أكراد العراق والموقف من السياسة التركية تجاه داعش

السنة الثالثة عشر ـ العدد 154 ـ (ذو الحجة 1435 هـ) تشرين أول ـ 2014 م)

بقلم: خورشيد دلي(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

الحرب بين تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والأكراد، سواء في العراق أو سورية، تأخذ شكل الحرب على الوجود والهوية، فحتى الآن المعارك التي تجري بين الجانبين هي في المناطق المختلطة جغرافيا وقوميا وعرقيا، من منطقة الفرات الأعلى على الحدود السورية التركية شمالا نزولا إلى سهل نينوى في العراق جنوبا وصولا إلى مشارف بغداد.

والحرب بين الجانبين لم تبدأ مع سيطرة داعش على الموصل وتوسعه باتجاه أربيل لاحقاً كما يتصور البعض، بل بدأ قبل ذلك بأكثر من سنة عندما حاول داعش التقدم للسيطرة على المناطق الكردية في شمال شرق سورية وتحديدا على بلدة رأس العين (سريه كانيه) على الحدود السورية التركية، حينها واجه التنظيم بمقاومة شرسة من مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية، ولعل الذي خرج الأمر عن نطاقه المحلي وتحوله إلى ما يشبه حرب عالمية على داعش هو تهديد الأخير لأربيل عاصمة إقليم كردستان ومحاولته السيطرة على كركوك الغنية بالنفط والغاز، حيث يحتل إقليم كردستان مكانة إستراتيجية في السياسة الأمريكية تجاه مجمل منطقة الشرق الأوسط خاصة وأنه يتوسط العراق وتركيا وإيران وسوريا.

وانطلاقاً من هذه الأهمية جاء الاستنفار الغربي للدفاع عن إقليم كردستان الذي يكاد يشكل قصة النجاح الأمريكية الوحيدة في العراق بعد غزوه عام 2003، إذ بدا الدفاع عن الإقليم وكأنه مخرجا للمعضلة الإستراتيجية الأمريكية الأخلاقية في العراق في مواجهة زحف داعش وما رافقه من قتل وتدمير.        

حسابات الأكراد

عندما سيطر داعش على الموصل، سارعت قوات البيشمركة الكردية إلى بسط سيطرتها على مدينة كركوك والمناطق المحيطة بها ولاسيما الحقول النفطية المحيطة بها، وأعلنت قيادة الإقليم انه تم تطبيق المادة 140 الخاصة بمستقبل كركوك، وسارعت إلى ربط أنابيب نفط كركوك بخط أنبوب النفط في الإقليم والذي أعد لتصدير النفط إلى الخارج عبر ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط. وقتها سارع كثيرون إلى القول إن إقليم كردستان بات على مشارف إعلان الاستقلال وإقامة الدولة الكردية خاصة وان رئيس الإقليم مسعود البارزاني أعلن عزم الإقليم إجراء استفتاء على تقرير المصير، لكن سرعان ما قلب داعش الطاولة على الجميع عندما تقدم صوب أربيل سريعاً، فيما كانت دفاعات البيشمركة تتهاوى في مخمور وسنجار وزمار وغيرها من المناطق، حيث كان لتقدم داعش وقع الصاعقة على أربيل والصدمة على العالم، خاصة وان هذا التقدم اقترن بارتكاب مجازر ضد الإيزيديين والأقليات المسيحية التاريخية كالآشوريين والصابئة والمندائيين والشبك.  قيادة الإقليم التي كانت مشغولة قبل هذا الوقت بالخلافات المتفاقمة مع بغداد وبمعركة الاستقلال، لم تجد مناصا من الانتقال من معركة الدفاع عن الإقليم وعدم التورط العسكري خارجه إلى الهجوم ضد داعش لوقف تقدمه، إذ بدت وكأنها في معركة وجود، نكون أو لا نكون، فانطلقت اليشمركة مدعومة بمجموعات من أكراد سورية وتركيا في حرب على الأرض، صورتها على أنها معركة الدفاع عن العالم لمحاربة الإرهاب، طالبة النجدة من الغرب الذي سارع إلى التدخل، وسرعان ما أجاز الرئيس الأمريكي باراك أوباما شن ضربات جوية ضد داعش، ومن ثم سارعت الدول الأوروبية خلال اجتماع عاجل لها في بروكسل إلى تقديم السلاح للأكراد، وقبل ذلك أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 2170 القاضي بمحاربة إرهاب داعش، حيث توج هذه المسعى بإعلان الرئيس الأمريكي عن تشكيل تحالف دولي مؤلف من أربعين دولة لمحاربة داعش في العراق وسورية. وهكذا وجد الإقليم الكردي نفسه أمام مناخ جديد أوجده داعش نفسه، عندما أنتجت سيطرته على الموصل معادلة سياسية جديدة في بغداد، قضت برحيل المالكي والمجيء بحيدر العبادي وسط دعم دولي وعربي وإيراني، وهو ما أنتج واقعاً جديداً وضع الأكراد أمام الموازنة السياسية لجهة الحسابات والخيارات، وهي حسابات تبقى مرتبطة بنتائج الحرب الجارية مع داعش، لكن في جميع الأحوال يمكن القول إن الأكراد حققوا حتى الآن جملة من المكاسب التي ستدفعهم أكثر فأكثر إلى التمسك بمطالبهم، ولعل من أهم هذه المكاسب:

