كيف نقدّم "عاشوراء" للأجيال القادمة؟

السنة الثالثة عشر ـ العدد 155 ـ (محرم 1436 هـ) تشرين ثاني ـ 2014 م)

بقلم: الشيخ جمال الدين شبيب

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

إن التفاعل مع ثورة الإمام الحسين في عاشوراء هو تفاعل مع حركة الحق الممتدة عبر التاريخ. لم يخرج الإمام الحسين مقاتلاً يحمل سيفاً يريد أن يقاتل الناس به. بل كان كجده رسول الله(ص) يحمل القرآن الكريم ويتلو على الناس آياته، ويعلمهم كيف يتدبرونها ويعيشون قيمها في حياتهم الدنيا لتوصلهم بسلام إلى الحياة الآخرة الأبدية.

ومنذ تلك الثورة وبعد أكثر من ألف عام ونيف مازال المسلمون يحيون ذكرى استشهاد الإمام الحسين(ر) وثورته ليؤكدوا للأجيال القادمة حتى قيام الساعة، جملة من المفاهيم القرآنية والإسلامية الراسخة في وجدان الأمة بالأساس وفي مقدمها أن الحرية حق للإنسان أراده الله مزية للمؤمنين وصفة لازمة كما العزة التي أرادها الله لذاته الشريفة ولرسوله وللمؤمنين.

هذه الحرية التي منحها الله الخالق سبحانه للإنسان ليس من حق أي حاكم أن ينتزعها أو يصادرها أو يقلل من شأنها. لأنها صمام أمان الأمة في السياسة والاجتماع والاقتصاد وكافة شؤون الحياة.

نعم قليلٌ هم أولئك الذين يتسنّمون قممَ الخلودِ والسموِ والعظمة، وقلةٌ هم أولئك الذين ينفصلون عن مجرياتِ الزمان والمكان ليكونوا ملكاً للحياة ومثلاً أعلى للإنسانية. وأولئك القلةُ هم عظماءُ الحياة، وأبطالُ الإنسانية، ولذلك تبقى مسيرةُ الحياةِ ومسيرةُ الإنسانِ مشدودةَ الخُطى نحوهم... وما أروعَ الشموخَ والسموّ والعظمة إذا كان شموخاً وسمواً وعظمةً من صنعِ الإيمان بالله تعالى، ومن صياغة ِالتربية النبوية الشريفة.

وحياةُ العظماءِ والعلماء المصلحين من أمثال الإمام الحسين(ر) ستبقى عبر الدهور مصدرَ إشعاعٍ دائمٍ للرُّوح والفكر، ومنهلاً عذباً للخيرِ والعطاء، وينبوعَاً فيّاضاً بالحكمةِ والكمالِ والمعرفة، تستوحي الأمةُ منها في حاضرِها ومستقبلِ أيامها الإيمانَ الصادق، والعقيدةَ الراسخة، والثباتَ على الحق، والأخلاقَ الفاضلة، والمُثـلَ العليا، ومعانيَ الكرامةِ والعزة، حياتهم مدرسةٌ كبرى للإنسانيّة في فكرِها وثقافتها، ومعالمُ وضّاءة لتحقيقِ مبادئ الحقِ والعدالة.

من هنا كان الخلودُ حقيقةً حيّة لرجالاتِ المبدأ والعقيدةِ والنهوضِ والإصلاح، ومن هنا كان في دنيا المسلمين تاريخٌ مشرقٌ نابضٌ بالخلود، وقممٌ من الرجال صنعوا العظمة في تاريخهم، وأضاءوا النورَ في دروب البشرية.

آل البيت النبوي ومكانتهم في الإسلام

أن من أهم ما ينبغي أن نؤكد عليه عندما نحمل رسالة عاشوراء للأجيال القادمة هو مكانة آل البيت النبوي في الإسلام. ودورهم في نصرة الدين وحمل رسالة الإسلام للعالمين.ذلك أن من أخطر الاستهدافات التي كانت سبباً في حصول واقعة كربلاء هي طمس هذه المكانة وتشويه ذلك الدور العظيم لأهل البيت الذي تسانده آيات قرآنية وأحاديث نبوية وتؤكد على أهميته في حركة الإسلام.

