الوحدة الإسلاميّة: مصلحةٌ أم منهج حياة؟

السنة الرابعة عشر ـ العدد 160 ـ (حمادى الثانية 1436 هـ) نيسان ـ 2015 م)

بقلم: السيد جعفر محمد حسين فضل الله

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

ثمّة مقاربات متعدِّدة لمفهوم "الوحدة الإسلاميَّة" الّتي رفعت كشعارٍ ينادي به الجميع، في الوقت الّذي نعتقد أنّه مفهوم ملتبس، سواء في طبيعته، أو في الخلفيَّات الّتي تؤثّر في حركته في أرض الواقع.

وقد نجد أمامنا هنا ثلاث مقاربات:

الأولى: أنَّ الوحدة الإسلاميَّة تعني أن يتنازل كلُّ طرفٍ من طرفي الوحدة، أو أطرافها، عن بعض معتقداته وقناعاته، ليلتقي الطّرفان، أو الأطراف، عند خطٍّ وسطٍ، بعد أن يترك كلُّ طرفٍ ما لا يعجب الآخرَ أو ما يتحسَّسُ منه أو يتناقضُ مع ثوابته، وهذا الخطّ الوسط يمثِّل الأمور المجمع عليها بين الجميع.

الثانية: أنَّ الوحدة الإسلاميَّة تقوم على أساس أن يتنازل طرفٌ معيَّن لمصلحة طرفٍ آخر، باعتبار أنَّ هذا الطّرف الآخر يمثِّل الأكثريَّة العدديَّة، أو الأقوى فاعليّةً، أو أنّه أعطى لنفسه عنوان الممثّل للإسلام في مقابل من "افترق" و"شذّ".

الثالثة: أنّ الوحدة الإسلاميّة هي خيارٌ مصلحيّ بحتٌ، تفرضه الظّروف الموضوعيّة السياسيّة الضاغطة، وذلك عندما يشعر الطرفان، أو الأطراف، بضرورة التلاقي والتقارب؛ لأنّ عدم التقارب يعرِّضُ الجميع للخطر، بحيث لولا الخطرُ والتحدّي الخارجيّ، لما كانت الوحدة الإسلاميّة خياراً.

ولكنَّنا لا نستطيع أن نوافق على أيٍّ من المقاربات الثّلاث المتقدِّمة، وذلك لما يلي:

أمَّا المقاربة الأولى، وهي تنازل كلّ طرفٍ عن بعض معتقداته وقناعاته، فهي تؤدّي إلى أن يغيّر الإنسان من هويّته من دون أيِّ مبرّر علمي، ومن المعلوم أنَّ القناعات لا يمكن تبديلها إلا بأن يتمّ البرهنة على خطأ القناعة السابقة، وعلى صحّة قناعة جديدة. الأمرُ هنا في ميزان العقل يحصل في شكلٍ قهريّ، عندما تقدَّم إليه البراهين والأدلّة. وعليه، فما لم يقم دليلٌ على فساد قناعةٍ وصحّة أخرى، فلن يتغيّر شيءٌ في واقع قناعات الإنسان، وإن أظهر خلافه؛ بل إنّ هذا الإظهار والإعلان سيكون لونًا من ألوان الجحود، كما أشار إلى ذلك تعالى بقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا واسْتَيْقنَتْها أَنْفُسُهُم﴾(1).

إنّنا بكلّ بساطة نؤسِّس هنا لشرعنة النّفاق باسم الوحدة الإسلاميَّة. والنّفاق ـ فضلاً عن كونه أحطّ من الكفر نفسه(2)ـ يتحرّك ضدّ توازن الشخصيّة وعلاقاتها مع الآخرين؛ لأنّ أيّ علاقةٍ بين طرفين، إنّما تحقِّق تفاعلها الممكن على أساس الصّدق، فكلّ شخصٍ يبرز بما هو للآخر، وعندئذٍ تُصاغ العلاقة على أساس الاحترام المتبادل. كما أنَّ هذه المقاربة تضرب أبسط قواعد المنهج العلميّ الّذي لا يقبل ولا يرفض أيَّ فكرةٍ إلا بدليل؛ بل قد نرى أنّها تشكِّل مانعًا من التطوّر، وعائقًا أمام تكامل العلوم وإبداعها.

