ترجمات

جنود الجيش الإسرائيلي تصدوا للأنفاق بلا خطط وبلا تدريبات وبلا عتاد مناسب

السنة الثالثة عشر ـ العدد 155 ـ (محرم 1436 هـ) تشرين ثاني ـ 2014 م)

 ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

أجرت صحيفة هآرتس تحقيقاً عن الإخفاقات التي واجهها الجيش الإسرائيلي، خلال عملية الجرف الصلب، لافتةً إلى أنه وعلى الرغم من المعلومات التي تحدثت عن وجود أنفاق إلا أن الأمر لم يستدرك إلا مع اندلاع الحرب وبالتالي أدت إلى مواجهة الجيش لمشاكل كثيرة في معالجتها.

وكتبت الصحيفة بأن فجوات كبيرة في التأهيل، في التدريب وفي العتاد جعلت من الصعب على الجيش الإسرائيلي القيام بمهامه الأساسية في الحرب التي كانت في الصيف في قطاع غزة، في تدمير الأنفاق الهجومية التي حفرتها حماس من القطاع إلى إسرائيل. وفي زمن القتال ضد حماس استولى الجيش الإسرائيلي على منطقة بعرض نحو 2كم في أطراف الأراضي المبنية الفلسطينية، من شمال القطاع وحتى جنوبه، كي يدمر 32 نفقاً هجومياً أشارت إلى موقعها اذرع الاستخبارات. ولكن هذه الفجوات، إلى جانب خطط عملياتية جزئية تم تعديلها واستكمالها في اللحظة الأخيرة فقط، أدت إلى تمديد العملية البرية إلى ما يتجاوز التوقعات الأصلية لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

ونتجت التأخيرات أيضاً من حقيقة أن المجلس الوزاري المصغر تردد طويلاً في إقرار العملية ضد الأنفاق، على خلفية التحفظات في المؤسسة الأمنية نفسها. وللمفارقة، فبالذات الهجوم المبكر على فوهات الأنفاق من الجو جعل صعباً عمل القوات على الأرض ما إن دخلت هذه إلى القطاع لأنه شوش العثور على مسارات الأنفاق. وإذا لم يكن هذا بكاف، فقد كانت تنقص القوات البرية الوسائل المناسبة لتفجير الأنفاق بعد أن تم العثور عليها.

الجوانب المختلفة المتعلقة بقضية الأنفاق نشرت هنا في ظل الحرب وفور انتهائها. أما التحقيق الحالي فيستند إلى محادثات مع نحو 20 من المشاركين المركزيين في العملية وفي إقرارها: وزراء في المجلس الوزاري المصغر، ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي، رجال استخبارات وكذلك ضباط وجنود شاركوا في تدمير الأنفاق. وعندما تبين حجم تهديد الأنفاق، تركز النقاش الجماهيري في الصعوبة المتواصلة في إيجاد حل تكنولوجي للعثور عليها وفي مسألة ما الذي عرفته الاستخبارات. والصورة المتبلورة الآن أوسع بكثير، وهي تكشف فجوات في سلسلة من المجالات. فالاستعداد والمعالجة للأنفاق لا يزال يفترض أن تفحص بجذرية من جانب لجنة الخارجية والأمن في الكنيست.

المشروع الاستراتيجي

الاستخدام الأول الذي أجراه الفلسطينيون في القطاع لنفق هجومي داخل أراضي إسرائيل كان في العملية التي اختطف فيها جلعاد شاليط، في حزيران 2006. بين حملة "الرصاص المسكوب" في كانون الثاني 2009 وحملة "عامود السحاب" في تشرين الثاني 2012 سرعت المنظمة حفر منظومة الأنفاق والخنادق تحت الأرض في أرجاء القطاع، ولكن هذه تركزت في المرحلة الأولى على الأغراض الدفاعية. وقبل بضعة أيام من "عامود السحاب" انفجر نفق مفخخ قرب قوة من الجيش الإسرائيلي كانت تعمل في مهمة تمشيطات غربي الجدار الفاصل في وسط القطاع. فقد طارت مركبة محصنة في الهواء من شدة الانفجار، ولكن جنود المركبة كانوا نزلوا منها قبل بضع دقائق من ذلك ولهذا فلم تقع إصابات في الحادثة.

