الكيان الصهيوني وتدهور الشعور بالأمن الشخصي والمجتمعي

السنة الثالثة عشر ـ العدد 155 ـ (محرم 1436 هـ) تشرين ثاني ـ 2014 م)

بقلم: عدنان عدوان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

يقول الكاتب الإسرائيلي البارز (يارون لندن) في كتاب مذكرات صدر مؤخرا, وفي حديث نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" في ملحقها: "في السنوات الأخيرة بدأت أتفهم وأهيئ نفسي لأخبر حفيدي، بأنني سأبحث لي عن وطن آخر غير إسرائيل.. فأنا أتفهم كل المتخوفين وكل الإسرائيليين العالقين بهاجس الخطر بشكل دائم".

وينبه لندن المتشائم من مستقبل إسرائيل، إلى أن "إسرائيليين كثراً بدأوا يقولون بأن مستقبل إسرائيل على مدى عدة أجيال قادمة هو أمر مشكوك به، وأنا أعطي إسرائيل فرصة 50% من الاستمرارية. وفي السنوات الأخيرة أصبحت شبه جازم بأن هذه البلاد لن تقسم إلى دولتين ولا يوجد قوة سياسية تستطيع فرض حل مماثل. أما للذين يتذمرون من أفكاري فأقول لهم إن رقم 50% هو جيد جداً، وفي عديد من توقعاتي لم أصب".

هجرة معاكسة للشباب

في أعقاب العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة، والذي يشهد الآن مجرد هدنة اصطلح على تسميتها "هدوء مقابل هدوء" في انتظار مفاوضات في القاهرة سوف تبلور اتفاقاً بعيد المدى، ولأول مرة تبدو الصهيونية أقرب إلى الفشل، ويهودها يغادرون ويفرون إلى أصقاع بعيدة جاءوا منها أو سوف تصبح أماكن إقامتهم الجديدة؛ فما عادت "أرض الميعاد" أرض الأجداد التي حلم الكثير من اليهود بالعودة إليها، بقدر ما أصبحت أرضاً طاردة لهم، والبلاد التي تستقبلهم أرض ميعادهم الجديدة.

في هذا السياق يوضح الأستاذ في جامعة تل أبيب ساغي إلباز، أن "تدهور الشعور بالأمن الشخصي والمجتمعي خلال الحرب على غزة، وخصوصاً اضطرار المستوطنين في محيط القطاع لترك مستوطناتهم، أثبت فشل الصهيونية في تحقيق أهدافها". ولفت في مقال نشره في موقع "وللا" الإخباري، إلى أن "الحرب على غزة كشفت مظاهر المأساة التي يعيشها اليهود في إسرائيل، إذ إن هذه الدولة تحولت منذ إنشائها للمكان الأكثر خطراً على الحياة. فهي المكان الذي يقتل فيه أكبر عدد من اليهود".

وأشار إلى أن "هذا يتناقض بشكل كبير مع هدف الصهيونية بجعل إسرائيل البيئة الأكثر أمناً لليهود". وشدد إلباز على أن "المزاعم القائلة بأن تأسيس إسرائيل جعل حياة اليهود أكثر أمناً واطمئناناً غير دقيقة". وأضاف "هذه المزاعم تتجاهل الواقع البائس الذي أكدته الحرب على غزة".

أما الكاتب الشهير "روجال إلفر" فهو يعد مثالاً كلاسيكياً لليهودي الذي تأثرت منطلقاته الصهيونية بالحرب على غزة. وفي مقال نشره في صحيفة "هآرتس"، يكشف إلفر عن رغبته بمغادرة إسرائيل على اعتبار أنها لا تشكل المكان الذي يستطيع فيه أولاده العيش بأمان وسلام. ويضيف "مثل أي إنسان يعتقد أنه يعيش مرة واحد فقط، وله الحق في تحقيق أمانيه الشخصية في ظل أقل قدر من الاستعداد للتضحية دفاعاً عن الدولة التي يدفع الضرائب فيها، فإني أجزم أن إسرائيل لا تمثل الدولة التي يتوجب أن أبقى فيها.

وهناك في العالم دول كثيرة تقدم لي عروضاً للعيش بشكل أفضل". ويشير إلى أن "كل والد يؤمن أن أولاده يجب ألا يكونوا مطالبين بتهديد أنفسهم أو يموتوا في الدفاع عن الدولة، التي يعيشون فيها". ويضيف "أعتقد أنني أتسبب بكثير من الغبن لأولادي في حال سمحت لهم بمواصلة العيش في إسرائيل".

