محاولة للفهم!!...
متى تتخلص بلادنا من الأخطار المحدقة.

السنة الرابعة عشر ـ العدد 160 ـ (حمادى الثانية 1436 هـ) نيسان ـ 2015 م)

بقلم: د. كمال الهلباوى.

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

تحيط ببلدان العالم العربي والإسلامي عموماً أخطار شديدة، منها ما هو حال أي عاجل الخطر، ومنها ما هو مثل السم، الذي يعمل ببطء في الجسم حتى يقتله. بعض الأخطار حقيقي، وبعضها متوهم، مثل الظن بأننا لا نستطيع أن نخرج من هذه التحديات وأنها قدر. صحيح هي من قدرنا، ولكننا يجب أن نهرب من القدر إلى قدر أفضل أو أجمل، ولا نستسلم إلا بعد أن تعيينا الحيل.

من الأخطار الملحة والأكيدة خطر الداعشية وخاصة عندما تتسع جغرافيا فيصعب محاصرتها، وإذا كانت داعش قد استطاعت، بفشل كثير من الأنظمة والحكام وتسلطهم وتجبرهم بل وإجرامهم وخصوصاً في سوريا والعراق، استطاعت، أن تستولي على مساحة كبيرة من الأرض تنطلق منها لنشر الخراب والتدمير، وذلك استفادة من أخطاء الحكام على مدى سنوات طويلة، فإنها بكل تأكيد تزداد خطراً وتدميراً، عندما تنتشر في بعض البلدان الإفريقية مثل نيجيريا لطبيعتها الجغرافية، وجهلها بالإسلام الصحيح، وخصوصاً بعد بيعة بوكو حرام لداعش، وبعد حصولهم على مزيد من العمق الاستراتيجي.

يستطيع الفنانون أن يغنوا إبرازاً للخطر: من شيكو إلى البغدادي، يا قلبي لا تحزن. ضمن إستراتيجية دور الأدب والثقافة والفن في محاربة الإرهاب. شيكو هنا هو أبو بكر شيكو، زعيم بوكو حرام الذي بايع مؤخراً أبا بكر البغدادي، وليتهما يقرأون سيرة سيدنا أبو بكر الصديق الذي يحملان اسمه، ولا يمارسان شيئاً من أخلاقه العظيمة وسماحته التي تغنى بها التراث ، تلك الاخلاق زانت التراث الإسلامي، وذكره القرآن في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾

ومن الأخطار المحدقة بالأمة والتي تستجيب لها فئات وجماعات معينة باسم الدين، فتنة الطائفية، سواء أكانت بين مسلمين وغيرهم من المواطنين من أصحاب الأديان الأخرى، وقد سعى الدستور المصري الجديد إلى تمهيد التربية في مصر للتخلص من أسباب هذه الفتنة، فحقق بذلك المساواة الكاملة بين المواطنين، وهناك اليوم  فتنة الطائفية المذهبية بين السنة والشيعة، وهي من أخطر الفتن التي قد تتحول إلى صراع أو حروب في المنطقة لا يستفيد منها إلا الغرب وإسرائيل، وهناك من وراء هذه الفتنة مخططات وأموال وقنوات تلفاز وصحف وجرائد وغيرها من أدوات الإعلام الهدامة.

وقد فطن اثنان من كبار العلماء المعاصرين رحمهما الله تعالى إلى خطورة هذه الفتنة، أحدهما الشيخ محمد الغزالي الذي كتب في صفحة 33 من كتيبه بعنوان "مع الله" يقول عن هذه الفتنة "هناك خلافات علمية، ومذهبية، حفرت فجوات عميقة بين المسلمين، وقطعتهم في الأرض أمماً متدابرة، وهم في واقع أمرهم وطبيعة دينهم أمة واحدة".                

والدارس لهذه الخلافات يتكشّف له على عجل أنها افتعلت افتعالاً، وبولغ في استبقاء آثارها وتفتيق جراحاتها، بل في نقل حزازات شخصية، أو نزعات قبلية إلى ميدان العقيدة والتشريع، وذاك ما لا يجوز بقاؤه إن جاز ابتداؤه.                              

وكلما زادت حصيلة العلم الديني، وتوفرت مواد الدراسة الصحيحة انكمشت الخلافات، واتحدت الأمة الإسلامية منهجاً وهدفاً".                           

ويستمر الشيخ الغزالي في كلامه القيم ذلك في الكتاب فيقول: "ولذلك نحن نرى التقريب بين هذه المذاهب فرضاً لا بد من أدائه، وأخذ الأجيال الجديدة به. كما نرى ضرورة إحسان النظر في دراسة التاريخ الإسلامي، وتنقيته من الشوائب التي تعكر صفاءه".                                                            

أما العالم الآخر فهو الدكتور/ محمد رشاد سالم/ أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر ثم بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، والذي كتب في صفحة 94 من مقدمته لكتاب: منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية- الجزء الأول لابن تيميه رحمه الله تعالى، وهو يحققه، كتب كلاماً نفيساً، على الرغم من أن البيئة لم تكن تحتمل ما.

