قرن على مجازر الأرمن.. قضية حية تنتظر الاعتراف والمسؤولية

السنة الرابعة عشر ـ العدد 161 ـ (رجب 1436 هـ) أيار ـ 2015 م)

بقلم: خورشيد دلي(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

قرن على المجازر التي ارتكبت ضد الأرمن في عهد الدولة العثمانية، والقضية حية على شكل جرح أرمني مفتوح ينتظر اعتراف تركيا بها وتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن ما جرى.

لدى الأرمن وكذلك في أرشيف العديد من الدول ولاسيما تركيا وبريطانيا آلاف الأدلة والوقائع والشواهد والوثائق التاريخية التي تؤكد وقوع مجازر إبادة ضدهم وتهجيرهم من ديارهم وتجميعهم في أماكن صحراوية ومن ثم القيام بأعمال قتل جماعية على يد الجنود العثمانيين وبقرار من أعلى السلطات العثمانية ولاسيما في عهد الاتحاديين، وعليه سعى الأرمن في الداخل والخارج وبكل ما يملكون من أوراق قوة إلى جعل هذه القضية قضية وطنية مقدسة لهم، حاضرة على أجندة المحافل الدولية ولاسيما البرلمانات، والعمل على كل المستويات من أجل إجبار تركيا على الإقرار بجريمة الإبادة هذه، ودفع التعويضات المناسبة كشرط لطي صفحة الماضي وتحقيق المصالحة بين البلدين والتي تعثرت بسبب هذه القضية رغم الجهود الكبيرة التي بذلت خلال العقد الأخير.

يقول الأرمن إن ذروة المجازر كانت في يوم الرابع والعشرين من نيسان/ابريل عام 1915 عندما أعدم الجنود الأتراك آلاف الأرمن في صحراء دير الزور السورية بعد أن تم إبعادهم إلى هناك قسراً، حيث بات من المعتاد أن تتجه أنظار الأتراك والأرمن في كل عام إلى هذا اليوم، ليكون محطة توتر جديدة  في العلاقات بين الجارين التاريخيين، لكن في هذا العام كانت الذكرى مختلفة، إذ أنها كانت الذكرى المئوية للمجازر حيث أعدت أرمينيا فعاليات ضخمة للمناسبة على شكل حملة سياسية ودبلوماسية، نجحت في جلب المزيد من التعاطف الدولي مع قضية الأرمن على شكل اعتراف دولي بمجازر الإبادة، وهو ما أدى إلى دخول القضية منعطفاً جديداً من الصراع، ولعل ما يؤرق تركيا هنا، ليست الفعاليات الضخمة التي نظمها الأرمن في الذكرى المئوية، بل المواقف الدولية وتحديدا الغربية منها والتي اتجهت إلى توصيف ما جرى بـالإبادة وما يترتب على هذا الإقرار من مسؤولية أخلاقية وقانونية وسياسية تترتب على تركيا.                   

