لماذا تريد حكومة نتنياهو احتواء الهبة الشعبية، وإجهاضها قبل التحول إلى انتفاضة مستمرة؟ قد تحتضن الإجابة مجموعة من المستويات، بعضها له علاقة داخلية بحكومة نتنياهو من ناحية، والأراضي الفلسطينية من ناحية أخرى. وبعضها له علاقة بالخارج، وإستراتيجية حكومة العدو في أبعادها الدولية والإقليمية والعربية. وهنا لا بد من تسليط الضوء فقط على إستراتيجية العدو في البعد الخارجي.

تعطي حكومة نتنياهو الأولوية في أجندة عملها واهتمامها للملفات العربية، والملفات الإقليمية (الملف الإيراني والتركي). ويبدو أن قيادة دولة العدو باتت تؤمن بالحل (الإقليمي) للقضية الفلسطينية، وهذا يتطلب منها بناء شراكات أفضل مع دول عربية نافذة كالسعودية ودول الخليج، بعد أن ضمنت مصر في الجيبة، وشغلت سوريا والعراق لعشرات السنين. ومن ثمة تركز حكومة نتنياهو الهجوم على إيران وعلى الاتفاق الأخير معها، وهو أمر يجعلها قريبة أكثر من الشراكة مع دول الخليج. حكومة العدو تحاول أن تستثمر الملف الإيراني، وملف داعش، وملف التدخل الروسي في سوريا، من خلال إبداء تفهم للموقف السعودي ودول الخليج، لتقترب أكثر نحو ما يعرف (بالحل الإقليمي) وهو البديل عن حق العودة، والممهد الجيد لمفهوم الدولة اليهودية، بعد أن سقط مفهوم حلّ الدولتين.

حكومة العدو تريد أن تتراجع خطوة أمام الهبة الشعبية، لتتقدم عشر خطوات باتجاه الحل الإقليمي والشراكة مع دول مهمة، لذا تجد عباس من ناحية، ووسائل الإعلام من ناحية أخرى يتحدثون عن اتصالات عربية تضغط على السلطة لوقف الهبة الشعبية.

إن اندلاع انتفاضة شعبية مستمرة ومتواصلة يعطل إستراتيجية (الحل الإقليمي) بحسب مفهوم العدو. ويعطل عملية الشراكة مع دول الخليج التي تبحث عنها حكومة العدو من خلال الملف الإيراني، وملف الإرهاب. لذا ينبغي لقادة الفصائل والعمل الوطني توسيع أفق التناول والتعاطي مع الإستراتيجية الصهيونية في بعدها آنف الذكر، من خلال التفاهم الفصائلي الوطني على إستراتيجية المواجهة، وتصعيد الهبة الشعبية لتتحول إلى انتفاضة حقيقية متصلة ومستمرة، وهذا يتطلب من الجميع الاتفاق على الرؤية، وتشكيل جسم تنسيقي من الفصائل والقوى الشبابية لقيادة الهبة الشعبية، وتطويرها لانتفاضة شعبية، تهتم بإفشال إستراتيجية العدو، ومنع شراكاته التي يطمح إليها، وإجباره على الرحيل والاعتراف بالحقوق الفلسطينية.

 

اعلى الصفحة