محاولة للفهم!!.. عار ٌعلى أمة تحاصر نفسها.

السنة الرابعة عشر ـ العدد 158 ـ (ربيع الثاني 1436 هـ) شباط ـ 2015 م)

بقلم: د. كمال الهلباوى.

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

حضرت جانباً من فعاليات المؤتمر الثامن والعشرين للوحدة الإسلامية، الذي أقيم في طهران عاصمة إيران - بمناسبة المولد النبوي الشريف. أقول، حضرت جانباً لأنني لم أستطع حضور كل الفعاليات لسببين:

أولهما: أن رحلتي من القاهرة إلى طهران استغرقت 19 ساعة، علماً بأن المسافة بين البلدين لا يمكن أن تستغرق رحلتها أكثر من أربع ساعات باستخدام أقل الطيران في العالم كفاءة.

استغرقت الرحلة من القاهرة إلى دبي ثلاث ساعات ونصف، واستغرقت الرحلة من دبي إلى طهران ساعتين ونصف، والباقي ذهاب أو انتظار في المطارات، منها 7 ساعات كاملة من الانتظار في مطار دبي وحده. نعم المطار هناك يغري بالفرجة والتسوق، ولكن مثلي أحوج إلى الراحة.

السبب الثاني: هو التعب الشديد بعد هذه الساعات الطويلة من الانتقال والانتظار. لذلك كله حضرت جلسة عامة يوم الوصول، وجلسة أخرى لإتحاد علماء المقاومة، ومناقشة ميثاق الإتحاد المقترح فضلاً عن لقاءات بعض الوفود على مائدة الطعام أو بين الجلسات. ساعات الرحلة كانت كافية لمن يريد السفر إلى استراليا "مدينة سيدنى مثلاً "، أو أقصى مدينة في غرب أمريكا الشمالية "لوس أنجلوس"، أو حتى مدينة "فانكوفر" في أقصى غرب كندا.

قابلت بعض المشاركين من آسيا وأفريقيا وأوروبا والأمريكيتين والأردن وسوريا، وكلهم أو معظمهم، جاءوا إلى المؤتمر عن طريق دول الخليج وخصوصاً قطر أو الإمارات أو سلطنة عمان وأحياناً لبنان، أما معظم الذين شاركوا من أوروبا فجاءوا عن طريق إسطنبول- تركيا، وكلهم عانوا ساعات الانتظار الطويلة، كل ذلك بسبب الحصار على إيران والانقياد وراء الغرب في ذلك الحصار الظالم، وفشل منظمة المؤتمر الإسلامي في حل المشكلات السياسية بين المسلمين، بعضهم بعضاً، حتى تفرض عليهم الحلول من الغرب المهيمن بقيادة أمريكا. استمع كل من اجتمعت بهم، إلى وجهة نظر جديدة بالنسبة لهم عن مصر وموقف الإسلاميين أثناء حكم مرسي وبعده وعن النظام القائم والرئيس السيسي.

تعلمنا جميعاً في بلاد العرب والعجم، حديث رسول الله(ص): "مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" أو كما قال(ص). وتعلمنا من القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾(الأنبياء: 92). أسائل نفسي كثيراً أين الأمة الواحدة؟ سواء العربية أم الإسلامية وهي الأمة التي تعبد ربها كثيراً، لماذا لا تؤدي بها هذه العبادة إلى الوحدة والإحساس بالأخر والوقوف أمام الهيمنة الغربية والظلم؟ لماذا لا نستفيد من دروس التشتت والتمزق التي  تجرعناها لعقود طويلة؟.

كان من الممكن أن يتعلم العرب جميعا من أهل إيران كيفية التقدم العلمي والتقني وفلسفته حتى تحت الحصار، وكيفية الدخول إلى الميدان النووي الذي تفردت به إسرائيل على جيرانها، وكان من الممكن أن يتعلم العرب من إيران كيفية التعامل السياسي مع الغرب لا أن يقف العرب موقف الغرب، فيتجرعون كؤوس الهيمنة والتسلط والتدمير، كما حدث مع أفغانستان والعراق؟ جاء الإمام الخميني رحمه الله تعالى - بثورة عظيمة قام على إثرها بطرد السفير الإسرائيلي، وتم تسليم مقرات إسرائيل السياسة والثقافية إلى أهل فلسطين، لتستفيد منها المقاومة الفلسطينية. كان ذلك من الأعمال المجيدة للثورة الإيرانية، حيث لا فائدة منها للعرب وهي في يد الإسرائيليين إلا الخراب والتخريب. ألسنا نريد العدل وتحرير فلسطين؟ هذا جزء منه. كل ذلك بسبب النظرة الطائفية الخاطئة.

للأسف الشديد، العرب في جملتهم أو معظمهم يتبعون أحد المذاهب الأربعة السنية، وينقسمون فقهياً إلى مدارس، مدارس فقه الأحناف أو المالكية أو الشوافع أو الحنابلة، وهذا جميل في موقعه، ولا ينبغي أن ينكر بعضهم على الآخر، فالمختلف فيه لا إنكار فيه، وكلٌّ يختار العبادة على المذهب الذي يريد، ولكن هناك من ينكر، ويرى أن مذهبه فقط هو الحق، ونشأت من ذلك فرق تكفيرية، تشددت وتطرفت أولاً ثم استخدمت العنف والإرهاب ثانياً. علينا أن نحترم المذاهب الأخرى ظهرت على الآخرين أم لم تظهر.