وأمّا المقاربة الثانية، فهي ترجع إلى تضييق دائرة الإسلام إلى حدود المذهب أو الرأي، وافتراض الحقيقة المطلقة في صفّ هذا المذهب أو ذاك الرأي، وهو أمرٌ يتناقض مع مبدأ الاجتهاد الّذي قد يخطئ وقد يصيبُ؛ الأمر الّذي يفترض نسبيَّة المعرفة بالإسلام، بحيث تمثِّل أفكار كلّ طرفٍ أو مذهبٍ أو مجتهدٍ قناعته بالإسلام، وقناعة الإنسان تبرِّر له أن يسير وفقها، ويُعذَر إلى الله في أعماله حينئذٍ، ولكنَّها لا تعني أنّها مصيبةٌ حتمًا للإسلام كما شرّعه الله، أو كما بلّغه رسولُه(ص).

وهذا الأمر يبدو بديهيّاً جدّاً عندما نرى اختلاف الاجتهادات بين أتباع المذاهب، ونعلم سلفاً أنَّ شرع الله واحدٌ، وأنَّ الدِّين لا يتعدّد بتعدّد الآراء أو التفاسير؛ بل قد رأينا أنّ الصحابة أنفسهم قد اختلفوا في ما نقلوه عن فعل رسولِ الله أو قوله أو تقريره.

وأيًّا يكن الأمر، فإنّ هذه المقاربة قد تعزّز روح الاستكبار المعرفي لدى كلّ فريقٍ من المسلمين؛ إذ إنّ المسألة لا تقاس بالكثرة العدديّة، ولا بالقوّة المادّية، وإنّما من خلال روح العلم الّذي له معاييره الدّقيقة، والتي لا علاقة لها بالأطُر والعناوين العامّة، بل هي مسألة تفصيليّة، فقد يكون في الإطار أو في العنوان الواحد فكرةٌ خطأ، وإلى جانبها فكرة صائبةٌ؛ وهكذا.

أمَّا المقاربة الثالثة، فهي غير منسجمةٍ مع وجود المشتركات الكثيرة بين المذاهب الإسلاميَّة، لا على مستوى الأصول المرجعيَّة (القرآن والسُّنَّة) والقواعد الفقهيَّة العامَّة فحسب، وإنّما في قضايا الدّين والشريعة التفصيليّة، حتّى ذكر المحقّقون أنَّ أغلب الأحاديث الشّريفة في تفاصيل الفقه تمثّل مشتركاتٍ، ولا تجد رأيًا لهذا المذهب إلّا وتجد في أتباع المذهب الآخر موافقًا له؛ الأمر الذي يؤكّد أنّ البنية الإسلاميّة هي بنية تأسيسيّة للوحدة بين المسلمين، ولا تتوقّف على وجود عاملٍ خارجيّ يفرض الوحدة من خارج.

لقد قيل إنّه عندما فقد الأوروبّيون وحدة المسيحيّة الرابطة بين الكيانات السياسيّة نتيجة الفصل بين الدّين والدولة ومؤسَّساتها، مسَّت الحاجة لديهم إلى عاملٍ خارجيّ يتوحَّدون حوله، وهذا ما يفسِّر حاجتهم الدّائمة إلى العدوّ المشترك، فكان معسكر الشَّرق سابقاً، ثمّ العالم الإسلاميّ لاحقاً، أو هما معاً، هو العدوّ المفترض لحلف "الناتو" في المرحلة الزمنيّة التي نعيش فيها.

كمسلمين، لسنا في حاجةٍ إلى مثل هذا العدوّ المشترك، إلا عندما تفقد العناصر الداخليَّة فاعليَّتها، عبر إدخالها في سباتٍ بسبب العصبيَّات الّتي تفرّغ الانتماءات من مضمونها القيمي، لتصبح هي القيم في حدِّ ذاتها، وبذلك تبدو دوائر الانتماءات المذهبيَّة مثلاً بلا قواسم مشتركة من النّاحية العمليّة، ما يفرض الحاجة إلى التَّفكير في عاملٍ خارجيّ يقي المسلمين شرّ الانقسامات العصبيَّة الّتي تمثِّل البيئة الخصبة للفتن والحروب الدّاخليّة.

