المجتمع الإسرائيلي وتحدياته الداخلية

السنة الرابعة عشر ـ العدد 159 ـ (جمادى الأولى 1436 هـ) آذار ـ 2015 م)

بقلم: ازدهار معتوق(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

يبدو أن أساس تكوين المجتمع الإسرائيلي هي العنصرية، تلك المقولة عبرت عنها بوضوح الأزمة بين اليهود الغربيين (الأشكناز) واليهود الشرقيين (السفارديم). والتقرير الذي أصدرته جمعية حقوق المواطن في "إسرائيل" حول التوجه العنصري للمجتمع الإسرائيلي أسقط كل أوراق التوت عن خبايا هذا المجتمع النابض بالعنصرية والتعصب والكراهية للعرب... ووضع فلسطينيي الـ "48" أمام تحديات جديدة ومرحلة قاسية..

مجتمع غارق في الفساد

إن الشباب في إسرائيل سواء في المعسكرات أو في شوارع تل أبيب يدورون في فلك محدود.. إننا جميعاً نخاف أن ننظر إلى بعيد, فهذه البلاد التي نعيش فيها غريبة عنا ومحاطة بخصومنا الذين لا يرضون عن بقائنا, وقد تقطعت الحبال بيننا وبين الماضي, وليس لنا إلا أن نعيش الحاضر بل الساعة التي نحن فيها, ويجب أن نقتطف الملذات من جميع الأشجار المحرمة, وأنت أينما سرت وأينما جلت ببصرك في مختلف مظاهر الحياة هنا وجدت المجتمع الصاخب الغارق في الفساد إلى أذنيه) آثرت البدء بهذه العبارات من كتاب ( وجه المرآة) للمؤلفة الصهيونية ـ ياعيل دايان) ابنة الإرهابي موشي دايان, والذي تتحدث فيه عن المجتمع الإسرائيلي اللاأخلاقي, حيث أسهبت في وصف التجمع الإسرائيلي الاستيطاني وحقيقة المرأة والشباب في هذا المجتمع المنحل وقد شبهت حياة المرأة الإسرائيلية بحياة الغانيات والجواري..‏

تناولت دايان في كتابها بشيء من التفصيل واقع هذا التجمع الاستيطاني الغارق في الفساد والانحطاط حتى أذنيه, وتشير إلى أطفال المستعمرات وهم الأطفال اللقطاء الذين يترعرعون في بيوت خاصة على نفقة الحكومة بعد أن تخلى آباؤهم وأمهاتهم عنهم..‏

فالفتاة الإسرائيلية كما تقول دايان بوقاحة لا مثيل لها: (تستطيع أن تعيش مع أربعة وأن تعاشر عشرين, ولا يجوز أن يتشاجر اثنان من أجلها.. نحن نعيش اشتراكية كاملة مطلقة..).. إذن هي شهادة من عشرات ومئات الشهادات حول فساد وانحطاط المرأة الإسرائيلية, ولا عجب في ذلك على الإطلاق فالصهاينة سلكوا منذ فجر التاريخ مسلك الرذيلة للوصول إلى المراكز الحساسة في معظم دول العالم, وكانوا يتقربون إلى أصحاب السلطة بالمال والكذب والخديعة, ولذلك لا عجب أيضاً أن تجد الفساد والانحلال والجريمة تنتشر في هذا المجتمع الإرهابي الاستيطاني انتشار النار في الهشيم خصوصاً وأنه يوجد في الكيان الصهيوني اليوم الكثير من الحركات الفكرية الصهيونية الحديثة التي ابتدعهاـ الأشكينازـ وهي تنادي بالانحلال والرذيلة والتخلي عن القيم الإنسانية والضوابط الأخلاقية في الحياة الاجتماعية داخل إسرائيل وخارجها ومن أشهر تلك الحركات ـ اليهودية الإصلاحيةـ واليهودية المحافظةـ والتي تبيح الشذوذ الأخلاقي بل وأكثر من ذلك فهي تبيح ترسيم الشواذ ومن كلا الجنسين (حافامين) حسبما جاء في كتاب: المرأة في إسرائيل بين السياسة والدين ـ للكاتبة والباحثة السورية باسمة حامد.‏