في نفس الوقت، شددت حماس الوتيرة في خطتها التنفيذية. فقد عاد محمد ضيف إلى رئاسة الذراع العسكري للمنظمة بعد تصفية إسرائيل أحمد الجعبري في بداية الحملة. وإلى جانب تعزيز منظومة الصواريخ، قرر ضيف بذل جهد خاص في تطوير الأنفاق الهجومية، التي رأى فيها مشروعا استراتيجيا. وحتى صيف 2014 حفر أكثر من 30 نفق هجومي، بكلفة شاملة بمقدار مئات ملايين الدولارات. ونجحت شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" وجهاز الأمن العام "الشاباك" في العثور معاً على 32 نفقاً، ولكن كان بينهما جدال حول مسألة كم من الأنفاق حفرت حتى الآن إلى ما تحت الأراضي الإسرائيلية (وتراوحت التقديرات بين ثلث ونصف العدد الإجمالي).

في السنة والنصف اللتين سبقتا حملة "الجرف الصلب" اكتشف الجيش الإسرائيلي ثلاث فتحات أنفاق في الجانب الشرقي من الجدار، داخل الأراضي الإسرائيلية. وفي تشرين الثاني من العام الماضي، عندما كانت قوة عسكرية تجتاز الجدار إلى داخل الأراضي الفلسطينية لتدمير إحداها، تم تفعيل عبوة ناسفة ضدها كانت زرعت في نفق فأصيب ستة ضباط وجنود.

ضابط هندسة كان يعمل على العثور على الأنفاق قال لـ "هآرتس" أن كشف الأنفاق الثلاثة "أعطانا المقاييس الصحيحة. ففي الماضي عرفنا أنفاق تهريب وتفجير ضيقة كان ينبغي التقدم فيها في سير منحنٍ. أما الأنفاق التي عثرنا عليها في السنة الماضي فقد أوضحت لنا بأن أمامنا شيئاً آخر تماماً: فقد كانت هذه أنفاقاً واسعة مع شبكات اتصال داخلية، حفرت عميقاً تحت الأرض وتم تكثيف بطاناتها بطبقات من الاسمنت. كان يمكن السير فيها وقوفاً دون صعوبة. هذه هي المرحلة التي فهمنا فيها بأنه لم يعد الحديث يدور عن تهديد تكتيكي موضعي على قوات الجيش الإسرائيلي على طول الجدار، بل جزء من شيء أوسع وأخطر. فجأة ترى أمام ناظريك عملية خطط لها لعمق نحو 300 متر أو أكثر داخل أراضينا. أنت تدخل النفق وتفهم بأنه لم يستهدف فقط اختطاف جندي على مقربة من الجدار بل يمكنه أن ينقل قوات للعدو بحجم كبير في غضون وقت قصير إلى ما وراء خطوطنا والهجوم من هناك".

وهذا بالفعل كان الفهم الذي تبلور في ذاك الوقت: أن محمد ضيف يخطط لخطوة كبيرة في يوم الأمر. فالأنفاق الهجومية يمكنها أن تستخدم من حماس لهجوم منسق ضد عدة أهداف كضربة أولى في جولة القتال مع الجيش الإسرائيلي، أو كبديل، لهجوم مفاجئ في ما وراء خطوط قوات الجيش الإسرائيلي، بعد أن تكون هذه قد هاجمت في القطاع. وفي نفس الوقت تركز الجهد الاستخباري والعمليات على فهم مشروع الأنفاق.

في بداية 2013 وما بعد أصدرت شعبة الاستخبارات "أمان" تقريراً شهرياً لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لوزير الدفاع موشيه بوغي يعلون ولرؤساء أذرع الأمن تضمن استعراضاً لكل الأنفاق الهجومية المعروفة والمسار المعروف لكل واحد منها. وخصصت لقيادة المنطقة الجنوبية في تلك الفترة مقدرات عديدة وسائل، منظومات لجمع المعلومات وقوات لغرض معالجة الأنفاق. "لقد تعرضنا للضغط لمعالجة هذا الأمر. قالوا لنا: "افعلوا ما تستطيعون على أن تجتازوا هذا الحدث فقط بسلام""، هكذا يروي ضابط خدم في فرقة غزة. "لقد أصبح هذا الهدف الأول في سلم أولويات الفرقة".

ولكن الخطوة ضد الأنفاق لم تخرج بقدر كبير عن مجالات قيادة المنطقة الجنوبية أو الاستخبارات. فسلسلة الحلول التكنولوجية للعثور على الأنفاق والتي درستها مديرية تطوير الوسائل القتالية في وزارة الدفاع ("مفات")، لم تنتج رداً يسمح بالعثور المنهجي على فتحات الأنفاق في الجانب الإسرائيلي. أما السياسة التي أملتها القيادة السياسية وهيئة الأركان، فقد رفضت معالجة هجومية مانعة من الجيش الإسرائيلي في الجانب الفلسطيني من الجدار. فلم تقصف إسرائيل من الجو مسارات الأنفاق التي شخصتها في أراضي القطاع ولم تبعث أيضاً بقوات برية كي تضربها خشية أن تؤدي خطوة مسبقة من جانبها إلى اشتعال مواجهة عسكرية مع حماس.

