الاتفاق النووي علامة فارقة في تاريخ العالم

السنة الرابعة عشر ـ العدد 164 ـ (شوال ـ ذو القعدة 1436 هـ) آب ـ 2015 م)

بقلم: محمود إسماعيل

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

كان البرنامج النووي الإيراني المشكلة مع الغرب فصار هو الحل. الجمهورية الإسلامية الإيرانية حاربتها دول عظمى مباشرة أو بالواسطة على مدى عقود، وحاصرتها عواصم غربية وعاقبتها طيلة سنوات، لكنها خرجت دولة علمية نووية.

لقد انتصرت إيران بخياراتها الدبلوماسية على قرع طبول الحرب. اتفاق تاريخي بين طهران والدول الست فرضت فيه إيران الاعتراف بها كقوة عظمة، وحجزت لها مقعداً إلى جانب العواصم الكبرى.

الحبر الذي كتب فيه الاتفاق وترجم من الإنكليزية إلى الفارسية ثم إلى الإنكليزية هو حبر صنعه صمود الشعب الإيراني ووقوفه إلى جانب قيادة سياسية حكيمة. الاتفاق النووي سيصبح علامة فارقة في تاريخ العالم ومصير الشرق الأوسط ، بدليل اعتراض الإسرائيليين ووصف نتنياهو له بأنه اتفاق سيء جدا.

لقد دقت ساعة النووي في فيينا، حيث أبرم اتفاق تاريخي بين إيران والدول الست الكبرى، إذ وصفه كبار المحللين الغربيين بالزلزال الجيوسياسي، فلهكذا اتفاق تداعيات استراتيجية ستترك بصماتها على كل المستويات وليس على الدول الموقعة عليه فحسب، وإنما سوف تمتد إلى سائر الدول، إن بشكل مباشر أو غير مباشر.

لم يعد بمقدور أي دولة عالمية تجاهل إيران التي أثبتت انتصار دبلوماسيتها، ومع هذا الاتفاق لم يعد أيضا بمقدور الكيان الصهيوني ادعاء أي خطر للبرنامج النووي الإيراني، فالإختراق الذي من المتوقع أن يحققه في العلاقات الإيرانية الغربية الأمريكية سوف يؤثر حتما على أوضاع المنطقة العربية المتأزمة بما لا يخدم إسرائيل، من سوريا إلى العراق فاليمن، وصولا إلى لبنان.

الاتفاق النووي لن يقف عند حدود السياسة، وإنما سيثمر إيجابيات تنعكس على الإقتصاد على الصعيد الإقليمي والدولي. إذا، أثبتت طهران جدوى الدبلوماسية وتغلبت بلغة الحوار على قرع طبول الحرب التي كان يلوح بها الغرب، فهل يستفيد العالم العربي الغارق في أزماته من الاتفاق التاريخي؟.

إيران تدخل النادي النووي الدولي

وصلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أخيراً إلى الاتفاق النووي من دون أن تحيد عن الخطوط الحمراء، ومن دون أن يبدل المفاوض الإيراني أيا من الثوابت التي حملها معه إلى طاولة المفاوضات في فيينا معتمدا على المثل الإيراني القائل "الصبر شجرة جذورها مرة وثمارها شهية". فبعد ١٣ عاماً من مسيرة المفاوضات الطويلة مع الغرب، ومحادثات ماراتونية استمرت أكثر من أسبوعين في فيينا بين إيران والسداسية الدولية، رسم المشهد التفاوضي أخيراً اعترافاً دولياً بإيران قوة بين نادي الدول الكبرى.

على أسس تفاوضية واضحة، ذهبت إيران إلى تلك المفاوضات، أسس عبر عنها الإمام السيد علي الخامنئي كمرونة المصارع وعدم التنازل عن الخطوط الحمراء، حيث لم تحصل إيران على اعتراف دولي بنفوذها الإقليمي والدولي فحسب، بل تعدى الأمر إلى حرص دولي على استقرار داخلي في إيران. وهكذا أصبحت إيران دولة نووية تعمل وفق برنامج نووي سلمي أدخلها عالم الكبار بموافقة دولية.