مجازر أم إبادة؟

يقول الأرمن إن ما جرى ضدهم كانت إبادة منظمة، بعد أن اتهمتهم الدولة العثمانية بالخيانة والعمل لصالح روسيا التي كانت في حرب مع الدولة العثمانية لسنوات طويلة، فيما ترى تركيا أن ما جرى لم تكن إبادة بل أعمال قتل وقعت بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى وانقلاب الأرمن ضد الدولة العثمانية، وأن الضحايا لم يكونوا من الأرمن فقط بل من الأتراك والأكراد أيضاً. في وثائق الأمن إحصائيات كثيرة تقول إن عدد ضحاياهم بلغ مليون ونصف المليون أرمني، وان هؤلاء قتلوا من خلال أعمال حربية منظمة، عبر حملات اعتقال وتجميع وتصفية جسدية، فضلاً عن هلاك كثيرين في المنافي بسبب الجوع والمرض، وان عمليات القتل انطلقت بقرار من السلطات الاتحادية العليا، بدأت في البداية مع اعتقال النخب الثقافية والفكرية والاقتصادية في المدن الكبرى ولاسيما اسطنبول وتصفية العديد منهم، ومن ثم انتقلت عمليات القتل إلى الولايات الشرقية المجاورة لروسيا حيث الحرب معها، قبل أن تقوم السلطات بحملات تهجير واسعة للأرمن على شكل قوافل (بلغت عددها عام 1915 وحده 306 قافلة مات الآلاف منهم في أثناء الرحلات) تحرسها القوات العثمانية، وتم ترحيل معظم هؤلاء إلى سورية (دير الزور ورأس العين) وشمال العراق، وتضيف الوثائق أن قرابة 400 ألف أرمني ماتوا في معسكرات الاعتقال بسبب الجوع والمرض والبرد وعدم وجود الماء والغذاء، فيما قتل أكثر من 300 ألف معتقل في مجازر ارتكبها الجنود (192 ألفاً في دير الزور و40 ألفاً في رأس العين و80 ألفاً في اسطنبول و10 آلاف في أزمير)  كما قتل قرابة 500 ألف في الولايات الشرقية، وحسب الوثائق الأرمنية لم تقتصر المجازر على المدنيين فحسب، بل طالت أيضاً الجنود العثمانيين من أصل أرمني حيث صدر قرار بتجريدهم من السلاح في البداية ثم تصفيتهم وقد بلغ عددهم قرابة 120 ألف جندي، ولم ينجُ من المجازر سوى قرابة 700 ألف أرمني من أصل أكثر من مليونين أرمني عام 1915، ومعظم الناجين هربوا إلى المناطق التي كان يسيطر عليها الجيش الروسي. في المقابل، تقول تركيا إن عدد الضحايا كان قرابة ثلاثمائة ألف أرمني فقط ومثلهم من الأتراك، وأن حملات الترحيل التي جرت إلى الصحراء السورية وتحديداً محافظة دير الزور لم يكن بهدف القتل بل كانت لحماية الأرمن بعد أن شاع جو من العداء ضدهم في الدولة العثمانية بسبب خيانتهم وعمالتهم للروس، ويضيف هؤلاء أن ظروف الحروب هي التي كانت السبب الرئيسي في وقوع أعمال القتل هذه، وأن الأرمن أنفسهم ارتكبوا أعمال قتل ضد الأتراك في العديد من المناطق الشرقية بدعم روسي، وبين الروايتين الأرمنية والتركية تقدر تقارير المراكز والهيئات الدولية المعنية عدد الضحايا بأكثر من مليون أرمني، وتؤكد أن ما جرى كانت مجازر أعدت لها، وبقرار سياسي من أعلى السلطات في اسطنبول التي كانت عاصمة للخلافة العثمانية وقتها. ويرى كثيرون أن لارتكاب هذه المجازر بعداً اقتصادياً، إذ أن الأرمن ولاسيما في اسطنبول كانوا من أهم أصحاب المال والأعمال والصناعة والتجارة، وقد تم التخلص منهم للاستيلاء على أموالهم وممتلكاتهم وبرعاية وموافقة من السلطات العليا.

