إسرائيل و"محور المقاومة": معادلات الردع الجديدة!

السنة الرابعة عشر ـ العدد 159 ـ (جمادى الأولى 1436 هـ) آذار ـ 2015 م)

بقلم: مأمون الحسيني(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

ربما هي المرة الأولى التي يتحوّل فيها منصب رئاسة الأركان الإسرائيلية في الكيان الذي يوصف عادة بأنه "جيش يمتلك دولة"، إلى عبء ثقيل ومصيدة للضباط الذين أمضوا عقوداً طويلة في العدوان والتوسع وقتل الفلسطينيين والعرب واستباحة أرضهم، دونما خشية جدية من الفشل أو الهزيمة أو العقاب والقصاص.

فما ينتظر الجنرال غادي ايزنكوت الذي تولى المنصب خلفاً للجنرال بيني غانتس، من تحديات أمنية غير مسبوقة، وذات طبيعة إستراتيجية وجودية، ولاسيما في جبهتي الجولان المحتل وجنوب لبنان، يتجاوز قدرات هذا الرجل الذي شغل منصب قائد "لواء جولاني" وقائد ما يسمى "الجبهة الشمالية" على مدار خمسة أعوام بعد عدوان 2006، والذي يعتبر أب ما أطلق عليه "عقيدة الضاحية" خلال هذا العدوان، كما يتجاوز إمكانيات الجيش الإسرائيلي وجبهته الداخلية رغم كل المناورات والتجهيزات والاستعدادات التي لم تتوقف طوال السنوات التسع الماضية.

ما جرى ويجري في الميدان العسكري والسياسي من تغيير لميزان القوى، وقلب للمعادلات الإستراتيجية، وتظهير ذلك بعملية "شهداء القنيطرة" وعملية الجيش السوري الواسعة في جنوب البلاد التي أسقطت مشروع "المنطقة العازلة" في المناطق المتاخمة للجولان المحتل، والتي ستتحول إلى قواعد متقدمة للمقاومة ضد المحتلين، يطرح أسئلة على الإسرائيليين أكثر مما يوفر إجابات. فمن جهة، تحتاج إسرائيل المأزومة إلى حرب يمكن، من خلالها، وقف، أو أقلَه تخفيض منسوب الخسارة والمخاطر الإستراتيجية التي بدأت تأكل من هيبتها وقدرتها على الردع، والمعبَر عنها بوحدة قوى المقاومة وجبهات المواجهة الممتدة من جنوب لبنان والجولان إلى قطاع غزة، ومن جهة أخرى، إجماع الإسرائيليين: حكومة، وطبقة سياسية، وجيش، ورأي عام، على أن كيانهم بات يفتقر إلى مقومات خوض حرب رابحة من شأنها بعث الحياة في أيقونة "الردع الإسرائيلي" الذي يعترف الصحافي يوسي يهوشع، بأنه مات على يد عملية مزارع شبعا التي فتحت الباب واسعا أمام  بلورة قواعد قتال جديدة تقررها المقاومة.

أربع جبهات وأربع سنوات.. ثقيلة!

على هذه الأرضية، يمكن اعتبار تقدير نتنياهو وإقراره، خلال تنصيب ايزنكوت بدلاً من سلفه بني غانتس، أن السنوات الأربع المقبلة ستكون أقسى من تلك التي سبقتها، وأن على الإسرائيليين، من الآن وصاعداً، مواجهة أربع جبهات دفعة واحدة في المنازلة المقبلة، بمثابة خلاصة تقدير للمؤسسات المختصة في الدولة العبرية، حول طابع التطورات التي تحملها السنوات المقبلة. ويبدو أن أكثر ما يقلق رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومجمل المؤسسات الأمنية والسياسية الصهيونية، هو استمرار وارتقاء وتطور مصادر التهديدات المحدقة بالدولة العبرية. ووفق نتنياهو، فإن إسرائيل "أمام شرق أوسط يتفكك، ودول تنهار". وهو، أي الشرق الأوسط، "يدخل إلى الفراغ... (لاسيما بعد أن باتت) إيران تحتل أربع عواصم، وتمسك بباب المندب، وتتسلح بسلاح نووي". ووفق تقدير رئيس وزراء كيان الاحتلال فإن الجمهورية الإسلامية "تحاول تطويق إسرائيل عبر لبنان وغزة، والآن عبر ساحة أخرى في الجولان، حيث يوجد ألفا مقاتل من حزب الله بقيادة عملية من إيران". وذات التقدير انسحب على وزير الحرب موشيه يعلون الذي رأى أن هناك "تحديات كبيرة" تواجهها إسرائيل ينبغي لرئيس الأركان الجديد مواجهتها، خاصة وأن الدولة العبرية "ستستمر في السنوات القريبة في مواجهة دول وكيانات وتنظيمات تسعى للمسّ بها وتشويش حياة مواطنيها"، فيما رأى رئيس الأركان الجديد غادي ايزنكوت أن إسرائيل "في خضم مرحلة متوترة ومليئة بالتحديات، الشرق الأوسط يغير وجهه، ويتميز بقابليته للانفجار وعدم الاستقرار".