إذ ليس ثمةَ في الأمةِ من يساوي أهل بيتِ النبوة عليهم السلام في عظمتِهم وفضلِهم، ولا يباريهم في شرفِهم ونسبِهم، ولا يرتفعُ إليهم في مقامِهم ومكانتهم:

يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾، جاء في المستدرك على الصحيحين عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: عندما نزلت آية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال: (هؤلاء أهل بيتي، اللهمَّ فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً).

وجمهور العلماء يَرَوْن أنّ هذه الآية الكريمة منبعُ فضائلِ أهل البيت لاشتمالها على غررِ مآثرهم واعتناءِ الباري عز وجل بهم حيث أنزلها في حقهم.

ويقول تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، روى الإمام أحمد والطبرانيّ وابن أبي حاتم والواحديّ عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من قرابتُك الذين وجبتْ علينا مودتُهم؟ قال: عليّ وفاطمة وأبناؤهما.

وروى الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله(ص) يوماً فينا خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: (فإنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسولُ ربي فأجيب، وأنا تاركٌ فيكم كتابَ الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتابِ الله واستمسكوا به، وأهلَ بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي).

وفي رواية الإمام الترمذيّ: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أكبر من الآخر، كتابُ الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما).

وروى الترمذيّ والحاكم عن ابن عباس عن النبي(ص) أنه قال: (أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي ).

وروى الديلميّ عن الإمام عليّ رضي الله عنه عن النبي(ص) (أثبتكم على الصراطِ أشدُّكم حبّاً لأهل بيتي وأصحابي).

روى الإمام البخاريّ عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: (ارقبوا محمداً في أهل بيته، والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله (ص) أحبّ إليّ من قرابتي).

وروى الدارقطنيّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (تحببوا إلى الأشراف وتوددوا، واتقوا على أعراضِكم من السَّفلة، واعلموا أنه لا يتم شرفٌ إلا بولاية عليّ بن أبي طالب).

والحديث أيها السادة عن أهلِ البيت حديثٌ قديمٌ جديد، فمنذ صدرِ الإسلام، وإلى يومنا هذا، وإلى ما بعد يومنا هذا، سيبقى المؤرخون وأهلُ السير والعلماءُ والفقهاء - من سُنّة وشيعة على حدّ سواء - يتحدثون في مناقب أهل بيت النبي (ص)، وستظل الأقلامُ تُسَطِّر عظمتهم، فلقد استوقفت سيرُهم الباحثين من أممٍ مختلفة ومذاهبٍ متباينة، لأنهم وجدوا فيها هيبةَ الحقّ، وقوةَ العلم، وكرامةَ الإنسان واحترامَ الحياة وجلالَ الكون، فاستلهموها واتخذوا منها مقياساً للحق والفضيلة، ومصدراً للثبات على الحقّ والتضحية والكرامة والفداء.

وسيبقى المؤرخون وأهلُ السير والعلماءُ والفقهاءُ - من سُنَّة وشيعة على حدّ سواء - يتحدثون في حبِّ الصحابة الصادقين لأهل بيت النبوة، وحبّ أهل بيت النبوة لصحابةِ رسول الله (ص)، لذا علينا من منطلق حبنا لنبي الإسلام أن نعيد قراءةَ التاريخ الإسلاميّ بيقينِ الحقيقة لا بالتوهم والشك بحيث لا نترك مجالاً للجاهلين والعابثين والحاقدين أن يحرفوا في سيرة أهل البيت وسيرة الصحابة الذي قال فيهم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم).