عندما اختارت الجمهورية الإسلامية الانطلاق نحو نادي الدول النووية الكبرى، كانت تدرك أنها ستدخل في أطول مفاوضات يشهدها القرن الحالي، والتي بدأت في عام ٢٠٠٣ مع الثلاثية الأوروبية فرنسا وبريطانيا وألمانيا، قبل أن تبصر النور مجموعة ما يعرف حالياً بـ(٥ + ١).

حجم برنامج تخصيب اليورانيوم،وعدد أجهزة الطرد المركزي، ومفاعل "آراك" وموقع "فوردو" للتخصيب، أبرز نقاط الخلاف التي اصطدمت بها المفاوضات بين إيران والغرب، الذي بدا متشددا إلى أقصى الحدود بوجه فكرة تخصيب اليورانيوم، انتهى بإحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي حيث كانت حلبة الصراع مع دول كبرى لم تأل جهداً في استخدام كافة وسائل الضغط، الدبلوماسية منها والاقتصادية، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى التلويح بالخيار العسكري ضد إيران، على الرغم من علم تلك الدول المسبق بسلمية البرنامج النووي.

مع ذلك، لم يتوقف الجانبان الأمريكي والأوروبي عن رفع السقوف بوجه إيران، بل تجاهل أي حديث عن رفع العقوبات عنها وعدم السماح لها بتخصيب اليورانيوم، مشترطا استيرادها له جاهزاً من فرنسا وروسيا، على أن يتم شحن المستنفذ منه إلى هذين البلدين لمعالجته.

كشف حجم الضغوط بوضوح نية مبيتة لتجريد إيران من قوتها، فكان موقف حاسم للإمام السيد علي الخامنئي برفض أي اتفاق لا يحفظ حقوق إيران النووية التي أصرت على موقفها بالاحتفاظ بحقها في تخصيب اليورانيوم ورفع العقوبات دفعة واحدة.

من بغداد واسطنبول مروراً بكازاخستان وسلطنة عمان، وصولاً إلى جينيف ثم فيينا، رحلة طويلة من المفاوضات بين إيران والغرب، أبرز محطاتها كانت في ٢٤ تشرين الثاني عام ٢٠١٣، عندما وقع أول اتفاق بين مجموعة الدول الكبرى وإيران، حيث قضى بتجميد قصير المدى  للبرنامج النووي الإيراني، في مقابل تخفيض العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، فكان ذلك الاتفاق بمثابة اختبار نوايا، ثم أعقبه في مطلع عام ٢٠١٤ مراقبة دولية للنشاط النووي الإيراني، على أن يجري العمل للتوقيع على اتفاق طويل الأجل يفضي إلى اعتراف رسمي دولي بإيران دولة نووية.

اتفاق فيينا لم ينه فقط خلافا على برنامج إيران النووي، بل أنهى قطيعة وتوتراً استمرا ٣٦ عاماً بين إيران والولايات المتحدة ودول الغرب عموماً. وأخيراً، نال نظام الجمهورية الإسلامية اعترافاً قد يتحول سريعاً إلى تطبيع للعلاقات مع واشنطن، فالرئيس أوباما أعلن أن الاتفاق يتيح المضي في مسار جديد مع إيران، والرئيس الشيخ حسن روحاني اعتبر الاتفاق نقطة انطلاق لبناء الثقة بين إيران والغرب.

لا شك أن الجمهوريين سيبذلون كل جهد لعرقلة هذا الاتفاق، لكن أوباما عازم على استخدام صلاحياته لضمان تنفيذه. الأكيد أن إسرائيل ستحاول أيضاً بوسائلها الخاصة، وعبر الكونغرس، إحباط الاتفاق. لكن أوباما قد يصبح أول رئيس أمريكي ينجح في تغليب مصالح أمريكا على الرغم من اعتراض إسرائيل.

إعلان اتفاق فيينا بين إيران والدول الكبرى

من الجولات الأولى في باريس عام ٢٠٠٣ إلى آخر سطور اتفاق فيينا عام ٢٠١٥، رسم شعار الحق السلمي النووي على مسودات التفاوض ومبيضاته بإبرة حائك السجاد الإيراني الماهر. لقد وقف محمد جواد ظريف بصفر قنبلة نووية منتزعا اتفاقا من دول مجموع ما تملكه من قنابل نووية يفوق الآلاف. إن العزة والاقتدار اللذين شهدهما العالم في فيينا اختصرتهما كلمات المفاوض الإيراني وهو ينصح الغرب بعدم تهديد مواطن إيراني. تجلى بذلك الحزم باللين، أو بمفهوم الدبلوماسية المرنة الشجاعة التي أمر بها الإمام الخامنئي، في وقت استحالت فيه عواصف الحزم مجازر بحق الأطفال والأبرياء في اليمن.

