محاولة للفهم!!... أيهما أولى عاصفة الحزم أم حزم العاصفة.

السنة الرابعة عشر ـ العدد 161 ـ (رجب 1436 هـ) أيار ـ 2015 م)

بقلم: د. كمال الهلباوى.

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

نعم هي العاصفة الحديثة، التي أثارت كثيراً من الغبار والتراب، الذي يمكن أن يمنع الرؤية الصحيحة أو يضعفها، أو يزيغ معها البصر أو بعضه. عاصفة الحزم في ظني مثل السراب الذي يحسبه الظمآن ماءا،ً فإذا جاءه لم يجده شيئاً.

نتيجة هذه العاصفة معروفة لي سلفاً، كر وفر ودمار لن يستفيد منه إلا أعداء الأمة، دون أن يبذلوا أي جهد ولا أن يتكبدوا أية خسارة، في الجهد أو العتاد أو السلاح، بل مكسبهم في خسارة الآخرين. ويمكن أن تحقق هذه العاصفة بعض الفوائد بشأن الأمن العربي والحفاظ عليه كمسألة إستراتيجية، إنما الحروب يجب ألا تقع إلا في حدود ضيقة، وحيث لا يمكن الحياة بدون تلك الحرب.

لقد سارعت جميع الأطراف المشتركة في العاصفة من الناحيتين أو الطرفين، ومهما قيل في أهميتها وضرورتها، فإنها يمكن أن تقسم الأمة العربية فضلاً عن الأمة الإسلامية، قسمين، هما الطرف الذي يلتف حول الإيرانيين، الذين يدعمون الحوثيين، والطرف الآخر المناهض أو الذي يدعم الشرعية، ممثلة في الرئيس عبد ربه منصور هادي. والحديث عن الشرعية له جوانب عديدة، وأهمها أن يكون النظام قادراً على حماية الوطن، وأن يسعى للتقدم والخروج من كل تخلف، وأن يعد القوة اللازمة لهذه المهمة الثقيلة، ولم يكن نظام الرئيس هادى ولا على عبد الله صالح من قبله قادرا على تحقيق التقدم أو التنمية اللازمة، ولا أظن أن الحوثيين أهل لذلك، لأنها مسألة معقدة وشائكة.

يحكمني في هذا الإطار الآية القرآنية التي تضع لنا خطوات حل المشكلات قبل أن تستفحل بين المؤمنين، وحتى لا يستمر الاقتتال المدمر الضار بينهم لسبب أو لآخر ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(الحجرات:9).

الخطوة الأولى في ضوء هذه الآية، أن نسعى جميعا للإصلاح بين المتقاتلين بكل وسيلة وطريقة لإيقاف القتال، ثم زرع الثقة بين الطرفين، وتبيان خطورة الأوضاع العالمية والإقليمية على الجميع، على المنتصر والمهزوم. هنا تنتظر فئة أو طائفة الإصلاح نتيجة خطوات الإصلاح والصلح بين الطرفين المتقاتلين، ولا تسمح بالعدوان على أي طرف من الطرفين﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَىٰ﴾ يكون هناك واجب جديد، وهذا الواجب الجديد يتمثل في الخطوة الأولى المهمة، وهي منع البغي والعدوان، ولو بقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله تعالى.

الأمر هنا أمر الله تعالى وليس أمر مسؤول آخر ولا مصلحة دنيوية، وهنا يكون الإجماع ضرورياً على محاربة الفئة الباغية، وضرورة مواجهتها بكل الوسائل حتى تفيء إلى أمر الله، بعيدا عن العرقيات والقبليات والطائفيات، والمصالح الدنيوية عموما، وبعيدا عن التكتلات الكبيرة أو الصغيرة، سواء العربية أو الإسلامية.

السيناريو المتوقع عندي أخيراً، إن استمرت تلك العاصفة فإنها ستؤدى إلى قيام صفين أو ثلاثة بين المؤمنين، الصف الأول، هو اصطفاف العراق وسوريا ولبنان (حزب الله وهو الحزب المعروف بأنه أقوى من الدولة، واليمن - الحوثيون وآخرون)، وكذلك سلطنة عمان إن اشتركت، وقد تقف على الحياد. كل هؤلاء، سيصطفون مع إيران أو وراءها فضلاً عن الأقليات الشيعية في العالم العربي، بل والعالم كله، وكل من يريد تأجيج الصراع قد يقف مع هذا الطرف أو ذاك.

وهناك اصطفاف آخر، هو اصطفاف دول عاصفة الحزم الذي يضم مصر والسعودية والإمارات وغيرهم من الدول الصغيرة  في الخليج، وأهالي اليمن الذين يندرجون في صف الشرعية الرئاسية الضعيفة طبعاً من غير الحوثيين. أنا أيضاً أقول بكل وضوح أن القوة العربية المشتركة قد يطرأ عليها تعديلات نتيجة هذا الاصطفاف، ولن يستفيد من هذا الاصطفاف بصرف النظر عن النتيجة - مع أو ضد - أي طرف، إلا المخططات الغربية والصهيونية. طبعاً الحرب في اليمن، قد تمتد نيرانها إلى أماكن أخرى أبعد من اليمن اليوم أو غداً، وقد تشتعل الفتنة الطائفية أكبر، حتى مع الزعم بأن هذه ليست حرباً طائفية.