هذه المهمة الصعبة لرئيس الأركان الحادي والعشرين في تاريخ الكيان الإسرائيلي، والذي يتزامن احتلاله المنصب مع فترة انتخابات عاصفة، مليئة بالأسافين. تفترض، وفق ما يرى اليكس فيشمان في "يديعوت أحرنوت"، أن توضع على طاولة هيئة الأركان العامة التهديدات المركزية الثلاثة الملحة:

الأول، انفجار غزة المتوقع، إذ، وعلى الرغم من وجود وزراء يستخدمون عملية "الجرف الصامد"، عشية الانتخابات، كوسيلة لجرف الأصوات من الناخبين، فإن المستوى العسكري يفهم تماماً أنه ما لم تتم إعادة إعمار غزة بتسارع كبير، فيجب أن يكون هناك استعداد لحرب جديدة.

الثاني، يتعلق بالضفة الغربية المرشحة لمزيد من التصعيد في حال إقدام ما يسمى "القيادة الفلسطينية" على خطوات دراماتيكية سبق وأن لوّحت بها مرات عدة، من نمط وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل عن طريق نقل الصلاحيات المدنية في المدن الفلسطينية إلى إسرائيل، وانتهاء باستقالة رئيس السلطة محمود عباس، خصوصاً وأن وقف الأموال سواء المساعدات الأمريكية أو أموال الضرائب الفلسطينية التي تحصَلها إسرائيل، كما يقدَر فيشمان، كسر السلطة، ووفَر الظروف الملائمة لاشتعال الأرض، واندلاع مواجهات جديدة.

أما التهديد الثالث، فهو في الشمال، حيث تغيّر المواجهات في سورية وجهتها في كل لحظة. وحسب فيشمان، فقد "حسّن الإيرانيون بصورة جوهرية قدرة القتال لدى "حزب الله". وهدفهم وهدف الحزب والجيش السوري، في هضبة الجولان، هو "وقف سيطرة المتمردين(الإرهابيين) وبشكل أساسي إفراد جبهة النصرة على المحورين المركزيين المؤديين من القنيطرة إلى دمشق ومن درعا إلى دمشق. وفي إسرائيل سيكون هناك من سيخلق الانطباع بأن الحديث يدور عن فتح جبهة جديدة" ضد الدولة العبرية. وهناك، في البلاد أيضاً، من "يريد أن يشعر المواطنون الإسرائيليون بالخوف ودخول الملاجئ مجدداً".

من جهته، رأى ألون بن ديفيد في مقالة له في صحيفة "معاريف" أن التحديات التي سيواجهها رئيس الأركان الجديد، ليس مع الخارج فحسب، بل في الداخل أيضاً، مشيراً إلى أن هناك العديد من المعارك الداخلية "لرد اعتبار الجنود، والدفاع عن ميزانية الجيش والتصدي لمن يودون استخدام الجيش بصورة غير سليمة من المجلس الوزاري". ولفت بن ديفيد إلى أن "التحدي الأكبر أمام ايزنكوت، سيكون مع المسؤولين عنه الذين سيحاولون استخدام الجيش بطريقة غير سليمة"، معتبراً أن رئيس الأركان الجديد "سيكون الأخير الذي سيوافق على استخدام القوة والمخاطرة بالجنود دون حاجة"!

