"داعش" المُحَاصِر يبحث عن ملاذ آمن  في ليبيا

السنة الرابعة عشر ـ العدد 160 ـ (حمادى الثانية 1436 هـ) نيسان ـ 2015 م)

بقلم: توفيق المديني

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

أضاف تنظيم "داعش" الإرهابي التكفيري جريمة جديدة إلى سجله الوحشي الحافل بالإجرام والقتل و الذبح، هذه المرّة جرت على شاطئ خليج سرت في الساحل الليبي،  حيث تم قطع رؤوس 21 مواطناً مصرياً قبطياً، تم خطفهم في كانون الثاني الماضي.

وحرص الإرهابيون التكفيريون على إظهار رؤوس بعض القتلى المقطوعة وقد وضعت على ظهورهم، ودماؤهم تسيل في مياه البحر الذي صبغ باللون الأحمر، قبل أن يرفع إرهابي خنجره قائلاً: "سنفتح روما بإذن الله، وعد نبينا(ص)". وتعد جرائم هذا التنظيم مخالفة للإسلام ولتعاليمه وقيمه التي بنت الحضارة وأعلت من شأن الإنسان، إذ إن المشاهد  الوحشية التي تصور جريمة القتل تمثل  تعدياً صارخاً على الشرائع السماوية والأعراف الدولية والمبادئ الإنسانية.

جاءت هذه الجريمة الوحشية الجديدة لـ"داعش" بعد دعوة أطلقتها إيطاليا لتشكيل "تحالف" ضد الإرهاب في ليبيا، ففي مقابلة مع صحيفة "إل ميساجيرو"، نشرت يوم الاثنين 16شباط 2015، أكدت وزيرة الدفاع الإيطالية روبرتا بينوتي أن "إيطاليا مستعدة لقيادة ائتلاف في ليبيا من دول المنطقة، شمال أفريقيا وأوروبا، لوقف تقدم الجهاديين الذين باتوا على مسافة 350 كيلومتراً من سواحلنا". وأضافت: "الخطر وشيك، لا يمكننا الانتظار أكثر من ذلك، لإيطاليا ضرورات دفاعية وطنية تكمن في وجود خلافة إسلامية تحكم في السواحل المقابلة، لكننا نريد التنسيق مع آخرين في إطار نظام من الشرعية الدولية". هذه الجريمة جاءت أيضاً عشية وصول وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو دريان إلى القاهرة لتوقيع الاتفاق بشأن تزويد الجيش المصري بـ24 طائرة مقاتلة من طراز "رافال" ومنظومات عسكرية، في تطوّر يعزز المخاوف بشأن تمدد التنظيم التكفيري إلى الأراضي الليبية، وينذر بفتح جبهة جديدة أخرى ضد الإرهاب في شمال أفريقيا.

حدود الرّد العسكري المصري

الرّد المصري على الجريمة جاء سريعاً، وبالتنسيق مع الجيش الليبي، وفي إطار جهد دبلوماسي وفّر الغطاء القانوني لشن الضربات الجوية انطلاقاً من "حق الدفاع عن النفس" الذي كرّسته المواثيق الدولية، فبعد ساعات من نشر شريط الفيديو لجريمة ذبح المصريين الـ21 في ليبيا،  وجّه سلاح الجو المصري فجر الاثنين 16 شباط 2015ضربات، وصفت بـ"المركّزة"، استهدفت معسكرات التكفيريين في مدينة درنة، وقد أسهم هذا الرد السريع في استعادة هيبة الدولة المصرية، وعمودها الفقري الجيش المصري، آخذاً في الحسبان التعقيدات الأمنية والعسكرية، وأبرزها تجنب الانجرار إلى "حرب استنزاف" برية ضد الجماعات التكفيرية في هذا البلد الغارق في الفوضى، وتأمين الحدود الصحراوية الممتدة على ما يقرب من ألف كيلومتر، وضمان سلامة المصريين العاملين في ليبيا من أي عمل انتقامي.