معالم الشخصية الحسينية

إننا لا يمكن أن نلجَ آفاقَ العظمةِ عند الإمام الحسين إلا بمقدار ما نملك من محبة ٍ عارمةٍ لأهلِ بيتِ النبوة، وانكشافٍ في الرؤية والتبصر، وسموٍ في الرُّوح والذَّات... فكلما تصاعدت هذه الأبعاد، واتسعت هذه الأُطُر، كلما كان الانفتاحُ على آفاقِ العظمة في حياة الإمام الحسين أكثرَ وضوحاً وأبعدَ عمقاً... فلا يمكن أن نعيشَ العطاءَ الحي لفيوضاتِ الحسين، ولا يمكن أن تغمرَنا العَبقاتُ النديّة والأشذاءُ الرويّة لنسمات الحياة تنسابُ من أفقِ الحسين، ولا يمكن أن تجللُنا إشراقاتُ الطهرِ تنسكب من أقباسِ الحسين إلا إذا حطمت عقولُنا أسوارَ الانغلاق على النفس، وانفلتت من أسر الرؤى الضيقة، وتسامت أرواحُنا إلى عوالم النبلِ والفضيلة، وتعالت على الحياةِ المثقلة بالفهم الماديّ الزائف.

فيا من يريدُ فهمَ الحسين، ويا من يريدُ عطاءَ الحسين، ويا من يتعشقُ نورَ الحسين، ويا من يهيمُ بعلياءِ الحسين، افتحوا أمامَ عقولكم منافذَ الانطلاق إلى دنيا الحسين،، وحرّروا أرواحكم من أثقالِ التيه في الدروب المظلمة المعتمة، بذلك تنفتح دنيا الحسين، وعند ذلك تتجلى الرؤيةُ وتسمو النظرةُ ويفيضُ العطاء.

يجب أن تتعرف الأجيال القادمة على معالم العظمة والسمو في شخصية الإمام الحسين(ر) الحسين بن علي(عليه السلام) الرشيد - الطيّب - الوفيّ - السيّد - الزكيّ - المبارك - التابع لمرضاة الله - السِّبط - سيّد شباب أهل الجنة الإمام المظلوم الشهيد السعيد....

قمةٌ من قممِ الإنسانية الشامخة، وعملاقٌ من عمالقةِ البطولة والفداء، فالفكرُ يتعثر واللسانُ يتلعثم، واليراعُ يتلكأ، عندما يقف الفكر واللسان واليراع أمام إنسان فذّ كبير كالإمام الحسين، وأمامَ وجودٍ هائلٍ من التألقِ والإشراقِ كوجود الحسين، وأمامَ إيمانٍ حيٍ نابضٍ كإيمانِ الحسين، وأمام سموٍ شامخٍ عملاقٍ كسمو الحسين... وأمام حياةٍ زاهرةٍ بالفيضِ والعطاءِ كحياةِ الحسين..

فأعظم بإنسان.. جدُّه محمدٌ سيد المرسلين، وأبوه عليٌّ بطلُ الإسلام الخالد، وأمّه الزهراءُ فاطمة سيدةُ نساء العالمين، وأخوه السِّبط الحسن ريحانة الرسول، نسبٌ مشرقُ وضّاء ببيتٍ زكيٍّ طهور.

يُجمع المسلمون كما يُجمع المؤرخون والكتَّاب أنّ الحسن والحسين عليهما السلام هما (سيّدا شباب أهل الجنة)، وأنّ لهما مزيةً خاصة بنسبهما الشريف ومكانتهما من محبة النبي(ص)، وهما بهذه المزيةِ والمكانة أحب الناس إلى قلوب المسلمين.

سماهما النبي(ص)، وذهبا وإخوتهما بكلّ ما في فؤاد النبي عليه الصلاة والسلام من محبة البنين، فكان عليه الصلاة والسلام لا يطيق أذاهما ولا يحب أن يستمعَ إلى بكاءٍ منهما في طفولتهما، فقد خرج النبي(ص) يوماً من بيتِ السيدة عائشة رضي الله عنها، فمرَّ على بيتِ السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وسمع حُسيناً يبكي فقال:(ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني).