في الواقع، طوال العقود الماضية سعى الأرمن في الداخل والخارج إلى الإبقاء على قضية المجازر حية من خلال تنظيم فعاليات سنوية والتحرك في المحافل الدولية ولاسيما البرلمانات لإقرار الإبادة، واستند الأرمن في تحركهم هذا إلى قانون منع الإبادة الجماعية التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1951 ووضعتها تحت بند القانون الدولي، وقد انضمت تركيا مبكراً إلى هذه القرار الذي كان على شكل اتفاقية دولية، وكثيرا ما يقارن الأرمن بين ما جرى لهم من مجازر والمجازر التي ارتكبت في رواندا وكمبوديا وليبيريا ويوغسلافيا وألمانيا...، وهم يرون أنفسهم على خطى الاعتراف الدولي بالمجازر التي ارتكبت ضد التوتسي في راوندا ويسعون إلى الحصول على إقرار مماثل بخصوص الإبادة الأرمنية، لكن اللافت هنا، هو أن الأرمن لا يطالبون فقط الإقرار بفعل الإبادة كجريمة وتحميل تركيا المسؤولية وإنما المطالبة بحقوق تاريخية داخل تركيا  الحالية على اعتبار أنهم يرون أن لهم أراضيَ داخل الأراضي التركية والتي تسمى بأرمينيا الغربية حيث جبل أرارات الذي يعد رمزاً للأرمن فضلاً عن أمكانهم ورموزهم الدينية، حيث تقول التقارير الأرمنية انه قبل المجازر كانت هناك أكثر من ألف كنيسة أرمنية داخل تركيا في حين لم يتبقَّ منها اليوم سوى 98 كنيسة.

في المقابل ترى تركيا أن هناك تضخيماً مقصوداً من قبل الأرمن لكل ما جرى، وأن الأهداف السياسية هي التي تقف وراء حملتهم  المتواصلة ضدها، وقد أبدت تركيا في أكثر من مناسبة ولاسيما في عهد رجب طيب أردوغان استعداداها لتشكيل لجنة من المؤرخين لدراسة القضية في ظروفها التاريخية وإقرار النتيجة في ضوء ما سيتم التوصل إليه من حقائق، وقد كان أردوغان طلب هذا الأمر رسمياً من الرئيس الأرمني السابق روبرت كوتشاريان عام 2005 ، مبديا في الوقت نفسه استعداد أنقرة لفتح أرشيف الدولة العثمانية لهذه الغاية، لكن هذه الدعوات لم تلقَ قبولاً من جانب القيادة الأرمنية التي ترى أن أردوغان يحاول الالتفاف على القضية من خلال خطوات وإجراءات شكلية هدفها عدم الاعتراف بجريمة الإبادة.

تناقض روايات الجانبين بشأن ما جرى، حال حتى الآن دون تطبيع العلاقات بين البلدين على الرغم من توصلهما إلى اتفاق زيوريخ عام 2009 والذي شكل بنظر كثيرين فرصة تاريخية لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة.

أبعاد سياسية ومواقف غربية

لعل تعثر جهود المصالحة بين تركيا وأرمينيا بعد التحسن الذي جرى في علاقات البلدين خلال السنوات الأخيرة، يكشف عن أبعاد سياسية تتجاوز قضية الاعتراف بالمجازر التي ارتكبت ضد الأرمن إلى القضايا السياسية الخلافية، ولاسيما قضية الصراع على إقليم ناغورني قره باغ  بين أرمينيا وأذربيجان الحليفة التاريخية لتركيا، فضلاً عن رفض تركيا لأي مطلب أرمني فيما تقوله أرمينيا حقوق تاريخية في أرمينيا الغربية، أي داخل أراضي الجمهورية التركية، وأساساً فإن تركيا ما زالت ترى في أرمينيا حليفاً استراتيجياً لروسيا ضدها في الصراع على جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز حيث الصراع على النفط والغاز ومد خطوط أنابيب الطاقة إلى أوروبا، وانطلاقاً من أبعاد هذا الصراع تنظر تركيا بحساسية شديدة إلى الدول التي اعترفت بالإبادة الأرمنية، نظراً لأنها ترى أن مثل هذا الاعتراف سيقوي من موقف يريفان السياسي وشروطها بشأن المصالحة مع أنقرة، ولاسيما رفضها المطلق لربط المصالحة بين البلدين بقضية الصراع مع أذربيجان على إقليم ناغورني قره باغ، وكذلك المطالبة برفع الحصار التركي الأذربيجاني المفروض على أرمينيا منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عقب انهيار الأخير.                  