وأشار تقرير نشر مؤخراً إلى أن حجم ظاهرة المتاجرة بالنساء في الكيان الصهيوني والمسماة (الرق الحديث) أدت إلى احتلال إسرائيل مكاناً متقدماً جداً في القائمة السوداء للدول التي تتاجر بالنساء في السنوات الماضية, أما أسلوب استيراد النساء فيشمل خطف سائحات وصلن الكيان الإسرائيلي وكذلك من خلال الزواج المدني ومن خلال استيراد النساء من عائلات يهودية, وفي سياق موازٍ كشفت الشرطة الإسرائيلية أنه في كل سبع ساعات تقع جريمة اغتصاب في إسرائيل, وأن واحدة من كل ثلاث نساء إسرائيليات تعرضت للاعتداء الجنسي.‏

أما عن الخدمة الإجبارية فيعتبر جيش الاحتلال أول جيش ألزم المرأة بهذه الخدمة ولكن في المقابل اعترفت استبانة صادرة عن الجيش الصهيوني بالفساد الموجود داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بين الرجال والنساء, أما على صعيد حقوق العاملات في الكيان الصهيوني فقد أفاد التقرير السنوي لجماعة نسوية في إسرائيل أن تمييزاً سيئاً في العمل والتربية والصحة والجيش والسياسة والإعلام يجري ضد النساء الإسرائيليات , وحسب التقرير فإن النساء نصف القوة العاملة في إسرائيل وأكثرية النساء العاملات في إسرائيل 92%ـ أجيرات وأجورهن تقل بنسبة 30% في المتوسط عن أجور الرجال..‏

ومؤخراً كشفت الباحثة دانييلا رايخ في دراسة نشرت ملخصها صحيفة هآرتس أن المال والنفوذ والنساء أهم الأسلحة التي استخدمها الكيان الصهيوني ولا زال في إقامة كيانه وبناء دولته.‏

تعددية اثنية نادرة

قام التشكيل الاجتماعي لإسرائيل منذ تأسيسها على تعددية إثنية نادرة، فقد هجر مئات الألوف من أتباع الديانة اليهودية من بقاع الأرض بثقافاتهم وأعراقهم المختلفة، ولم يجمع بينهم سوى جامع الدين، وتشكل المجتمع في ارض يملكها أعراق أخرى بل وأتباع ديانات أخرى غير اليهودية، ما تسبب بزيادة هذا التعدد والتنوع الاثني والديني في المجتمع، وينقسم المجتمع في "إسرائيل" أفقيا وعمودياً بدرجة مثيرة، حيث يتشكل عمودياً من عرقيين أساسيين هما السفا رديم وهم اليهود الشرقيون ويشكلون أكثر من 60% من اليهود في المجتمع، والاشكيناز وهم اليهود الغربيون ويشكلون حوالي 40% من اليهود، وثمة تناقضات كبيرة بين هاتين الفئتين على وجه التحديد تتعلق بالتاريخ والتوجهات السياسية والفكرية بل والطائفية الدينية، كما ينقسم المجتمع أفقيا على أسس متعددة، فهو يتشكل من حوالي 15% من المسلمين، و2% من المسيحيين، فيما يشكل اليهود 79% من المجتمع، كما يتشكل من الفئات العلمانية بنسبة 75-80% ، والمتدينة بنسبة 20-25%، ويشكل العرب داخل المجتمع الإسرائيلي حوالي 20,8% من السكان فيما يشكل 79% من المهاجرين اليهود من بقاع العالم، ويشكل اليهود المهاجرون حديثا من الاتحاد السوفيتي( 1989-1998) حوالي 12,7% من المجتمع ، فيما يشكل الفلاشا وهم المهاجرون من أثيوبيا حديثاً حوالي 1,3 %، ويتوزع هذا التنوع الاثني والديني على أحزاب سياسية ودينية وطائفية مختلفة، تزيد على خمسة عشر حزباً رئيسياً.

