الانتخابات البرلمانية التركية... معركة مفتوحة على كل الخيارات

السنة الرابعة عشر ـ العدد 162 ـ (شعبان - رمضان 1436 هـ) حزيران ـ 2015 م)

بقلم: خورشيد دلي(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

تعكس خريطة القوى السياسية والحزبية المتنافسة في الانتخابات البرلمانية التركية التي ستجري في السابع من حزيران/ يونيو طبيعة الحراك السياسي الجاري في المشهد التركي والذي يتفاعل على وقع مشكلات داخلية مزمنة وقضايا سياسية إقليمية ولاسيما الأزمة السورية.

وتكمن أهمية هذه الانتخابات في أنها انتخابات مفصلية في الحياة السياسية التركية، نظراً لأن البلاد لن تشهد أي انتخابات بعد هذا التاريخ بنحو أربع سنوات، فضلاً عن أن نتائج هذه الانتخابات سترسم ملامح السياسة التركية في المرحلة المقبلة.                                                   

خريطة القوى السياسية المتنافسة

يشارك في هذه الانتخابات 20 حزباً من أصل 31 حزباً، يتنافسون على 550 مقعدا وسط استحقاقات سياسية كبيرة، تتعلق بأربع قضايا أساسية، هي: الانتقال من النظام البرلمان إلى النظام الرئاسي كما يسعى الرئيس رجب طيب أردوغان، وعملية المصالحة  التركية الكردية التي دخلت مرحلة من الجمود، ووضع دستور جديد للبلاد يضع نهاية للدستور الذي وضعه العسكر عقب الانقلاب العسكري عام 1982، والسياسة الخارجية التركية التي باتت تؤثر على قضايا الداخل التركي وعلاقة السلطة بالمعارضة.

في قراءة أولية لخريطة القوى المتنافسة في هذه الانتخابات، يمكن التوقف عند خمسة قوى أساسية، هي:

1- حزب العدالة والتنمية الحاكم، يمكن القول إن السمة البارزة لقوائم هذا الحزب هو خروج أكثر من 40% من النواب السابقين من قائمة المرشحين استناداً إلى المادة الرابعة من النظام الداخلي للحزب والتي تمنع النائب من الترشح لدورة رابعة، وتعكس القائمة الجديدة للمرشحين توازنا دقيقا بين أنصار الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، والسمة البارزة للقائمة، هي غلبة نفوذ المحافظين على حساب الإصلاحيين، ومع أن الحزب كان قرر أبعاد الذين لهم علاقة قرابة مع القيادة العليا إلا انه لوحظ وجود 14 أسماً مقرباً من أردوغان كان أبرزهم صهره براءة البيراق زوج ابنته الكبرى إسراء. كما لوحظ في القوائم وجود 42 سيدة محجبة من أصل 99 مرشحة.

2- حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، لعل المؤشر الأهم لهذه الحزب هو قراره خوض معركة الانتخابات كحزب مستقل للمرة الأولى بعد أن كان الأكراد يخوضون الانتخابات البرلمانية كمستقلين، ومن ثم تشكيل حزب سياسي جديد من داخل البرلمان، وكان هذا الأسلوب بمثابة التفاف على القانون الانتخابي الذي يجبر الحصول على 10% من الأصوات للدخول إلى البرلمان، وعليه ثمة من يرى أن قرار الحزب كان بمثابة مغامرة سياسية فيما يرى كثيرون أن الحزب سيتجاوز هذه النسبة خاصة بعد أن حصل المرشح الكردي للانتخابات الرئاسية صلاح الدين ديميرتاش على نحو 10% من الأصوات، ولعل ما شجع الحزب على اتخاذ مثل هذا القرار هو زيادة نفوذه في الوسطين الكردي والتركي خصوصاً مع انطلاق عملية السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية. ولعل السمة الثانية البارزة لهذه القائمة هي الصبغة اليسارية بشقيها الكردي والتركي وصعود نفوذ اليسار من جديد في تركيا رداً على سياسة حزب العدالة والتنمية. والسمة الثالثة هي زيادة نسبة السيدات في قائمة هذا الحزب، إذ بلغ عددهم 268 سيدة مقابل 262 رجلاً، وهذه أعلى نسبة من السيدات في قوائم الأحزاب التركية المتنافسة في هذه الانتخابات.