وفي السياق، يعتبر الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي أن "إسرائيل وسياساتها عصفت بأمن اليهود في جميع أرجاء العالم، وهيجت اللاسامية وعززتها". وفي مقال نشره في صحيفة "هآرتس" يشير إلى أن "إسرائيل تتحمل المسؤولية عن موجة الكراهية التي تجتاح العالم ضد اليهود، بسبب الحرب على غزة". ويؤكد أن "الحرب لم تفاقم مستويات الكراهية لإسرائيل فحسب، بل أثارت كراهية الشعوب الأخرى لليهود".

ويضيف ليفي "توجد معاداة سامية في العالم حتى في القرن الواحد والعشرين، وقد زادت إسرائيل في اشتعالها ومنحتها ذرائع كراهية كثيرة". ويشدد على أنه "لم يحدث أن تسببت حرب في زيادة المخاطر على اليهود في العالم، كما أسهمت الحرب الأخيرة على غزة". ويوضح أن "إسرائيل لم تفشل فقط في أن تكون ملجأ آمناً لليهود، بل إنها عرضت حياة يهود العالم للخطر كما لم تفعل أي حرب سبقتها".

وهكذا أصبحت ظاهرة هجرة الشباب الإسرائيلي لاعتبارات اقتصادية ودواعٍ أمنية، لافتة، فقد كشفت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي، نقلاً عن مصادر رسمية أن هناك نحو 800 ألف إسرائيلي غادروا إسرائيل، ووجدوا لهم مأوى دائماً في دول العالم معظمهم من الشباب والعلمانيين. وتعتبر برلين العاصمة الأكثر شعبية في أوساطهم. وفي تقريرها قدمت القناة العاشرة فرقة موسيقية أسسها مهاجرون إسرائيليون تدعى "شمامل" ووضعت أغنية راب عنوانها "برلين" تم تصوير مشاهدها في أربع قارات.

وكلمات الأغنية كافية لتعكس المزاج السائد في أوساط الشباب الإسرائيلي، وتلقي الضوء على دوافع تركهم للبلاد غير آبهين بالصهيونية. وبخلاف الماضي، يجاهر هؤلاء الشباب بذلك من دون خجل. وتقول الأغنية بالعبرية ما معناه: "لأجل ماذا نبقى هنا.. يسألون في كل مكان.. يمكننا استقلال أول طائرة وتنفس الصعداء، الجواب قاسٍ وليس سهلاً.. الجارة تقطن بلوس انجلوس منذ 15 سنة وتمتدح الذهاب وبدون ندم.. كل عائد من خلف البحار يحدثني كم هو جميل هناك.. برلين برلين وإن نسيت يدي اليوم سآتي اليك يا من تنتظرين، رائحة اليورو والسلام والنور... جدي وجدتي لم يأتيا لإسرائيل بحثاً عن الصهيونية فقط.. بل هربا من الموت، والآن فهما بأنها ليست حياة.. يفضلوننا بعيدين على البقاء فقراء... لا هذا هروب أدمغة وليس هروباً مريحاً.. هذا هروب مع الأرجل، كي يبقى رأسنا مرفوعاً فوق وجه الماء، وحتى أبونا يعقوب هرب لمصر حيث أجرة المسكن أقل بثلثين والراتب ضعفان.. ".

ورداً على سؤال موقع "والا" الإخباري يشير فايدمان أن الأغنية ولدت على خلفية تزايد الحديث في إسرائيل عن الهجرة، لافتاً إلى سماعه الكثير من قصص المهاجرين قبيل اتخاذه القرار بترك إسرائيل. ويتابع القول "قبلت مقترحاً بمرافقة عشرين شاباً إسرائيلياً قرروا الرحيل إلى برلين بشكل جماعي لتسهيل الانتقال، ولكن عندها أدركت أنه طبيعي جداً أن يبدل المرء شقته ويغير دولة بحثاً عن حياة أفضل له ولأولاده".

