المقاومة الفلسطينية وانهيار الفرضيات الصهيونية

السنة الثالثة عشر ـ العدد 154 ـ (ذو الحجة 1435 هـ) تشرين أول ـ 2014 م)

بقلم: عدنان أبو ناصر

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

يسود الصمت وتسود الوجوه وتمتلئ القلوب غيظاً وحقداً ولا يجد الإسرائيليون طريقة للتعبير عن ألمهم وعارهم إلا القول بأنهم لم يوافقوا على الميناء والمطار، وأنهم قتلوا ألفين ودمروا الأبراج، وحطموا قلوب الغزيين بإجرامهم.

ومنذ أكثر من عقد واليمين المتطرف في إسرائيل يهيئ الظروف لإنهاء مشروع الدولة الفلسطينية، كان آخرها التنكر لكل استحقاق في مسار التسوية، وفيما نضجت له الظروف من الناحية السياسية كي يقطف ثمار حصار غزة بتركيع الفلسطيني والتحكم في كل تفاصيل كيانه السياسي وإنهاء المقاومة، وجد أن هناك مشروعاً كان يعد في غزة ليركم ما أنفقه اليمين المتطرف ويلقى به ومشروعه إلى خارج المشهد السياسي الإسرائيلي.

اليمين الحاكم في إسرائيل بدأ مشروعه بالنسبة للقطاع منذ العام 2005؛ الانسحاب الأحادي الجانب الذي ابتكره وحدد مساره ونفذه شارون، والذي كان يهدف، وما زال، إلى التخلص من قطاع غزة وإخراجه نهائياً من دائرة الصراع، وفي هذا الإطار جاءت كل جولات التصعيد، جولة وراء أخرى لتشكل وعياً فلسطينياً وعربياً؛ يتقبل هذه الفكرة ويمهد لها من خلال كل تهدئة تعقب تصعيداً، وتأتي بتفاهمات صغيرة لتتراكم وتشكل الفكرة الكاملة "أن القطاع كيان منفصل وقائم بذاته"، بل أكثر من ذلك بأن تصبح فلسطين في الوعي العربي والإسلامي والدولي هي "قطاع غزة"!!.

انهيار الفقاعة الأمنية

الحروب الحاسمة والفاصلة التي تنتهي بالاستسلام أو الهزيمة الساحقة لأحد أطرافها تنتهي معها الكثير من مشاعر الخوف والقلق التي رافقت الحرب، وتبدأ محلها مشاعر مختلفة ليس لها علاقة بأجواء الحرب، بل بمرحلة ما بعد الحرب، تجرع مرارة الهزيمة أو قطف ثمار النصر.

بيد أن الحرب الأخيرة على القطاع لم تنتهِ بطريقة المنتصر والمستسلم، ولأنه من المسلم لدى طرفيها أنها ليست آخر الحروب، بل جولة من جولات قد تكون كثيرة؛ فإنها في تقدير الجميع حملت نتائج مباشرة وأخرى غير مباشرة؛ النتائج المباشرة تتعلق أساساً بالخسائر والانجازات المادية والسياسية، وبحكم حجم الخسائر الكبير لدينا مقارنة بخسائرهم وضآلة الانجاز السياسي فإننا الأكثر شعوراً ومعايشة للنتائج المباشرة للحرب، أما النتائج غير المباشرة فهي كل النتائج التي يتم استخلاصها أو تؤثر في اللاوعي لاحقاً، ويتوزع تأثيرها على المستويات الأمنية والسياسية والمجتمعية "الجبهة الداخلية".

ويهمنا اليوم أن نتناول تلك النتائج غير المباشرة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، أو ما يعرف بكي الوعي، وبطريقة أخرى هي مجمل الحسابات الشخصية والمجتمعية وعملية استخلاص العبر التي يجريها الفرد والمجتمع، بناءً على تجربته الشخصية وانطباعاته التي كونها، وما تغلغل في لاوعيه أثناء الحرب ولقراءته الشخصية للمخاطر التي قد تحدق به على كافة المستويات في جولات الحرب القادمة، في ظل قناعة تترسخ أن هذه الجولات باتت حتمية، وستكون أكثر عمقاً وقسوة، سواء من الجبهة الجنوبية أو الشمالية أو الشرقية، والجبهات كثيرة ومخاطر اشتعالها تزداد ولا تخبو.

الجبهة الداخلية الإسرائيلية كانت تعيش داخل فقاعة أمنية كبيرة وسميكة، ساهم في بتكبيرها وسمكها التراث العسكري الإسرائيلي ومسيرة الانتصارات الطويلة والتفوق العسكري وضعف الأعداء، وكل الضخ الإعلامي من قبل المؤسسة الأمنية والسياسية والتعبئة أن دولة إسرائيل هي الجزيرة الأكثر تحصناً ومناعة واستقراراً وازدهاراً؛ فجاءت حرب تموز 2006 فبدأت الفقاعة بالتصدع، وازداد هذا التصدع مع الحراك السياسي، وما يعرف بمسيرة المقاطعة والنبذ ونزع الشرعية، ووجهت حرب تموز 2014 الضربة القاضية للفقاعة الأمنية.

عاش المجتمع الإسرائيلي وازدهر ونما وتطور تحت فقاعة الأمن التي منحته الكثير من الثقة بدولته وقدراتها، ولعب الإعلام دوراً ترويجياً وتسويقياً كبيراً، فحولها في نظر الإسرائيليين ويهود العالم إلى الدولة الأكثر أمناً ورفاهية وتقنية، ليس فقط توفر الأمن لمواطنيها، بل وتصدره إلى العالم عبر تصدير الخدمات الأمنية، باعتبارها الدولة الأكثر خبرة ومهنية ومعرفة بمكافحة الإرهاب وتفعيل منظومات الحماية الأمنية، ما جعل اليهود وغير اليهود يتقاطرون للهجرة إليها.