3- حزب الحركة القومية، السمة البارزة لقائمة هذا الحزب هي محاولة التوافق مع الأوساط القومية التقليدية، وترشيحه المرشح الرئاسي السابق والأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي البروفيسور أكمل إحسان الدين أوغلو على قائمته عن مدينة اسطنبول، وكذلك محاولته تعزيز العنصر النسائي في قائمته حيث لوحظ وجود 61 سيدة في القائمة، ويحاول هذا الحزب الاستفادة من تذمر بعض الأوساط القومية والإسلامية من سياسات أردوغان ومحاولته التفرد بالسلطة.

4 حزب الشعب الجمهوري، لعل السمة البارزة لقائمته وجود عدد كبير من الإعلاميين ورجال المال والأعمال والاقتصاد، وهو ما يشير إلى رغبة كبيرة في التغيير الإيديولوجي وطرح برنامج اقتصادي في مواجهة حزب العدالة والتنمية الذي نجح بفضل هذا الملف في توجيه ضربات قاسية لحزب الشعب الجمهوري  الذي يعد من أعرق وأقدم الأحزاب التركية، إذ أنه يعد الوريث التاريخي لحزب أتاتورك، وقد لوحظ أيضا وجود عدد كبير من النساء في قائمته حيث بلغ عددهم 103 مرشحة. ويسعى هذا الحزب إلى طرح برنامج مضاد لحزب العدالة والتنمية على الصعيد الاقتصادي، والدخول في مواجهة إيديولوجية معه خصوصاً في ظل قناعة هذا الحزب وغيره من الأحزاب بأن أردوغان ينتهج سياسة طائفية وعلى أساسه يتدخل في الأحداث الإقليمية في المنطقة ولاسيما في الأزمة السورية والوضع في العراق.

5- تحالف حزب الاتحاد الكبير بزعامة مصطفى ديستجي مع حزب السعادة الذي يمثل إرث زعيمه الراحل ومؤسس الإسلام السياسي في تركيا نجم الدين أربكان، ويحاول هذا التحالف ضم الأوساط القومية والإسلامية المعارضة لحزب العدالة والتنمية إلى صفوفه، ويقال إن الحزب نجح في ضم كتلة وزير الداخلية الأسبق نعيم إدريس إليه عن مدينة أزمير، ومعروف أن إدريس كان من أتباع جماعة الداعية فتح الله غولن حيث حاولت حكومة حزب العدالة والتنمية بأقصى ما تستطيع إبعاد أتباع كولن من القوائم الانتخابية. واللافت هنا هو دعوة حزب السعادة لحزب الحركة القومية بزعامة دولت باهجلي للانضمام إلى التحالف الجديد مقابل تجاهل حزب السعادة دعوة حزب العدالة والتنمية له لتشكيل تحالف انتخابي، وإذا ما لبى حزب الحركة القومية دعوة حزب السعادة، فإنه من شأن هذا التحالف أن يصبح قوة مؤثرة على حساب حزب العدالة والتنمية نظراً لأن جمهور الطرفين هم من نفس المنابت القومية والدينية.                                                              