ومع اقتراب الانتخابات النيابية في إسرائيل يبرز هذا التباين والاختلاف من منطلقاته المختلفة، سواء على قاعدة العرق أو الطائفة أو مكان الهجرة الأصلي أو الحزب السياسي والأفكار الأيديولوجية، وتصطف الأحزاب اليمينية العلمانية منها والدينية في مواجهة الأحزاب اليسارية التي عادة ما تكون علمانية، ويقوم النظام السياسي في إسرائيل على قواعد عدة أهمها: الإقرار بحق وسيادة مفهوم تداول السلطة بين قوى المجتمع المختلفة، واعتماد النظام الحزبي والكوتا الحزبية في نيل أصوات الناخبين والتشكيل البرلماني، فيما تم اعتماد انتخاب رئيس الحكومة بشكل مباشر ومستقل لمرتين 1996و1999، وقد تم إلغاء هذا النظام اعتباراً من الانتخابات القادمة. وبذلك فإن الأحزاب الصغيرة لها تأثير في صناعة القرار وإعطاء الثقة للحكومة، ما يوفر لها باستمرار فرصة المشاركة السياسية الواسعة، ويسمح النظام السياسي في إسرائيل بتكتل الأحزاب والقوى السياسية على أي أسس دينية أو عرقية أو فكرية أو حتى متطرفة، ولذلك تشكل حزب المهاجرين الروس، وتشكل الحزب الديني شاس، وتتشكل الأحزاب العربية، والأحزاب ذات الطابع الشرقيالخ.

وتشعر الأعراق والطوائف في إسرائيل بالظلم، حيث يشعر العرب المسلمون والمسيحيون بظلم واضطهاد اليهود لهم، ومحاولة استبعادهم من الحياة السياسية الإسرائيلية والزج بهم في خانة أعداء الدولة، وعدم اعتبار مصالحهم ومستقبل أبنائهم في أنظمة إدارة الدولة المتعلقة بالتعليم والخدمات الصحية والبلدية وغيرها، كما لا يتمتع هؤلاء على الرغم من انتماء عدد منهم للأحزاب الصهيونية الرئيسة بالمناصب العليا إلا ما ندر، ويستبعدون عادة من المنصب الوزاري، ويطلب منهم الخروج من اجتماعات لجنة الأمن والخارجية في الكنيست عندما يجري الحديث عن العرب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، ، فيما يشعر اليهود الشرقيون(السفارديم) بسيادة العنصر الغربي(الاشكناز) على مقاليد الحكم، حيث يسيطر اليهود الغربيون أكثر من 70% من المناصب العليا في الدولة، فيما يحظى اليهود الشرقيون فقط بما لا يزيد عن 30% منها. كما أن المتدينين يشعرون باستهتار العلمانيين المسيطرين على مقاليد الحكم بالدين والشعائر الدينية، ولا يقبل هؤلاء تدخل النظام القضائي في وقف أو منع بعض ممارساتهم الدينية، فيما ينظر العلمانيون بخطورة كبيرة إلى تزايد نفوذ المتدينين في المجتمع ما يؤثر على تقدم وتطور الدولة من جهة، ويثير الضغائن الدينية الكامنة من جهة أخرى، وللمرة الثانية في العقدين الأخيرين يتواجه الجانبان في الشوارع وبشكل خطر حذر القادة السياسيون من انعكاسات تفاقمه على النظام العام في البلاد، حيث تجمع ما يصل إلى مليون يهودي متدين لإدانة قرار للمحكمة العليا الإسرائيلية يتعارض مع معتقداتهم الدينية، معتبرين ذلك اعتداء على الدين، وتجمع بمواجهتهم مئات الآلاف من العلمانيين أمام المحكمة العليا ليوم كامل، وانتهت المواجهة بسلام في ظل التدخل الواسع للقيادات السياسية في الجانبين، وقد كان الانطباع السائد أن الأحزاب الدينية لا تتدخل في السياسة وتكتفي ببعض المطالب المتعلقة بتطبيق الشعائر الدينية والتعلم الديني في المدارس، غير أن العقدين الأخيرين شهدا تزايد التدخل الواسع للحاخام الأكبر والحاخامات الآخرين في توجيه الرأي العام نحو انتخاب واختيار اليمين الذي يحافظ على أرض إسرائيل على حدّ زعمهم، وأصبح لهم دور في دعم التوجهات اليمينية المتطرفة في النظام السياسي الإسرائيلي.