اتفاق فيينا جاء بعد ساعات طويلة من الانتظار والترقب والتأجيل فرضتها صعوبة مفاوضات فيينا وتشعب تفاصيلها، لكن الانتظار كان مثمراُ وجاءت خاتمته سعيدة، حيث تمخضت تلك المفاوضات عن اتفاق جيد للجميع، بحسب الوزيرة الأوروبية فريديريكا موغاريني. أما وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف فوصفه بالتاريخي والجيد.

باعتراف الخصوم قبل الأصدقاء كانت إيران نداً ذكياً، ففاوضت الغرب مجتمعاً، فأعطته بما لا ينتقص من حقوقها وانتزعت منه اعترافاً بسلمية برنامجها النووي البعيد أصلاً عن صناعة القنابل، ولعل رفع العقوبات عنها سينجم عنه أثر قنبلة اقتصادية من العيار النووي.

٢٢ شهراً من المفاوضات المعقدة أنتجت اتفاقاً نووياً بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومجموعة دول(٥+١)، رسمت أطره الخطوط الإيرانية الحمراء بعدما ألغيت إجراءات الحظر الدولي عنها، فجاءت أبرز بنود الاتفاق على الشكل التالي:

- تعترف القوى الكبرى رسمياً بالبرنامج النووي السلمي لإيران وتحترم ممارسة الشعب الإيراني لحقوقه النووية، في إطار المعاهدات الدولية.

- تعترف منظمة الأمم المتحدة رسمياً بأن إيران قوة ذات تكنولوجيا نووية وتمتلك برنامجاً نووياً سلمياً، من ضمنه الدورة الكاملة للوقود والتخصيب.

- تلغى قرارات الحظر الظالمة المفروضة من قبل مجلس الأمن الدولي على إيران دفعة واحدة ويتم إيجاد تحوّل جوهري في كيفية تعاطي مجلس الأمن مع طهران.

- الإفراج عن الأصول والعوائد الإيرانية المحتجزة في خارج البلاد، والتي تبلغ عشرات مليارات الدولارات بسبب الحظر الظالم خلال الأعوام الماضية.

- خلافاً للمطالب الابتدائية للطرف الآخر، ستواصل جميع المنشآت والمراكز النووية الإيرانية أنشطتها، بعد فشل سياسة منع إجراءات التخصيب.

- الحفاظ على البنية النووية الإيرانية من دون إزالة أي جهاز للطرد المركزي.

- مفاعل "آراك" للمياه الثقيلة سيظل ينتج المياه الثقيلة وسيتم تحديثه.

- تدخل الجمهورية الإسلامية الأسواق العالمية للمواد النووية، لاسيما المنتجين الإستراتيجيين لليورانيوم المخصب والمياه الثقيلة بعد ٣٥ عاماً من الحظر.

- يلغى الحظر الاقتصادي والمالي على القطاعات المصرفية والمالية والنفطية والغازية والبتروكيماويات التجارية والنقل والمواصلات في إيران دفعة واحدة منذ بدء تنفيذ الاتفاق.

- يستبدل الحظر المفروض على إنتاج الصواريخ البالستية الإيرانية بحظر على إنتاج الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية فقط، "علماً أن إيران لم تنتجها يوماً ولم تدرجها في برنامجها الصاروخي مطلقاً".

- يلغى الحظر التسليحي المفروض على طهران واستبداله ببعض القيود وإلغاء الحظر تماماً بعد ٥ سنوات.

- يلغى حظر شراء الطائرات المدنية وإمكانية تحديث الأسطول الجوي الإيراني.

باختصار، إن البرنامج النووي الإيراني الذي لطالما صورته الإدارة الأمريكية وبعض الدول الغربية على أنه تهديد للسلم والأمن الدوليين، تحول بفعل هذا الاتفاق إلى نقطة تقارب وتعاون دولي في إطار المعايير الدولية.