أردوغان وإستراتيجية الهجوم

على الرغم من أن الدستور التركي يمنع مشاركة رئيس الجمهورية من المشاركة في الحملات الانتخابية - كما قلنا سابقاً فإن أردوغان لم يحترم الدستور، إذ قاد بنفسه الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية الذي أسسه قبل 14 عاما، ولعل أردوغان لا يثق بقيادة حزبه بما في ذلك رئيس وزرائه أحمد داود أوغلو الذي تحول إلى ظل لأردوغان في كل مواقفه السياسية مع أن منصب رئيس الوزراء في تركيا يتمتع بصلاحيات واسعة تفوق صلاحيات رئيس الجمهورية بكثير، فأردوغان يدرك انه على نتائج هذه الانتخابات يتوقف مستقبل مشروعه السياسي ولاسيما الانتقال إلى النظام الرئاسي وخططه لمستقبل تركيا حتى عام 2023، وهو لهذا حول الانتخابات إلى معركة هجومية ضد الخصوم في المعارضة، إذ لا يتوقف عن القول إن في كل خطاباته الانتخابية إن خيارات الناخبين في الانتخابات البلدية تنحصر بين التصويت لممثلي فئتين، واحدة (تسعى إلى إنشاء تركيا الحديثة) في إشارة إلى حزب العدالة والتنمية، وأخرى تعمل على (الإبقاء على تركيا القديمة) في إشارة إلى أحزاب المعارضة، وهو بهذا التصنيف لا يتوانى عن الهجوم على المعارضة من خلال اتهامها بالوقوف إلى جانب (التنظيم الموازي) أي جماعة الداعية فتح الله غولن الذب كان من أهم حلفاء أردوغان قبل أن يصطدم الرجلان وينشب بينهما حرب إقصائية نجح أردوغان بفضل امتلاك كل وسائل السلطة من توجيه ضربات قاسية لجماعة غولن في مؤسسات القضاء والشرطة والأمن والتعليم وغيرها من المرافق الحيوية. وعليه فإن أردوغان خلال الجولات الانتخابية التي شملت معظم الأقاليم والمدن التركية ركز في حملته الانتخابية على جملة من القضايا، لعل أهمها:

1- الهجوم الشديد على جماعة فتح الله غولن بوصف الأخير متآمراً وعميلاً للخارج يريد زرع الفتنة ويعمل لحساب أمريكا، وقد ترجم هذا الخطاب بتكثيف حملة الاعتقالات في صفوف أنصار غولن وطرد مؤيديه في مؤسسات القضاء والشرطة، وإغلاق المؤسسات المالية (بنك آسيا) والإعلامية من خلال سجن العديد من الإعلاميين المقربين من غولن بينهم رئيس تحرير صحيفة زمان ومدير عام قناة سمايولا التابعتين لغولن فضلاً عن إغلاق المدارس والمعاهد التعليمية التابعة للجماعة. واللافت أنه بالتوازي مع هذه الحملة اختفاء الجدل الذي ساد الساحة التركية بشأن قضايا الفساد التي تورطت فيها حكومة حزب العدالة والتنمية بل وحتى عائلة أردوغان وتحديدا بابنه احمد براق.

2 الانتقاد الشديد لحزب الشعب الجمهوري المعارض ولاسيما زعيمه كمال كليجدار أوغلو من بوابة أن الأخير يتبع سياسات طائفية ويركز على القضايا الصغيرة ولا ينتهج سياسات ترقى إلى مستوى الدولة، وهي نفس الاتهامات التي يوجهها أوغلو لأردوغان لجهة ممارسة الطائفية ليس على مستوى الداخل التركي فحسب بل في سياسات تركيا الخارجية ولاسيما تجاه الدول العربية والإسلامية، واللافت في هذا السياق، تحول اللاجئين السوريين في تركيا إلى مادة جدل في معركة الانتخابات، وقد استغل حزب العدالة والتنمية تصريحات قادة حزب الشعب الجمهوري بضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم عبر إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، فيما حاول أردوغان استغلال قضية اللاجئين لزيادة شعبيته ومحاولة وضع القضية في إطار طائفي واستثمار الأمر لضرب حزب الشعب الجمهوري حيث لا يتوقف أردوغان عن وصف زعيم الحزب أوغلو بالعلوي المتحالف مع نظام الأسد في سورية.

