التاريخ الإسلامي بين رؤيتين
(ثابت موضوعي ومتغير ذاتي)

السنة الثالثة عشر ـ العدد 154 ـ (ذو الحجة 1435 هـ) تشرين أول ـ 2014 م)

بقلم: نبيل علي صالح(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

يعد التّاريخ سجلّ توثيق حياة الأمم وديوان الشّعوب، فيه تخطّ إنجازاتها وإبداعاتها، وتسجّل أعمالها ومشاريعها وإضافاتها للحياة والإنسان.. فإلى أيّ حدّ كانت كتابة التّاريخ موضوعيّة؟! وما أهميّة العمل التاريخيّ في إعادة ترسيم الهويّة الأصيلة للشّعوب، وإبراز ما فيها من عناصر حية قادرة على إلهاب مشاعرهم، وتحريض أجمل ما عندهم في سبيل العمل والإنتاج والإبداع؟!.

التاريخ، بطبيعة الحال، حقل معرفيّ وعلميّ، شأنه شأن أيّ علم من العلوم يكتبه المختصّصون.. والتّاريخ بتعريفه، هو علم حركة وفعاليّة الإنسان في مدى الزمان، سواء في علاقاته الذاتية أو الموضوعية، في صراعه مع ذاته ومع غيره من البشر، أو في صراعه مع الطّبيعة في الماضي.. فالموضوع أساساً يتعلّق بكلّ ما جرى في الماضي من مجريات وأحداث.. هذا بشكل عام.. أما بالنسبة لتاريخنا الإسلامي فيجد المدقق والمراجع له وجود إشكالية حيوية يثيرها الأسلوب والسبيل المنهجي والعملي في طبيعة التعاطي مع قضايا (ورموز وشخصيات وأحداث) هذا التاريخ في كثير من مفاصله الهامة، من خلال أنه ينطلق ضمن أجواء ضاغطة تتأسس على رؤية ضبابية مختنقة في الجانب الذاتي من التاريخ النظري والعملي.. فيما هو الاستغراق (المنتفخ) إذا صح التعبير في داخل الساحة التاريخية، والمعبأ بكل ذاتيات هذا التاريخ الزاهي والمتألق، في التركيز على الصيغة التاريخية الميكانيكية الخطابية الجامدة التي لا تنتج إلا الانحراف والتحريف في الفكر والممارسة، والفقر في الاغتناء المعرفي الحضاري والإنساني.

وعندما يقوم أصحاب تلك الطريقة بدراسة الظاهرة أو الحدث البشري أو الطبيعي - في محيطه الإنساني والتاريخي- فإنهم ينظرون إلى إنسان التاريخ (أو الحدث) ككائن ينتمي إلى بعد ذاتي واحد، ينفصل عن الزمان والمكان، ويعيش في مركزيته الشخصية بعيداً عن التأثير أو التفاعل مع حركة الأحداث التي يعايشها، ويمكن أن يؤثر (أو يتأثر) بها فتغتني منه، ويغتني منها.

إننا نطلق على هذه الطريقة - في أسلوب معالجتنا (ومواجهتنا) لقضايا التاريخ (والفكر والسياسة) المتصلة بحركة الأهداف الكبيرة والعالية في الحياة - طريقة "المتغير الذاتي"، أو الطريقة المثالية التي ترتبط بحركة الهدف النوعي المباشر بشكل ارتجالي عاطفي وانفعالي ساذج غارق في ضباب الأحلام الساحرة، ومتاهات المجهول، وفضاءات الخيال المستغرق في المثال والتجريد.

إنها الطريقة التبسيطية التبريرية التي تواجه المشكلة أو الهدف بشكل حماسي يتميز بوجود كمّ هائل من ركام الشعارات المنتفخة والمثيرة، والمهرجانات الصاخبة "غوغائية التقديس المفتعل" الخالية من المحتوى الفكري، والمضمون الاعتقادي الهادف والفاعل الذي يخطط للمستقبل بوعي وإيمان، ويرسم حدوده وتفاصيل تحركه بكل تركيز وتخطيط وثبات.