ويعبر فايدمان عن خيبة أمل أوساط شبابية كبيرة في إسرائيل خرجت للشوارع في 2011 مطالبة بخفض مستوى المعيشة، وبإجراء إصلاحات اقتصادية- اجتماعية وكانت تنتظر من حزب الطبقة الوسطى يش عتيد (يوجد مستقبل) أن يفي بوعوده الانتخابية، لكن من دون جدوى، على الرغم من مرور عام ونصف العام على الانتخابات.

وهذا ما قاله أيضاً للقناة العاشرة شاب إسرائيلي غادر الى لندن، حيث يقيم اليوم نحو 80 ألف إسرائيلي. يشار إلى أن هناك موقعاً عبرياً ضخماً على الشبكة بعنوان غادر إسرائيل "leaveisrael"، يشكل منبراً ودليلاً للمهاجرين الإسرائيليين وللتعاون في ما بينهم، وفيه يستخلص من قراءة شهاداتهم، أن أوساطاً منهم غادرت هرباً من الفرض الديني وغلاء المعيشة والتوترات الأمنية.

هذا غيض من فيض من باتوا يعبرون جهراً وعلانية عن نيتهم مغادرة أرض باتوا يكتشفون يوماً بعد يوم، أنها لم تكن ولن تكون يوماً "أرض الميعاد" أو "أرض الأجداد"، وبالطبع فهي ليست دولة "اليهود" أو "الدولة اليهودية" بقدر ما هي دولة مواطنيها الفلسطينيين بغض النظر عن دياناتهم، وقد غيبوا وغيبت إرادتهم السياسية ردحاً طويلاً من الزمن؛ وبانتظار تجسيد هذه الإرادة ستبقى الأرض الفلسطينية تلفظ الغزاة، وترفض وجودهم بين جنباتها.

وفي ظل الجدل الصاخب داخل إسرائيل حول حركة المهاجرين الشباب منها إلى دول الغرب جراء عدم الاستقرار الاقتصادي والأمني يعتبر جنرال بارز في سلاح الجو (جيش الاحتياط) أن الانقسامات الداخلية أشد خطراً من قنبلة إيران النووية وصواريخ غزة. ففي حديث لملحق صحيفة "يديعوت أحرونوت" قال الجنرال الطيار رام شموئيلي، إن الإسرائيليين خبروا خلال الحرب على غزة مشاعر إيجابية جداً بسبب وحدتهم، بشكل كبير وغير مسبوق منذ حرب 67 لافتاً أنه ينشط منذ سنوات من أجلها.

ويرى شموئيلي أن التهديدات الخارجية على إسرائيل هامشية وأن الخطر الحقيقي عليها يكمن بانقسام الإسرائيليين مشدداً على أن "المناعة الوطنية" تكمن بلحمة الإسرائيليين أكثر مما في الطائرات والدبابات. ولهذا الغرض يبادر للسنة الثانية لمسيرة "نتلاحم بالطريق للقدس" بمشاركة شباب من منظمات شبيبة ومنظمات اجتماعية من كل الأوساط وذلك بهدف تعزيز اللحمة الداخلية على مبدأ المصير المشترك لكل من يقيم داخل إسرائيل. وهو يرى بفلسطينيي الداخل جزء من مسيرته وبذلك يتقاطع مع مسؤولين أمنيين كبار أمثال رئيس الشاباك السابق يوفال ديسكين الذي حذر من خطورة استمرار التوتر بين العرب واليهود في إسرائيل بالنسبة لأمنها واستقرارها.

ويوضح أن الإسرائيليين يتكونون من مجموعات كثيرة: علمانيين، متدينين، مستوطنين، مهاجرين روس، إثيوبيين، شرقيين وغربيين وعرب الخ منوها أن الإعلام يبرز المتطرفين فقط من كل مجموعة ويغيب المعتدلين وأن مدارس كل مجموعة خاصة بها و50% من كل هؤلاء لا يلتقون بالجيش لأنهم لا يؤدون الخدمة العسكرية. ويتابع "الحل بالوحدة وهذه لا تعني انغماس المجموعات وتلاشي الفوارق بينها". وعلى خلفية ذلك يقول شموئيل إنه بادر لتأسيس شبكة تجمع نحو مائتي منظمة اجتماعية بغية زيادة تعارف المجموعات وتواصلها ويضيف" من هنا أسعى لتحقيق تغيير هام لا يمكن إحرازه بالسياسة".