فقد كتب في المقدمة: "وقد قامت جماعة تقول بوجوب التقريب بين المذاهب الإسلامية، وعدم جواز التعرض للخلافات بين الفرق الإسلامية المختلفة ،حتى نحافظ بذلك على وحدة الصف بين جميع المسلمين ،وعلى هذا الرأي يكون نشر كتاب مثل (منهاج السنة) فيه نقد لمذهب الشيعة والمعتزلة ،مما يزيد الخلاف ويشيع الفرقة، وهو ما يجب أن نعمل على تلافيه وتجنبه".                                                                

ثم يواصل الدكتور الجليل محمد رشاد سالم فيقول: ولا ريب أن اتحاد المسلمين واجتماع كلمتهم، هو ما يجب أن يسعى إليه جاهداً كل مسلم غيور على دينه مخلص لعقيدته،على أن هذا الاتحاد يجب أن يكون على الحق لا على الباطل، وعلى أساس التمسك بالكتاب والسنة، كما أمرنا الله تعالى بذلك في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾(آل عمران 103)، وحبل الله هو كتاب الله.

هذا عالمان جليلان أولهما، وهو الشيخ محمد الغزالي، كان إخوانياً حتى النخاع، ثم فصل من الإخوان على أثر خلاف على قيادة الجماعة في أول الخمسينيات، ولكن ظل داعية كريما طول عمره، وعالما جريئا له رؤية واضحة، وإسهام وبصمات ظاهرة حتى اليوم، بل إنه حاول الاستدراك على رسائل الإمام البنا، ليعلم الإخوان السعي للإضافة والتجديد دائماً، حتى بشأن الرسائل، والعالم الثاني هو الدكتور محمد رشاد سالم وهو أيضاً عالم مصري مرموق، يفهم السلفية فهماً جيداً، وطالما درس علوم العقيدة في الأزهر وغيرها من الجامعات، ولكنه كان مستنيراً ويستخدم العقل في النقل، ولا يقبل النقل الذي يلغى العقل أو ينحيه جانباً.

هذا العالمان الجليلان كانا دائماً ينبهان، على خطورة الفتنة الطائفية المذهبية بين السنة والشيعة، في حين أن آخرين، للأسف الشديد من العلماء وما أكثرهم وما أقل العقلاء وأهل الحكمة -  وقعوا في المحظور، وشاركوا بفتاوى شاذة أو دعم قنوات أو برامج في الجانبين (المذهبين) لصب الزيت على النار، ما زاد الطين بلة. ولا يزال هذا قائماً، ولا يستفيد في النهاية من هذه الفتن إلا أعداء الأمة.

بعضهم يسب ويكره أهل التشيع أكثر من اليهود المحتلين لبلادنا، وأكثر من الأمريكان، بل أنهم مستعدون لقبول الاحتلال الأمريكي والهيمنة الأمريكية والقواعد العسكرية الغربية، ولا يقبلون التعاون مع إيران "الشيعة" أو الاستفادة مما تقدموا فيه، وخصوصاً البرنامج النووي، أو خروجهم من الحصار الظالم عليهم في إيران، وتحملهم الصعاب والتهديدات في سبيل ذلك.

هناك فتاوى منها فتوى المرشد الخامنئي بتحريم سب الصحابة وأم المؤمنين عائشة، ولكن بعضهم من أهل السنة يتجاهلون تلك الفتوى، ويسيرون في طريق مشوه ومظلم حتى تكتمل الفتنة، ويشتد الصراع أو الحرب الإقليمية في المنطقة، حرب المحاور، وخصوصاً بعد تدهور الأوضاع في العراق سوريا واليمن، وبعد بروز قوة حزب الله في لبنان، ونجاحه في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي التي اعتبرها بعض أهل السنة من المسؤولين "مغامرة غير محسوبة العواقب"، والحمد لله تعالى أن وقف حزب الله اللبناني ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وإلا رأينا الاحتلال في شمال لبنان.

دعونا ندعو الجميع إلى احترام الاختلاف المذهبي، ووضع أسس إستراتيجية عامة لا يتجاوزها أحد الطرفين وهذا يتطلب الحوار المستمر، وبذلك نتجنب الحرب الإقليمية أو الصراع الإقليمي المتوقع وكذلك الفتنة المذهبية، ونتجنب تدمير بلادنا بأيدينا، وبالسلاح المنتج محلياً أو المستورد، حيث لا يستفيد من ذلك إلا أعداء الأمة. والله الموفق.  

اعلى الصفحة