وبذلك يمكن القول أن التعددية الاثنية والدينية في إسرائيل لا تزال تحمل الكثير من المفاجآت في مجال الخلاف والصراع بينها، ولئن نجح النظام السياسي الإسرائيلي القائم على الفلسفة الديمقراطية الغربية باحتواء أي تفاقم لهذه الاختلافات والنزاعات فان اندلاع المواجهات وربما المسلحة منها لا يتحاج إلى أكثر من قرار يتخذه زعيم متهور متطرف تفرزه التناقضات الإثنية أو الدينية، خاصة في ظل التزايد المستمر في التوجهات اليمينية داخل المجتمع الصهيوني سواء في الأحزاب الدينية أو العلمانية اليمينية واليسارية على حد سواء وبنسبة تغير تصل إلى 200% خلال العقدين الأخيرين حسب دراسات عام 1998.

إن إسرائيل كيان غريب الثقافات والأعراق عن المنطقة، ولا يشكل مجموعها نسيجاً متجانساً ينطبق عليه وصف الشعوب، إنها عينات صغيرة من مجتمعات وشعوب متعددة في الأرض تجمعت على فكرة الاغتصاب والتعصب لدين ضد أديان، وتاريخ قديم محدود الزمان في مواجهة التاريخ الواسع المتجدد، ومسيرة عاصفة تحيط بها الدماء من كل مكان، وأفكار رجعية متخلفة تجاوزها الزمان والمكان، وأداء متمرد على كل ما هو إنساني، وعلى النظام الدولي والقانون والقرارات الدولية، إن مثل هذه الوضعية لا تعطي فرصة كبيرة لنجاح النظام السياسي في احتواء الخلافات الداخلية فترة طويلة من الزمن بالرغم من أن النجاح خلال العقود الخمسة الماضية يعتبر طويلاً نسبيا، ولئن كان القياس على نماذج لمجتمعات أخرى كالمجتمع الأميركي مثلاً فإن العوامل الخارجية وطبيعة تشكيل الكيان السياسي وجدلية وجوده في المنطقة تضفي الكثير من المعطيات على واقعه وتؤكد عدم دقة القياس في حالة إسرائيل. ما يرشح البنية الاجتماعية في إسرائيل إلى الانفجار في حالة تقدم ونجاح العوامل الخارجية المعادية لها في التأثير على الأمن العام والشخصي للمهاجرين، إضافة إلى تزايد التميز الاجتماعي والتبلور السياسي للكيان العربي داخل إسرائيل على شكل حكم ذاتي واسع أو غيره.

العنصرية والمجتمع الإسرائيلي

إن العقلية العنصرية الراسخة داخل المجتمع الإسرائيلي لم تنشأ من فراغ، بل أن المؤسسة الحاكمة ساهمت إسهاماً كبيراً في توسيع دائرة العداء للإنسان العربي من خلال انتهاج نهج تحريضي سافر ضد المواطنين العرب في الداخل ومن خلال إتباع خطاب إعلامي عنصري تحريضي وزرع ثقافة العداء تجاه الإنسان العربي وإبرازه على أنه "قذر ومصاص دماء" ولا يمكن التعايش معه والوثوق به.

لقد عانى الشعب الفلسطيني من هذه السياسة على مدار عقود من الزمن ومن خلال تصريحات قادة الدولة العنصرية والتي شكلت أرضية خصبة لتنامي العنصرية والعداء للمواطن العربي...

وهنا يأتي قول (شموئيل طوليدانو) والذي شغل منصب مدير مكتب العديد من رؤساء وزراء إسرائيل عندما قال "العرب أمة لا تقرأ وإن قرأت لا تفهم وإن فهمت لا تطبق"!!.. إضافة إلى التفوهات القذرة التي أطلقها أكثر من مسئول إسرائيلي " العرب سرطان في جسم الدولة يتوجب اقتلاعه "! وآخرها تقليعة (ليبرمان الفاشي) والذي يدعو إلى طرد المواطنين الفلسطينيين من ديارهم!.  

ويقول الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 1948: أمام هذا الزحف العنصري الكاسح والعقلية الفاشية المرسخة لا بد لنا أن نذكر ليبرمان وأمثاله ممن يساهمون في ترسيخ ثقافة العداء والأبارتهايد هنا في الداخل.. بأننا تجاوزنا جيل المراهقة وبلغنا سن الرشد ولن تقوى كل أشكال العنصرية على ردعنا عن مواصلة طريقنا النضالي حتى ينال شعبنا حقوقه القومية والمتمثلة في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وضمان عودة لاجئي شعبنا .. ومهما تطاول ليبرمان وأمثاله إلا أننا نزداد إيمانا بحق شعبنا وبحقنا في وطننا فنحن الباقون هنا والراسخون في وطننا وأرضنا وهم العابرون.