تقديرات وتوصيات.. متلعثمة

وكان التقدير الاستراتيجي الذي يصدره "معهد أبحاث الأمن القومي"، وهو الأهم في إسرائيل، وفي العالم الغربي، ويرفد مؤسسة القرار السياسي في كيان العدو بتقديراته وتوصياته، قد حاول، وبتلعثم واضح وارتباك جلي، صياغة توصيات قلقة للمستويين العسكري والسياسي لمواجهة التحديات الماثلة أمام الدولة العبرية، معتبراً أن إسرائيل ملزمة، في الساحة الشمالية، بالاستعداد لمواجهة "حزب الله"، وأن تحدِّد جيداً أهداف هذه المواجهة، إذا حصلت، والسبل العسكرية والسياسية لتحقيق الهدف الاستراتيجي منها. وحيثية ذلك هي أن حزب الله "واصل تسلحه الذي يشكل تهديداً مباشراً على إسرائيل، وأنه "وبعد سبع سنوات هادئة أعقبت حرب لبنان الثانية، لاحت في عام 2014 بوادر أولى لضعف نظام الردع الإسرائيلي حيال حزب الله، خصوصاً في أعقاب تقدير الحزب أن سوريا تعمل على توسعة هامش الحركة لديها وتغير قواعد اللعبة التي تشكلت في الأعوام الأخيرة. لذلك، تتعزز احتمالات المواجهة بين إسرائيل وحزب الله خلال عام 2015". وأشار التقدير إلى أن "من المهم التخطيط والتدرب على حرب يجري فيها إنزال ضربة قاسية جدا بحزب الله وقدراته العسكرية وإضعافه قدر الإمكان بعد رحيل النظام في سوريا"! وبخلاف المزاعم الإعلامية السابقة، شدد تقدير المعهد على ضرورة "إعادة النظر في الفرضية (غير المعتمدة أصلاً) التي ترى أن الاستقرار على الحدود السورية- الإسرائيلية (حدود الجولان المحتل) أفضل من إسقاط النظام وسيطرة قوات المعارضة السنية على الدولة، حتى لو كان هذا التطور ينطوي على الكثير من انعدام اليقين". وأضاف إن "إسقاط نظام (الرئيس) الأسد وتأسيس نظام سني مكانه يعني كسر الهلال الشيعي المتطرف"! في إشارة إلى محور المقاومة. والسبب، وفق تقدير المعهد، أن هذا المحور "من دون سوريا سيكون ضعيفاً بشكل جوهري عما هو عليه اليوم، وبذلك يتقلص التهديد المتأتي منه على إسرائيل". وللوصول إلى هذا الهدف، دعا إلى "تشخيص جهات سنية معتدلة وأقليات درزية ومسيحية وكردية والتعاون معها من أجل تنسيق اليوم الذي يلي (الرئيس بشار) الأسد"، معتبراً أن احتمالات المواجهة بين إسرائيل وحزب الله تتعزز خلال عام 2015.

أما بخصوص الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي ما زالت تحافظ، وفق الإسرائيليين، على وتيرة دعمها لسوريا و"حزب الله" على الرغم من الضائقة الناجمة عن انهيار أسعار النفط، فقد دعا التقدير الاستراتيجي إسرائيل إلى "التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة لضمان عدم توقيع اتفاق سيّئ مع طهران". أما في حال انهيار المحادثات، فعلى إسرائيل "مواصلة بناء خيار استراتيجي لمنع محاولة قفز إيران نحو القدرة النووية العسكرية. وفي موازاة ذلك، على إسرائيل تحسين قدراتها واستعداداتها لاحتمال التصعيد مع مبعوثي إيران في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله"!. واعتبر التقدير أن "التهديد الوجودي المستقبلي المحتمل على إسرائيل هو الدمج بين النظام المتطرف في إيران، الذي يدعو إلى إبادة إسرائيل من الخريطة، ووجود قدرات نووية عسكرية في يد هذا النظام".

وحول ما يدب على الأرض حالياً، وصف التقدير البرنامج النووي الإيراني بأنه الآن "في حالة جمود نتيجة التفاهمات بين طهران والدول العظمى التي تمت صياغتها في الاتفاق المرحلي بداية عام 2014"، مستنتجاً أن إيران "معنية بالاحتفاظ بإنجازاتها النووية التي تجعلها دولة حافة نووية، في حين أن القوى العظمى لم تكن مستعدة لاتفاق لا يضع قيوداً جدية أمام تقدم طهران باتجاه استكمال برنامجها النووي ويبعدها عن هذا الهدف فترة أكثر من عام". مع ذلك، حذّر من أن "منح العالم مشروعية لهذا الوضع (النووي الإيراني) على المدى الطويل سيولد وضعاً إشكالياً جداً نتيجة بقاء إيران في وضعية دولة حافة نووية تتمتع بالقدرة على التهديد بالانطلاق نحو القنبلة النووية في وقت قصير نسبياً".