وقد لمسنا هذا الاتجاه في معظم الدراسات التاريخية التي تناولت حياة الرسول(ص) أو الأئمة(ع)، والتي تركزت جهودها الفكرية على الجانب الشخصي في امتداده التقديسي المطلق الذي يتعامل مثلاً مع المعصوم كرمز مقدس مزروع في دائرته الخاصة (أو في فضائه السحيق) بعيداً عن تفاصيل الحركة الحياتية والبشرية.

لذلك إننا نعتقد من خلال وعينا لطبيعة الظروف الموضوعية والتحديات الخطيرة التي يواجهها الإسلام في ساحة الصراع الحضاري العالمي الراهن، وباعتبار أن الفكر الإسلامي قد أصبح محوراً أساسياً للدراسات البحثية الإستراتيجية في مختلف أنحاء العالم، فأنشئت لذلك جامعات ومراكز بحوث متخصصة في هذا المجال، وانطلق هذا الفكر في وجوده الحي في قلب التحدي العالمي على مستوى ضرورة إنجاز مشروعه الحضاري الرائد.. أقول: إننا نعتقد من خلال ذلك كله- أنه قد بات من الواجب علينا مراجعة الكثير من حساباتنا الثقافية، وموروثاتنا الفكرية، خصوصاً ما يتعلق منها بضرورة تنقية أجوائنا التاريخية من كل هذا التراكم الكمي والتضخم الذاتي النخبوي، على ضوء فهمنا للطريقة الواقعية التي أسميها بطريقة "الثابت الموضوعي" التي تتميز بالخصائص التالية:

ألف: تتعامل هذه الطريقة مع حركة الأهداف العليا والطموحة بمنطق العقل والواقع، من خلال أن لكل ظاهرة أو حادثة معينة أسبابها (وعلتها) الطبيعية، ومفاعيلها المتحركة في الواقع.

باء: تتعامل هذه الطريقة مع الواقع أيضاً بظروفه الموضوعية العملية المؤكدة بسنن إلهية كونية، على أساس أن الله تعالى لا يريد للمسلم أن يركز قواعده في الواقع -ويؤكد وجوده في الحياة - من خلال البعد الغيبي على الرغم من أن الإيمان بالغيب هو أحد صفات المؤمنين.. ولكنه دعاه إلى بناء أسس وشرائط تعمير الحياة وبناء أساسيات وجوده بالوسائل الإنسانية الواقعية، وأن يصل إلى أهدافه ونتائجه العملية في الحياة من خلال إنتاجه وفكره النظري والتطبيقي، في مستوى بحثه واستقصائه عن القوانين والسنن الطبيعية التي أودعها الله في أرجاء الكون الفسيح، فيما يعنيه ذلك من ضرورة قصوى في أن يخوض الدين - بكل فكره ووجوده ورموزه - التجربة الإنسانية بعمق امتدادها في حركة الواقع.

ولا يعني هذا الكلام أبداً استبعاد الغيب بأبعاده وتجلياته المختلفة-عن ساحة الفكر والواقع والحياة فيما قد يمتلكه هذا الجانب المرتبط بالعبادة من قدرة هائلة على تحويل الإيمان بالغيب إلى طاقة عمل إنتاجية (وقوة محركة) إبداعية هائلة في الواقع.. بل نحن نؤمن بالغيب كقاعدة ثابتة في خط الإرادة الإلهية وأسرارها الغيبية من حالات الخلق والإبداع والرعاية والحفظ والنجاح والنصر.. وما إلى ذلك، في الجانب الخفي عن قدراتنا ووسائلنا القاصرة ومما لا نملك له تفسيراً مادياً.