وهنا لا بد لنا من تذكير العرب في كل مكان.. لا تتوهموا انقلاباً قد يحصل في عقلية الإنسان اليهودي.. ولا تراهنوا على تغيير في وجهة ونظرة المجتمع الإسرائيلي... فما دامت ثقافة الحرب والعداء هي المسيطرة.. فلن يكون هناك أي تنازل للأطراف العربية... فتجربة رئيس الوزراء (رابين) خير دليل على وجهة وتطلع المجتمع الذي لم يتورع عن اغتياله عندما تطلع إلى وضع حد للصراع العربي الإسرائيلي وقبل أن يقدم تنازلات جدية!

إن عقلية تربت في دفيئة الفكر الصهيوني العنصري والعدائي.. لا يمكنها القبول بالآخر كعنصر يزاحمها على الأرض والوجود.. لا يمكنها أن تتحرر من قفص الفكر الصهيوني والتحجر.. من قفص التعصب والعداء.. وحتى لو حاولت المؤسسة الحاكمة إخراجها فإن الوقت قد فات ولم يعد بالإمكان تحرير عقلية المواطن اليهودي من قيود العنصرية التي أصبحت جزءاً من ثقافته اليومية ونمطاً من أنماط حياته وسلوكاً يلازمه في كل مكان وزمان. 

المؤسسة الحاكمة جنت على المواطن اليهودي قبل العربي من خلال تربيته تربية تنضح بالعنصرية والعداء.. المطلوب هنا وفي هذه الظروف التهيؤ لمرحلة جديدة من تاريخنا. مرحلة المواجهة الثقافية مع ثقافة هجينة ومدجنة في حظائر العنصرية .. المطلوب منا صياغة أسس المرحلة القادمة والأخذ بعين الاعتبار المعطيات التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى.. فلقد دخلنا مرحلة جديدة وخطيرة بعد إصرار اليمين واليسار الإسرائيلي على وضعنا في ميزان التسوية الإسرائيلية- الفلسطينية وعلى المقايضة بوجودنا وكأننا سلعة.

نعم جاء التقرير الذي أصدرته جمعية حقوق المواطن في "إسرائيل" حول التوجه العنصري للمجتمع الإسرائيلي ليضع الجميع أمام تحديات جديدة ملخصها بأن تفكير المجتمع الإسرائيلي تجاه فلسطينيي 48 كأقلية قومية يضع مسألة وجودهم هنا في خطر... فإسرائيل إضافة إلى تخوفها من اختلال المعادلة الديموغرافية أصبحت تدرك بأن فلسطينيي الداخل يملكون جزءا من مفاتيح الحل وهذه القناعة ترسخت بعد هبة (يوم الأرض) عام 76 فأية انتفاضة قد تندلع على مستوى فلسطينيي الداخل من شأنها أن تقلب الموازين رأساً على عقب لذا تسعى وبشتى الوسائل إلى تغييب هذا العنصر الفاعل المتمثل بفلسطينيي الداخل من خلال برمجة مشاريع لتهجيرهم.

إن عقدة الخوف التي تلازم حكام إسرائيل نابعة من اضطهادهم لفلسطينيي الداخل نابعة من قناعتهم بأن الضغط سيولد الانفجار! كونهم غير مؤهلين للتعامل معنا كأقلية قومية لها حقوقها المدنية والقومية في هذه البلاد.. غير مؤهلين لإعادة الحق الفلسطيني إلى أصحابه الشرعيين... غير مؤهلين لصنع السلام مع مليون ونصف مليون عربي فلسطيني في الداخل...