وأصدرت القيادة العليا للقوات المسلحة المصرية بياناً جاء فيه: "تنفيذاً للقرارات الصادرة عن مجلس الدفاع الوطني، وارتباطاً بحق مصر في الدفاع عن أمن واستقرار شعبها العظيم، والقصاص والرد على الأعمال الإجرامية للعناصر والتنظيمات الإرهابية داخل وخارج البلاد، قامت قواتكم المسلحة فجر اليوم الاثنين الموافق 16/2/2015 بتوجيه ضربة جوية مركزة ضد معسكرات ومناطق تمركز وتدريب ومخازن أسلحة وذخائر تنظيم "داعش" الإرهابي في الأراضي الليبية.

ويجمع المحللون العسكريون المصريون على أن الضربات  الجوية المصرية ستستمر في ضرب معاقل تنظيم "داعش" في عدة مناطق في مدينة درنة، و على طول الحدود الليبية- المصرية التي تمتد إلى 1200 كيلومتر. وترافق مع الرّد العسكري المصري على مواقع تنظيم "داعش" في درنة، وتحليق الطائرات الحربية لعدة أيام في سماء ليبيا، وفي أجواء المنطقة الحدودية الغربية المفتوحة، تحرك دبلوماسي مصري من خلال توجه وزير الخارجية سامح شكري إلى نيويورك في النصف الثاني من شهر شباط الماضي، بتوجيه من الرئيس عبد الفتاح السيسي، لمطالبة الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي بإصدار بيان يشرعن التدخل الدولي في ليبيا تحت البند السابع، وهي دعوة أطلقها السيسي، وتعني في الواقع أمرين، أولهما أن السيسي يحاول خلق إطار قانوني وغطاء سياسي للعمل العسكري المصري داخل الأراضي الليبية. والثاني أن الغارات الجوية التي نفذها الجيش المصري لن تكون الأخيرة، وقد لا تكون أيضاً الأداة الوحيدة التي تتدخل من خلالها مصر في ليبيا ضد "داعش".

هذا الأمر يؤكده أستاذ العلوم الإستراتيجية في "أكاديمية ناصر العسكرية"اللواء نبيل فؤاد في حديث إلى جريدة "السفير" اللبنانية بتاريخ 18 شباط 2015 قائلاً: إن "الضربات الجوية لا تحسم حرباًً، ولكنها تمهد لتدخل على الأرض، وما قامت به مصر ضربة انتقامية لا تكفي للقضاء على داعش في ليبيا"، مشدداً على أن "القضاء على "داعش" لن يكون مهمة مصر وحدها". ويؤكد فؤاد أن "قيام مصر منفردة بالتدخل في ليبيا غير وارد، فالجبهة الشرقية لمصر(سيناء) مفتوحة، ونخوض فيها حرباً على الإرهاب، والجبهة الداخلية أيضا كذلك، وتالياً فإنّ جر مصر إلى جبهة ثالثة سيكون الهدف منه إضعافها ودفعها إلى صراعات إقليمية، مشدداً على أن "داعش" ليس تنظيماً محلياً بل أممياً، وتالياً فإن مواجهته يجب أن تكون أممية".

من الصعب جداً أن يقتنع مجلس الأمن الدولي بإصدار قرار دولي يسمح بالتدخل العسكري في ليبيا، استجابة لمطالبة مصرية ولاسيما أن هناك تباينات بين أطرافه الرئيسة، فالولايات المتحدة الأمريكية التي غزت العراق عسكرياً، هي من زرعت الفوضى الخلاقة في ذلك البلد العربي، وعممتها في بقية البلدان العربية، وما يهم الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية هو حرية تدفق النفط، وأمن الكيان الصهيوني، وتفتيت البلدان العربية الكبيرة كسورية والعراق، على أسس طائفية وعرقية، وما دامت الجماعات الإرهابية تقوم بهذه الوظيفة على أحسن وجه، فلماذا تدخل الولايات المتحدة في إستراتيجية دولية جديدة لمحاربة التنظيمات الإرهابية والتكفيرية في كل من العراق وسورية وليبيا وغيرها من البلدان العربية، بصرف النظر عن الغارات الجوية التي تنفذها الطائرات الأمريكية ضد مواقع "داعش" في كل من العراق وسورية؟!.