جيم: التحليل الدقيق للأشخاص والوقائع والأفكار، والبحث المعمق في طبيعة نشأتها، وتركيبتها وخصائصها العامة.. وبالتالي مواجهة الأخطار والمواقف السلبية بروح مسؤولة واعية، تمتاز بالصبر والشجاعة والهدوء، تنقد بجرأة وطموح ووعي كجزء من الخطة العملية الشاملة للمسيرة التكاملية الهادفة، لا كحالة مزاجية طارئة على ساحة الفكر والشعور.

دال: التعامل مع التاريخ بلغته العلمية التحليلية الموضوعية في الاتجاه الذي تتحول فيه وقائع هذا التاريخ وحوادثه العامة - التي عاشها البشر في الماضي - إلى فعل حي متحرك تستنبط من خلاله جملة القواعد والسنن الإلهية المهيمنة على مجريات الأحداث، والوقائع التاريخية المتنوعة، على صعيد ملاحظتها ودراستها وتحليلها وتركيبها واكتشاف خصائصها وطبائعها المميزة، وروابطها العلية والمعلولية، واستنتاج ضوابطها العامة الحاكمة, ثم نشر القانون وتعميم قاعدته على الحاضر والمستقبل كمرحلة من مراحل المسيرة الإنسانية نحو أهدافها الكبيرة في الحياة.

ويمكننا هنا أن نضرب المثال التاريخي التالي عن كيفية هذا الاستخدام الفعال في تحليل حركة التاريخ، والاستفادة منها في حركة الحاضر والمستقبل.. فقد روى ابن كثير في تاريخه أن معاوية بن أبي سفيان لما زار المدينة المنورة لأول مرة (بعد أن استقر له الملك في الشام) "توجه إلى دار عثمان بن عفان، فلما دنا إلى باب الدار صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها، فقال معاوية لمن معه: انصرفوا إلى منازلكم فإن لي حاجة في هذه الدار، فانصرفوا ودخل، فسكن عائشةَ بنت عثمان، وأمرها بالكف، وقال لها: يا بنت أخي، إن الناس أعطونا سلطاننا، فأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، فبعناهم هذا بهذا، وباعونا هذا بهذا، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا علينا بحقنا، وغمطناهم بحقهم، ومع كل إنسان منهم شيعته، وهو يرى مكان شيعته، فإن نكثناهم نكثوا بنا ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا"(راجع بهذا الخصوص كتاب: البداية والنهاية لابن كثير، ج8/ص132، مكتبة المعارف، بيروت).. ولعل هذا النص يقدم لنا صورة حقيقية وبالغة الأهمية والدلالة عن طبيعة المشكلات والصراعات التي حدثت في داخل اجتماعنا الديني العربي الإسلامي في عمقها التاريخي، وأسبابها الاجتماعية والسياسية.

واليوم تبدو ظروفنا وتحدياتنا مشابهة كثيراً لتلك التي عانت منها أمتنا في سابق عهدها، وبخاصة بعد أن استولى معاوية وغيره من فراعنة التاريخ - على الحكم، وفرض نفسه بقوة الحديد والنار على صدر هذه الأمة.. فهناك:  

مجتمعات عربية وإسلامية ممزقة، وتعيش صراعاً وتدافعاً مريراً حول الحكم والسيادة، لا تقترب فيه أبداً من تحكيم لغة الحوار، ومنطق التراضي والتدافع السلمي.

فشل ذريع للسلطات السياسية الرسمية الحاكمة في إدارة قضايا الوطن المحلية (تحقيق التنمية الشاملة، توفير الحريات، القضاء على الفقر والبطالة ... الخ)، إضافة إلى فشلها في قضايا الوطن الخارجية مثل قضية فلسطين.