دمويّة المجتمع الإسرائيليّ

وضعت الحرب الإسرائيليّة الثالثة على غزة أوزارها، وبعدها مباشرة بدأت تتجلّى سلوكيات عنصريّة تجاه العرب في الداخل الفلسطينيّ تمظهرت بفصل عمالٍ وموظفين في السياق المعيشيّ، وبشطب التجمع الوطنيّ ومحاسبة قياداته وإخراج الحركة الإسلاميّة عن القانون في السياق السياسيّ، ووصلت ذروتها في تهديد حياة عائلات بالقتل في السياق الأخلاقيّ والوجوديّ، وباتت حالة التسمم السياسيّ في الشارع الإسرائيليّ سيّدة الموقف.

وقالت دراسة صادرة عن مركز الدراسات المعاصرة، الذي يتخذ من أم الفحم مقراً له، إنّه في مثل هذه الأوضاع لا بدَّ لنا من أنْ نتساءل عن التحدّيات والمخاطر التي تُحدّق بالداخل الفلسطينيّ في ظلّ هذا التسمم المقونن والمحمي قانونياً وشرطياً وأمنياً، لافتةً إلى أنّه في ظلّ هذه الأوضاع وحالة التسمم تشخص أمامنا أربعة تحدّيات إستراتيجيّة: التحدّي المعيشيّ الكسبيّ، التحدّي السياسيّ، التحدّي الأخلاقيّ، والتحدّي الوجوديّ، وفي ظلّ هذه التحدّيات تُمارس السلطات مع مجتمعنا سياسة العصا والجزرة، وتجمع بينها فهي تهدد السلطات المحليّة بألا تتماهي مع قضايا شعبها، وألا تقف إلى جانب القوى الداعيّة للوقوف إلى جانب أهلنا في غزة، وهي تُمارس ضغوطات هائلة على مجتمعنا عموماً والشباب خصوصاً، إذْ تستفرد بالشباب المعتقل وتوقعهم تحت فريسة ضغوطات نفسيّة وتهددهم بمستقبلهم، وتُمارس سياسة الضغط المُوجع عليهم تبعًا للشخص المعتقل، فمنهم منْ تهدده بمستقبله العلميّ، ومنهم من تهدده بمستقبله المهنيّ أو المعيشيّ وهكذا، وهي في المقابل تُمارس ضغطًا مكثفًا على أهاليهم لابتزازهم، وتُمارس عليهم عمليات تخويف من مشاركة أبنائهم في المسيرات والمظاهرات، وإلى جانب ذلك، أكدّت الدراسة، لم تكن هيئاتنا القطريّة السياسيّة والمدنيّة على مستوى الحدث، الحرب على غزة، ولوحظ تراخٍ مجتمعيّ في التعاطي مع المظاهرات المختلفة التي اتخذّت طابع الحزبيّة في كثير من الأحيان.

ورأت الدراسة أننّا بحاجة إلى لجنة متابعة قويّة، كما أننّا بحاجة إلى إستراتيجيّة مواجهة تتفق عليها الأحزاب والهيئات، وأنْ نبتعد عن سياسات التخوين، ونحن بحاجة إلى سياسات ردع تحول دون استفراد المؤسسة الإسرائيليّة بنا كأقلية.

وتابعت: لم يكُن المجتمع الإسرائيليّ في يومٍ من الأيام مجتمعاً عادلاً وإنسانياً، فمنذ لحظة ميلاده هو مجتمع عنصريّ وفاشيّ ودمويّ، وقد انطلق منذ اللحظة الأولى من منطلق (الذاكرة الجماعيّة) التي هي احد أهم مركّبات البنية النفسيّة الاجتماعيّة الإسرائيليّة للصراع، وهذه الذاكرة بدورها تُشرعن التصرفات اليهوديّة أياً كانت من جهة، وتحتقر الآخر العربيّ والفلسطينيّ من جهة أخرى، وبذلك يُستباح ماله ودّمه وعرضه، كما أنّ هذه الذاكرة تؤسس لفكرة (الضحية) التي تتقن ممارستها المؤسسة والمجتمع على حدٍ سواء، وهي تُمارس هذا الدور مستعينة بآلاتها المختلفة،  الخاصّة والعامّة، وهذا بدوره خلق لديهم حالة من الاستعلاء العنصريّ على الفلسطينيّ فرداً ومجتمعًا، وهو ما يتوارثه الإسرائيليون جيلاً بعد جيل ليترجم بين الحين والآخر بأعمال عنصريّة وشوفينيّة تُمارس بحقّ مجتمعنا ومقدراته في الداخل الفلسطينيّ، وعمليات قتل ممنهجة للفلسطينيين في الضفّة والقطاع والشتات، وهذا كلّه يتّم عبر بوابات: الضحية، الاستعلاء، الفوقية والحداثة.