وقبل وصول تنظيم "داعش" إلى تهديد أربيل ومصالح شركات "شيفرون" "واكسون" و"توتال"، كانت الإستراتيجية التركية والغربية لا تزال قادرة على التعايش مع التنظيم في المنطقة، فمن الجانب الغربي، بدأ تقدم "داعش" يهدد استثمارات الثلاثي الغربي النفطي في إقليم كردستان، الذي تحوّل إلى لاعب أساس في العراق، كما بدا في تمرده على المركز العراقي، وعقده صفقات مع أربيل متجاهلاً بغداد على الرغم من تفوق نفط الجنوب على نفط الشمال كماً ونوعاً. ولا يشكل تقدم "داعش" وتهديده لاستمرار الإمدادات النفطية وحده دعوة للتدخل، بعيداً عن مزاعم "حماية الأيزيديين أو المسيحيين"، الذين لم يتحرك أحد لحمايتهم عند سقوط الموصل، بل إن الهدف الأوسع للتدخل هو حماية ما أنجزه الغزو الأمريكي منذ أكثر من10 أعوام، بضمان السيطرة على حوض الاحتياطي العراقي النفطي، الذي يضم ما يقارب 200 مليار برميل، من بينها 45 مليار برميل من الاحتياطي الكردي.

إضافة إلى كل ذلك هناك أطراف إقليمية نافذة تدعم تنظيم "داعش" مثل تركيا لحسابات تتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية التركية، فتنظيم"داعش"يعمل بصورة شبه علنية في الداخل التركي تجنيداً ومدداً نحو الأراضي السورية، دونما أدنى اعتراض من حرس الحدود التركي، وكانت مصادر كردية أكدت أن المئات من مقاتلي "داعش" تدفقوا عبر تركيا نحو الموصل، قبل يومين من "غزوة الموصل" مطلع حزيران2014.

من هنا كان من الصعوبة بمكان على وزير الخارجية المصري الذي شارك في المؤتمر الدولي الذي دعت إليه الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب عقب الهجوم على مقر مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية، أن يقنع مجلس الأمن باتخاذ قرار بالتدخل في ليبيا نظراً إلى التباين في وجهات النظر بين مصر وأطراف رئيسة في مجلس الأمن، وقد طالب وزير الخارجية المصري في ذلك المؤتمر بضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته في التصدي لإرهاب تنظيم "داعش".

وأشار شكري في مقابلة مع قناة "سكاي نيوز عربية" إلى أن مصر والجزائر تجريان تعاوناً وتنسيقاً حول الوضع الليبي، لافتاً إلى أن "التدخل العسكري البري مرحلة متقدمة من السابق لأوانه التحدث بشأنها، وأن الحوار السياسي هو المطروح، بما يضمن تشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا"، وشدد على أن العمليات العسكرية للجيش المصري في ليبيا تتم بالتنسيق مع الحكومة الشرعية هناك، مؤكداً أن "عمليات الجيش المصري في ليبيا متصلة بواقعة محددة".

يختلف الموقف المصري عن الموقف الأمريكي فيما يتعلق بتنظيم "الإخوان المسلمين" الذي لا تعده أمريكا تنظيماً إرهابياً، ولا تمانع في إعادة إدماجه في الحياة السياسية، وهو ما سينعكس بقوة في التعامل مع الوضع الليبي، وخاصة الموقف من المؤتمر الوطني الليبي الذي ستقاوم مصر بشدة إدماجه في أي حل للوضع الليبي بعكس أطراف أخرى، فالمؤتمر الوطني الليبي يؤكد أنه ضد الإرهاب، لكنه في واقع الأمر لا يقوم بدور حقيقي ضد الإرهاب، وتالياً لا يمكن عده الطرف القادر أو الراغب في مكافحة الإرهاب.