إنّ شخصيةَ الإمام الحسين عليه السلام هي شخصيةٌ فريدةٌ متميزة في نوعِها تجسدُ القيمُ الإسلاميةُ في كل أبعادِها وتفاصيلها، إذ ترعرع في بيتِ النبوة المحمديّ على الذكرِ والتقوى والفقهِ والصلاحِ والشجاعةِ والفصاحةِ، وهي شخصيةٌ تمثلُ القيمة الإنسانية الروحيّة التي انفتحت على شريعةِ الله أوسعَ انفتاح، وعايشت عمقَ المفاهيم الإسلاميّة كأعمقِ ما يكون العمق، وانطلقت مجسدةً تعاليمَ الإسلامِ بكل القضايا المتصلة بالإسلام.

لقد كان الحسين بحكمِ نشأتِه وتربيته ومزاياه الفطريّة، وبحكم الوراثةِ الخَلقيّة من أكرم بيت وأشرف خَلق، مؤمناً أصدقَ الإيمان بالله تعالى، حريصاً أشد الحرصِ على شريعة الإسلام أن يمسها أحدٌ مهما علت منزلته بسوء، صلباً أشد الصلابةِ في إحقاق الحقّ ومراعاة أحكام الدِّين القويم، لا تأخذه في الله لومة لائم... كان هذا شأنه، ومن كان هذا شأنُه وهذه مبادؤه ومعتقداتُه كان من العسير عليه أشدَ العسرِ، لا بل من المستحيلِ أعظمَ ما تكون الاستحالة، أن يغضَّ الطرفَ أو أن يرضى بالزيفِ الصارخ والانحرافِ عن نهج الدين القويم وإنكارِ حق الأمة في التشاور والاختيار.

مسيرة الإصلاح والتضحية

وسيرة الإمام الحسين عليه السلام هي مسيرةُ الإصلاحِ والتضحية، وهي قصةُ الصراع العنيف بين اتجاهين:

- اتجاه الإصلاحِ والخيرِ والأريحيةِ والحريةِ والعدالةِ والتضحيةِ، وكلّ ما يرتفع بالإنسان من دركِ الحيوانية إلى أوجِ البراءة والنقاء.

- واتجاه الشرِّ واللؤمِ والاستبعادِ والظلمِ والقهر، وكل ما ينحدرُ بالإنسان إلى حضيض المهانةِ والانحطاط.

وإنّ من يطالعُ سيرةَ سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام ابن الإمام عليّ رضي الله عنه ويستجلي أحوالَ من خاضوا غمرات أحداثها سيعثر على فئتين من النّاسِ هما على طرفيّ نقيض:

- فئة الحسين وأنصارِه وأتباعه ومؤيديه، التي تتمثل فيها أسمى وأشرفُ ما بلغته الإنسانيةُ في تاريخ حضارتِها، وأنبلُ ما بثّته الأديان ودعت إليه من خصالِ الخيرِ وإعلاء كلمة الحق والجودِ بالنفس في سبيل نصرةِ المظلوم والقضاءِ على الضلال والسادرين فيه.

- وفئة المناوئين للحسين فئة باغية كما وصفها النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، مع الذين تخلَّوا عن نصرتِه، الذين أعمتهم منافُعهم الذاتية ومطامُعهم الدنيوية عن جلالِ قدره ورفعةِ مقامه وقرابتِه من سيد الأنبياء والمرسلين وتحدرِه من أكرم أبوين، من أب دافع عن الإسلامِ بسيفه، وروَّع قلوب أعدائِه بإقدامه وشجاعته، ونوِّر أذهانَ المؤمنين بواسع علمِه وسحرِ بيانه، ومن أم معطَّرةِ الأنفاس بنفحات النبوة، مطهَّرةِ الأخلاقِ والشيم بعبقِ الوحي والرسالة.

وإنّه... (عليه السلام) وبعد طولِ تأملٍ وتفكيرٍ واستماعٍ إلى المشيرين بالإقدامِ والناصحين بالنكوصِ والإحجام، وبعدما تبدى لعينيه العجبَ العجاب من ثباتِ العامرةِ قلوبُهم بالإيمان، وتهافت الخائرةِ نفوسهم والمجبولةِ قلوبهم على إيثار الخذلان والاستسلام، أقدم على خوض المعركة واضعاً نصب عينيه الانتصارَ للحق أو الشهادةَ بعز وكرامة في سبيل حق آمن به وتحملَّ من أجلهِ ما لا يتحمله إلا أولو العزم من الرِّجال، فكان باستشهادِه سيدَ الشهداء، قدّم للبشريةِ ولأمتهِ أبلغ شهادةٍ تنطوي على أسمى معاني الاستشهاد في سبيلِ أسمى قضيةٍ هي قضيةُ الإصلاحِ والعدالة في أمة جدِّه محمد عليه الصلاة والسلام.