3- القيام بجولات شملت مختلف المدن التركية الكبرى (80 مدينة) وتنظيم حشود جماهيرية ضخمة في هذه المدن بغية خلق حالة من التواصل المباشر مع الجماهير وتعبئته وتحصينه، ولعل هدف أردوغان من وراء هذه الحملة ليس تعبئة الجماهير انتخابياً فحسب، بل أيضاً تحصين حزب العدالة والتنمية من الانشقاقات وتداعيات فضيحة الفساد المتواصلة على الرغم من الالتفاف عليها من خلال البرلمان، وكذلك الإجراءات القمعية للحكومة ضد الحريات خصوصاً بعد أن تجددت التظاهرات في ساحة تقسيم في الذكرى السنوية للتظاهرات في الساحة واستخدام الشرطة العنف ضد المتظاهرين.

4- التركيز على دفع الجيل الثاني لحزب العدالة والتنمية إلى سدة القيادة، وفي الوقت نفسه الحرص الشديد على وحدة الحزب بعد أن أصبح العشرات من القيادات القديمة خارج المناصب الحكومية والبرلمانية، إلا أن هذا الحرص لم يمنع من بروز مظاهر انقسام في الحزب وخصوصاً من الرئيس السابق ورفيق درب أردوغان أي عبد الله غل الذي انتقد سياسات أردوغان أكثر من مرة خلال الفترة الأخيرة، وكذلك الرجل القوي بولنت ارينج الذي دعا مراراً إلى إعادة النظر في آليات صنع القرار في الحزب وذلك في انتقاد واضح لأسلوب إدارة الحزب من قبل أردوغان، كما أن العديد من الأعضاء القدماء اتهموه بالتفرد بالقرار والسلطة وممارسة الضغوط على كل من يخالف مواقفه وتصريحاته.

5 إصدار سلسلة من القوانين التي تحد من الحريات الإعلامية والسياسية والاجتماعية (الانترنيت - الاستخبارات القضاء قانون الأمن) ويعد القانون الأخير هو الأخطر نظراً لما يطلقه يد الأجهزة الأمنية في حملات الاعتقال على مجرد الاشتباه حتى دون توفر أدلة، وقد أثار هذا القانون ردود فعل عنيفة من قبل المعارضة إلا أنه وعلى الرغم من المعارضة الشديدة للقرار فان أردوغان نجح في تمريره عبر البرلمان بحكم الأغلبية التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية، حيث من الواضح أن الهدف من هذه القوانين مجتمعة،هو محاصرة وسائل الإعلام وتقييد الحريات وتراكم الإجراءات الأمنية ضد المعارضين والتصفية السياسية للمعارضين لحكم أردوغان بتهمة الانتماء إلى (التنظيم الموازي) أو التعاون معه.

6-  على الرغم من الحرص على إبقاء الجسور مفتوحة مع الحالة الكردية لحسابات تتعلق بالسلام الكردي - التركي من جهة، وأخرى لها علاقة بتحالفات مستقبلية محتملة خاصة إذا أظهرت الانتخابات تراجعاً في نفوذ حزب العدالة والتنمية في المناطق الكردية إلا أن أردوغان صعد قبيل الانتخابات ضد حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، تارة على أساس أن الحزب يتبع إيديولوجيات معارضة لهوية المجتمع التركي (الزرادشتية) وأخرى باسم دعمه (للإرهاب - المقصود هنا حزب العمال الكردستاني) وثالثة بأن الحزب يعرقل السلام التركي الكردي، ورابعة بدعم الجماعات الإسلامية المتشددة ومحاولة وضع هذه الجماعات في مواجهة أمنية مع الحزب الكردي، لكن الثابت والواضح أن هدف كل هذه الحملة الإعلامية ضده هو محاولة ضرب النفوذ المتصاعد لحزب الشعوب الديمقراطي ليس في جنوب شرق تركيا بل حتى في الداخل التركي بعد أن نجح الحزب في الانفتاح على الأوساط اليسارية والديمقراطية وحتى الطائفة العلوية في تركيا، وبسبب هذا الانفتاح تركت العديد من العشائر العربية والكردية مؤخراً حزب العدالة والتنمية وانضمت إلى حزب الشعوب الديمقراطية،وهو ما يثير قلق حزب العدالة والتنمية في أن يفوز الحزب الكردي بعدد كبير من المقاعد على حسابه، بما يعني إفقاده الأغلبية البرلمانية.