ضعف الموقف التونسي في محاربة الإرهاب

بينما كان التونسيون منشدين إلى الاضطرابات في الجنوب التونسي وتداعياتها على المشهد السياسي التونسي، فضلاًً عن متابعة التطورات في ليبيا بعد جريمة "داعش" ضد المصريين، شهدت تونس فجر يوم الأربعاء 18 شباط 2015، هجوماً إرهابياً من مجموعة مؤلفة من 20 إرهابياً، قرب مفترق بولعابة في محافظة القصرين الواقعة على الحدود التونسية- الجزائرية، واستهدف الهجوم سيارة للحرس الوطني، ما أدّى إلى استشهاد أربعة عناصر من الحرس الوطني، وتبنته "كتيبة عقبة بن نافع" التابعة إلى "تنظيم القاعدة في المغرب العربي الإسلامي". وعلى الرغم من أن هذه الكتيبة متمركزة في جبل الشعانبي المحاذي للحدود التونسية الجزائرية منذ نهاية عام 2012، فإن الجيش الوطني التونسي عجز بعد مرور ثلاث سنوات على القضاء عليها، ولاسيما أن الحصار المفروض على هذه المجموعة الإرهابية أجبر بعض العناصر الإرهابية على السطو على مساكن مدنيين في محافظة الكاف شمال غرب البلاد منذ بضعة أيام، للتزود بالمواد الغذائية، كما عمدت مجموعة مسلحة إلى خطف ثلاثة أشخاص في محافظة جندوبة، ولم تفرج عنهم إلا بعد مقايضتهم بمواد غذائية حسبما قال الأهالي.

لقد عاد موضوع محاربة الإرهاب في تونس إلى المربع الأول في النقاشات بين الأحزاب والنخب التونسية في الفضائيات التونسية، وكأن البلاد بعد كل ما عانته خلال السنوات الثلاث الماضية، لم تستطع أن تبلور إستراتيجية وطنية لمحاربة الإرهاب.

في تونس اليوم، نعيش في ظل غياب الإرادة السياسية لمحاربة الإرهاب، وهذا ما يشكل نقطة ضعف أساسية في عمل الحكومة الجديدة، فلكي نحارب الإرهاب بصورة جذرية علينا أن نضع رجلاً عسكرياً على رأس وزارة الدفاع التونسية، لكي يضطلع الجيش التونسي بدور طليعي في العمليات الحربية ضد الإرهاب، لأن الذي يفهم المؤسسة العسكرية هو المتخرج في داخل هذه المؤسسة، وهو القادر على استقطاب حتى العناصر العسكرية الكفوءة المتقاعدة لكي تقوم بواجبها الوطني في مكافحة الإرهاب، ولاسيما أن الجيش التونسي جيش جمهوري ويؤمن بقيم الجمهورية، ويرفض التورط في السياسية، ويعمل بدلالة مصلحة حماية الدولة التونسية، والوطن التونسي، لكنه ليس مجهزاً بما فيه الكفاية من وسائط عسكرية ولوجستية حديثة لكي يخوض غمار الحرب ضد الإرهاب.

كما أن محاربة الإرهاب تتطلب تطبيق قانون الإرهاب القديم المطبق منذ العام 2003، في انتظار صدور قانون الإرهاب الجديد من قبل البرلمان الجديد، وتقديم كل التونسيين المنتمين إلى التنظيمات الإرهابية مثل "داعش" و"أنصار الشريعة" والذين عادوا من سورية والعراق وليبيا إلى القضاء العسكري لمحاكمتهم لكونهم مرتكبي جرائم إرهابية يعاقب عليها القانون، وفضلاً عن ذلك تتطلب محاربة الإرهاب تحديد الأسباب الجذرية للإرهاب، التي تشمل الفقر المدقع والنظام والهيكل الاجتماعي غير العادل والفساد والاستغلال الشديد والتطرف الديني والتهميش الاقتصادي والاستلاب الثقافي نتيجة العولمة إضافة إلى الصراعات الإقليمية التي تستغل كذريعة للأعمال الإرهابية ولعمليات المنظمات الإرهابية.