في حركة الاعتراف الدولي بمجازر الأرمن، ربما لم تكن أنقرة تتوقع وصف البابا فرانسيس أحداث عام 1915 بالإبادة عندما قال إن ما جرى كان أولى مجازر الإبادة الجماعية في القرن العشرين، وعليه كان تصريحه أشبه بقنبلة صوتية قوية قوبل بردود تركية غاضبة ومن أعلى المستويات، إذ استدعت أنقرة السفير البابوي لديها، وأطلق قادتها وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو و وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو موجة انتقادات شديدة للبابا، وحذر هؤلاء البابا من تكرار هذه التصريحات، متحدثين عن تناقض تصريحه مع مضمون خطابه بشأن التسامح خلال زيارته إلى تركيا. لكن في حقيقة الأمر كان الخطاب التركي هذا موجها بالدرجة الأولى لما يمكن أن يكون عليه موقف الدول الغربية في الذكرى المئوية للمجازر، وتحديداً إلى موقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي استبق كلمته في الرابع والعشرين من نيسان/ابريل بالدعوة إلى الاعتراف بالمجازر دون تسميتها بالإبادة (سبق وأن وعد أوباما عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ عام 2008 الاعتراف بالإبادة الأرمنية) وكذلك إلى القرار الذي صدر عن البرلمان الأوروبي الذي صوت على قضية إقرار الإبادة بالإيجاب، وهو ما أدى إلى المزيد من التوتر في العلاقات التركية الأوروبية. وفي حقيقة الأمر، فان الذكرى المئوية لمجازر الأرمن كانت صعبة وكارثية على الدبلوماسية التركية في حين شكلت نجاحاً للدبلوماسية الأرمنية، وحقيقة فإن تركيا بدأت تحس بوطأة مسلسل اعتراف العديد من الدول ولاسيما الغربية منها بالإبادة حيث بلغت عدد الدول التي اعترفت بهذا الوصف 21 دولة فضلاً عن عشرات المنظمات والهيئات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي ومجلس الكنائس العالمي، وهي تحس في العمق بأن مسلسل الاعتراف هذا يشكل نجاحا للوبيات الأرمنية في الخارج ولاسيما في الولايات المتحدة، وفي الجوهر ترى أن مسلسل الاعتراف يأتي على حساب رؤيتها لطبيعة الأحداث التي وقعت، بغية دفعها إلى الاعتراف بارتكاب جريمة إبادة تقول إنها لم ترتكبها خصوصاً وأن تركيا أقرت القانون 301 الذي يجرم الاعتراف بالمجازر التي ارتكبت في الدولة العثمانية، وفي الأساس، ثمة اجتهاد في الأوساط التركية، يرى بأنه لا يمكن تحميل لا تركيا ولا الدولة العثمانية مسؤولية ما جرى، فتركيا الحالية ليست الدولة العثمانية، وعندما ارتكبت المجازر كانت الدولة العثمانية منهارة، وكان الاتحاديون الأتراك هم الذين يحكمون البلاد وفي ظروف حرب العالمية الأولى.

دون شك، تصاعد موجة الاعتراف الدولي بمجازر الأرمن عزز من شكوك تركيا إزاء إستراتيجية الغرب تجاهها، وفي العمق، فإن تركيا ترى أن الغرب لم يطوِ بعد صفحة الصراع الدموي مع الدولة العثمانية تاريخاً وجغرافية ومجتمعاً، وأن ثمة مخططات تعد في السر، وقد تظهر في الوقت المناسب لتستهدف كل ما سبق. والمفارقة هنا هي أن تركيا في ظل كل هذا، تتجه من جديد  وبقوة إلى إحياء الهوية العثمانية لتركيا على الرغم من أن ذلك يسبب لها الكثير من المشكلات التاريخية والجغرافية والسياسية والإيديولوجية مع دول الجوار والعالم ولاسيما الغرب الذي يرى أن الدولة العثمانية تبقى عدواً في منظور التاريخ بسبب الأعمال الدموية التي ارتكبتها ولاسيما خلال معركة اسطنبول التي كانت تسمى قسطنطينية.     