يقول بعض أتباع هذه المذاهب الأربعة، وهم أضعافُ أضعاف أتباع المذهب الإثني عشري والمذهب الإباضي والمذهب الزيدي، إنهم يخشون من نشر المذهب الشيعي، وأنا أقول لهم كما قلت سلفاً مراراً وتكراراً، وأنا سلفي للنخاع، هل المذهب الإثنا عشري يخيفكم؟ هل هذا المذهب أقوى من المذاهب الأربعة مجتمعة؟ هل هذا المذهب من حديد أو صخر، ومذاهبنا نحن أهل السنة من ورق أو زجاج؟.

 إن مصر لم تتحول إلى المذهب الإثني عشر على الرغم من مدة حكم الفاطميين الطويلة ولكنهم يحبون أهل البيت عليهم السلام أكثر من غيرهم، كما أن الشيعة ليست ديناً آخر، كما يرى بعضهم ظلماً وتشدداً لا يتفق مع وسطية الإسلام. هم يقولون كما نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهي شهادة من قالها دخل الإسلام ودخل الجنة على ما كان عليه من عمل، كما في البخاري ومسلم. هي بوابة الإسلام ومن دخل من هذه البوابة، ليس لأحد أن يخرجه من الإسلام بقول أو عمل، إلا إذا كان مخرجاً من الملة، وهو ما يسمى بنواقض الإسلام أو نواقض الشهادتين، على اختلاف طفيف أو كبير بين العلماء.

أتوقف مع القارئ العزيز عند أربع نقاط:

النقطة الأولى: هي دور التقريب ومنها الدار في مصر، التي شارك في تأسيسها وجهودها الأئمة حسن البنا والإمام القمي وغيرهم. وكثرة انتشار هذه الدور وتفعيلها أمر في غاية الأهمية والضرورة. وهذا يعين من خلال الحوار العلمي الهادف إلى تخفيف حدة التشدد والتطرف الذي نحاربه أو نزعم أننا نحاربه.

النقطة الثانية: هي قول الإمام الشيخ شلتوت المعتبر بشأن جواز التعبد على المذهب الإثني عشري. وهو رحمه الله تعالى من كرام العلماء.

النقطة الثالثة: هي قول الشيخ محمد الغزالي في صفحة(33) من كتابه "مع الله" حيث يقول نصاً: "هناك خلافات علمية، ومذهبية، حفرت فجوات عميقة بين المسلمين، وقطعتهم في الأرض أمماً متدابرة، وهم في واقع أمرهم وطبيعة دينهم أمة واحدة.. والدارس لهذه الخلافات يتكشّف له على عجل، أنها افتعلت افتعالاً، وبُولِغَ في استبقاء آثارها وتفتيق جراحاتها، بل في نقل حزازات شخصية، أو نزعات قبلية إلى ميدان العقيدة والتشريع، وذاك ما لا يجوز بقاؤه إن جاز ابتداؤه".

ثم يواصل الشيخ الغزالي قوله: "وكلما زادت حصيلة العلم الديني، وتوفرت مواد الدراسة الصحيحة انكمشت الخلافات، واتحدت الأمة الإسلامية منهجا وهدفاً".

ويستمر الشيخ الغزالي في كلامه القيم في ذلك الكتاب فيقول: "ولذلك نحن نرى التقريب بين هذه المذاهب فرضاً لا بد من أدائه، وأخذ الأجيال الجديدة به. كما نرى ضرورة إحسان النظر في دراسة التاريخ الإسلامي، وتنقيته من الشوائب التي تعكِّر صفاءه".

هذا هو رأي الشيخ العلامة "الغزالي": التقريب بين المذاهب فرض لا بد من أدائه.

النقطة الرابعة: هي ما جاء في تحقيق "كتاب منهاج السنة النبوية" لأبن تيمية. قام بتحقيق الكتاب العالم السلفي المستنير الأستاذ الدكتور محمد رشاد سالم، حيث جاء في صفحة(94) من المقدمة ما يلي: "وقد قامت جماعة تقول بوجوب التقريب بين المذاهب الإسلامية، وعدم جواز التعرض للخلافات بين الفرق الإسلامية المختلفة، حتى نحافظ بذلك على وحدة الصف بين جميع المسلمين، وعلى هذا الرأي يكون نشر كتاب مثل (منهاج السنة) فيه نقد لمذهب الشيعة والمعتزلة، ما يزيد الخلاف ويشيع الفرقة، وهو ما يجب أن نعمل على تلافيه وتجنُّبه. ولا ريب أن اتحاد المسلمين واجتماع كلمتهم، هو ما يجب أن يسعى إليه جاهداً كل مسلم غيور على دينه مخلص لعقيدته، على أن هذا الاتحاد يجب أن يكون على الحق لا على الباطل، وعلى أساس التمسك بالكتاب والسنة، كما أمرنا الله تعالى بذلك في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾(سورة آل عمران 103)، وحبل الله، هو كتاب الله..

هناك من يسعى جاهداً لكي يدخل الناس الجنة أو النار في زماننا هذا بسبب الاختلاف المذهبي أو كراهية الطوائف الأخرى، وأصحاب هذا المنهج المتشدد هم مدد بشكل أو آخر للداعشية والفكر الداعشي، ويحض بعضهم عليها دون أن يدرى، حتى لو اشترك في السياسة وشملته لافتة "الإسلام السياسي" ولهذا الحديث عودة مع توصيات هذا المؤتمر الذي دعا إلى الوحدة الإسلامية. وأعتقد أن كل من يدعو إلى الوحدة الإسلامية يدرك أن سندها وأساسها هو الوحدة العربية أولاً. والله الموفق.  

اعلى الصفحة