في الواقع، من الواضح أن أردوغان اختار إستراتيجية الهجوم والحشد لقناعته بأن المعركة الانتخابية صعبة ولا تحتمل أي خسارة، وإلا فإن إستراتيجية حزب العدالة والتنمية للحكم خلال العقد المقبل ستتعرض لانتكاسة قد تقضي على مخططاته ولاسيما الانتقال إلى النظام الرئاسي.

مقابل إستراتيجية أردوغان هذه، فإن القوى والأحزاب الأخرى تعمل بكل ما لديها من قوة وأوراق لوضع حد لهيمنة حزب العدالة والتنمية في البرلمان حيث بحكم هذه الأغلبية نجح أردوغان في تمرير كل ما يريده من قرارات وقوانين في البرلمان دون أي اعتبار لرأي وموقف أحزاب المعارضة، فهاجس جميع هذه القوى على اختلاف مشاربها الإيديولوجية والسياسية هو إنهاء عهد تحكم حزب العدالة والتنمية بمؤسسات الدولة ورئاساتها (البرلمان الحكومة الجمهورية) ولعل نتائج هذه الانتخابات ستكشف القوة الحقيقة للمعارضة، كما ستكشف سيناريو الحكم في المرحلة المقبلة.

معركة فاصلة وخيارات مفتوحة

من الواضح، أن الخريطة السابقة للقوى المتنافسة بقدر ما تعكس التنوع السياسي والإيديولوجي والقومي في الحالة الكردية، فإنها تشير إلى أن معركة الانتخابات البرلمانية هذه المرة ستكون حاسمة وفاصلة ومختلفة، إذ من الواضح أن الثقة تزداد لدى المعارضة على شكل قناعة بأنها ستحقق انجازات في هذه الانتخابات خلافا للمرات السابقة، وهي في قناعتها هذه تستند إلى تراكم أخطاء أردوغان والعزلة التي تسبب بها للسياسة التركية في الخارج ولاسيما الأزمة السورية حيث تحولت هذه الأزمة إلى بند يثير الكثير من الجدل السياسي بين القوى المتنافسة، كما أن المكون الكردي المتمثل بحزب الشعوب الديمقراطية بات يحظى بشعبية كبيرة في مناطق شرق تركيا وجنوبها وحتى في المدن الكبرى مثل اسطنبول وأنقرة، وإذ ما نجح هذا الحزب في تجاوز نسبة 10% للدخول إلى البرلمان فإنه سيلحق للمرة الأولى الهزيمة بحزب العدالة والتنمية في المناطق الكردية وهو ما سيفقده الأغلبية في البرلمان، وسيكون لمثل هذا الأمر نتائج كارثية على الحزب وخططه المستقبلية للمرحلة المقبلة، وعليه يسعى حزب العدالة والتنمية بكل ما يملك من قوة وأوراق وإمكانات للحفاظ على شعبيته في المناطق الكردية إلى درجة أن أردوغان نفسه قام بحملات انتخابية وتنظيم مهرجانات سياسية في هذه المناطق على الرغم من أن ذلك ممنوع دستورياً، حيث يمنع الدستور التركي رئيس الجمهورية من ممارسة النشاط الانتخابي والسياسي  لصالح أي حزب، وفي الأساس فإن الدستور يفرض على رئيس الجمهورية الاستقالة من الحزب كي لا يمارس سياسة الدولة من منظور حزبي ضيق إلا أن أردوغان تجاهل كل ذلك وانخرط في الحملة الانتخابية لصالح الحزب الذي أسسه (العدالة والتنمية) وهو ما دفع ببعض الأحزاب والجمعيات الحقوقية إلى رفع دعاوى ضده أمام القضاء الذي بات تحت سيطرة حزب العدالة والتنمية بعد التعديلات القانونية الأخيرة باسم الإصلاح.