ذكرى واحتفالان في يوم واحد!

بالتزامن مع إحياء أرمينيا الذكرى المئوية للمجازر في 24 نيسان/ ابريل  الماضي، احتفلت تركيا في نفس اليوم بالذكرى المئوية لمعركة غاليبولي (معركة شنق قلعة سافاشلاري) التي ألحقت فيها القوات العثمانية هزيمة كبيرة بالقوات البريطانية والفرنسية والاسترالية والنيوزيلندية (تقول الوثائق إن 55 ألف جندي من هذه الدول و90 ألف جندي عثماني قتلوا في هذه المعركة فضلاً عن قرابة مائتي ألف جريح من الطرفين) وعلى الرغم من الخسارة الكبيرة في صفوف القوات العثمانية إلا أنها نجحت في إفشال هذا الهجوم الكبير والذي كان هدفه احتلال اسطنبول وتخفيف الأعباء عن القوات الروسية في جبهة الشرق خلال الحرب العالمية الأولى. لعل اللافت في هذا الاحتفال هو أن تركيا نظمته للمرة الأولى في هذا التاريخ (24 نيسان) بعد أن كانت تنظمه في الثامن عشر من آذار من كل سنة ومن خلال مراسم عسكرية بسيطة، كما أن اللافت في احتفال هذا العام، هو توجيه الرئيس رجب طيب أردوغان دعوات المشاركة لقادة 102 دولة بما في ذلك الرئيس الأرمني سرج سركيسيان والرئيس الأمريكي باراك أوباما، وقد تحولت دعوة أردوغان لنظيره الأرمني إلى سجال سياسي عكس حقيقة حساسية الخلاف بين الجانبين بشأن مجازر الأرمن. فالرئيس الأرمني سرج سركيسيان لم يكتفِ بإعلان رفض الحضور، بل وجه رسالة إلى أردوغان كان أشبه باشتباك سياسي ودبلوماسي عندما قال في رسالته (فخامة الرئيس قبل أشهر دعوتك لزيارة يريفان في 24 نيسان، لنحضر معا إحياء ذكرى الضحايا الأبرياء الذين سقطوا في عمليات الإبادة الجماعية التي ارتكبت بحق الأرمن ... وليس من عاداتنا زيارة ضيف لم نتلق منه ردا على دعوة وجهناها له) وتساءل سركيسيان في رسالته عن الغرض من إقامة احتفالات معركة غاليبولي في نفس يوم إحياء ذكرى مجازر الأرمن، مؤكداً أن الهدف هو صرف انتباه العالم عن ذكرى مجازر الأرمن، مطالباً الاعتراف بهذه المجازر وإدانتها من خلال الكف عن سياسة الإنكار والتجاهل.

دون شك، مضمون الرسائل المتبادلة بين أردوغان وسركيسيان يشير إلى دخول هذه القضية مرحلة جديدة من التوتر، تتقلص معها إمكانية المصالحة ما لم تحصل تطورات سياسية كبيرة أو تغير في موقف أي من الطرفين، ولعل ما يرجح المزيد من التصعيد هو تمسك الطرفين بموقفهما حتى النهاية، فالتصميم الأرمني على دفع الأمور باتجاه المزيد من الاعتراف بالإبادة يقابله تشدد وإنكار وتصلب تركي.                                  