مشاكل في التدريبات

ما فهم في قيادة المنطقة الجنوبية، في فرقة غزة وفي شعبة الاستخبارات لم يترجم إلى خطواته عملية كافية في باقي أجزاء الجيش الإسرائيلي. ففي هيئة الأركان بدأوا يتحدثون عن القتال التحت ارضي في الخنادق والأنفاق، في أعقاب حرب لبنان الثانية. أما عملياً فقد اكتفى الجيش بإقامة أنفاق قصيرة نسبياً في ثلاث منشآت تدريب قيادية، في الشمال، في الوسط وفي الجنوب. زيارة لواحدة منها قبل نحو سنة لم تترك انطباعاً عميقاً: فقد بدا هذا مثل قناة قتالية عادية، مغطاة بسقف، وليس مجال قتال مركباً.

معظم كتائب المشاة النظامية والوحدات الخاصة اختبرت الأنفاق فقط في تدريبات قصيرة لم يكن فيها تقريباً أي مضمون حقيقي. "نزلنا بحبل إلى داخل فتحة نطاق يشبه محمية طبيعية، معقل لحزب الله في أرض مفتوحة. بهذا تلخصت معرفتنا للقتال التحت أرضي"، روى جنود في كتيبة الدورية في لواء المشاة.

وكانت الاستعدادات في وحدات الاحتياط حتى في كتائب الهندسة القتالية، التي اعتمد عليها الجيش بقدر كبير في الحرب في غزة من سطحية حتى غير موجودة. فضباط وجنود في الاحتياط من كتائب الهندسة قالوا إن التدريبات التي اجتازوها، واحد في السنة أو في السنتين، كانت تتطابق والأدوار التقليدية للسلاح، مثل اقتحام حقول ألغام. لم يتحدثوا عن أنفاق، ولا حتى في كتائب الاحتياط التي خصصت مسبقاً لأعمال محتملة في إطار حملة لاحتلال القطاع. وعندما أبدى الجنود ملاحظة لقادتهم بان مضمامين التدريب غير ذات صلة بالتحديات العملياتية التي قد يقفون أمامها، أجابوهم بان المشكلة معروفة.

لواء جفعاتي، الذي بحكم انتمائه إلى قيادة المنطقة الجنوبية احتل منذ البداية مكانا مركزيا في الاستعدادات للقتال في غزة، عني قبل اندلاع الحرب بتطوير نظرية قتالية للمجال التحت ارضي بأمر من قائد المنطقة الجنوبية. في منتصف تموز كان يفترض باللواء أن يقود استكمالات قيادية لوحدات أخرى. وقد ألغيت الاستكمالات كون الحرب قد بدأت.

المجلس الوزاري المصغر ليس في الصورة

لقد ولد اكتشاف الأنفاق الهجومية العام الماضي الكثير من فرص التصوير في وسائل الإعلام. وزير الدفاع وكبار رجالات الجيش تجولوا فيها والتقطت لهم الصور في فتحاتها. قائد المنطقة الجنوبي، سامي ترجمان، اجري لقاء معه في القناة 2 إلى جانب نفق ووصف الأنفاق بأنها التهديد المركزي الذي سيتعين على القيادة التصدي له.

في محفل واحد لم يجرِ في تلك الفترة نقاش جدي لتهديد الأنفاق وهذا هو المجلس الوزاري المصغر السياسي الأمني. معظم أعضائه، وفقاً لشهادتهم لم يكونوا على علم على الإطلاق بعمق المشكلة. نصف أعضاء المجلس الوزاري المصغر لم يتسلموا مهامهم إلا بعد انتخابات 2013 ومعظم وقتهم قضوه في المداولات على خطر النووي الإيراني وعلى التطورات في الحدود السورية واللبنانية. أما مشكلة الأنفاق من غزة فقد ظهرت، في أفضل الأحوال "فقط كبند رقم 17 في تقييم الوضع"، قال عضو المجلس الوزاري المصغر، الوزير نفتالي بينيت قبل نحو شهر.

أما التقرير الاستخباري الشهري الذي تلقاه نتنياهو ويعلون، فلم يعرف به أعضاء المجلس الوزاري المصغر على الإطلاق. صحيح أن رئيس الوزراء عين مستشار الأمن القومي في تلك الفترة، اللواء احتياط يعقوب عميدرور ليترأس فريقا لدراسة مشكلة الأنفاق، ولكن عميدرور نفسه اعترف في بداية الشهر في مقابلة مع صوت الجيش بأنه يوجد فارق بين المعرفة بوجود الأنفاق وبين استيعاب كامل خطورة التهديد.