على هذه الخلفية، وعلى الرغم من إعلان البيت الأبيض بأن بعض التصريحات الإسرائيلية حول المفاوضات النووية مع إيران تشوّه موقف واشنطن، يواصل أقطاب الحكومة الإسرائيلية شن هجوم كاسح على هذه المفاوضات ونتائجها المحتملة، حيث ما زال القديم- الجديد لدى نتنياهو هو أن "العرض الحالي المقدم لإيران يشكل خطراً على إسرائيل، ويتيح للإيرانيين إمكانية الانطلاق نحو القنبلة النووية الأولى خلال فترة قصيرة جداً"، وأن "المسؤولية" تفرض عليه التحرك الآن "أفضل من أن نتذمر ونشكو بعد توقيع الاتفاق"، فيما رأى وزير الحرب موشيه يعلون أن إسرائيل "تريد اتفاقاً شاملاً" بين الدول الغربية وإيران، وليس اتفاقاً في موضوع محدد، في إشارة إلى أن إسرائيل تريد انتزاع تنازلات من إيران بخصوص الموقف من إسرائيل، ومن دعم قوى المقاومة في لبنان وفلسطين. ولفت إلى الإستراتيجية الواجب إتّباعها مع طهران، عبر وضعها بين خيارين "إما القنبلة أو البقاء". وجاهر يعلون بحقيقة الموقف الإسرائيلي الذي يفيد بأن تل أبيب تريد خياراً من اثنين "إما اتفاقية شاملة حول كل القضايا" وبعبارة أوضح، تنازل إيراني إزاء الموقف من إسرائيل ودعم قوى المقاومة، "أو فشل المفاوضات والاستمرار في فرض العقوبات".

في مواجهة كل ذلك، وتحت وطأة الحقائق المستجدة التي لم يعد يتحرَج من الاعتراف بها محلّلو الصحف ووسائل الإعلام العبرية: إسرائيل عرضة للحروب؛ "حزب الله" منظمة قوية وخطيرة يحظر التحرش بها، ولاسيما بعد تحرره من الضغوط الداخلية اللبنانية وعدم وجود أية قيود لجهة خياراته الهجومية ضد الدولة العبرية؛ إسرائيل لا مصلحة لها في الحرب؛ ممنوع التصرف بشكل أهوج قد يؤدي إلى تدهور لا يمكن السيطرة عليه. ممنوع اتخاذ أية إجراءات تشجع على نشوب الحرب. في مواجهة كل ذلك، يهرب أقطاب الحكومة اليمينية وقادة الجيش إلى مربع المبررات والحجج والذرائع، من نمط الحديث عن افتقار الجيش إلى خطة متعددة السنوات مصادقا عليها، وإلى ميزانية سنوية، وتدني مستوى تدريبات الوحدات النظامية ووحدات الاحتياط، ووجود فجوة كبيرة بين القدرات الحالية للقوات البرية والمتطلبات المتنوعة جداً التي يفرضها الواقع الإقليمي، فضلا عن الفجوة المتعلقة بوسائل القتال. وذلك في مقابل ارتفاع وتيرة الثرثرة العقيمة المتخمة بالتناقض حول الخيارات التي يمكن بلورتها في مواجهة هذا المستجد الاستراتيجي، بدءاً من ضرورة "تجاوز التصعيد وتقوية الردع"! إلى "الضغط على المجتمع الدولي لدفع حزب الله إلى الامتناع عن استفزاز إسرائيل"، وهي مفارقة تاريخية من طراز جديد، إلى خيار الهجوم العسكري الذي "يؤلم حزب الله ولكنه لا يستدعي منه الرد"!! ما يعني، في المحصلة، أن إسرائيل باتت تعيش مأزقا وجوديا غير مسبوق بعد أن تحولت، فعليا وبالملموس، إلى كيان "مردوع".