إسرائيل مأزومة بسبب الاتفاق النووي

على مدى سنوات التفاوض الماضية، لم يقبل الإيرانيون المساومة على طموحاتهم، على الرغم من تهديدات كل القوى المعادية لإيران وعلى رأسها الكيان الصهيوني الذي راهن طويلاً على تخريب أي اتفاق يمكن التوصل إليه بين إيران والقوى الدولية، فراح يلهث طوال الفترة الماضية وراء عواصم القرار لثنيها عن توقيع اتفاق نووي مع طهران، فقدم في سبيل ذلك كل ما أمكن حتى بالتلويح بالخيارات العسكرية وتهديده بضرب المفاعلات النووية الإيرانية مرات عديدة.

يبدو كيان العدو أكثر الأطراف المتوترة والمأزومة من نجاح إيران نووياً، وباتت أهدافه تتقاطع مع مصالح بعض الدول الإقليمية التي لم توفر فرصة لتحويل بوصلة الصراع نحو إيران بدلاً من الكيان الصهيوني.

عندما تبنت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما خيار التفاوض مع إيران، فإنها كانت تدرك مسبقاً المفاعيل السلبية التي تتحدث عنها إسرائيل. على الرغم من ذلك، رأى أوباما في الاتفاق فرصة لتجنب سيناريوهات أكثر سوءاً. تستند الفكرة المركزية في منطق أوباما إلى اقتناع مفاده أنه ليس هناك خيارات بديلة تؤدي إلى منع طهران من مواصلة تقدمها النووي سوى الحرب، خصوصاً بعدما ثبت، كما أوضح الرئيس الأمريكي أن العقوبات لم تعرقل تطور إيران النووي ولم تردعها عن مواصلة برنامجها. إضافة إلى ذلك، ثمة رؤية يتبناها أوباما، وهي أن الجمهورية الإسلامية قيادة وشعباً ليست في وارد الاستسلام والخضوع للمطالب التي قدمها نتنياهو لأوباما كسقف للمفاوضات، حتى لو أدت إلى نشوب حرب.

بناء على ذلك، إن مشكلة نتنياهو هي أن خياره الفعلي الوحيد هو الدفع نحو توريط الولايات المتحدة في حرب ضد إيران، في ظل العجز الإسرائيلي عن خوضها وحدها، مشكلة نتنياهو أيضاً أن الرئيس الأمريكي يعي تماماً الفخ الذي تدفع نحوه إسرائيل. لذلك، عمد أوباما إلى استنفاذ كل الوسائل من أجل تجنب الانجرار باتجاه هذا المسار.

إن معارضي هذا الاتفاق داخل كيان العدو يستندون إلى أمور عدة أبرزها:

١- أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أخذت على المستوى النووي أكثر مما قدمت، لكونها حصلت على شرعية دولية لبرنامجها النووي مقابل قيود عليه لمدة زمنية محددة، وضمن الخطوط الحمراء التي حددها قائد الجمهورية الإسلامية السيد علي الخامنئي.

٢- الاتفاق يؤسس لمعادلات إستراتيجية جديدة في المنطقة، استنادا إلى مفاعيله وتداعياته الاقتصادية والسياسية والعسكرية على مستوى المنطقة.

في حال افترضنا أن نتنياهو يدرك ضمناً أنه غير قادر على تغيير مسار الاتفاق من خلال الكونغرس، فهو لا يستطيع إلا أن يخوض هذه المعركة، وإلا سيبدو كمن سلم بالنتيجة. إلى ذلك، يصح القول إن الحملة التي تشنها إسرائيل، ولاسيما نتنياهو، تهدف من ضمن أمور أخرى، إلى محاولة الحصول من الولايات المتحدة على سلة تعويضات عسكرية ملائمة.