لم تكن لدينا معلومات كافية، قال عميدرور، وشبه التهديد بالمفاجأة التي أحدثتها صواريخ ساغر المصرية على دبابات الجيش الإسرائيلي في حرب يوم الغفران. وفي شعبة الاستخبارات "أمان" يعترفون أيضاً في نظرة إلى الوراء بأنه يبدو أنه كانت حاجة إلى التأكيد في الاستعراضات أمام المجلس الوزاري المصغر لمسألة الأنفاق، وان كانت المعلومات الاستخبارية المفصلة متوفرة لرئيس الوزراء ووزير الدفاع.

منذ شهر نيسان 2014 فما بعد، اتضح بالتدريج بان حماس تعد إمكانية لعملية كبيرة بواسطة نفق في منطقة كرم سالم، في الجانب الجنوبي من القطاع. وأصدرت المخابرات الشاباك إخطاراً بموجبه من شأن حماس أن تحاول اختطاف جنود ومدنيين بواسطة النفق، بهدف إحداث كسر للحصار الإسرائيلي المصري على القطاع. هيئة الأركان، قيادة المنطقة الجنوبية واذرع الاستخبارات بذلت جهودا حثيثة للعثور على النفق. وحشدت فرقة غزة أكثر من 30 آلية هندسية، عدد استثنائي في حجمه، في محاولة لاكتشاف فتحة الخروج في الأراضي الإسرائيلية ونصبت سدوداً هدفها تأخير الوصول من الحقول التي بجانب الجدار إلى كيبوتس كرم سالم. وعندما لم تجدي التفتيشات في الجانب الإسرائيلي نفعا، أقرت للجيش أعمال هجومية. فقد ألقى سلاح الجو نحو 30 قذيفة جي دام دقيقة في الجانب الفلسطيني من الجدار، بهدف قطع مسار النفق. وعلى الرغم من ذلك نزل في 6 تموز سبعة مقاتلين من القوة الخاصة ("النخبة") من حماس إلى النفق وقتلوا في سقوط وقع كنتيجة واحد من أعمال القصف. وكانت الحادثة في كرم سالم هي الدفعة الأخيرة نحو اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس. وردت المنظمة الفلسطينية على قتل رجالها في النفق بصليات ثقيلة من الصواريخ أخذت أهدافها في الاتساع. وقررت حكومة إسرائيل في الليلة بين 7 و 8 تموز حملة "الجرف الصلب" في القطاع. هكذا بدأ القتال الذي دام خمسين يوماً.

بدأ التصعيد في القطاع بالتوازي مع انتهاء حملة "عودوا أيها الإخوة" في الضفة الغربية. في 30 حزيران عثر الجيش الإسرائيلي على جثث الفتيان جيل عاد شاعر، نفتالي فرنكل وايال يفرح، الذين كانوا اختطفوا قبل أسبوعين ونصف من ذلك في غوش عصيون. وحسب تصريحات الوزير بينيت لوسائل الإعلام قبل نحو شهر، فإن بينيت هو الذي طرح لأول مرة الحاجة العاجلة لمعالجة تهديد الأنفاق. واعتمد بينيت على شبكة اتصالات متفرعة مع قادة ألوية في الجيش الإسرائيلي، من أبناء جيله ممن كان يعرفهم من خدمته النظامية كمقاتل وضابط في الوحدات الخاصة. ومنهم تعرف على خطورة التهديد وسمع عن حشد الجهد للعثور على النفق في كرم سالم.

رفع طلب بينيت لأول مرة في 30 حزيران، في لقاء ثنائي مع نتنياهو، وفور ذلك في جلسة المجلس الوزاري المصغر. عملية هجومية ضد الأنفاق، قال، ستكون رداً مناسبا على قتل الفتيان، وفي نفس الفرصة ستزيل عن جدول الأعمال تهديداً حقيقياً على بلدات غلاف غزة. وفي الأيام التالية اجتمع المجلس الوزاري المصغر في جلسات يومية وضع فيها في صورة التوتر في الضفة وبين عرب إسرائيل واستمرار التمشيطات بحثاً عن النفق في كرم سالم.