هذا كلّه مضاف إلى أنّ هذه المقاربة تؤدِّي إلى نوعٍ من الازدواجيّة في حركة الإنسان وتعبيره عن ذاته، بين إطاره الّذي ينتمي إليه، في مقابل الإطار العام الّذي يجمعه مع الإنسان الآخر، فيبدو في الخارج وحدويّاً منفتحاً محترِماً للآخرين، ويمارس ما هو ضدَّ ذلك عندما يرجع إلى قومه وجماعته؛ وهذا لا نحسبه منسجماً مع روح الإسلام الّذي أراد للإنسان المسلم أن يكون متجانساً في خطابه بين الدّاخل والخارج.

أمام هذه المقاربات، نحسبُ أنَّ من الضّروريّ التّفكير الجادّ في مقاربة أخرى، تقوم على عدّة نقاط:

أوّلاً: ليس من انتماءٍ أو تسميةٍ إلا ما سمّانا به القرآن الكريم: "مسلمون"، قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ﴾(3). وإذا كان هذا الأمر يتطلَّب تعريفاً موحَّداً للإسلام، فالمسلمون بشتّى مذاهبهم، متَّفقون على أنَّ الإسلام عبارة عن شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله. وأمَّا التّكفير الّذي تعتمده بعض المذاهب تجاه بعضٍ، فهو في النتيجة اجتهاديّ؛ لأنّه تكفيرٌ للآخر استناداً إلى ما هي قناعة الأنا أو النّحن، كجماعةٍ مذهبيّة. فما لم يرجع في التزام الإنسان إلى تكذيبٍ لإحدى الشّهادتين الآنفتين، فإنَّ من غير الصحيح إخراجه من دائرة الانتماء إلى الإسلام.

ثانياً: إنَّ الانتماء إلى الإسلام يعني تفعيل دائرة الأصول الأساسيَّة له، وخصوصاً في الجانب المعياري، ذلك أنَّ القرآن الكريم يمثّل المرجعيّة المعصومة على المستوى النّظريّ، وهي المرجعيّة التي تحكم تصوّرات المسلم، وتصوغ له مفاهيمه عن الحياة، وتشرّع له الأحكام التي تضبط سلوكيّاته في كلِّ أوضاعه، وبذلك ينبغي الرّجوع إليه لبناء مجتمعٍ قرآنيّ، يؤسِّس نظرته إلى نفسه بعيدًا عن الاستكبار المعرفيّ، على قاعدة ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾(4)، وإلى الاختلاف مع الآخرين على أنَّه أمرٌ طبيعيّ، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾(5)، وعلى أساس "الكلمة السّواء"(6)  و"الردّ إلى الله والرَّسول"(7)، إلى غير ذلك من قواعد، تؤكِّد أنَّ الوحدة الإسلاميَّة نابعة من أصل الانتماء إلى الإسلام، وليست أمراً طارئاً مرتبطاً بعوامل خارجيّة عنه.

ثالثاً: إذا كان الأصل هو الانتماء إلى الإسلام، فإنّ هذا الأمر ليس شيئاً تجريديّاً، بل لا بدّ من أن يأخذ مكانه على أرض الواقع، بحيث تنظر كلّ ذاتٍ مذهبيّة إلى نفسها على أنّها وجهة نظر في فهم الإسلام، وإلى ذات الآخر المذهبيَّة على أنّها وجهة نظر أخرى، وإذا كانت قناعتي بصوابيَّة ما أنا عليه تبرّر لي السّير وفقها، فإنَّ قناعة الآخرين تبرّر لهم السّير وفق ما هم عليه، والحركة الصّحيحة هنا هي الحوار، سواء بهدف عرض كلّ طرفٍ ما عنده للآخر، أو بهدف إقناعه بوجهة النظر؛ لا ضير!.