1- الحصول على أسلحة متطورة وبكميات جيدة بعد أن واجهت هذه قضية تسليح البيشمركة مشكلات مع بغداد، بما يعني ما سبق تعزيز القدرات العسكرية للإقليم وما يترتب على ذلك من تقوية موقف الإقليم سواء في مواجهة داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة أو حتى بغداد في المرحلة المقبلة.

2- كسب المزيد من التعاطف الدولي مع إقليم كردستان، بوصفه إقليميا يحارب الإرهاب في هذه المنطقة نيابة عن العالم، ويحمي الأقليات الدينية والعرقية ويعيش حالة من الديمقراطية الحقيقية، وهو ما يستوجب المزيد من الدعم الغربي والحماية له، بوصف ذلك واجباً أخلاقياً.

3- من شأن ما سبق تشكيل لوبي حقيقي قوي في الغرب داعم للأكراد، خلافا لما كانت عليه العلاقة التقليدية بين الكرد والغرب، عندما كان الغرب يتعامل مع الأكراد من زاوية أمنية وقتية فقط، بعيدا عن كونه شعبا وقومية وأمة، له حقوق ويمكن بناء مصالح مشتركة معه، خاصة وان المصالح النفطية الغربية تتعزز يوماً بعد يوم مع كردستان.

4- إن الحرب مع داعش حددت الخريطة الجغرافية لإقليم كردستان على شكل حسم لمصير المناطق المتنازع عليها لصالح الإقليم، وسيكون من الطبيعي أن يقول الإقليم بعد اليوم انه هو من حرر هذه المناطق، وبالتالي له الحق في السيطرة عليها، وأن نتيجة الاستفتاء هي أن جرى لن تكون سوى تحصيل حاصل خصوصاً وأن ما جرى عزز من شعبية القيادة الكردية ومصداقيتها.

5- إن ما جرى عزز من مصداقية الإقليم ولاسيما قوات البيشمركة مقارنة مع الجيش العراقي الذي تعرض لهزيمة كبيرة في الموصل، وعلى المستوى السياسي فان ما سبق عزز من صورة الإقليم ومكانته لدى الأقليات في شمال العراق ولاسيما الإيزيديين والمسيحيين، بما يعزز كل ذلك من مصداقية الإقليم محليا ودوليا.

6- في المحصلة، فإن ما جرى جعل من الإقليم قوة إقليمية كبيرة في الحسابات الإقليمية والدولية، بما يجعل منه لاعباً أساسياً، يأخذ دوره بعين الاعتبار في مجمل التطورات الجارية في المنطقة.

على إيقاع هذه المكاسب المنتظرة يعد الإقليم حساباته وخياراته، التي تتراوح بين تعزيز المكاسب الكردية في عهد حكومة الدكتور حيدر العبادي وبين تعزيز خيار الاستقلال مستفيدا من كل ما جرى.                                                     

التداعيات على العلاقة مع بغداد

يرى إقليم كردستان أن مجمل التطورات الجارية في العراق أوجدت واقعاً جديداً، وأنه لم يعد بالإمكان العودة إلى مرحلة ما قبل أحداث الموصل وسيطرة البيشمركة على كركوك، كما أن تحقيق الانتصار على داعش في الحرب الجارية معه سيفتح الباب على مصراعيه لإعلان استقلال الدولة الكردية ما لم تستجب بغداد لمطالب الإقليمية، ولعل ما يشجع الأكراد على السير في هذا الخيار هو مجموعة من العوامل والأسباب، ومن أهمها:

1- إن السيطرة على كركوك التي تشكل قيمة نفطية كبيرة أمنت المورد المالي للاستقلال المالي للإقليم، وعليه سارع الإقليم إلى ربط نفط كركوك بالأنابيب التي أقامها لتصدير النفط إلى الخارج عبر الأراضي التركية.