الاتفاق النووي وردة الفعل السعودية

من بين دول المنطقة والعالم، انفردت السعودية وإسرائيل بمواقف سلبية وحادة وللأسباب نفسها لدى كل منهما. ثمة شعور لدى قادة الدولتين بأن الاتفاق النووي ينطوي على مقامرة بمصيرهما، فلإسرائيل مبرراتها في القلق، إذ أن مصير الكيان الصهيوني يبقى دائماً عقدة حاضرة في كل تحد تكون فيه إيران طرفاً. أما بالنسبة للسعودية، فثمة مبررات متصلة بأمور أهمها:

١- الرهان على حرب من أجل "قطع رأس الأفعى" ـ أي إيران ـ بحسب وثائق "ويكيليكس" نقلاً عن الملك السعودي الراحل عبد الله. وعليه، فإن فشل الرهان يعني ضياع فرصة تاريخية لطالما عملت السعودية على استغلالها على مدى أكثر من ١٠ سنوات ووفرت كل مبررات نجاحها. لكن الاتفاق مع إيران أسقط الرهان، وعلى الرياض تبعات تحمل فشلها ضمن العائلة المالكة وعلى مستوى علاقاتها الإقليمية والدولية.

٢- نجحت السعودية على مدى أكثر من ثلاثة عقود ونيف في لعب دور الدولة المحورية أو القطب الإقليمي الأوحد، حيث تمكنت من إزاحة الخصوم المنافسين عن المشهد. بعد الاتفاق النووي، بات على السعودية تحسس مواقع نفوذها، لأن المرحلة المقبلة سوف تعمل جميع الأطراف المشاركة في الاتفاق على توفير بيئة مستقرة للاستثمار والتعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني، لمواجهة خطر الإرهاب المتمثل حالياً بـ"داعش" وسواه.

إن ما يدفع السعودية اليوم لا يقتصر على الأمور السياسية. فالرغبة المتعاظمة بالانتقام لا يوازيها سوى الإحساس بانسداد الأفق على المصير، وإن ما يحول دون وقوع خسارة شاملة هو الدخول في لعبة الموت أو الحياة. إن ما يقلق الرياض أيضاً هو أن الاتفاق النووي سوف يفتح أبواب المنطقة للنفوذ الإيراني، فهي ليست معنية بالجانب التقني من الاتفاق، فلربما هي على قناعة تامة بأن إيران لا تسعى للحصول على سلاح نووي، ولكن ما يعنيها هو التفاهمات السياسية الكبرى التي تعقب الاتفاق، وهذا ما عبرت عنه بوضوح تام حين وصف مصدر سعودي لشبكة (سي. أن. أن) بأن إدارة أوباما ارتكبت خطأ تاريخياً في الاتفاق النووي، وهو التوصيف الإسرائيلي نفسه، كما جاء على لسان نتنياهو. فهذا الوصف يشي بالمخاوف الكامنة لدى الرياض من مرحلة تعود فيها إيران لاعبا فاعلا على الساحة الدولية اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وعسكريا، في وقت يشهد التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والسعودية أكبر اختبار في تاريخ العلاقة بين الدولتين.

إيران تسير وفق رؤية واضحة مدروسة وتستوعب حتى خصومها، فأين الحكومات العربية، وأين مشروعها البديل لمواجهة التحديات؟

الاتفاق النووي وتأثيره على الاقتصاد الإيراني

إن ما بعد الاتفاق النووي ليس كما قبله بالنسبة لإيران والعالم. قول ينطبق على الاقتصاد كما السياسة، فالجمهورية الإسلامية التي تعيش منذ عقود تحت وطأة العقوبات الاقتصادية والمالية، حانت ساعة تنفسها الصعداء اقتصادياً. مكاسب عدة حققتها إيران جراء توقيع الاتفاق النووي، ولاسيما على الصعيد الاقتصادي، وستكون لهذه المكاسب امتدادات على الساحة الاقتصادية العالمية التي يمكن أن تشكل تحولاً يدخل إيران ملعب الاقتصاد الدولي من بابه العريض.

تداعيات الاتفاق النووي لن تبقى منطقتنا بمعزل عنها، خصوصاً وأن إيران تعد ثالث أكبر اقتصاد في المنطقة أثناء فرض العقوبات، فكيف الحال بعد رفعها.

على الرغم من أن مفاعيل الاتفاق الإيجابية لن تظهر على الفور، إلا أن المؤكد أن مكاسب كبرى ستحصدها الجمهورية الإسلامية في الميدان الاقتصادي، حيث تثبت دورها كلاعب أساسي في الاقتصاد كما في السياسة.