الوزير بينيت، حسب هذه الرواية، عاد وطرح مطلب المعالجة الشاملة للأنفاق. أما يعلون، ومعه كبار مسؤولي الجيش والمخابرات، فردوا بتحفظ. بداية قالوا إن استعدادات حماس في كرم سالم تدل على استعدادها لـ"عملية رف" لا يوجد يقين متى ستستخدم. وبعد ذلك اعتقدوا أنه تكفي سياسة احتواء تهديدات وتحذيرات، مثل نثر إضاءات في الجانب الفلسطيني من كرم سالم من قبل سلاح الجو من أجل البث لحماس بأن إسرائيل اكتشفت خططها. ولاحقاً وافقوا على تشديد الخطوات نحو هجوم بواسطة قنابل جي دام. ولكن النهج العام كان يتبنى سياسة التشويش، وليس الإحباط: كانت تكفي، برأي قادة المؤسسة الأمنية، أعمال دفاعية معيقة لمنع العملية. ولم يكن ما يبرر عملية هجومية واسعة.

في كل بحث كان بينيت يحفر ويحفر، لكنه وجد نفسه في الأقلية. شريكه في الجناح الصقري في المجلس الوزاري المصغر، وزير الخارجية افيغدور ليبرمان تبنى احتلال القطاع أو قسم منه واهتم بقدر أقل بمشكلة الأنفاق. أما باقي الوزراء فكانوا منصتين لتخوفات الجيش من الغرق في وحل غزة: ما إن تدخل، اذهب لتعرف متى يمكنك أن تخرج.

الجبهة ضد الحملة البرية كانت في ذاك الوقت لا تزال موحدة وواسعة. صحيح أن رئيس الوزراء عرض هنا وهناك أسئلة على الجيش ولكنه لم يخرج عن رأي الأغلبية في المجلس الوزاري المصغر. والحكمة الدارجة، كما سمعها أعضاء المجلس الوزاري المصغر اعتقدت بأن حماس لا تعتزم استخدام الأنفاق الهجومية، وإن كانت المنظمة في ذاك الوقت قد بعثت بمقاتلي الكوماندوس البحري لديها إلى هجوم فشل في شاطئ زيكيم.

واستمر الجدال حتى بعد قتل رجال حماس في كرم سالم واندلاع الحرب. والأهداف التي تحددت للجيش الإسرائيلي كانت توجيه ضربة شديدة لحماس وإعادة الهدوء إلى الجنوب. ولم تذكر الأنفاق بالذات. وبين 8 و 15 تموز اكتفت إسرائيل بالهجمات من بعيد، رداً على نار الصواريخ من القطاع إلى الجنوب ووسط البلاد قصف كثيف من الجو، مسنود بنار مدفعية نحو قيادات حماس، منظومات إنتاج السلاح، ومجالات إطلاق صواريخها. وحشد الجيش الإسرائيلي قوات مشاة ومدرعات على حدود القطاع وشكل أطقم قتالية لوائية، ولكن لم يجتز حتى ولا جندي واحد الجدار إلى داخل الأراضي الفلسطينية.

وبالتدريج انكشف أمام أعضاء المجلس الوزاري المصغر تهديد الأنفاق بكامل خطورته، عشرات الأنفاق الهجومية على طول الجبهة، فوهات الخروج لجزء منها حفرت من قبل في الأراضي الإسرائيلية، بجوار استحكامات الجيش الإسرائيلي والكيبوتسات. ولا يزال، ادعى أعضاء في المحفل بأنهم شخصوا انعدام رغبة، بل وجر أرجل من المؤسسة الأمنية في التصدي للتهديد. واشتكى بعضهم من أن الضباط يتحدثون عن عمد بغموض كي لا يعرضوا على المجلس الوزاري المصغر الصورة بكاملها. والنشاط الهجومي ضد الأنفاق تلخص بالقصف من الجو لقسم من الفوهات في الجانب الفلسطيني، الخطوة التي كانت ستلحق بالجيش الإسرائيلي مشاكل عويصة لاحقا، حين دخلت القوات إلى المنطقة.

وتختلف رواية يعلون جوهرياً، بطبيعة الحال. ففي مقابلة مع "هآرس" قال وزير الدفاع إن "تهديد الأنفاق والاستعداد الدفاعي من الجيش الإسرائيلي عرض على المجلس الوزاري المصغر عدة مرات، وبالتفصيل في الأسبوع الذي سبق الحملة البرية. عندما فهمنا بان حماس تبحث عن انجاز من خلال عملية نفق في كرم سالم، أحبطناها".