2- الإحساس المسبق ودون انتظار نتائج الاستفتاء الخاص بشأن مستقبل كركوك وفقا للمادة 140 بأن مصير كركوك وباقي الأراضي المتنازع عليها حسم لصالح الإقليم بعد ما جرى في الموصل.

3- يقول قادة إقليم كردستان إن الأخير غير مستعد لتحمل مشكلات العراق الكثيرة وتداعيات فشل العملية السياسية وتفاقم الحرب الطائفية بين السنة والشيعة في البلاد.

4 القناعة بأن الرفض الإقليمي والدولي لإعلان الدولة الكردية مؤقت، وأنه سيتغير تبعاً للمصالح والتحالفات، وأن العديد من الدول جاهزة أصلاً لمثل هذا الاعتراف، كما أن لا خوف من ردود الفعل في الداخل العراقي.

5- إن قضية مسألة إقامة الدولة الكردية المستقلة بالنسبة للأكراد غير مرتبطة بالظروف الحالية بقدر ما هي قضية تاريخية وحاضرة في الأجندة الكردية منذ القدم، وما منع قيامها حتى الآن هو جملة من الأسباب والظروف المحلية والإقليمية والدولية التي تغيرت الآن لصالح الأكراد وجعلت منهم لاعبا إقليميا بعد أن كانوا ورقة.

6- إن انتصارهم في الحرب ضد داعش سيكون بمثابة تكريس الإقليم الكردي دولة مستقلة في الاعتبارات الدولية للأمن.

في الحقيقة الأمر، يحس الأكراد بأنهم باتوا أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر، وعليه فإن مسألة قيام الدولة الكردية بالنسبة لهم لا تراجع عنها، وان لحظة إعلانها مرتبطة باستكمال الإجراءات والخطوات اللازمة، وأنهم (الأكراد) باتوا قريبين من هذه اللحظة التاريخية، وليس باستطاعة أي زعيم أو حزب كردي التراجع عن هذه الخطوة. بمعنى آخر فإن مجمل التطورات الجارية حاليا في العراق عززت من خيار الأكراد في التوجه نحو الاستقلال. لكن على الرغم من ذلك، من الواضح أن الإقليم وفي ظل الحرب مع داعش يبدو وكأنه أمام موازنة الخيارات بخصوص مستقبل العلاقة مع بغداد وعلاقة ذلك بقضية إعلان الدولة الكردية. فثمة من يرى خيار العلاقة مع بغداد قد تجلب مصالح كثيرة ومهمة للإقليم، وينطلق هؤلاء من جملة عوامل وأسباب، لعل أهمها:

1- إن للإقليم من موازنة العراق 17%، أي قرابة 25 مليار دولار، وأن مثل هذه النسبة تؤمن المصدر المالي الأساسي لاستمرار التجربة المميزة للإقليم، وانه لا سبب يدعو إلى التخلي عنه.

2- إن الأكراد بثقلهم السياسي الكبير إلى جانب المكون السني وبعض القوى الشيعية ولاسيما تياري الحكيم والصدر وكذلك بعض القوى السنية، يستطيعون بناء شراكة سياسية جديدة، ومثل هذا الأمر يشكل قيمة سياسية واجتماعية لكافة المكونات العراقية ومستقبل العراق وكردستان معا، وصورة الأكراد إقليمياً.

3- إن إعلان الانفصال عن العراق قد يعرض الإقليم إلى حروب داخلية سواء من قبل بغداد في الداخل، وفي الخارج حيث أعلنت كل من إيران وتركيا رفضها لقيام دولة كردية، فيما المواقف الأمريكية والبريطانية والأوروبية عموما لا تبدي الحماس اللازم لرغبة الأكراد بالاستقلال.

4- ثمة من يرى أن قسماً من الأكراد وتحديداً حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي السابق جلال الطالباني لا يبدي نفس الحماس الموجود لدى الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة البرزاني لجهة إعلان الدولة الكردية، ومثل هذا الأمر قد يفجر الخلافات الكردية الداخلية في المرحلة المقبلة أن لم يتم التوصل إلى رؤية موحدة بهذا الخصوص.