وعليه، دون شك، ستكون هذه الانتخابات مفصلية في الحياة السياسية التركية، لا لاختلاف الأجندة السياسية للأحزاب المتنافسة بل لما سيترتب على نتائج هذه الانتخابات من أولويات واستحقاقات سياسية ستؤثر على تحديد طبيعة السياسة التركية في الداخل والخارج وكيفية إدارة المرحلة المقبلة. فحزب العدالة والتنمية يسعى إلى الفوز بـ 367 صوتاً وما فوق كي يتمكن من تمرير مشروع قرار الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي في البرلمان دون الحاجة إلى التحالف مع حزب أخر، وان لم يكن ذلك ممكناً فإلى 330 صوتاً كي يتمكن من إجراء استفتاء حول النظام الرئاسي مع أن لا مؤشر إلى الآن حول إمكانية نيله مثل هذه الأصوات، وفي حال عدم حصوله على هذه الأصوات فإن الحزب سيضطر إلى الدخول في تحالفات حزبية مع قوى مختلفة سياسياً وأيديولوجيا، وهو ما سيفرض عليه تنازلات كبيرة لتمرير مشاريعه وإلا فإن هذه المشاريع ستتعثر ولن ترى النور بما يعني انه سيضطر إلى تغير خططه وإستراتيجيته في المرحلة المقبلة، وهو ما قد يثير انقسامات في الحزب خصوصاً وأنه بات أمام قيادات من جيلين. في المقابل، فإن حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية يريدان الفوز بأكبر نسبة من الأصوات لكسر احتكار حزب العدالة والتنمية للسلطة من خلال أغلبيته في البرلمان وسيطرته على الرئاسات الثلاثة (البرلمان، الحكومة، الجمهورية) وإذا ما نجح الحزبان إلى جانب حزب الشعوب الديمقراطية الكردي في هذه المهمة، فإن المشهد التركي سيتغير بشكل كبير، إذ من شأنه الانتقال إلى حكومة ائتلافيه ليس بالضرورة أن يكون رئيساً الحكومة والبرلمان من حزب العدالة والتنمية، وهو ما سيعمق من جروح أردوغان ويصعب عليه تحقيق تطلعاته الكبيرة. إلا أن الاستحقاق الأهم هنا يتعلق بنتيجة حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، فإذا تجاوز نسبة 10% سنكون أمام مشهد كردي جديد في عموم تركيا لعل من أهم ملامحه:

1- تحول الأكراد إلى قوة برلمانية كبيرة تقدر بين 50 و60 نائباً، بما يعني أنهم سيصبحون قوة مؤثرة في كل القرارات والنواحي الدستورية والقانونية في الحياة العامة التركية، ولن يكون باستطاعة أردوغان تجاهل هذه الكتلة الانتخابية في القرارات التي يتخذها بشأن عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني والإجراءات الأمنية في المناطق الكردية.

2- إن عملية السلام بين الأكراد وتركيا ستدخل مرحلة جديدة، وربما يصبح حزب الشعوب الديمقراطية القوة الأكثر تأثيرا في هذا المجال خاصة وانه يحظى بدعم ورعاية من عبد الله أوجلان، بما يعني ذلك رفع سقف الحقوق وشروط التفاوض مع الجانب التركي، وهذا يتطلب من الجانب التركي اعترافا رسميا بالحزب الكردي كممثل عن الأكراد والتفاوض معه ممثلاً شرعياً عنهم، بما يعني تعديل الدستور التركي وإدراج بند الاعتراف بالأكراد كمكون قومي في الدولة التركية.