وأكدّت على أنّ المؤسسة الإسرائيليّة تنطلق في تعاملها مع الفلسطينيّ في فلسطين التاريخية من ثلاث ثوابت لا تتغيّر: أنّه جزء من منظومة حضاريّة متخلّفة، أنّه غير متنور وإنسانيّ وفقًا للمنظومة الغربيّة، وأنّ تدجينه يحتاج من ضمن ما يحتاج إلى بأس وقوة وبطش شديد.

ونتيجة لذلك، أضافت الدراسة، فقد سعت المؤسسة الإسرائيليّة للاستفراد بمجتمع الداخل الفلسطينيّ، وقد ركزّت في سنواتها الأخيرة على اخطر الفئات العمرية، وهي الشباب دافعةً بقواها المختلفة لتدميره، ففي حين تقتل أطفال وشباب غزة بالمتفجرات والحرب، تقتل أبناء الداخل الفلسطينيّ بالعنف والمخدرات والتفكك الاجتماعيّ والخدمة المدنية والترويض المباشر عبر سياسات التخويف الطائفيّ، ونتيجة لكل ما ذُكر، قالت الدراسة، نحن أمام مجتمع فاشيّ منذ لحظة ميلاده الأول المشّوه، وتتعاظم هذه الفاشيّة بسبب الأبعاد الدينيّة والسياسيّة وسيطرة التيّار الدينيّ-الصهيونيّ. ويقابل ذلك، بحسب الدراسة، حالة من التفكك والترهل في الشارع الفلسطينيّ في الداخل كلّه، ومجتمعنا مجتمع مهمش، والأنكى من ذلك أنّه متخاصم ويعيش انقساماً وكرهاً ومداهنات ونفاقاً سياسيّاً واجتماعيّاً تأصّل في حياة هذه الأقليّة، وتحولّ إلى حالة سرطانيّة تأكل جسدها، وقد أثخنها الفقر والجهل والغزو بكل  أنواعه، مشيرةً إلى أنّ التحدّيات التي أفرزتها هذه الحرب على مستوى الداخل أكدّت المؤكد وزادت المسألة وضوحًا، وباتت القيادات السياسيّة أكثر حرجًا من ذي قبل، وبالتالي لا بدَّ للقيادة السياسيّة في الداخل الفلسطينيّ أنْ تدرك أنّ هذا الداخل جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطينيّ، وأنّ هذه المجموعة الفلسطينيّة تملك من الآليات والإمكانيات ما يعينها على دفع القضية الفلسطينيّة وإبقائها حيّة، وبناءً عليه لا بدَ من العمل على خلق آليات تواصل مع مكونات شعبنا الفلسطينيّ، لأنّ هذه المجموعة هي عمقه الاستراتيجيّ، كما أنّ الشعب الفلسطينيّ في الضفّة والقطاع عمقها المقابل، ومن الضرورة بمكان تجاوز الخاص إلى العام والمصلحة الحزبيّة الضّيقة إلى مصلحةٍ وطنيّةٍ.

وخلُصت الدراسة إلى القول إنّه يتحتّم البت السريع في قضية لجنة المتابعة، وأنْ تجتمع الأحزاب للاتفاق على إستراتيجيّة نضال، ولو في الحدّ الأدنى متجاوزة خلافاتها وشخصانياتها، والخطوة الثالثة أنْ تكون دراسة جادّة بين الأحزاب تقوم بفحص جدوى العمل البرلمانيّ دون رتوش، والخطوة الرابعة تكليف الهيئات القانونيّة لمتابعة القوانين الإسرائيليّة المُدرجة في أروقة الكنيست، أوْ التي في طور التبلور، أوْ التي سُنّت ضدّ الداخل الفلسطينيّ، وفضحها دولياً وعالمياً، وأخيراً العمل على ملاحقة السياسيين الإسرائيليين الفاشيين محلياً وإقليمياً ودولياً.  

باحثة في علم الاجتماع السياسي(*)

 

اعلى الصفحة