نقرأ قول الحسين(ع): "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً، وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي " فهو لم يتحدث عن عائلة أو منطقة، إنما تحدَّث عن الأمَّة كلَّها، لأنه كان يتحمَّل مسؤولية الأمَّة كلَّها من خلال إمامته ومسؤوليّته".

كان الإمام يريد إصلاح الأمَّة بكلّ أفرادها وتنوّعاتها، وكان يريد أن يغيّر الواقع من خلال التركيز على نقطتين اثنتين:

أولاً: سيادة القانون، فهم عطّلوا الحدود، ولابدّ من أن تقام الحدود في الدولة الإسلامية.

ثانياً: استأثروا بالفيء، وهو مال الأمَّة، وعلى المسلمين الحفاظ على مال الأمة الذي هو مال الله...

من هنا لا يجوز لنا أن نجعل عاشوراء قضيّة طائفية مذهبية مغلقة يتعقَّد منها بعض المسلمين، لأنها فوق كل هذه التعقيدات، وقد انطلقت من القيم الرسالية الإسلامية الإنسانية وتمثَّلت فيها شخصية الحسين(ع) ابن بنت رسول الله(ص) وموضع ثقة وتقدير كل المسلمين والمؤمنين، فكانت القيمة امتداداً للقيادة النبوية، وكان القائد تجسيداً للقيم الرسالية.

السيرة الحسينية ووحدة الأمة

عندما نقدّم سيرة الإمام الحسين للأجيال القادمة علينا أن نقدمها من منطلق التأسي والاعتبار وليس من منطلق التعصب والتمذهب البغيض لأن إمامنا الحسين(ر) لم ينطلق من عصبية أو نزعة مذهبية بل انطلق في ثورته من قيم الإسلام ومن أجل إعادة الاعتبار إلى الحكم الشرعي دون سواه. بل وقف من أجل إسقاط التعصب القبلي والتمذهب الفارغ من أي مضمون.

 لقد أراد الإمام الحسين(ر) أن يحرّر الذين اتَّخذهم الظّلمة عبيداً لهم، وأراد الله من خلال ذلك أن يرسم إطاراً للبعد الإنساني الذي ينطلق من أجل أن يحقّق الحرية للإنسان... من هنا علينا أن نقدّم عاشوراء إلى العالم كلّه في بُعدها الإسلامي والإنساني دون أن نحصرها في الدائرة الطائفية الخاصَّة، لأنَّ الحسين إمام المسلمين جميعاً. 

علينا أن نستلهم العبر من السيرة الحسينية التي هي في الحقيقةِ سيرةُ وحدة الأمة الإسلامية الرحبةِ والعميقةِ كرحابةِ وعمقِ الإسلام، تاركين ورافضين شعاراتِ التفرقة والتمذهبِ المسيئةِ إلى الوحدة الإسلامية، لنقدمَ عبر تجديد الخطابِ لهذه السيرة رمزاً للوحدةِ الإسلامية التي هي أساسُ الدائرةِ الإسلاميةِ الواسعةِ المنفتحة على الإنسانية كلها.

نحن بحاجةٍ ماسة إلى وحدتنا الإسلامية، وبحاجة ماسةٍ إلى النهجِ والفكرِ الحسينيّ الذي هو في حقيقته النهجُ الإسلامي في الإصلاحِ والعدالةِ والتضحيةِ والفداءِ والثورةِ على الظلمِ والاسـتبدادِ والاسـتعباد، لمواجهة التحديات وما يُحاك لأمتنا من مؤامرات ومكائد، وما يفرض عليها من مشاريعِ إذلالٍ ومناهجِ قهرٍ واستعباد.