أما جمع المعلومات الذي قام به بينيت من قادة الألوية فيثير غضبه، ويقول: "هل شرعي أن يجري سياسي اتصالاً مباشراً مع ضباط وعلى هذا الأساس يقوم بألاعيب ضد رئيس الأركان في المجلس الوزاري المصغر، فيصفه بأنه حصان كسول أمام الضباط في الميدان، أولئك الأحصنة المندفعة؟ هذه فوضى، ليست ديمقراطية. بينيت لم يخترع العملية ضد الأنفاق وما كان بحاجة إلى أن يدفعها إلى الأمام. ماذا، أهو الذي أعد القوة؟ هو الذي اخترع الوسيلة؟ من المسؤول عن الروح القتالية للجيش الإسرائيلي، رئيس الأركان أم رئيس حزب ما؟ مكتب بينيت، رد باتهام يعلون أنه "أبو المفهوم الذي انهار، والذي يقول إن حماس مردوعة ولهذا فإنها لن تستخدم الأنفاق". وأعلن بأن بينيت سيطالب بمراجعة محاضر جلسات المجلس الوزاري المصغر كي يثبت صحة موقفه.

  في 15 تموز قرر المجلس الوزاري المصغر، بمعارضة بينيت وليبرمان إقرار الاقتراح المصري بوقف النار مع حماس. وانهار الجهد المصري بعد أن رفضت حماس الاقتراح، الذي نسقت صيغته مسبقاً بين القاهرة والقدس. ولكن حتى لو كان نتنياهو ويعلون قدّرا بأن حماس سترفض، من الصعب تجاهل معنى القرار: القيادة الإسرائيلية، التي كانت على وعي كلها بكامل أحجام مشروع الأنفاق الهجومية، كانت مستعدة لأن توقف النار في ختام سبعة أيام من القتال دون أن تضرب بصفتها هذه ورقة حماس الأساسية.

ويرد يعلون على الادعاءات فيقول، "كان لدينا جواب على التهديد في الهجمات من الجو وفي تعزيز الدفاع، في ظل استمرار التمشيطات في أراضينا بحثاً عن الفوهات. وقد استجبنا للمبادة المصرية كي نحقق أيضاً شرعية دولية لخطواتنا التالية. طالما جربنا الوصول إلى وقف نار في تلك المرحلة، لم يكن مجال للعملية البرية، التي كانت مبررة ولكنها كلفت في النهاية حياة 66 جندياً.

الخطط لم تكن ملائمة

وقعت الانعطافة المركزية في المعركة بعد نحو يومين، في صباح 17 تموز. 13 مخرباً مسلحاً، من رجال قوة الأنفاق في حماس، خرجوا من بطن الأرض عبر فوهة هجومية في الأراضي الإسرائيلية، على مسافة بضع مئات الأمتار من كيبوتس صوفا. وصورت طائرة بدون طيار إسرائيلية خروجهم وهوجمت الخلية من الجو. بث الصور، التي نشرها الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، أثار صدمة شديدة لدى الجمهور والقيادة. رؤساء المجالس الإقليمية في غلاف غزة، الذين شددوا من قبل على تهديد قذائف الهاون والصواريخ على بلداتهم، غيروا اتجاههم. رئيس مجلس اشكول حاييم يلين، رجل معتدل بشكل عام، طلب من الحكومة أن تأمر الجيش بالعمل فورا على تدمير كل الأنفاق.

في سلسلة المشاورات التي أجراها نتنياهو ويعلون مع المؤسسة الأمنية ومع أعضاء المجلس الوزاري المصغر في الساعات التالية، تقرر العمل. في ساعات المساء المتأخرة صدر للجيش الأمر بالدخول إلى القطاع ومعالجة الأنفاق. ولم يكن يلين الوحيد الذي صخب في ضوء صورة المخربين في النفق. رئيس الأركان بيني غانتس هو الآخر اعترف في وقت لاحق في حديث خاص بأن "الحدث في صوفا حسم لنا الأمر".

ولكن الخطط العملياتية التي كانت تحت تصرف الجيش الإسرائيلي لغرض العملية البرية كانت بعيدة عن الكمال. فالخطط الأصلية لدى قيادة المنطقة الجنوبية كادت لا تلمس الأنفاق، بل تضمنت بعض "مدرجات" السيطرة، المتعمقة، على مناطق القطاع. والفكرة التي قبعت في أساسها كانت ضرب حماس، في ظل حرمانها من ذخائرها، ردعها والمس بمجالات إطلاق الصواريخ لديها، بهدف القمع الجزئي للنار نحو الجبهة الداخلية الإسرائيلية. وعنيت إحدى الإمكانيات أيضاً بتدمير بعض الأنفاق الهجومية، التي شخصت على مقربة نسبياً من البلدات الإسرائيلية، ولكن ليس كمهمة بأولوية عليا. وإلى العملية في القطاع، التي تركزت الآن على الأنفاق فقط، أرسلت ليس أقل من ثلاث فرق، عمل تحتها في الجبهة المقلصة نسبيا عشرة أطقم قتالية لوائية وبينها كتائب مشاة، مدرعات وهندسة. وقد تمت بلورة الخطط الجديدة بسرعة كبيرة، في ظل تغييرات واسعة.