"طريق القدس".. والجليل

ولأن قضية فلسطين هي المركز والأساس والمحور الذي تنتظم حوله كافة دوائر الصراع ضد إسرائيل وضد مجموعات الإرهاب والتكفير التي تجتاح المنطقة، كان من الطبيعي أن تشكل أحد أضلاع مثلث المواجهة في إستراتيجية محور المقاومة الممتد من طهران إلى بيروت ودمشق. وليس من قبيل رفع العتب أو الاستعراض أن يتم وضع شعار "طريق القدس" إلى جانب صور الشهداء في مهرجان تكريم شهداء القنيطرة الذي التأم في الضاحية الجنوبية لبيروت، والذي يعني، في الواقع وببساطة ووضوح تام، أن المقاومة تضع شهداءها في سياق الصراع الشامل والممتد مع إسرائيل، وقد كان واضحاً للقريب والبعيد أن القضية الفلسطينية كانت نابضة بقوة في كل فقرة من فقرات خطاب أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصر الله الذي نسف "ستاتيكو" قواعد الاشتباك السائدة التي لم تعد تعبّر عن مصالح محور المقاومة، وأسس لمرحلة إستراتيجية جديدة عنوانها الأساسي كسر الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة، وتشبيك مناطق الصراع المترابطة جغرافيا في جنوب لبنان والجولان المحتل والجليل الفلسطيني الذي هرب مستوطنو شماله قبل رد المقاومة الاستثنائي في مزارع شبعا.

وقبل التوقف أمام خيارات المقاومة المحتملة حيال هذه الجبهة المركزية التي تحتل موقع القلب في الصراع مع إسرائيل وأذنابها وأدواتها في المنطقة، لا بد من تسليط الضوء على حقيقة المحاولات الإسرائيلية- الأمريكية لتسريع عملية تفتيت وتقسيم الدول العربية المجاورة لكيان الاحتلال على أسس طائفية ومذهبية وإثنية وجهوية، ما يسهّل التوسع الإسرائيلي الإقليمي على حساب هذه الدول، ويفتح الباب أمام ترحيل فلسطينيي 1948 وعدد كبير من فلسطينيي الضفة الغربية إلى الأردن. ولعلنا لا نغالي في الزعم بأن انتقال عمليات "داعش" الإرهابية إلى فرنسا وبلجيكا وأوروبا بشكل عام، ودعوات بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية العلنية المتكررة لليهود في فرنسا وفي كل أوروبا إلى الهجرة لإسرائيل، بذريعة تعرَض أمنهم للخطر، تصب في هذا الاتجاه، حيث يدرك رئيس كيان الاحتلال أن إسرائيل بحاجة للمزيد من القوى البشرية لتحل محل الفلسطينيين المعرضين للطرد. ووفق دراسة للمفكر الإسرائيلي  موردخاي كيدار المختص بتاريخ الإسلام والقبائل والطوائف في الشرق الأوسط، نشرها في لندن في أيلول 2014، فإن العالم لن يستريح من متاعب الشرق الأوسط إلا إذا أزاح عنه الدول الوطنية وفرض محلها الدويلات المستندة إلى التقسيمات القبلية والمذهبية والإثنية.. ويزعم كيدار في دراسته أن "الدول الوطنية أصبحت فاشلة وعلى أوروبا إعادة تجزئتها إلى منابعها العشائرية والقبلية من اليمن حتى مصر والسعودية"، مستخلصا أنه لا بد العالم من التجاوب مع هذه الخطة للتخلص مما يسميه "أخطار الأمة العربية وما يجمع شعوبها من أهداف ومصالح مشتركة" معتبراً أن مصالح الغرب وإسرائيل لن تحقق إلا عند استكمال تنفيذ هذا المخطط.

النغمة ذاتها تتكرر في معزوفة "مركز أبحاث موشيه دايان" الذي يرى أن بريطانيا كانت تدرك هذه الضرورة حين قسمت منطقة الخليج بحسب قبائلها وعشائرها إلى "مشيخات" صغيرة ثم إلى إمارات ولم تقم بتوحيدها في كيان سياسي وطني، فظهرت عمان وقطر والبحرين والكويت بموجب هذه التقسيمات، وكذلك إمارات صغيرة موحدة مع استقلالية نسبية ولا مركزية لكل إمارة في "دولة الإمارات العربية المتحدة". كما ويظهر في دائرة أبحاث الخارجية الإسرائيلية عدد من الخرائط والتوزيع الجغرافي لقبائل وعشائر كثيرة في السعودية والعراق بشكل خاص، حيث يسترشد المختصون الأمريكيون والإسرائيليون بهذه المعلومات في تحديد المستقبل السياسي والسيادي لمعظم الدول العربية وإعادتها إلى عصر ما قبل الدولة الوطنية والقومية.