أهل الاصطفاف في هذه المعركة أو العاصفة، إما أنهم أعضاء في الجامعة العربية أو أعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، وكان من الأولى استمرار محاولة الإصلاح بين الناس بدلاً من تعميق الجرح، وفي نفس الوقت كان من الضروري المحافظة على أمن وسلامة مصر والدول العربية الأخرى، والمحافظة على استمرار الملاحة في البحر الأحمر، ودون تأثير سلبي. 

أنا متأكد من أن المعنيين بالأمر في مصر خصوصاً، وبقيادة الزعيم السيسي، فعلوا كل ما يستطيعون لتجنب الحرب وعاصفة الحزم، ولكن في النهاية تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. هذه بكل تأكيد مهمة صعبة وتحتاج إلى حكمة وعقل وتوازن يحفظ الحقوق لأصحابها، ولليمن خيراتها وثرواتها وللأمة كلها أمنها وسلامتها. يكفي القضايا التي نحملها على أكتافنا من فلسطين إلى العراق إلى سوريا، إلى ليبيا، إلى القواعد العسكرية في الخليج خصوصا إلى الإرهاب، إلى الهيمنة الغربية إلى السعي للخروج من كل الأزمات والقضايا. الغارات اليومية المكثفة تعمق الخلاف لزيادة الضحايا، وكثرة التدمير، ولا يلوح في الأفق نصر حاسم، على أي من الجهات أو أي من الطرفين، ومع نهاية الحرب سيظل هناك الحوثيون، والقبائل، والتخلف أو مزيد من التخلف فالحرب ليست نزهة وخصوصا في اماكن ومناطق مثل اليمن. قد يسهل قيام الحرب أو ما يسمى بالعاصفة ولكن الخروج منها هو الصعب.

ترصد معظم الجهات المعنية تحركات عسكرية في اليمن والمنطقة فضلاً عن وقصف متقطع لمخازن الأسلحة خصوصاً، والتجمعات العسكرية، وتبذل كذلك جهود سياسية منها ما هو لحل أو لتصعيد الأزمة في اليمن، ومن ذلك رفع الحظر الروسي عن توريد صواريخ متطورة لإيران، ومنها ضرب متواصل من الجو والبحر، وكر وفر للقوات البرية وخصوصاً على المناطق الحدودية بين اليمن والسعودية، وهذا في الوقت الذي تستمر فيه الحرب الداخلية، وبدعم إقليمي يتم تعيين خالد البحاح نائباً للرئيس اليمني هادي منصور، حيث يرى بعض المحللين أن هذه بادرة مهمة، وقد تؤدي إلى إنجاح الحل السلمي. وقد كان ذلك ممكناً - في ظني - لو أن التعيين انطلق من أرض اليمن، وليس من الرياض عاصمة السعودية، ولكنني أنظر إليها من جانب آخر هو استمرار الحرب لمدة أطول، وما حدث أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في المنطقة بعيد عن الحدوث اليوم بنفس الحالة فالوقت مختلف.

يرى بعضهم أن الحل هو وقف تقدم الحوثيين أو منع وصول السلاح إليهم، ويضغطون على مورّدي السلاح من أجل ذلك، وأنا شخصياً لا أظن أن هذا الحل سيكون ممكناً، لأن الحوثيين جزء أصلي من الشعب اليمنى سواء أحببناهم أو كرهناهم، وسواء حاربوا إخوانهم أو حاربهم بقية أهل اليمن، وسواء وجدوا دعماً عند الإيرانيين أو لم يجدوا. من حق المواطنين أيا كانوا أن يقوموا بالتغيير والإصلاح وعلاج المشكلات والتحديات كما فعل أهل مصر أو تونس بشرط ألا يحدث بالتغيير ضرر أكبر، وهذا لا يقدره إلا أهل الحكمة والمنطق الصحيح.

مشكلة الحوثيين الحقيقية أنهم أقرب إلى الشيعة من أهل السنة ومذاهب السنة، ولهم امتداداتهم وعلاقاتهم وليسوا غزاة قادمين من خارج اليمن ومشكلتهم الطائفية والارتباط الخارجي، أما منع وصول السلاح لأي طرف حتى مع الحظر أصبح أمراً صعبا لتوفر السلاح، ولأن الشركات المنتجة تسعى لتوريد السلاح إلى طالبيه حتى في وجود قوانين وأوامر بالحظر. هل يمكن أن يحكم الطرفان العقل بشكل أكبر، وأن يلجأ الجميع إلى الحلول السلمية وإن طالت، وعلينا أن ندرك جميعاً أن اللجوء إلى الهيئات الدولية أو أهل الهيمنة سيزيد الحالة سوءاً ودماراً، وقد نجد قواعد عسكرية غربية جديدة في المنطقة، وحالات أفغانستان  والعراق والخليج ليست عنا ببعيد. أكتب وأقول هذا وأجري على الله.  

اعلى الصفحة