المستوطنات فوق برميل متفجرات

يقول الكاتب الإسرائيلي عنات حيفتس في مقال نشرته صحيفة اسرائيل اليوم 18/9/2014: في 26 آب الماضي تغيرت حياة كل الناس الذين يعيشون في كيبوتسي، "نيريم"، من أساسها. فقد أزهقت رشقة قذائف هاون متواصلة في آخر ساعة قبل الهدنة، أزهقت روحي اثنين من أعضاء الكيبوتس، وجرحت مركز التدبير الاقتصادي غادي يركوني جرحاً بليغاً. وكانت الكارثة الفظيعة التي وقعت في قلب الكيبوتس بالقرب من بيوت الأولاد حقاً وعلى ذلك النحو من العنف والمأساوية، كانت وما زالت أسى عميقاً لمجتمعنا الصغير. فحلقات الثكل والفقدان لها صلة بالجميع، والفراغ الذي نشأ يرفض الامتلاء.

ويضيف حيفتس قائلاً: من القاسي على نحو خاص الشعور الجارح بأن بيتنا لم يعد آمنا ًلأنه حتى لو كنا نعلم ذلك من قبل (وليس من الصدفة أننا جلونا من هنا مع أبنائنا في الحرب)، فقد أصبح الخطر ملموساً الآن وأثمانه حاضرة مهددة على الدوام. ولا يوجد هنا والد لا يسأل نفسه هل من الصواب والأخلاقي تربية الأولاد على هذا القرب من خط النيران، ولا يتخيل في ذهنه سيناريوهات أقسى.

ويصف الكاتب الصهيوني حياة المستوطنين في مستوطنات غلاف غزة بالقول: نحيا جميعاً في نيريم وغلاف غزة في تأهب متوتر استعداداً لتجديد إطلاق النار. وإذا كانت الحرب قد انتهت في دوائر جغرافية أبعد فإن من المشترك بين الجميع هنا الشعور أننا في مهلة وأننا فوق برميل متفجرات قد ينفجر في كل لحظة. حينما تم التوقيع على الهدنة قيل إن الطرفين يفترض أن يجتمعا في خلال الثلاثين يوماً بعد ذلك للتفاوض في تسوية سياسية دائمة بعيدة المدى في غزة أو في إحراز "أفق سياسي" كما قال رئيس الوزراء.

ويخلص حيتس إلى أنه ومع ذلك لم تلح في الأسبوعين ونصف التي مرت منذ ذلك الحين أية إشارة إلى أنه تجري اتصالات ترمي إلى دفع هذه التسوية قدماً. ونحن في النقب الغربي نستمد من معلومات وسائل الإعلام، وتنذر هذه المعلومات بتلاشي تدريجي للتصريحات التي تحدثت عن التزام إسرائيلي بإحراز اتفاق بعيد المدى اتفاق شهد رئيس الوزراء ووزير الخارجية أيضاً بأنه ضروري ومطلوب.

وهكذا يضاف إلى المشاعر القاسية والصعبة التي يعيشها الصهاينة والمتمثلة بفقدان الثقة والأمن بالحكومة والجيش وبإزاء سلوك إشكالي طوال الحرب الأخيرة على غزة (كإخفاق الأنفاق، وخطبة شقائق النعمان لرئيس الأركان، ورفض إعلان حالة الطوارئ في غلاف غزة)، يضاف شعور مقلق بأنه ليس لإسرائيل حتى في هذه المرة بعد انتهاء القتال، إستراتيجية واضحة حقيقية، ولا توجد رؤيا وزعامة مصممة على إحراز أهداف أُعلمت قبل ذلك ولا وعد بأمن النقب الغربي.

الأنفاق خطر استراتيجي

استعرض مدير وحدة الأبحاث بمعهد السياسات الإستراتيجية الدكتور شاؤول شاي توصيات الوثيقة التي جاءت تحت عنوان "عقيدة أمنية جديدة"، وأنجزها العشرات من الاستراتيجيين والعسكريين، ودعت الوثيقة إلى تطوير وتحديث العقيدة الأمنية التقليدية التي وضعها رئيس الوزراء الأول لإسرائيل دافيد بن غوريون. وأوضح شاي، في مقالٍ نشره بموقع (ISRAEL DEFENSE)، والذي أشرف على تحضير الوثيقة، أنّ العقيدة الأمنية التقليدية التي تعتمد بالأساس على قوة الردع والإنذار المبكر وحسم الحرب باتت قديمة.