رفع العقوبات المالية والمصرفية عن إيران، بموجب الاتفاق مع الدول الست، سيترك آثاره الاقتصادية والمالية بشكل مباشر على الواقع الإيراني الداخلي والخارجي، وهو يعد من أهم المكتسبات التي حققتها إيران في مفاوضاتها مع القوى الغربية.

تحريك التحويلات المصرفية المعروف بـ"سويفت" بين إيران والخارج، يعني تعزيز التبادل التجاري بين طهران ودول العالم كافة، بالإضافة إلى تحصيل إيران للمبالغ المجمدة في الخارج، الأمر الذي سيؤدي إلى حصول قفزة نوعية في المجال الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فإن عودة التحويلات ستعيد الروح إلى المصارف الإيرانية، ولاسيما الخاصة منها.

باختصار، فإن إيران ستخرج كقوة اقتصادية فاعلة تجذب الاستثمارات الخارجية وتضخ استثماراتها البشرية والمالية في الخارج، في حراك اقتصادي يستفيد منه جميع الأطراف.

العالم سيتغير بعد الاتفاق النووي

مدت إيران أذرعها لاحتضان وتفعيل البيئات التي تتلاءم مع نهجها السياسي للتوجه إلى فلسطين. نادراً ما يتغير العالم، ولكن الاتفاق النووي بين الجمهورية الإسلامية ومجموعة الدول العظمة سيغير العالم بنسبة حاسمة. إيران ليست دولة عابرة، فهي من التاريخ وفيه، فقد عاصرت حضارات وأنتجت ثقافات وقدمت تضحيات.

بعد الثورة الإسلامية، أصبحت إيران دولة ممتدة عملياً من حدود أفغانستان إلى فلسطين. لقد وقفت الجمهورية الإسلامية بشراسة ضد أمريكا، فمارست حقها في عدائها بقسوة بسبب دعمها للشاه وانحيازها لإسرائيل واشتراكها في حروب ضد الشعوب المظلومة والمضطهدة.

ورثت إيران مواقف ثورية سبقتها إليها أحزاب قومية ويسارية ودول ذات ثقل، ولكن أيا منها لم يستطع أن يوجه صفعة للإمبريالية، ولكن إيران تجرأت على فعل ذلك. لقد حاربها صدام فصمدت وردته خائباً إلى جحره.

وجدت الجمهورية الإسلامية أن فلسطين بلا أبوة، فالأبوة العربية عاجزة ضعيفة، فتبنت فلسطين ومن أجلها دعمت ومولت وسلحت المقاومة على اختلاف أشكالها. كانت إيران في قلب محور الشر بنظر أمريكا والغرب، على مدى ثلاثة عقود ونيف، وها هي الآن تنتزع الاعتراف بها كدولة كاملة الأهلية السياسية والعلمية والدولية.

بالفعل، لقد تغير العالم، ومن صور هذا التغير أن أوباما أغضب إسرائيل فجن جنونها، فيما كان يرضي طهران ويظهر على شاشاتها مبشراً بفضائل الاتفاق مع إيران. تغيرت أمريكا ومعها الغرب كله ، حيث يدافع أوباما عن الاتفاق متحدياً الكونغرس واللوبي الصهيوني. إسرائيل تعيش هستيريا غير مسبوقة، فيما الغرب يوضب حقائبه على عجل للسفر إلى طهران، حاملا معه مشاريع الاستثمار بمليارات الدولارات.

لقد تغيرت أمريكا، فأوباما يجهد لطمأنة السعودية التي تطالبه بإبقاء العقوبات على إيران بحجة الإرهاب، في الوقت الذي يسعى هو وغيره إلى تعاون مع إيران من أجل حلول في سوريا والعراق واليمن ولقتال "داعش" وغيره من التكفيريين.

أجل، لقد تغير العالم، ولكن المشكلات الأخرى مستمرة. صحيح أن إيران فاوضت أمريكا والغرب للوصول إلى هذا الاتفاق النووي، ولكن ذلك لا يعني في أي حال من الأحوال أنها قد ساومت للتخلي عن مبادئها الثابتة التي لطالما دافعت عنها، فهي لن تتنكر لفلسطين ودعم المقاومة ومحاربة الظلم أينما وجد.  

اعلى الصفحة