5-  إن إقليم كردستان الذي هو حليف وثيق لواشنطن لا بد أن يأخذ الموقف الأمريكي بعين الاعتبار إزاء ما يجري، وحتى الآن تنصح واشنطن الأكراد بالبقاء ضمن العراق والتحالف مع بغداد، كما أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري خلال زيارته الأخيرة إلى أربيل، وكذلك نظيره الألماني، ومثل هذا الأمر ربما يشكل مقياسا لما ستكون عليه مواقف العديد من القوى والعواصم الكبرى من الدولة الكردية في حال إعلانها، فيما يبقى الاستثناء الوحيد هو إسرائيل والتي لا يثق الأكراد بها.

في جميع الأحوال، الجدل بين خيار الاستقلال وخيار البقاء ضمن العراق، وأيهما الأصلح للإقليم في المرحلة المقبلة، بات شكلاً من أشكال المفاضلة والموازنة السياسية في الحسابات والمصالح، وعند الحسابات والمصالح تحضر الخيارات الممكنة والمضمونة خلافاً للشعارات والتصريحات السياسية التي قد تكون مرتبطة بهذا الظرف أو ذاك، بهذا الحدث أو ذاك. وانطلاقاً من هذا الواقع، ثمة من يرى أن تصريحات البرزاني المتتالية بشأن الاستقلال تدخل في إطار نيل أفضل الشروط الممكنة للبقاء ضمن العراق مع السعي الدائم لتحسين موقع الأكراد من خلال التوصل إلى ما يشبه صيغة جديدة مع بغداد، تقوم على تحقيق مجموعة من الشروط والإجراءات، لعل أهمها:

1- أن تقوم الحكومة الجديدة في العراق بمنح المكونات الأساسية الثلاثة، أي القوى الشيعية والسنية والكردية دورها الحقيقي والفعلي في قيادة البلاد من خلال الشراكة والعدل وليس التبعية وممارسة سياسة الإقصاء والتهميش، والعودة إلى المركزية في الحكم.

2- الاعتراف الرسمي باستقلالية إقليم كردستان في مجال موارد الطاقة من نفط وغاز، بما في ذلك حق التصدير وتكريس هذا المكسب من خلال قانون النفط الذي لم يصادق عليه البرلمان حتى الآن رغم مرور سنوات على تقديمه إلى البرلمان. 

3- حسم مصير المناطق المتنازع عليها ولاسيما كركوك من خلال تنفيذ المادة 140 التي أقرت بالاستفتاء على مصير كركوك، ومثل هذا الأمر له أهمية كبيرة للإقليم نظراً لأنه يحقق له الاعتراف القانوني والدستوري لجهة تابعية كركوك له. وهو ما يترتب عليه أوضاعاً قانونية منها زيادة نسبة الإقليم من الموازنة العامة.

4- دون شك الحصول على هذه المكاسب وغيرها من خلال عملية سياسية جديدة من شأنه تحقيق انجازين مهمين للإقليم:

الأول: إيجاد صيغة أو هيكلية جديدة  للعلاقة بين أربيل وبغداد بما يقوي موقف أربيل ويعزز من الشراكة المتكافئة ويضع نهاية للمحاولات الساعية إلى بناء المركزية في الحكم من جديد.

الثاني: إن هذه المكتسبات تقوي من موقع إقليم كردستان في العلاقات الإقليمية والدولية والتفاعلات السياسية الجارية في المنطقة، بما يحقق المزيد من الاعتراف بالدور السياسي للإقليم. وفي الحالتين (خيار الاستقلال أو الشراكة الجديدة) لا تبدو الأمور سهلة وإنما مليئة بالعقبات والمعارك السياسية والقانونية والتطورات الجارية على أرض الواقع، وعند الحديث عن الواقع، ثمة من يرى أن بغداد الغارقة في المشكلات والتحديات ولاسيما بعد أحداث الموصل وتمدد داعش بحاجة ماسة إلى مرحلة جديدة من التعاون بين بغداد وأربيل للقضاء على داعش.

الشراكة مع تركيا مهددة بسبب داعش

ربما يكون من مفارقات السياسة والأيام أن تتحول تركيا عدوة الأكراد تاريخيا إلى حليف إقليمي لإقليم كردستان العراق.