3- صعود نفوذ اليسار بشقيه الكردي والتركي، وهو صعود يجمع بين اليسار التركي التقليدي الذي عاد من جديد إلى الساحة عبر عمليات أمنية في المدن الكبرى وبين التطلع إلى استلهام تجربة صعود اليسار في اليونان وحتى قبرص التركية عقب فوز مصطفى اكينجي هناك وانطلاق جولة جديدة من الحوار لتوحيد شطري قبرص، ومجمل هذا التحول سيكون على شكل مواجهة مع إيديولوجية حزب العدالة والتنمية التي تقوم أسلمة الدولة والمجتمع بشكل تدريجي ووفقا لنموذج أقرب إلى الطائفية السياسية حيث تصاعد نفوذ رئاسة الأوقاف الدينية خاصة بعد أن خصص أردوغان ميزانية لها تفوق ميزانية عشر وزارات.

4- في حال عدم حصول الحزب على نسبة 10%، فإن ثمة من يرى أن مسار العلاقة بين الأكراد والحكومة التركية سيتجه نحو صدام كبير، لا لأن أصوات الحزب ستذهب إلى حزب العدالة والتنمية وفقاً لقانون الانتخابات التركي، بل لأن الأكراد سيتجهون إلى تشكيل برلمان محلي في ديار بكر تطلعاً إلى شكل من أشكال الحكم المحلي كما تقول مصادر الحزب، وهو ما يعني بالنسبة إلى أنقرة شكل من أشكال الانفصال الذي لن نقبل به حتى لو اضطرت إلى خوض حرب جديدة مع حزب العمال الكردستاني.

مهما يكن، من الواضح، أن معركة الانتخابات التركية ستكون ساخنة ومفصلية وحافلة بالمفاجآت والاحتمالات، وهي في جميع الأحوال توحي بأن المرحلة المقبلة ستكون أمام سيناريوهين:

الأول: خسارة حزب العدالة والتنمية الأغلبية في البرلمان كما تشير العديد من التقارير، وبالتالي الانفتاح على سيناريو الحكومة الائتلافية بما يعني هذا السيناريو أن خطط أردوغان للانتقال إلى النظام الرئاسي معرضة للتلاشي في ضوء رفض المعارضة لهذا النظام نظرا لما يكرسه من صلاحيات مطلق للرئاسة بما في ذلك حل البرلمان حيث ترى المعارضة أن هذا النظام يؤسس للدكتاتورية خصوصاً وأن شخصية أردوغان تجسد ممارسة الحكم الشمولي. وخلاصة القول فإن هذا السيناريو يؤسس لمرحلة من عدم الاستقرار السياسي في البلاد، وقد نشهد فيها الدعوة إلى الانتخابات المبكرة كمخرج لأزمة عدم الاستقرار.

الثاني: سيناريو فوز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية كما هو الحال حالياً، ومن شأن هذا السيناريو إطلاق يد أردوغان في تغيير النظام السياسي التركي بالكامل نحو ما يسميه بتركيا الجديدة التي يتطلع إليها بحلول عام 2023 وهو في العمق وضع نهاية للنظام السياسي للجمهورية التركية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك لصالح العثمانية الجديدة التي يعمل أردوغان بقوة من أجل تحقيقها، لكن الذي ينبغي قوله هنا، هو أن هذا السيناريو قد يفتح الطريق أمام المكون الكردي لتأسيس كيانه القومي على شكل إدارة ذاتية تعبر عن انشقاقه القومي عن سياسة الإنكار التركي. وهو ما يطرح خيار المواجهة التركية الكردية ووأد عملية السلام بين الجانبين.

كاتب وباحث متخصص بالشؤون التركية(*)

اعلى الصفحة