وتحملت مسؤولية العملية في شمال القطاع فرقة 162. قائد الفرقة، العميد نداف فدان، قال لـ "هآرتس" إن الخطط اجتازت "تكييفاً تدريجياً" لمعالجة الأنفاق، ما أن بدأت فرقته في الإعداد للحملة في القطاع في بداية تموز وحتى الدخول إلى المنطقة. في محيط 10 تموز، كما شهد يقول: "دخلنا إلى هذا العالم من الأنفاق". وبشكل يعطي صدى لأقوال عميدرور وغانتس قال فدان انه فهم المشكلة بكامل خطورتها فقط حين عثرت قواته على الأنفاق داخل القطاع. "تعرفنا على الأنفاق نظرياً بالأساس. لم تكن لدينا تجربة عملياتية. يوجد شيء ما في الاحتكاك، في التجربة، يسرع الفهم. استوعبنا الأمور حتى نهايتها فقط في ظل المعالجة للأنفاق".

 القوات لم تدخل إلى عمق المنطقة بل توقفت عند قاطع بعرض أقصى بنحو كيلومترين غربي الجدار ومن هناك بدأت تعمل على العثور على الأنفاق وتدميرها. عملية لواء جولاني، في حي الشجاعية شرقي القدس تأجلت يومين إلى منتهى السبت، 19 تموز. منظومة حماس في الحي تعتبر الأقوى. كما أن هذه كانت المنطقة المبنية الأكثر اكتظاظاً التي يصطدم بها الجيش الإسرائيلي.

وغابت عن خطوة جولاني، مثلما عن بعض الأطقم القتالية اللوائية، عناصر جوهرية من المفاجأة والحيلة. فجنود جولاني، الذين هجموا جبهويا، اصطدموا بمقاومة شديدة، استثنائية من حماس. وفي الـ 24 ساعة الأولى قتل 16 من مقاتلي اللواء؛ قائد اللواء وقائدا كتيبتين أصيبوا (قائد كتيبة آخر أصيب بجراح شديدة في أثناء الأسبوع). كانت لازمة معركة بطولية من مقاتلي جولاني، برفقة هجمات جوية كثيفة وقصف مدفعي ثقيل من اجل كسر مقاومة حماس.

في هذه الجبهة، مثلما في معظم الجبهات الأخرى، تركزت الحملة البرية على الأنفاق فقط. ولم تتلقى القوات تعليمات بالمناورة في عمق أبعد وضرب منظومات حماس. وفي أماكن معدودة فعلت فيها ذلك، الناحل ولواء المدرعات 401، في بيت حانون، جفعاتي في رفح بعد اختطاف الملازم هدار غولدن فوجئ القادة من السهولة النسبية التي تسللوا فيها إلى عمق منظومات العدو.

تدمير الأنفاق

هكذا، دون نظرية قتالية مفصلة ومتدرب عليها بما يكفي، مع معرفة عملية دنيا وخطة عملياتية تم وضعها رقعة فوق رقعة، مع كمية غير كافية من الوسائل لتدمير الأنفاق، دخلت القوات إلى القطاع. وغطى على الفجوات، تقريبا كالمعتاد في الجيش الإسرائيلي، قدرة ارتجال عالية، روح قتالية وتصميم كبير من القادة والجنود في رأس الحربة. ولكن المصاعب مددت زمن العملية إلى أكثر مما كان مقدراً.

في 20 تموز، في موعد قريب من بداية الحملة البرية، قال يعلون إن تدمير الأنفاق سيستغرق يومين ثلاثة أيام أخرى. أما عملياً، فقد مر أسبوعان ونصف آخران. كما أن التقديرات التي أعطاها الجيش في المجلس الوزاري المصغر ظهرت بأنها متفائلة أكثر مما ينبغي. وتأخر إنهاء العملية أيضاً في ضوء انهيار وقف النار في بداية آب (على خلفية اختطاف غولدن). والقرار بعدم تعميق دخول الوحدات إلى الأراضي المبنية وان كان وفر مزيدا من الإصابات، إلا أنه بقدر ما "استدعى" هجمات من خلايا حماس على القوات التي كانت تعنى بالعثور على الأنفاق.