وجود بون شاسع وانقطاع واسع بين حاكم غير شرعي (فرض نفسه بالقوة والقهر، واعتبر أن السلطة حق طبيعي له ولذريته وحاشيته) وبين محكوم مستضعف (مطارد وملاحق وعاجز عن تحقيق الحد الأدنى من متطلبات وجوده الإنساني الطبيعي)، فقد الثقة في نظمه وأجهزته الحاكمة، لأنها لم تقم لخياره وزناً، وتجاوزت حدود العدل في الحكم والقسط.

خوف تلك القيادات الدائم من شعوبها، مما يجعلها تتحسب للثورات في كل وقت.. أو بتعبير معاوية نفسه: "فإن نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا".. أي سيادة ثقافة الخوف والخوف المتبادل.

سيادة العلاقات النفاقية والتملقية إذا صح التعبير- بين الحاكم والمحكوم، وإظهار كل منهما للآخر غير ما يبطن، نظراً لانسداد أبواب التعاون الحر، وانعدام التناصح النزيه. 

وبالإضافة إلى ما تقدم فإن مجمل الأساليب وآليات العمل السياسي والاجتماعي ذات الطابع "العنفي" والدموي - التي سبق أن استخدمها معاوية في تثبيت أسس ملكه العضوض- لا تزال سائدة حتى الآن لدى أنظمة الحكم العربي والإسلامي، بحيث باتت السلطة السياسية (النظام السياسي القطري) غريبة بالمعنى السياسي والثقافي عن محيطها الشعبي.

والمقصود بـ"غربة" السلطة السياسية كما يعبر أحد الباحثين- هو وجود التباعد (وربما التعارض الكلي) ما بين الانتماء الثقافي والأيديولوجي للشعب وللأمة، وما بين الانتماء الثقافي والأيديولوجي للسلطة الحاكمة.. فالشعب يغلب عليه الانتماء الحضاري العربي والإسلامي، في حين أن السلطة السياسية يغلب عليها الانتماء الثقافي الغربي.. من هنا يكون استخدام تلك السلطات للعنف والقسر في تثبيت حكمها ونفوذها بديلاً وتعويضاً عن شرعيتها الضائعة، وتغطية للأشكال المتنوعة من الظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي المفروضة على مجتمعاتها، واحتواءً لأجواء الصراعات والمشكلات الداخلية.

وطالما أننا نتحدث عن التاريخ الذي يختزن الماضي في أحد أبعاده، فإننا نعتقد أن الحديث عن الماضي, والبحث العلمي الموضوعي في حيثياته ومضامينه الواقعية, لا يعني مطلقاً أننا نريد أن نسحب تجربة الماضي إلى الحاضر, بل المسألة ترتبط بحركة الثابت والمتغير في بعده الزماني الذي هو كلٌ متفاعل ومتكامل مع حركة كل الموجودات الأخرى.. على أساس أننا نريد أن نحلل التاريخ الماضي بحسب قضاياه وأهدافه وإنجازاته ليكون لنا كسبنا العاقل الهادف وتاريخنا الفاعل في إشارة إلى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 134).

الذي ينبغي علينا أن ندرسه بوعي متفتح، وذهنية متبصرة.. ونحاول إخراجه من دائرة الجمود في قوالبه الجاهزة والمعدة مسبقاً في إطارات معينة, ونطلقه في الدائرة الموضوعية الثابتة كأساس من أسس بناء وإنجاز مشروعنا(ووعينا) الحضاري الإسلامي.