وأضاف أنّه يجب تحديثها وتطويرها في ظل تصاعد وتيرة التهديدات غير التقليدية وتراجع خطورة الجيوش والأنظمة العربية التقليدية واستبدالها بتهديدات غير معهودة للتنظيمات الإسلامية المتطرفة، والتي تأتي على وقع الأحداث المتسارعة والمتغيرات التي ما زالت تعصف بالشرق الأوسط والاقتتال وعدم الاستقرار بالدول المجاورة لإسرائيل.

وتعتمد العقيدة الأمنية الجديدة، حسب شاي، على أربعة محاور تُسهم بتحديث الأسس الأمنية والعسكرية التي وضعها بن غوريون، حيث يدعو الباحثون لإعادة صياغة الرؤية الأمنية الإسرائيلية بحيث تُركز على طرح استمرار منع الحروب وإحباط التهديدات والضربات الموجهة ضدّ دولة إسرائيل، وتطوير نظام اتخاذ قرارات للحسم بوقت قصير.

إلى جانب ذلك، ترى الوثيقة ضرورة صيانة العلاقات المميزة بين تل أبيب وواشنطن واعتبارها حجر الأساس بالعقيدة الأمنية الجديدة ورصيداً سياسياً وعسكرياً، والسعي لتحالفات إقليمية مع الدول العربية المعتدلة لمواجهة المشروع الإسلامي عبر قبول تل أبيب مبادرة السلام العربيّة التي طرحتها السعودية. ولكن بعد الحرب العدوانيّة الأخيرة على قطاع غزّة، رأى الكولونيل المُتقاعد شاي أنّه يتحتّم على إسرائيل أنْ تُدرج في التهديدات والتحديّات المُحدقة بها قضية الأنفاق، واعتبارها تهديداً إستراتيجياً كبيراً على إسرائيل، ولافتًا إلى أنّ الأنفاق التي اكتُشفت في قطاع غزّة خلال الحرب، أربكت الجيش الإسرائيليّ، إنْ كانت هجوميّة أو دفاعيّة، مؤكّداً على أنّه ليس من المُستبعد بالمرّة أنْ يكون حزب الله اللبنانيّ قد أقام الأنفاق، على الحدود مع إسرائيل، كما أنّه حذّر من أنّ الأنفاق قد تكون أيضًا تهديدًا في الجولان العربيّ السوريّ المُحتّل.

وتابع قائلاً إنّ حزب الله، وضمن استخلاص العبر من حرب لبنان الثانية، توصّل إلى نتيجة مفادها أنّ نقل التحصينات الدفاعيّة ومنصّات إطلاق الصواريخ إلى قلب القرى والأماكن المبنيّة من الممكن جدًا أنْ تُحسّن قدرته في الدفاع، لافتًا إلى أنّ منظومة الدفاع المتواجدة تحت الأرض، مليئة بالألغام والقناصّة وبطرق دفاعيّة أخرى، تجعل من مهمّة الجيش الإسرائيليّ في المواجهة القادمة صعبة جدًا. وتابع أنّه بحسب العقيدة الأمنيّة الجديدة لحزب الله، فقد قام الأخير ببناء التحصينات تحت الأرض، وزودّها بتقنيات عالي ومتطورّة جدًا، بالإضافة إلى إقامة غرف خاصة للسيطرة والتحكّم وإصدار الأوامر للقوات على الأرض.

علاوة على ذلك، لم يستعبد الكولونيل الإسرائيليّ المُتقاعد أنْ يكون حزب الله قد تزودّ بشبكة اتصالات جديدة ومتقدّمة من الصعب، إنْ لم يكُن مستحيلاً اختراقها، على حدّ قوله.

كما أشار إلى أنّ حزب الله قام بتحويل كلّ قرية وقريةٍ في الجنوب اللبنانيّ إلى قاعدة منفردة عن الأخرى، بحيث أنّ عشرات العناصر من الحزب يقومون بالإشراف الدائم عليها وصيانتها، مؤكّداً على أنّ كلّ قاعدة مليئة بالصواريخ من جميع الأنواع.