تداعيات تمدد "داعش" على دول الجوار لليبيا

عانت ليبيا منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في 2011، صراعاً مسلحاً دموياً في أكثر من مدينة، ولاسيما طرابلس وبنغازي، بين كتائب مسلحة تتقاتل لبسط السيطرة، إلى جانب أزمة سياسية بين تيار محسوب على الليبراليين وآخر محسوب على الإسلاميين زادت حدته أخيراً، ما أفرز جناحين للسلطة في البلاد لكل منهما مؤسساته، الأول البرلمان في مدينة طبرق، ويحظى باعتراف دولي واسع حتى اليوم، على الرغم من صدور قرار من المحكمة العليا في طرابلس ببطلان الانتخابات التي أفضت إليه، وتنبثق عنه حكومة يقودها عبد الله الثاني. أما الجناح الثاني للسلطة، فيضم المؤتمر الوطني العام "البرلمان السابق الذي استأنف عقد جلساته أخيراً"، ومعه رئيس الحكومة المعلن من جانب واحد، عمر الحاسي، ورئيس أركان الجيش جاد الله العبيدي.

ولا تزال الحرب في ليبيا مشتعلة، وهي حرب ذات طابع سياسي وتنافس على السلطة إضافة إلى حرب قبلية، الأمر الذي يجعل إمكانية الوصول إلى حل سياسي في غاية الصعوبة.

ومن هنا ينبع خوف دول جوار ليبيا، ولاسيما تونس والجزائر من استمرار الحرب في ليبيا في ظل انعدام تسوية سياسية، إذ إن استمرار الصراع الأهلي على الوتيرة نفسها،يخدم مصلحة تمدّد "داعش" داخل الأراضي الليبية، ولاسيما أنه لا نية لحكومة طرابلس محاربة هذا الإرهاب التكفيري الوافد.. فتنظيم "داعش" يستقطب الآن أعداداً كبيرة من الشبان التونسيين والجزائريين من خلال شبكات التجنيد الناشطة في المناطق الجنوبية لكلا القطرين التونسي والجزائري، وهو يعمل لإيجاد موطئ قدم،مستفيداً من التوترات والأوضاع الأمنية الهشة في المثلث الليبي التونسي- الجزائري، ولاسيما أن البيئة في الجنوب التونسي والجزائري من الناحية الاجتماعية هشة جداً، وهو ما يتطلب مباشرة تحريات وتحقيقات معمقة لإحباط المخططات التي تستهدف زعزعة استقرار الجنوب التونسي والجزائري.

وليست هذه المرة الأولى التي يرتبط فيها المقاتلون في ليبيا بما يسمى "الدولة الإسلامية" أو "داعش" فقد سبق لتنظيم "أنصار الشريعة" في ليبيا، الذي صنفته الولايات المتحدة تنظيماً إرهابياً، إضافة إلى تنظيم جديد يسمى "مجلس شورى شباب الإسلام" في درنة أن بايعا "داعش"، ليذهب بعض الباحثين الأمريكيين إلى حد توصيف درنة بأنها "ولاية إسلامية" تابعة لـ"داعش"، إضافة إلى ولاية "سرت" الإسلامية الحديثة جداً. وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد نقلت عن مسؤولين في الاستخبارات الأمريكية تأكيدهم أن تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" يتوسع حالياً خارج قاعدته في العراق وسورية لإقامة ميليشيات تابعه له في أفغانستان والجزائر ومصر وليبيا، ما يزيد من احتمال اندلاع حرب دولية على الإرهاب.