من هذا المنطلق تتحدد أمامنا مسألة مهمة جداً وهي أننا عندما نريد دراسة سيرة الأئمة(ع) فإنه يجب علينا أن نتفهم الزمن الثقافي الذي كانت تعاصره تجربتهم، وطبيعة ممارساتهم وأعمالهم وإنجازاتهم وذلك بهدف الاستفادة المباشرة منها في الحاضر والمستقبل.. الأمر الذي يلزمنا مسبقاً بضرورة التعاطي مع هذا البعد بحس موضوعي هادف بما يجعلنا ننفتح على الأئمة(ع) لا على أساس أنهم رجال معصومون على المستوى السياسي والفكري والاجتماعي فحسب (تماماً كما يفعل الكثيرون من خلال تقديس الأشخاص وتضخيمهم من جهة، وتغييب منهجهم ورسالتهم وأفكارهم من جهة أخرى) ولكن أيضاً على أساس أنهم رجال رساليون وعمليون، أصحاب منهج عمل وتنظيم رائد، وأطروحة قيادية أصيلة سياسياً واجتماعياً وفكرياً.. حيث أننا نريد أن نستفيد من أفكار وقيم الأئمة(ع) - ونستلهم رسالتهم المقدسة، وأدوارهم، وفكرهم الرسالي الإنساني العظيم - في حجم الأبد والإنسانية كلها، لا في حجم اللحظة الآنية الزائلة.

ولذلك فإن أية رؤية للتاريخ لا تتأسس في داخل بنيتها الذاتية - على قاعدة النقد، وجب الشك فيها مباشرة، وهذا ما نجده واضحاً في القرآن الكريم الذي مارس عملية النقد الموضوعي البناء لكل تجارب الماضين.. وخاصة الماضي الذي كانت تعيشه الأمة التي نزل فيها القرآن الكريم.. وهو تركيز على الحقائق الجديدة، وتوجيه للإنسان من أجل أن يبقى في حالة الانفتاح الفكري المسؤول، وتأكيد لكل الناس بأن الجيل الحاضر لا تقع على كاهله أية مسؤولية عن أعمال وكسب الجيل الماضي، كما أن على كل جيل كما تتحدث (وتوحي) الآية الكريمة السابقة - أن يكسب فكره وعمله بنفسه.

وهذا الأمر لا يعني أننا نريد مصادرة التراث كأولئك الذين انبهروا بالحضارة الغربية بكلماتهم الفضفاضة عديمة القيمة والمعنى في حركة الواقع والمسؤولية في الحياة، كما وإننا لا نريد أن نستغرق في هذا التراث الهائل، لنقدسه في كثير من مواقع تخلفه وضعفه، ونغفل عما قد حفلت به تطورات وإنجازات الإنسانية المعاصرة.. ولكننا نريد أن نساهم - ولو بشكل جزئي في إنماء بواعث الحركة الفكرية والحضارية الفاعلة لأمتنا في حركتها الراهنة في دائرة الصراع الحضاري، فيما يمكن أن يقدمه (تراثنا وفكرنا الإسلامي النقي والأصيل الذي تجب صياغته كمشروع استنهاض حضاري للمستقبل) من إضاءات متنوعة في خط الرسالة والفعل الثقافي الإنساني المنفتح والمنتج.

على هذا الأساس يمكننا أن ندخل إلى دراسة فكر وحياة أية شخصية أو رمز ديني مقدس بصورة تحليلية إجمالية عامة، لنستخلص العبر والدروس التي يمكن أن تصلح لحاضرنا ومستقبلنا الذي نعاني فيه من وجود تحديات ذاتية وموضوعية كونية كبرى فرضت أثقالها وركزت قواها على مستوى السياسة والاقتصاد، وو الخ.. ونحاول في النهاية الوقوف أمام ما كان يميز تلك الفترة التاريخية الخطيرة من تاريخ الأمة الإسلامية حيث كانت تتصارع فيها تيارات كثير منها منحرف وطغياني، وقوى سياسية واجتماعية كثيرة كان همّ غالبية أصحابها الوصول إلى مواقع السلطة والنفوذ والجاه والثروة والتحكم بالمصائر حتى لو جاء ذلك كله على حساب فكرة وقيمة العدل التي هي أساس الرسالة والإسلام والناس جميعاً.