في كل الأحوال، يرتسم أمام فلسطين التي حملت سلاحها ودمها عقوداً طويلة، وتوغلت في كل الطرق الوعرة والمفازات قبل أن تسقط في هوّة أوسلو التي ساهمت في تكريس الاستيطان والاحتلال، ويتقاتل أبناؤها على الفتات والكراسي على حساب تاريخ وتراث ورؤى ومصالح ودماء شعب الرصاص والحجارة، يرتسم أمامها اليوم تاريخ مختلف على يد محور المقاومة وشريانه الأبهر "حزب الله" الذي حرّر الجنوب في العام 2000 وأذلّ إسرائيل في العام 2006، وتحوّل إلى قوة إقليمية أساسية يمتلك فائض قوة يحسب له ألف حساب، والذي أتاح له عدوان القنيطرة تحويل التهديد الإسرائيلي إلى فرصة، وتشريع الأبواب أمام طي مرحلة سايكس بيكو السوداء بما يخدم مصالح شعوب المنطقة العربية، وفي مواجهة كيان الاحتلال الصهيوني والهيمنة الغربية.

ويبدو، وفق حراك التطورات المتسارعة على الأرض في الإقليم المشرقي العربي، أن "حزب الله" الحاضر في لبنان وسوريا والعراق مباشرة، وفي فلسطين من خلال دعم مقاومتها، سيكون مضطراً إلى توسيع كسر الحدود باتجاه فلسطين المحتلة، ليس فقط بسبب ارتفاع منسوب الدعم الإسرائيلي لجماعات الإرهاب في جنوب سوريا، وإنما كذلك لتصريف فائض القوة لديه، وترجمة شعاراته ورؤاه وأهدافه التي تضع تحرير القدس وفلسطين في مقدمة أولوياتها، ووضع حد للعدوان الإسرائيلي- الإمبريالي- الإقليمي والعربي الرجعي المستمر منذ أربع سنوات. ومع أن هذا التقدير المتفائل سيعتبر، بنظر البعض، مجرد أحلام يقظة وإسقاط رغبات على الواقع المعقَد وموازين القوى السائدة، محلياً وإقليمياً ودولياً، والتي تتحدد على أساسها قواعد الاشتباك المقبلة المعرَضة للتغير باستمرار، إلا أن ثمة حقائق ومؤشرات في هذا الاتجاه باتت تفرض نفسها في سياق عملية المواجهة الجارية على مستوى ما فوق محلي وإقليمي، من بينها أن "المقاومة الإسلامية" التي سبق وأن أعلنت استعدادها، في سياق الرد على الاعتداءات الإسرائيلية، لاقتحام الجليل وما بعد الجليل، باتت اليوم، وتحت غطاء عدوان القنيطرة، وارتفاع منسوب الدعم الإسرائيلي لمجموعات الإرهاب والتدخل المباشر في الأحداث السورية، في حل من كل الاعتبارات المحلية والإقليمية والدولية والمحاذير الميدانية، وأن الشعب الفلسطيني الذي تنتزع أرضه وحقوقه من بين أسنانه يجد نفسه طرفاً أساسياً أصيلاً في محور المقاومة، ويضطر فصائله وحركاته وأحزابه وقواه المختلفة إلى التوجه نحو هذا الخيار.

ومع ذلك، وعلى الرغم الإجماع الفلسطيني على أن المقاومة ومحورها هما الحل والأمل في الخروج من مستنقع العجز والإحباط والخسائر اليومية الصافية، فإن المصلحة الوطنية الفلسطينية، أولاً، تتطلب من القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية إجراء مراجعة جذرية لمجمل نهجها ومسيرتها، والتوجه نحو بلورة قواسم مشتركة في النهج السياسي والاستراتيجي مع بقية أطراف المحور، بمعزل عن العقائد والمذاهب والانتماءات. أما من يقرر الاستمرار في ارتكاب الأخطاء والخطايا بحق شعبه وأمته، ومواصلة التموضع في أحلاف إقليمية مضادَة للمقاومة، فستكون فلسطين هي أول من يلفظ ويحاسب ويرسم المصائر والنهايات.

كاتب فلسطيني(*) 

اعلى الصفحة