وقالت الصحيفة الأمريكية في تقرير لها من واشنطن: إن مسؤولي الاستخبارات يقدرون حالياً عدد مقاتلي "داعش" في سورية والعراق بين 20 و31 ألفا، بينما قال أحد مسؤولي مكافحة الإرهاب الأمريكيين ـ والذي رفض الكشف عن هويته ـ إنه ربما ما لا يقل عن مائتي ألف من العناصر المتطرفة الأخرى أعلنوا عن بيعة غير رسمية لدعم التنظيم الإرهابي في دول مثل الأردن ولبنان والمملكة العربية السعودية وتونس واليمن، ويرجح مراقبون أن مئات من التونسيين ينشطون ضمن تنظيم "داعش" الإرهابي بحسب مصادر أمريكية.

وكان الجنرال فينسينت ستيوارت مدير وكالة الاستخبارات العسكرية الأمريكية قد صرح خلال الشهر الحالي، بأن تنظيم "داعش"بدأ في ترسيخ أقدامه بصورة متزايدة على الساحة الدولية وهو نفسه ما ردده نيكولاس راسموسين مدير مركز مكافحة الإرهاب الوطني الأمريكي خلال شهادته أمام الكونغرس في أواسط شهر شباط الماضي، غير أن الصحيفة أشارت إلى أنه من غير الواضح مدى فاعلية تلك الجماعات أو إلى أي مدى يمكن اعتبار الانضمام إلى "داعش" محاولة انتهازية من جانب العناصر المتشددة لإعادة تصنيف أنفسهم على أمل ضم عناصر جديدة مستغلين سُمعة مثل ذلك التنظيم الإرهابي.

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز، أن تنظيم "داعش" بدأ يحصل على البيعة من جماعات وأفراد مقاتلة بعد أن أعلن عن إقامة الخلافة في حزيران 2014. ويقول محللون في مجال مكافحة الإرهاب: إن "داعش" يستغل الأسلوب التنظيمي "للقاعدة" في التوسع الجغرافي، ولكن من دون عملية التطبيق التي استغرقت عدة سنوات. ويشير ستيفن ستالينسكي المدير التنفيذي لمعهد البحوث الإعلامية في الشرق الأوسط، والذي يراقب وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية الناطقة باللغة العربية، إلى أن الفصائل التي كانت في وقت ما جزءاً من تنظيم القاعدة والتي كانت تابعة له، وكذلك الجماعات الموالية له أو كانت تتبع نهجه بشكل ما انتقلت إلى ما قد عدته الجماعة الفائزة.

وذكر مسؤولون غربيون اطلعوا على تقارير استخبارية سرية أن جماعة أنصار بيت المقدس في سيناء أرسلت مبعوثين لتنظيم "داعش" في سورية العام الماضي، يطلبون دعماً مالياً وأسلحة ومشورة تكتيكية، وكذلك أساليب الدعاية والتجنيد تحت اسم "داعش". وتقول الصحيفة: إن جماعة أنصار بيت المقدس تبنت طرق العقاب التي ترجع إلى العصور الوسطى والتي ينتهجها "داعش" مثل الذبح حتى قبل الإدماج الرسمي، وعقب إعلان سيناء ولاية تابعة لـ"داعش" في نوفمبر الماضي، أعلنت جماعة "أنصار بيت المقدس" مسؤوليتها عن هجمات بدأت تأخذ شكلاً أكثر تعقيداً ودموية تشبه عمليات التنظيم الأم. وتضيف الصحيفة: إن تنظيم ولاية سيناء ركز على القوات الأمنية المصرية، وذلك على عكس تنظيم "داعش" في سورية والعراق.