 في الوقت الذي كان الجنود يبحثون فيه بنشاط عن الأنفاق في الجانب الفلسطيني غربي الجدار، تمكن ضيف من إرسال ثلاث خلايا أخرى في الأنفاق إلى الجانب الشرقي، إلى داخل أراضي إسرائيل. وقتلت الخلايا 11 جندياً من الجيش الإسرائيلي من خلية قيادة لواء 188، غرفة قيادة كتيبة في مدرسة الضباط ومن قوة حراسة مدرسة قادة الصف، الذين فوجئ رجالها في الاستحكام الذي بجانب ناحل عوز. وشاهد القادة بإحباط، المفاجأة التي أوقعتها حماس وراء خطوطهم.

في الأسابيع التي سبقت العملية حققت شعبة الاستخبارات اختراقا معينا في تشخيص فوهات الأنفاق في الجيش الفلسطيني من الجدار. ولكن عندما بدأ التصعيد في 8 تموز قصف سلاح الجو الفوهات بشكل منهاجي، خشية أن تستبق حماس استخدام الأنفاق. ويبدو أن الهجمات من الجو لم تخرج الأنفاق تماما من قيد الاستخدام. "كسبنا وقتا في تشويش هجمات حماس، ولكن عندها خسرناه عندما دخلنا إلى الداخل، لان القصف جعل من الصعب علينا العثور على المسارات في الجانب الفلسطيني واستكمال قصفها"، هكذا اعترف رئيس الأركان غانتس. ويتحدث أحد الضباط أيضاً عن الفجوة الاستخبارية: "لقد قامت الاستخبارات بعمل فائق، ولكن هذا لم يكن بالدقة التامة لمسارات الأنفاق".

وفوجئ الجنود الذين عملوا في القطاع من عدد الفوهات ومن تفرعها، مما استدعى تمشيطات طويلة. ويقول قادة الفرق والألوية التي شاركت في الحملة البرية، أنهم شعروا بعنق الزجاجة في مكانين: في سرعة العثور على المسارات الكاملة للأنفاق وفي وتيرة تفجير الأنفاق. ويقول العميد فدان إنه "كان لدينا نضج متوسط لمعالجة الأنفاق". ويصف جنود في لواء المشاة في جبهات مختلفة نشاطا حثيثا للعثور على فوهات الدخول وعندها انتظار طويل، أحياناً لأسبوع فأكثر حتى استكمال مهام رجال الهندسة.

لم يكن للجيش الإسرائيلي الآليات الهندسية الكافية لأن يعالج  في وقت الوقت هذا العدد الكبير من الأنفاق. ويقول ضابط هندسة كبير إن "كل طاقم لوائي بدأ بنفقين وبعد ذلك قفز لمعالجة نفق ثالث في جبهته. وبسبب الاضطرار إلى العتاد، عملنا بالطابور، بدلاً من العمل بالتوازي. كانت فجوة كبيرة في الوسائل. لم تكن لدينا وسائل كافية لعدد الأطقم ولمثل هذا الحجم من الحملة. لم تكن لدينا القدرة لمعالجة 32 نفقاً بالتوازي".

الصعوبة الأكبر كانت تتعلق بتفجير الأنفاق. الأساليب والوسائل التي كانت لدى الجيش الإسرائيلي كانت ملائمة للأيام التي كانت فيها هذه اقصر واقرب من سطح الأرض. واشترى الجيش الإسرائيلي في العقد الماضي منظومة تدعى "امولسيا" لتدمير الأنفاق. وتسمح المنظومة بضخ كمية كبيرة من المواد المتفجرة دون أن ينزل الجنود إلى النفق.

المشكلة هي أنه لم يكن لدى الجيش الإسرائيلي سوى منظومتين كهذه عندما بدأ القتال. وكبديل، استخدم الجيش قرابة نصف مليون لغم ومواد متفجرة أخرى. وقد ربطت الألغام معاً بسلسلة أنزلت إلى داخل الفوهات. وفي معظم الحالات كان تدمير النفق جزئيا وان كان سلاح الهندسة يشدد على أنه كان مطالبا بتدمير معظم النفق كي "يوقع" الضابط على النفق كمهدوم وغير قابل للاستخدام.

ويقول ضابط احتياط إن "أحداً لم يعرف ولم يخطط مسبقا لكيفية معالجة الأنفاق. وكاد كل شيء يتم بشكل عفوي في الميدان".

وقال جنود هندسة من كتائب نظامية ومن وحدة "يهلوم" إنهم اجتازوا في السنتين الأخيرتين تدريبات على القتال تحت الأرض ولكن هذه لم تشبه ما واجهوه في غزة. وهناك مقاتلون في "يهلوم" خرجوا من القطاع بقدر ما من الإحباط. فما تدربوا عليه كان لا شيء قياساً للمهام التي وجدوا أنفسهم ملزمين بالقيام بها.

اعلى الصفحة