إنّ الأخطار التي تهدد وجود أمتنا الإسلامية اليوم هي أخطار تفوقُ التصور، وبخاصة ونحن في عصرِ الغطرسةِ والاستكبار والعولمة، وبعض المسلمين بكل أسف يعطون الفرصة للآخرين للتمكن منها ومن ثرواتها وإبقائها في حالة تخلف مستمر، وإنّ من أهمِ العواملِ التي تمكن أعداءَ الأمةِ منا يتمثل في الفرقةِ والتنازعِ والتكفير والصراعاتِ المدمرة المتعددة الأبعاد بين المسلمين أنفسِهم، سواء كان هذا التنازع أو التفرق في أمور الدين أو السياسة أو بسببِ الفوارقِ الطبقية الصارخة أو بسببِ الصراعاتِ القبلية أو العرقية التي تحيي ما كان قائماً في الجاهلية.

لقد جاء التحذير الإلهي من كل ذلك حاسماً قاطعاً في أوجزِ وأعجزِ عبارة في القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.

إنّ الفرقةَ والتنازعَ والتناحرَ سلبياتٌ تؤدي إلى الفشلِ الذي تكون نتيجته الحتمية هي ذهابُ قوةِ المسلمين التي يكونون بعدها لقمةً سائغةً في أيدي أعدائهم كما هو واقع اليوم بالفعل في فلسطين والعراق وأفغانستان.... وغيرها من مناطق العالم الإسلامي.

ولا شك أن التعصبَ للخلافاتِ المذهبية في أمور الدين، والتناحرَ من أجلِها تعدُّ من العقباتِ الخطيرة في سبيل وحدة الأمة الإسلامية، فقد آن الأوان لأن يدركَ المسلمون جميعاً أن الإسلامَ في جوهره لا يعرفُ التصنيفاتَ المعتادة من سنة وشيعة وفقهاء ومتصوفة وغيرَ ذلك من مسميات، وعينُ اليقين أنه لا ذنبَ لأي مسلمٍ من المسلمين اليوم في أي نزاعاتٍ حدثت بين الأسلافِ في الماضي وأدت في بعض الأحيان إلى صراعاتٍ دامية، فهذا تاريخٌ مضى وانقضى، سلمت منه أيدينا فلتسلم منه ألسنتنا.

على الأمة أن تجتمعَ على ما تتفقُ عليه، وعلى المسلمين أن يعذرَ بعضهم بعضاً فيما يختلفون فيه، فالجميع مسلمون والقرآن الذي يتلونه صباحاً ومساءً لا خلاف عليه بينهم، وعلى المسلمين أن يدركوا أن الأخطار التي تهددهم في عالم اليوم لا تفرق بين سنيّ وشيعيّ أو درزيّ أو علويّ، ولا بين حنفيّ أو جعفريّ أو شافعيّ أو حنبليّ أو مالكيّ أو زيديّ أو إباضيّ، فالجميع مُستهدفون بوصف واحد هو أنهم مسلمون.

إنّ الوحدةَ الإسلاميةَ اليوم أصبحت أشدَّ ضرورةً منها في أي وقت مضى، وهي ضرورةٌ تنبع من مصدرٍ ديني ولكنها تصبّ في مصلحة المسلمين جميعاً وفي مصلحةِ السلام العالمي بصفة عامة، وهي امتثالٌ لأمرِ الله تعالى في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾، وهي بلا شك ستقوي جانبَ المسلمين وتزيدُ من تعاونهم فيما بينهم في جميع المجالات مما يزيدُهم قوة، ويجعلهم أقدرَ على العمل من أجل تقدمِ بلادهم والارتقاءِ بشعوبهم، وتجعلهم أقدرَ على المشاركة الفعالة في صنعِ السلامِ في العالم، والإسهامِ بدور حاسم في تقريرِ مصيره لأنه عالمُنا جميعاً.