حضور"داعش" في ليبيا وتعميم "الفوضى الخلاقة"

في ظل تمدد تنظيم "داعش" في ليبيا المجاورة، أصبح الخطر الإرهابي على الحدود الجنوبية لتونس قوياً، لاسيما أن تنظيم "داعش" يعتمد على المقاتلين التونسيين في ليبيا، والجهاديين الذين عادوا من سوريا. وعلى الرغم من أن تونس تعتبر الدولة الوحيدة الناجحة من دول "الربيع العربي" في عملية الانتقال الديمقراطي، فإنها في الوقت عينه أصبحت البلد العربي الأول المصدر للإرهابيين  لما يسمى "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام"، عبر عملية تسفير الجهاديين التونسيين إلى سوريا والعراق عن طريق ليبيا التي تحولت إلى محطة للتدرب في معسكرات القتال بعد أن يتم استقطابهم على يد إرهابيين تونسيين يعملون لمصلحة تنظيم "داعش"، ثم يتوجهون بعد إتمام تدريبهم إلى القتال في سوريا عبر البوابة التركية.

ولكن اليوم ونظراً إلى الضربات الموجعة التي يتلقاها تنظيم "داعش" في سوريا والعراق، فإن إمكانية التوجه للقتال في سوريا لم يعد أمراً يسيراً كما كان سابقاً. لذا فإنه وللمرة الأولى بدأ التنظيم الجهادي يستقطب مقاتلين ليس لإرسالهم إلى سوريا والعراق كما عهد ذلك وإنما للجهاد في ليبيا، حيث تمكن "تنظيم الدولة الإسلامية" من إرساء خلافته فيها مؤخراً، عبر سيطرته على مدينة سرت الساحلية، وتنفيذ جريمته الوحشية بحق الـ21 قبطياً مصرياً ذبحاً على الشاطئ.

ليبيا أصبحت دولة فاشلة بكل معنى الكلمة، منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في 2011، وفي ظل هذا الوضع، لا توجه طائرات التحالف الدولي ضربات جوية ضد تنظيم "داعش" على غرار ما هو حاصل في كل من العراق و سوريا، و في ليبيا لا يوجد مقاتلون أكراد أقوياء يدعمهم أجانب، وليبيا دولة كبيرة من حيث المساحة الجغرافية، وهي غابة كبيرة للأسلحة إذ يوجد فيها قرابة 42 مليون قطعة سلاح، وهي كلها عوامل تشجع الجهاديين من كل البلدان المغاربية والساحل الإفريقي على التوجه إليها. فالرحلة إلى ليبيا قريبة والسفر للقتال فيها أسهل من التوجه إلى سوريا والعراق خاصة بعد أن شددت الحكومة التونسية الخناق على أولئك المسافرين أو القادمين من تركيا التي تعد البوابة الرئيسية للتوجه إلى سوريا. وتتحدث مراكز الأبحاث الأمريكية المعنية بشؤون المغرب العربي، عن أن هناك نحو 1000 تونسي توجهوا إلى "درنة" الليبية. وهي المدينة التي يتركز فيها حضور تنظيم "الدولة الإسلامية - داعش" بشكل كبير وقبل أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم "الدولة الإسلامية" مبايعة المقاتلين فيها.

يقول الباحث في المجلس الأطلسي وهو مركز بحث وتفكير في واشنطن كريم مزران أن علاقة تنظيم "داعش" بتونس  تعود إلى سنة 2013 وتستند بالأساس إلى اسم طارق بن الطاهر بن الفالح الحرزي والذي تمت إضافته إلى قائمة الإرهاب الأمريكية في سنة  2014. وقد كان من أوائل الإرهابيين الأجانب الذين انضموا إلى "داعش" وعرف بأنه "أمير المفجرين الانتحاريين" وهو المكلف بعمليات تنظيم "داعش" خارج الخلافة المعلنة في سوريا والعراق حسب وزارة الخزانة الأمريكية. وقد كانت مهمته الرئيسية استقطاب إرهابيين أجانب من شمال إفريقيا وأوروبا للتوجه للقتال في سوريا والعراق.