علاوة على ذلك، شدّدّ الدكتور شاي، على أنّ إسرائيل مُلزمة بالتعامل مع هذا الخطر الجديد، الأنفاق والحرب تحت الأرض، كبعدٍ سادس في ساحات القتال لإسرائيل (البعد الجويّ، الفضائيّ، البحر، اليابسة والسايبر)، مشيراً إلى أنّ ضمّ هذا التهديد يجب أنْ يكون حتمياً لإسرائيل، لأنّ العدو يمنح هذا البعد أهمية كبيرة، وأيضاً من منطلق الفهم والاستيعاب أنّ الأنفاق والحرب تحت الأرض سيكونان من أهّم التحديّات التي ستُواجهها إسرائيل، وبالتالي على صنّاع القرار في تل أبيب، قال الدكتور شاي، أنْ يمنحوا الأفضليّة لإيجاد حلّ سريع وفوريّ لهذا التحدّي الإستراتيجيّ، الذي بات على الأبواب، على حدّ وصفه.

جدير بالذكر أنّ الدكتور شاي كان قد وضع مؤخراً ورقة مهمة تحت عنوان (تأملات في عقيدة الأمن القومي الإسرائيلية)، لخصّ فيها مفهوم الأمن الإسرائيلي، والتطويرات المفاهيمية المطلوب إدخالها عليه، ربطاً بالبيئة الإستراتيجية الجديدة، وخطر حروب غير تقليدية، وتراجع قوة الردع الإسرائيلي ضمن المفاهيم والمعادلات التي سادت لعقود خلت.

وتنطلق الورقة من الإقرار بعدم اليقين بالنسبة لمستقبل المنطقة، وبالتالي لا تستطيع دوائر القرار في إسرائيل الركون لمعطيات المعادلات السابقة، باختلالها الذي بقي مستمراً منذ عام 1948، ليس بفعل موازين القوى الإقليمية المجردة، بل بما ترتب على نسق التحالفات الدولية، والعلاقات الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل، وباتت المتغيرات تفرض إعادة فحص العقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي تأسست على واقع جيو/سياسي مختلف جذرياً، وسط أزمات مازالت في ذروتها، ومحذور تحول بعض دول الجوار إلى دول فاشلة، على ضوء عملية التفكك الحاصلة فيها، وأكدّ أيضاً على أنّ الأوضاع الإقليمية المضطربة وضعت إسرائيل أمام واقع معقد، بعد ما يصطلح على تسميته بالربيع العربي، وأزمة العلاقات مع تركيّا، يُحتّم عليها تعيين فرص جديدة لخلق تحالفات مع دول شرق أوسطية، وتوسيع الدائرة لتشمل بلدانًا في المتوسط، مثل اليونان وقبرص، والبلقان والقارة الأفريقية، في نسق لا يعتمد بالضرورة على المفاتيح الأمريكية والأوروبية الغربية بالصيغ التي انتهجت في الماضي، على حدّ قوله.

القلق الوجودي

إن الناظر لآخر استطلاع رأي أجراه معهد "بيو" في واشنطن يرى تدني التأييد الإسرائيلي للاتحاد الأوروبي إلى 41% في العام الماضي، فيما كان نحو 56% في العام الذي سبق.. لماذا؟ لأن الأوروبيين قد سئموا من السياسات الإسرائيلية، وقد بلغت العلاقة بين غالبية العواصم الأوروبية وتل أبيب مرحلة صعبة، فيما انطوت الخلافات على مرحلة متسعة من الذم والاتساع، وهذا ما عبر عنه في يونيو (حزيران) الماضي سفير الاتحاد الأوروبي لدى إسرائيل لارس فابورج أندرسين من خلال حديثه عما سماه "نفاد صبر" عدد متزايد من دول الاتحاد، جراء استمرار إسرائيل في أنشطتها الاستيطانية.

على أن المسألة الأوروبية باتت تتجاوز الشجب والتنديد والاستنكار إلى خطوات واقعية ملموسة، كان آخرها اتجاه السويد إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ ففي خطوة غير مسبوقة على صعيد دول الاتحاد الأوروبي، أعلنت الحكومة الجديدة في السويد بأنها ستعترف بدولة فلسطين، انطلاقاً من أن "حل الدولتين يتطلب اعترافاً متبادلاً، ورغبة في التعايش السلمي، ولذلك ستعترف السويد بدولة فلسطين"، على حد منطوق ستيفان لوفين رئيس وزراء السويد الجديد خلال خطاب تنصيبه.