دون شك، افرز الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 واقعا جديدا في علاقة تركيا بأكراد العراق، وغير من المعادلات السابقة التي كانت تحكم هذه العلاقة، فرئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني لم يعد مجرد زعيما عشائريا كما كانت أنقرة تصفه سابقا، بل بات السجاد الأحمر يفرش له كلما أراد زيارة تركيا وبات من أوثق حلفاء رجب طيب أردوغان في المنطقة. ولعل ما دعم هذا التحول الإيجابي في العلاقة بين الجانبين، هو التطلعات المتبادلة للطرفين. وفي الواقع، يمكن القول ان هناك أربعة أسباب رئيسية تقف وراء هذا التحول الكبير في العلاقات التركية الكردية العراقية، وهي:

1- الرغبة المتبادلة في الاستفادة من البعض، فتركيا تسعى للاستفادة من الصعود الكردي في العراق وتعاظم نفوذ الأكراد ودورهم في صوغ المشهد السياسي العراقي، ومثل هذا الأمر يدخل في الحسابات الإقليمية للدول والتنافس الخفي- والعلني على رسم السياسة العراقية. أما الأكراد فيريدون إقامة علاقة قوية مع دولة إقليمية مؤثرة تشكل منفذا لهم على الغرب وتحديدا الولايات المتحدة.

2- السعي التركي الحثيث إلى الاستفادة من أكراد العراق في تطويع حزب العمال الكردستاني الذي يتخذ من المناطق الحدودية المشتركة مع إيران معقلا لقواعده العسكرية وصولا إلى إيجاد حل  للقضية الكردية في تركيا، وهو أمر يلقى الترحيب من قبل أكراد العراق شرط اعتماد الحل السلمي.

3- مظلة الدور الأمريكي، فالولايات المتحدة هي حليف مشترك للجانبين، وكان لها دور بارز في منع تفجر العلاقات بين الجانبين بعد غزو العراق  وصولا إلى إقامة علاقة جيدة بينها.

4- أمام هذا التوافق السياسي يبدو العامل الاقتصادي مغريا ومنتجا في الوقت نفسه لحالة من الوئام والدفء في العلاقات بين الجانبين، في ضوء ازدهار الشركات التركية العاملة في كردستان والزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين من الجانبين، والاعتراف التركي المتزايد بالكيان الكردي.      

دون شك، هذا التحسن الكبير في العلاقة التركية الكردية العراقية تشير إلى سياسة تركية تعطي أهمية لدور الأكراد في المنطقة وتعاظم بتطورات القضية الكردية وآفاقها ومخاطرها معا من جهة، ومن جهة ثانية إلى أمل كردي مرتجى من اعتراف تركي بالاستقلال الكردي في حال قرر الأكراد إعلان دولتهم المنشودة. لكن الثابت هو هنا أن تركيا ترى في أي دولة كردية في المنطقة خطراً استراتيجياً عليها على شكل تداعيات مباشرة على أمنها الداخلي بحكم وجود قضية كردية داخلية متجذرة في الجغرافية وبنية الدولة التركية. وعليه، فان السياسة التركية تجاه الإقليم الكردي تبدو وكأنها تسير في حقل ألغام قابل للاشتعال خاصة في ظل الاستفهامات الكثيرة من قبل الأكراد إزاء السياسة التركية اتجاه تنظيم داعش وجبهة النصرة، وسط قناعة كردية بأن تركيا تدعم التنظيمين، سواء لإسقاط النظام السوري أو لتغيير المعادلات الداخلية في سورية والعراق لصالح المكون السني في إطار التنافس التاريخي مع إيران على المنطقة. ولعل ما يزيد من مخاوف الأكراد بهذا الخصوص هو الموقف التركي الذي لا يبدي الحماس لمحاربة داعش حتى بعد صدور القرار الدولي 2170، حيث ما زال الإعلام التركي التابع للحكومة يصف هذه التنظيمات بالراديكالية، فيما الحكومة على المستوى الرسمي تتبع إستراتيجية الصمت إزاء توسع داعش ومخاطره بالرغم من اعتقاله لـــ 49 دبلوماسياً وموظفا تركيا في القنصلية التركية بالموصل، بما في ذلك القنصل التركي. كما أن تركيا وعل الرغم من أنها دولة في الحلف الأطلسي وحليفة إستراتيجية للولايات المتحدة، فإنها تتحفظ على الحرب التي أعلنتها واشنطن ضد  داعش على الرغم من الضغوط الهائلة التي مارستها الإدارة الأمريكية على أنقرة للانخراط في هذه الحرب.