إنَّ انفتاح المجال الإسلاميّ من النَّاحية المذهبيَّة الثقافيَّة، يفتح الطّريق أمام اختبار التنوّع في الوحدة، ويجعل من الاختلافات عنصر غنًى لهذا المجال، بحيث تؤدِّي إلى تراكم المعرفة، بعد أن يجد كلّ طرفٍ أنّه ملزمٌ بأن يفكّر في أفكاره وأفكار الآخرين، وأن يناقش أفكار الآخرين، وينفتح ـ في الوقت نفسه ـ على مناقشتهم لأفكاره، كما يريد منهم أن ينفتحوا على مناقشته لأفكارهم.

رابعاً: إزاء كلِّ ذلك، يبدو أنَّ الوحدة الإسلاميَّة عبارةٌ عن منهج حياةٍ أكثر من كونه فكرةً أو قضيّة مجرَّدة. هذا المنهج يقتضي تفعيل الإحساس بالمشتركات ضمن الإطار العامّ الّذي ننتمي إليه، وهو الإسلام، وإلى جانب ذلك، تبقى عينٌ على المختلَف عليه، ليمثّل خصوصيّة كلّ إنسانٍ أو فريقٍ، وليكون أيضاً حافزاً للحوار والتّعارف(8)؛ الأمر الذي يرفع الصّراع من صراع المذاهب، إلى صراع الأفكار والآراء؛ ويجعل الهدف هو عزّة الإسلام، لا عزّة المذهب بعيداً عن الإسلام، وفي هذا، قد تلتقي الجهود لدى المختلفين جميعاً.

إذا كانت الوحدة منهج حياةٍ، فهي بذلك ليست خياراً مصلحيّاً، ولا تقتضي تنازل أيّ من الأطراف عن قناعاته بما عليه الإسلام؛ بل هي جزءٌ من حقيقة الانتماء إلى الإسلام، ولذلك يمكن اعتبار الوحدة الإسلاميَّة على أنّها جزءٌ من تعاليم الإسلام، أو جزءٌ من أحكامه الشرعيّة؛ ما يفرض التعامل معها على هذا الأساس.

ومن الواضح أنَّ هذا المسار طويلٌ، وطويلٌ جدًّا، ولعلّ التحدّيات لا تنتظر ريثما يعي الجميع مسؤوليّة الالتزام بالإسلام، ولذلك، لا مانع من أن نفكّر جدّيّاً في عاملٍ خارجيّ تتوحّد الأمّة ضدّه، وهو المتمثّل دومًا بكيان العدوّ الصهيوني، ولكنّ هذا الأمر ـ مع الأسف ـ قد غابَ عن التّفاعل الوجداني لمجموع الأمَّة، وأصبح ـ بالتالي ـ وجهة نظرٍ، وإذا غاب العامل الخارجيّ للوحدة، فعندئذٍ، لا بدَّ من قاصمةٍ تهزّ الوجدان الإسلاميّ ليستيقظ من جديدٍ؛ ولعلّ ما نشهده اليوم من موجة إجرامٍ باسم الإسلام، ومن انسياقٍ لقسمٍ من الأمَّة وراء مخطّطات المستكبرين لضرب الإسلام والمسلمين جميعًا، أدركوا ذلك أم لم يُدركوا، قد يكون ذلك هو الزّلزال الذي يجعلنا أمام مفترق طرق؛ إمَّا أن نتوحَّد، وفي ذلك كسبٌ لموقع الإسلام القويّ، وحقنٌ للدّماء الزكيّة، وإمَّا أن نخسر أنفسنا وكلَّ تاريخنا ومستقبلنا؛ والله من وراء القصد.

هوامش

1- سورة النّمل، الآية 14.

2- كما أشار إلى ذلك تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾[سورة النساء، الآية 145].

3- سورة الحجّ، الآية 78.

4- سورة النجم، الآية 32.

5- سورة هود، الآية 118.

6- ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64]، فالمسلمون أولى بذلك مع شدّة تقاربهم.

7- سورة النساء، الآية 59.

8- وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾[سورة الحجّ، الآية 13]. 

اعلى الصفحة