لم يكن القلق الإسرائيلي من السياسات السويدية هذه المرة هو الأول من نوعه، فمن قبل تدهورت العلاقات السويدية - الإسرائيلية على خلفية نشر صحيفة "أفتو بنلاديت" مقالاً يدين الجيش الإسرائيلي بسرقة أعضاء قتلى فلسطينيين، وقد ردت حكومة إسرائيل برئاسة نتنياهو بأن السويد تشرع في إقامة علاقات مع حماس، كان ذلك في عام 2006.

غير أن المشهد اليوم يبلغ ذروة القلق عند الإسرائيليين، بأكثر كثيراً جداً مما سبق، فالحديث اليوم ليس عن "قزم دبلوماسي"، وإنما عن دولة أوروبية جدية ومهمة وحتى لو كان الحديث بمثابة خطوة رمزية، إلا أنها بالتأكيد تشكل دلالة للآتي، فتحويل البعثة الفلسطينية في استوكهولم إلى سفارة، والدعم السويدي التلقائي لقبول فلسطين للمنظمات الدولية، سيدفع دولاً أخرى في إطار الدول الاسكندينافية إلى اعتراف مماثل، وأقرب الدول المرشحة لتقليد السويد، هي دولة النرويج، الذي هدد وزير خارجيتها مارتين ليدغار أخيرا بفرض عقوبات على إسرائيل إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع حركة حماس، وتزيل الحصار المفروض على قطاع غزة، وتوقف البناء في المستوطنات.

إن حديث العقوبات الأوروبية تجاه إسرائيل، لم يعد يتوقف عند حدود المقاطعات الأكاديمية، بل بدا وكأنه يتصاعد بشكل يزعج قادة إسرائيل.فعلى سبيل المثال ما صرحت به آنا وبستر رئيسة مجموعة التضامن الفلسطينية، من أن انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي يجب ألا تمر دون عواقب، ويجب على حكومة السويد والاتحاد الأوروبي أن يفرضا شكلاً من أشكال العقوبات ضد إسرائيل مثلما يفعلون مع البلدان الأخرى، التي تنتهك القانون الدولي وحقوق الإنسان.

يلفت النظر في اعتراف السويد بالدولة الفلسطينية عدة نقاط من بينها أن بعض الحكومات الأوروبية التقدمية لم تعد تخضع لحالة "الرهاب الأدبي" التي كانت تعيش في أثرها تجاه دولة إسرائيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبات أن هناك في أوروبا من ينفض عنه غبار "صغر الذات" تجاه تعاظم "البكائية اليهودية" المستمرة والمستقرة، وخير دليل على ذلك أن كل الأصوات المعترضة على القرار السويدي داخل إسرائيل لم تؤثر على قرارها.

الأمر الآخر هو أن الجاليات العربية والإسلامية في داخل الدول الأوروبية يمكن أن تكون بلغة الاقتصاد "قيمة مضافة" تصب في صالح دعم القضايا الحقوقية العربية، فمن بين 19.6 في المائة من المواطنين المهاجرين، أو أبناء المهاجرين في السويد، هناك نحو 6 في المائة عرب، يصوت غالبيتهم للحزب الاجتماعي الديمقراطي، وهي حقيقة تزعج إسرائيل لا على صعيد السويد فقط بل في غالبية الدول الأوروبية التي يوجد بها عرب ومسلمون.

إضافة إلى ذلك هناك ملمح آخر يفيد بأن بعض السياسات الأوروبية، لم تعد أسيرة الرغبات أو التوجهات الأميركية، ففي تعليقها على نية السويد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، حذرت واشنطن من أن أي "اعتراف دولي بدولة فلسطين" يعد سابقا لأوانه، غير أن موقف وزيرة خارجية السويد مارغوت فالستروم، وعلى خلاف مواقف وزير الخارجية السابق في الحكومة المنتهية ولايتها كارل بيلدت جاء واضحاً وحاسماً عندما ذكرت أن "السياسية السويدية الخارجية لا يمكن أن تقرر من قبل واشنطن". 

كما جاء الاعتراف الرمزي لمجلس العموم البريطاني بالفلسطينيين بالرغم من أنه لن يغير واقع الاحتلال على الأرض، لكنه يعطي منحى جديدا للمفاوضات من جهة، ويرسل رسالة رمزية قوية لإسرائيل والحركات المناهضة للفلسطينيين من جهة ثانية. أخيراً يمكن القول إن قلق إسرائيلي هذه المرة وجودي لا حدودي!!.

اعلى الصفحة