خلاصات لقضية مفتوحة

في الواقع، ثمة إحساس لدى الأرمن ومن يؤيد قضية وقوع الإبادة الأرمنية، أن تركيا حاولت منذ البداية الالتفاف على هذه الجريمة من خلال مسارات ومستويات متعددة، لعل أهمها: 

1 - وضع جريمة الإبادة في إطار أعمال القتل خلال المعارك التي جرت في أثناء الحرب العالمية الأولى في محاولة للتهرب من تبعات الاعتراف بجريمة الإبادة مع ان الوثائق التاريخية تؤكد أن الإبادة حصلت وفقا لسياسة مدروسة مسبقا وبقرار سياسي من أعلى السلطات، وقد تجلى هذا الأمر بشكل واضح في حملات استهداف المثقفين الأرمن ونتاجاتهم الفكرية والأدبية والثقافية قبل أن تتحول إلى حملة اعتقالات جماعية وجمع الأرمن في معتقلات ومن ثم ترحيلهم إلى الصحراء وارتكاب أعمال القتل الجماعي كما حصل في صحراء دير الزور السورية.

2- محاولة خلط الأوراق من خلال القول إن الضحايا هم ليسوا من الأرمن فقط بل من الأتراك، و وضع الأمر في خانة (خيانة الأرمن) للباب العالي، بالقول إنهم تعاونوا مع الروس خلال فترة الحرب، وأيضا من خلال تقليل أعداد الضحايا وذلك بالقول إنهم لا يتجاوزن ثلاثمائة ألف أرمني ومثلهم تقريباً من الأتراك، مع أن الوثائق التاريخية تشير إلى أن عدد الضحايا من الأرمن بلغ قرابة المليون ونصف المليون أرمني.

3- محاولة محو الذاكرة الأرمنية وآثارهم وأماكنهم الدينية وهويتهم الحضارية، إذ تشير التقارير أن السلطات العثمانية مارست إلى جانب الإبادة البشرية الإبادة الثقافية والحضارية، إذ أنها ركزت على محو النتاج الثقافي والفكري والروحي، وبسبب هذه السياسة شهد الوجود الأرمني نوعاً من الإبادة والمحو، حيث أضطر العديد من الأرمن إلى تسجيل أنفسهم كأتراك تجنباً للتصفية والعقوبات والحصار والقهر. واللافت هنا، أننا نشهد في أيامنا هذه أن العديد من العائلات في تركيا بدأت تشهر أو تعلن العودة إلى أصولها الأرمنية بعد أن كانت تخشى من ذلك في السابق.

هذه السياسة التي اتبعتها تركيا ضد الأرمن وغيرهم من الشعوب والأقليات القومية والدينية ربما أفلحت في الحد من حيوية الشعوب وقدرتها على التعبير عن نفسها وهويتها وتاريخها وجغرافيتها لفترة ما، لكن التاريخ يثبت أن الجرح المفتوح وقوة الإرادة وحقائق التاريخ والجغرافية.. كانت أقوى من هذه الإجراءات الاستبدادية، فقد نجحت الأمة الأرمنية على الرغم من كل ما تعرضت له من إبقاء جريمة الإبادة حية وذلك من خلال الوقائع التالية:

1-  لقد نجح الأرمن في نقل قضية الإبادة إلى المحافل الدولية وجعلها مدرجة على برلمانات معظم دول العالم، إذ اعترف قسم كبير من هذه البرلمانات بجريمة الإبادة ، وهو ما وضع تركيا في أزمة علاقات مع العديد من الدول.

2 إن أرمينيا وعلى الرغم من إمكاناتها القليلة بسبب الحصار التركي - الأذربيجاني المفروض عليها نجحت في دفع تركيا إلى التفاوض بشأن قضية الإبادة الأرمنية، وهو ما تجلى في اتفاق زيوريخ عام 2009 قبل أن يتم تجميد الاتفاق بعد أن اشترطت تركيا فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين بشروط جديدة، منها قضية الصراع بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم ناغورني قره باغ.