اقتران النظرية بالتطبيق

إن من أهم جوانب عظمة الثورة الحسينية هو اقتران النظرية بالتطبيق.. فما أهون أن ينتقد إنسان ما ظاهرة ما.. يتكلم ويتكلم.. لكن  العظمة كلها تكمن في التطبيق لا بمجرد التنظير.. هذا نظام فاسد سيسألك الله ماذا قدمت لإصلاحه..؟ وهل هناك أغلى من الدم؟! لا يجرؤ على تقديمه إلا الأبطال والمخلصون والمجاهدون الرساليون..

إذا رأيت الحسين (ع) رأيت الإسلام، وإذا درست الإسلام التقيت بالحسين(ع)، فليس هناك نوع من أنواع الإثنينية بين الحسين(ع) والقيمة العليا التي يمثّلها، لأنَّه ذاب في الإسلام وعاش الإسلام في عقله وقلبه وحركته وحياته، حتى إنه في جهاده انطلق شهيداً من أجل الإسلام.

لقد كان الحسين(ع) إماماً للمسلمين جميعاً، كانت حركته في خطّ إمامته، وكانت دعوته في خطّ الدعوة لإمامته، وكانت تضحيته بدمه ودماء أهل بيته وأنصاره انفتاحاً لذوبان الإنسان بالله، ولتأكيد الحرية التي أرادها الله لكلّ مؤمن ومؤمنة، والعزة التي أرادها الله لنفسه ولرسوله وللمؤمنين.ولتأكيد اقتران النظرية بالتطبيق في الإسلام..كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون..وحاشاه رضوان الله عليه.

عود على بدء

عندما نقدم عاشوراء للأجيال القادمة علينا أن ندرك بأنّ العصر الذي نعيش وما سيليه لم يعد فيه مكانٌ للضعفاء، والمسلمون ليسوا بقلةٍ، إلا أنّ قوى الاستكبار المعولمة تريد لنا أن نكون أمةً حائرةً في عالم متحير عبر تهميش دورِنا وبث الصراعات بين مكونات أمتنا بل تستغل أمراض الأمة المتمثلة بنزعات التطرف والإرهاب والتكفير لفرضِ مشاريعَ علينا تتنافى مع معتقداتِنا وتقاليدِنا وأعرافِنا وقيمنا وأخلاقنا وتتنافى مع النهج الحسينيّ الذي هو في حقيقته هو النهج المحمديّ والنهج الإسلاميّ الأصيل.

من هنا.. علينا في هذه المراحل الصّعبة والمعقّدة والخطيرة من تاريخ أمتنا، والّتي يُراد لها أن تكون مرحلة صناعة الفتنة المتنقّلة، أن نستهدي كربلاء، ونستحضر كلّ ذلك التّاريخ النّاصع لأهل بيت النبوّة(ع)، لنعمل على صناعة الوحدة، بالكلمة الطيّبة، والموقف الواعي، والدّعوة بالّتي هي أحسن، لأنّ الذي يروّج للفتنة أو يمهّد لها، لا يمكن أن يلتقي بالحسين(ع) من قريب أو بعيد، لأنّ الحسين هو رمز الوحدة الإسلاميّة، ويتّفق على محبّته ورساليّته كلّ المسلمين، ولا يمكن لمن يعمل للفتنة المذهبيّة، أو لمن يستجيب لخطط الأعداء في صناعة الحروب المتنقّلة، أن يكون نصيراً للحسين ومحبّاً له، أو أن يحسب نفسه في جماعته ومن أنصاره.

وختاماً إن كان من كلمة أخيرة أقول: وحدهم الذين ينطلقون اليوم، في خطّ الحريّة والمقاومة والممانعة والتحدّي للاستكبار العالمي ولجرائم الإرهاب ودعاوى التكفير والإقصاء، ويقدمون دماءهم رخيصة ذوداً عن الأمة في معركتها ضد أعدائها الداخليين والخارجيين وحدهم عندما يبكون المأساة يذرفون الدموع الحارَّة، الدموع الحسينيَّة الرسالية يشعرون بمعنى شهادة الإمام الحسين ويقدرون تمام التقدير ثورته الرسالية التي يجب أن تبقى نبراساً للأجيال القادمة. لإمامنا الجليل الحسين(ر) ولهم منّا.. كل التحية والسلام.

اعلى الصفحة