طبعاً نحن عندما نتحدث عن كثير من الانحرافات الموجودة في تاريخنا الإسلامي سواء كانت انحرافات فكرية أم رمزية أم غير ذلك - فإن هذا النقد الموضوعي الموجه نحو تلك الرموز أو المواقع لا يعني أبداً أننا نقف ضد توحد المسلمين على قضاياهم المصيرية، أو أننا نفرق صفوف الأمة شيعةً في مقابل سنة، أو سنة في مقابل شيعة.. بل إننا نريد أن نؤكد على أن توحد المسلمين وتكاملهم ورص صفوفهم لن يكون راسخاً ومتيناً ما لم ينجز المسلمون جميعاً مشروع النقد العلمي والموضوعي لتاريخهم كله.. ولكن ذلك يقتضي منا أولاً أن نعمل على إنتاج مفهوم توحد المسلمين (أو الوحدة الإسلامية) من خلال إنتاج الإسلام في نفوسنا أولاً.. وأن لا يفكر الشيعي شيعياً والسني سنياً، بل أن يفكر الشيعي كمسلم من حيث امتداد الإسلام في مفاهيمه الواسعة من خلال الصورة القرآنية والصورة النبوية فيما صح في السنة، وأن يفكر السني كمسلم في هذا الاتجاه.. وعندما نفعل ذلك فإننا ننتج الإسلام في نفوسنا بحيث نتحسس الإسلام في المذهب ولا نتحسس المذهب في الإسلام (كما يقول أحد المفكرين)، من دون أن يلغي المسلم انتماءه لمذهبه.. ونحن عندما نحاول أن نسير في هذا الطريق فإننا سنواجه حتماً في مسيرنا انحرافات كثيرة موجودة لدى هذا الطرف أو ذاك، والواجب الشرعي الديني والأخلاقي يلزمنا بضرورة التحرك لمواجهتها وتعريتها وكشفها وفضحها بصرف النظر عن انتمائها الطائفي أو المذهبي.. لأن الانحراف (أو التحريف) لا مذهب له، وهو ليس سنياً ولا شيعياً ولا حتى إسلامياً.. فيزيد ومعاوية مثلاً وغيرهما من طغاة التاريخ رموزاً وحركات وتيارات وجماعات تتمظهر بأشكال وتلونات وتنوعات متعددة تتفق في المضمون وتختلف في الشكل والمظهر مثل ما يجري حالياً في منطقتنا العربية من اندفاعات تعصبية طائفية كظهور تنظيمي داعش والنصرة الإرهابيين- لا يمثلون السنة ولا الشيعة، وليس لهم من انتماء فعلي إلا الانتماء الذاتي الضيق إلى حزب "الملك العضوض" أو حزب الأنانية الشخصانية..

من هذا المنطلق نقول بأننا معنيون جميعاً - سنةً وشيعةً - بنقد ودراسة مواقع الانحراف والخلل الكثيرة في داخل ثقافتنا وتاريخنا الإسلامي، وأن نعمل على تنقيته من كل ما يشوبه من تعصب وتزمت وزيف وبهتان، وأن لا نخاف في الله لومة لائم.. فالحقيقة قد تكون في معظم الحالات - صعبة وجارحة، ولكنها حتماً مفيدة، وصالحة للحياة أبداً ومطلقاً.

وقد استطاع أهل البيت(ع) في تنوع أدوارهم الرسالية التي مارسوها على امتداد تاريخنا الإسلامي- النفاذ إلى عمق الأحداث والظروف الاجتماعية والسياسية التي مرت على الأمة.. حيث أنهم(ع) قاموا بدراستها، وتحليلها، واستيعاب ملابساتها، واستخلاص العبر والدروس منها، بما يضمن استمرارية الرسالة في الأمة، ويحفظ لها كل مقومات النهوض والارتقاء.