3- إن الأرمن نجحوا في كسب صداقات العديد من الشعوب والدول وجلب  التعاطف مع قضيتهم ، بما في ذلك من قبل حركة المجتمع المدني في تركيا حيث بدأنا نشهد حركة داخلية تركية تدعو إلى الاعتراف بجريمة الإبادة وطي صفحة الماضي وقد أضطر أردوغان العام الماضي بسبب كل ما سبق إلى الحديث عن الجريمة والمأساة دون الاعتراف بها.

4- إن حركة اعتراف العديد من الدول بجريمة الإبادة وضعت تركيا في حالة توتر في علاقاتها مع العديد من دول العالم، ومعروف تهديدات أردوغان بسحب السفراء من الدول التي تعترف برلماناتها بجريمة الإبادة.

في ظل التقدم الذي يحققه الأرمن لجهة جلب اعتراف دولي بجريمة الإبادة، ثمة سؤال يطرح عن مدى استعداد تركيا الاعتراف بالجريمة. في الواقع، من الواضح أن الحكومة التركية تحاول بشتى الوسائل الالتفاف على الاعتراف بجريمة الإبادة وذلك  من خلال الوقائع الآتية:

1- إن عقلية أردوغان وثقافته العثمانية لا تشيران إلى تغير في جوهر الخطاب التركي الذي يقوم على إنكار الجريمة، وهذه العقلية هي تعبير عن استمرار القمع وسياسة الإقصاء تجاه الشعوب والأقليات القومية والدينية.

2- إن دعوة أردوغان إلى تشكيل لجنة من المؤرخين لبحث القضية، وترميم بعض الكنائس والحديث عن المعاناة المشتركة وغير ذلك من الخطوات الشكلية تأتي في إطار محاولات تبسيط القضية والالتفاف عليها.

3- محاولة شراء مواقف الدول وحتى ابتزازها وتهديدها لمنعها من إقرار جريمة الإبادة، وهنا سلاح أردوغان في ذلك هو عقد صفقات الأسلحة ومشاريع اقتصادية ومواقف سياسية، وقد بدا هذا الأمر جلياً عندما أقر البرلمان الفرنسي جريمة الإبادة عام 2011 قبل أن يتم إلغاء الاعتراف بقرار من المجلس الدستوري بعد أزمة سياسية مع تركيا، وتهديد الأخيرة الاعتراف بما ارتكبته فرنسا في الجزائر كجريمة حرب وإبادة.

4- محاولة وضع قضية الاعتراف بجريمة الإبادة في إطار إصلاحات داخلية تركية وطرح الموضوع في الإعلام بعد أن كان ذلك ممنوعاً في المرحلة الماضية، وتأتي هذه السياسة كنوع من التنفيس السياسي في الداخل وتوجيه رسالة للخارج وتحديداً الاتحاد الأوربي، مفادها أن تركيا تسير وفق المعايير الديمقراطية.

5- التشويش الذي جرى على إحياء الأرمن الذكرى المئوية للإبادة وذلك من خلال تنظيم احتفال ضخم موازٍ بذكرى انتصار القوات العثمانية على القوات المتحالفة في معركة الغاليبولي. 

في الختام، يمكن القول إن الأرمن نجحوا إلى حد كبير في إدراج قضية الإبادة على أجندة البرلمانات والمحافل الدولية وفي إبقاء هذه القضية حية، على الرغم من كل محاولات تركيا الاستمرار في إنكارها والالتفاف عليها بكل الوسائل. والثابت هنا، هو أن المدخل الطبيعي لطي هذه الصفحة لا يمكن إلا باعتراف تركيا بجريمة الإبادة وتحمل المسؤولية التاريخية، وما ينتج عن كل ذلك من إقرار بالحقوق التاريخية للأرمن، لا إحقاقاً للعدالة التاريخية فقط، بل لمنع تكرار هذه الجرائم هنا أو هناك، وهذه مسؤولية أخلاقية وسياسية تسري على كل دول العالم.

كاتب وباحث متخصص بالشؤون التركية(*) 

اعلى الصفحة