كانت إستراتيجية تنظيم "داعش" في البداية تتمثل في التحالف مع الجهاديين المحليين الذين يمكن أن يقوموا باستقطاب مقاتلين للتوجه إلى سوريا ولكن مع تزايد الضربات الجوية في سوريا والعراق واحتداد شدة الحرب في ليبيا، غير تنظيم "داعش" من إستراتيجيته، وبات يرى في ليبيا بأنها أصبحت الوجهة الجديدة للجهاديين التونسيين والليبيين والجزائريين العائدين من سوريا، لكي يزج بهم في المعارك ضد قوات خليفة حفتر.

من الصعب جداً أن يقتنع مجلس الأمن الدولي بإصدار قرار دولي يسمح بالتدخل العسكري في ليبيا، لاسيما أن هناك تباينات بين أطرافه الرئيسة. فالولايات المتحدة الأمريكية التي غزت عسكرياً العراق، هي من زرعت "الفوضى الخلاقة" في ذلك البلد العربي، وعممتها في باقي البلدان العربية، وما يهم الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية هي حرية تدفق النفط، وأمن الكيان الصهيوني، وتفتيت البلدان العربية الكبيرة كسورية والعراق، على أسس طائفية وعرقية، ومادامت الجماعات الإرهابية تقوم بهذا الوظيفة على أحسن وجه، فلماذا تدخل الولايات المتحدة في إستراتيجية دولية جديدة لمحاربة التنظيمات الإرهابية والتكفيرية في كل من العراق، وسورية، وليبيا، وغيرها من البلدان العربية، بصرف النظر عن الغارات الجوية التي تنفذها الطائرات الأمريكية ضد مواقع "داعش" في كل من العراق وسوريا.

وبعيداً عن الجانب الإنساني الدرامي في تعاقب مسلسل جرائم المليشيات المسلحة والعصابات الإجرامية في عدد من الدول العربية والإسلامية وعلى ٍرأسها ليبيا وسوريا والعراق واليمن، حيث تبخر حلم ملايين المدنيين العرب الذين شاركوا فيما بات يعرف في الخطاب السياسي بـ"ثورات الربيع العربي" لعام 2011، فإن كذبة حروب "التحرير" أصبحت مكشوفة للجميع، منذ "الحرب العراقية الإيرانية" وحرب "تحرير أفغانستان من السوفييت" في الثمانينات، وأخيراً حرب "تحرير ليبيا" بواسطة تدخل حلف شمال الأطلسي.

لقد كشفت دراسات إستراتيجية أمريكية وأوروبية ومعمقة أن "لوبيات" و"مافيات" دولية وإقليمية عديدة تتحرك منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008/2009 لتصدير أزماتها إلى "العالم الثالث" ولاسيما إلى "العالم العربي والإسلامي" الغني بموارده النفطية، والضعيف في الوقت عينه بسبب تمزقه بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.. وتؤكد التقارير الاقتصادية الغربية ذاتها أن مؤسسات أوروبية وأمريكية وأسيوية عملاقة تتاجر بالنفط العربي والإسلامي منذ الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات، وحرب الخليج الثانية في عام 1991.

وبعد حرب احتلال بغداد في 2003 ثم تأجيج حرب أهلية داخله ثم في سوريا وصولاً إلى اليمن وليبيا تنوعت "مافيات" التهريب الدولي للمحروقات وغيرها من البضائع ـ وبينها المخدرات ـ عبر ميليشيات مسلحة ترفع يافطات "ديمقراطية تقدمية" حينا وشعارات دينية وقومية حينا آخر.. مثلما هو الأمر بالنسبة لعصابات "داعش" وحلفائها.. والمافيات التي احتلت اليمن العظيم منذ أيلول/ سبتمبر الماضي.. أو الجماعات "التكفيرية" التي تقتل شهريا آلاف الأبرياء في العراق وسوريا ولبنان وليبيا ومصر والسودان وباكستان وإيران.. الخ.   

اعلى الصفحة