وهذا الأمر هو الذي اختلط على كثير من  الباحثين الذين اعتبر بعضهم أن هناك أسلوباً حسنياً يعتمد الرفق، وآخر حسينياً يعتمد العنف في سياق العمل في الواقع.. ولكن المسألة هي أن هناك ظروفاً خارجية موضوعية تحيط بساحة العمل الرسالي كانت تستلزم الدراسة والتحليل على مستوى الحاضر والمستقبل.. لأن الإسلام ليس ديناً يحدق في الآن القريب فقط، ولكنه دين الإنسانية الخاتم، وهذا يتطلب منه أن يرصد نتائج أي عمل أو أسلوب أو حركة في الحاضر، لأن آثارها ونتائجها ستظهر في المستقبل.

من هنا كان لأهل البيت(ع) أدوار متنوعة، ولكن الهدف الواحد كان يجمعهم ويوحدهم وهو هدف صيانة الرسالة الإسلامية من العبث والانحراف والتضليل الذي كانت تمارسه بحقها السلطات الرسمية الحاكمة على امتداد التاريخ الإسلامي، والتي كانت تريد صياغة إسلام رسمي وعظي ينحصر دوره في داخل المسجد، ولا يتطلع أبداً وهو دين الحياة- إلى خارج حدود المساجد.. من هنا نحن لا نوافق هؤلاء الرأي في وجود أسلوب حسني لين ورقيق، أو أسلوب حسيني شديد وعنيف.. بل إن القضية تتصل بطبيعة ظروف العمل - بثوابتها ومتغيراتها - التي يمكن أن ترسم خطة التحرك والسير في هذا الجانب أو ذاك.. ولذلك نقول بأن الصلح الحسني هو صلح حسيني بامتياز، والثورة الحسينية هي ثورة حسنية بامتياز.. أي أن الحسين(ع) كان حسنياً في مرحلة الحسن(ع).. ولو عاش الحسن(ع) مرحلة الحسين(ع) لكان حسينياً في مرحلته.. ولذلك كانا يتحركان حيث تكون للإسلام والمسلمين مصلحة عليا سلماً كان أم حرباً.

إذاً نستنتج هنا أنه وعلى الرغم من تنوع الظروف الموضوعية التي كانت تحيط بطبيعة عمل كل إمام منهم(ع)، فإن هذا التنَوع في الواقع الخارجي كان يترافق مع تنوع داخلي في طبيعة الاستجابة والفعل، ولم ينطلق أبداً من حالة مزاجية أو طارئة، بل كان منهجاً مدروساً يرتكز على معطيات وقواعد الإسلام من حيث هو خطة وحركة نهج عملي للواقع في كل خلفياته وأبعاده وظروفه وقضاياه.. لأن الحالة المزاجية للشخص غالباً ما تنشأ من طبيعة الجو والبيئة التي يعيشها هذا الشخص.. وهذا مما يؤثر سلباً على حركتنا، فيما نحب ونكره، وفيما نؤيد ونعارض، وفيما نتحرك فيه. ولذلك كان لزاماً علينا أن ننطلق في كل أعمالنا من قاعدة، ومن مفهوم واضح في الرؤية والتصور والعمل للقضايا الأساسية التي يفترض أن نلتزمها التزامنا بالإسلام.

وحركة أهل البيت (ع) هي المدرسة والحركة الوحيدة في تاريخنا الإسلامي التي مثلت هذا الخط العملي المتوازن والمتصاعد لأسلوب الدعوة السلمية الحوارية العقلانية الرشيدة في خط القرآن، والدعوة في أخلاقياتها العملية، وفي حركتها الرسالية الإنسانية، في قضايا الحياة والصراع، في ضرورة أن يتثقّف المجتمع إسلامياً بحيث ينطلق من المصادر الإسلامية الأصيلة ليكون الإنسان المسلم منفتحاً الحياة والإنسان من موقع ثقافة أصيلة واعية لا من حالة غرائزية أو حالة غوغائية.

باحث وكاتب سوري(*)

اعلى الصفحة