ومع أن السياسة التركية هذه أثارت مخاوف وانتقادات من قبل أكراد العراق لتركيا إلا أن هذه المخاوف الصامتة لم تعكر حتى الآن من وتيرة تحسن العلاقة بين أربيل وأنقرة، فالفوائد الإستراتيجية بين الجانبين  كثيرة، وهي تبدو كفيلة بتجاوز هذه المخاوف، خصوصاً وأن ثمة قناعة كردية بأن الولايات المتحدة قادرة في النهاية على الضغط على أنقرة للانخراط في الحرب ضد داعش ولو بشكل سري لاسيما أن إيديولوجية داعش لا تستثني تركيا من خطرها كهدف لاحق. 

في المقابل، أنقرة المنشغلة بترتيب بيتها الداخلي بعد وصول أردوغان إلى الرئاسة والاستعداد للانتخابات البرلمانية المقبلة التي يأمل منها أردوغان تحويل النظام في البلاد من برلماني إلى رئاسي تراقب مسار التطورات في العراق والحرب على داعش والملامح السياسية لمرحلة حكومة حيدر العبادي لمعرفة كيفية تحديد البوصلة التركية في العراق، وإلى حين اتضاح المشهد، فإنها ترى في أكراد العراق حليفا استراتيجيا، تعزز العلاقة معه على وقع مد أنابيب النفط والغاز وتطوير العلاقات الاقتصادية، والاستفادة من دور الإقليم في دفع حزب العمال الكردستاني إلى ترك السلاح والانخراط في العملية السياسية التي ستكون في مقدمة أولويات أردوغان في المرحلة المقبلة كما أعلن عقب فوزه، حيث وصلت المحادثات بين حكومته وزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان إلى مرحلة متقدمة في ضوء تصريح الأخير بأن القضية تقترب من نهايتها.

ربما يتفهم أكراد العراق الموقف التركي العام من العراق والحرب الجارية ضد داعش، لكن في العمق أيضاً تبقى المخاوف الكردية دفينة من السياسة العثمانية لأردوغان خصوصاً بعد وصول أحمد داود أوغلو إلى رئاسة الحكومة. ولعل الحرب الجارية ضد داعش ستحدد بوصلة هذه العلاقة والمغزى الحقيقي للشراكة التي تشكلت بين إقليم كردستان وتركيا. فعلى الرغم من العلاقات الوثيقة بين الجانبين بات أكراد العراق ينظرون بعين الريبة إلى سياسة تركيا بسبب موقفها من داعش، وباتوا يعتقدون بصحة حديث أكراد سوريا عن تورط تركي في دعم التنظيمات المسلحة بما فيها داعش لتحقيق الأجندة التركية تجاه المنطقة، سواء في محاربة أكراد سوريا الذين تصدوا مبكراً لمحاولة داعش وجبهة النصرة وغيرهم من المجموعات المسلحة السيطرة على مناطقهم الغنية بالنفط في شمال شرق سورية أو حتى لاستخدام هذه المجموعات في تحقيق هدفها المتمثل بإسقاط النظام السوري. واللافت هنا، هو تقاعس تركيا الحليفة الوثيقة لأكراد العراق في دعم الأكراد أثناء زحف داعش نحو المدن الكردية حيث كانت أربيل الهدف الأساسي، فيما كان لافتاً موقف الجمهورية الإسلامية في المسارعة إلى تقديم هذا الدعم كما أعلن رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني خلال مؤتمر صحفي في أربيل.

دون شك، قضية الحرب على داعش باتت تشكل اختباراً قوياً للعلاقات التركية - الكردية العراقية، خصوصاً وأن الأكراد يعتقدون أن الحجج التركية بشأن الخوف من  وصول السلاح إلى يد حزب العمال الكردستاني أو إعدام داعش للمخطوفين الأتراك لديه أو غير ذلك من الحجج التركية هي غير مقنعة في ظل الخطر الذي يشكله داعش للجميع، وأولوية القضاء على هذا التنظيم الإرهابي الذي بات يهدد المنطقة والعالم ويرتكب أبشع الجرائم ويشوه بشكل غير مسبوق صورة الدين الإسلامي في العالم.    

كاتب وباحث متخصص بالشؤون التركية(*)

اعلى الصفحة