إن المعنى الحقيقي لمفهوم أن للحرب على غزة ما بعدها يكمن في التداعيات غير المباشرة لها على الجبهة الداخلية الإسرائيلية؛ هذه التداعيات ربما لم تكتمل بعد ولم تتبلور نهائياً، فهي لا زالت في مرحلة التبلور واستخلاص العبر، حيث أن من طبيعة هذه التداعيات أنها تستغرق وقتاً، فهي تتغلغل ببطء وتعشش بصمت قبل أن تتحول إلى وعي وثقافة عامة وتسود كظاهرة مجتمعية.

ربما ثمة من يقول وما الجديد هنا؟ فقد عاشت إسرائيل منذ نشأتها في حروب واستندت إلى القوة، ولخصت ذلك مقولة صهيونية لا زال يرددها زعماء الحركات الصهيونية اليمينية؛ مقولة "كتب علينا أن نعيش على حرابنا"، لكن ما كان صحيحاً في الماضي ليس صحيحاً اليوم، لاسيما في ظل التغير الكبير في البنية المجتمعية والثقافية والعقيدية للمجتمع الإسرائيلي، وفي ظل التغير على المحيط المعادي لها وتغير إمكانياته ووسائله القتالية، والتغير الإقليمي والدولي، وعولمة ثقافة الحريات وكرامة البشر وحقوقهم، وانكشاف العنصرية الإسرائيلية وتمسكها بالسياسات الاحتلالية والاستيطانية.

فمركبات المجتمع الإسرائيلي على اختلافها وتعددها شهدت تغيرات عميقة جداً؛ فغاب مفهوم الطلائعي المقاتل والمزارع، حتى أن دوافع الهجرة إلى إسرائيل والاستقرار فيها تغيرت، وتحول المجتمع بمعظمه إلى مجتمع يعظم قيم المجتمع الرأسمالي، يعظم القيم المادية ودافعه الأساسي البحث عن الرفاهية، وبات ينظر باستغراب لمفاهيم الولاء للصهيونية، ولم تعد إسرائيل جغرافياً تحتكر مفهوم الوطن لدى البعض منهم، حيث يتعمق لديهم الوعي بأن الوطن هو المكان الذي يوفر لهم الأمن الحاضر والمستقبلي والاستقرار والازدهار.

سقوط ثقة الإسرائيليين بمنظوماتهم الأمنية تفاوت جغرافياً واجتماعياً؛ فكان قوياً لدى البلدات والمدن المحيطة بالقطاع، وكان قوياً أيضاً لدى الفئات الشابة الليبرالية، عن أزمة المستوطنات المحيطة بالقطاع يعبر سكرتير كيبوتس "ناحل عوز" بقوله "يعيش على حدود القطاع اثني عشر كيبوتساً؛ وكلها كانت تعاني اقتصادياً وأمنياً، ولم تولينا الحكومة أي اهتمام، ولم توجه إلينا أي دعم، حيث ركزت اهتمامها ودعمها لمستوطنات الضفة، كنا نسعى جاهدين لاستقطاب سكان جدد، اليوم ليس أن أحداً لن يفكر بالسكن لدينا، بل إن عدداً من سكان الكيبوتسات يفكرون بالانتقال إلى مدن أخرى، ربما ستتحول هذه الكيبوتسات مستقبلاً إلى بلدات أشباح وقواعد للجيش".

وعلى مستوى فئة الشباب؛ فإن استطلاعاً أخيراً أظهر أن 36% يفكرون جدياً بالهجرة، وأن المجتمع الإسرائيلي لم يعد ينظر للهجرة باعتبارها خيانة.

لا نبالغ إن قلنا إن المجتمع الإسرائيلي، الذي لا زال يضمد جراحه المعنوية، يعيش تحت وطأة الصدمة والذهول، ولم يعد بحاجة لمن يفتح عيونه على المخاطر الكبيرة المحدقة بمستقبله، ولن يفلح، لا نتنياهو ولا يعلون ولا كل الاستراتيجيين، في تهدئة روعه وإعادة ثقته بمنظوماتهم الأمنية.

زعزعة وهم الديمقراطية

لطالما خاض الخائضون في بحث زيف الإدعاء الصهيوني حول ديمقراطية إسرائيل النظام الديمقراطي الوحيد و"واحة الحريات في الشرق الأوسط".

ويتمحور هذا النقاش حول ازدواجية المعايير في احترام حقوق الإنسان تارة وحول التناقض البنيوي بين ادعاء الديمقراطية الإسرائيلي وبين إصرارها على مبدأ يهودية الدولة الذي أسّس ويؤسس لكل مساوئ إسرائيل من الاحتلال والفصل العنصري. أي أن جل الإدعاءات في هذا المضمار تقع في مساحة علاقة المنظومة الإسرائيلية مع غير اليهود وعن كونها دولة محتلة لشعب ووطن، الأمر الذي ينزع أي صبغة أخلاقية لها كادعاء الديمقراطية. إلا أن الحرب العدوانية الأخيرة على غزة تشير إلى تصدع المنظومة الديمقراطية الإسرائيلية داخلياً، في علاقتها مع مواطنيها اليهود، أو قل في علاقتها مع ذاتها.

هذا الأمر مثير للاهتمام والانتباه في أعقاب الارتباك الذي بثته إسرائيل على مستوى القيادة السياسية والعسكرية في الحرب الأخيرة؛ ولكن قبل الخوض في المؤشرات والبوادر التي تشير إلى ذلك، لا بد من وقفة عند متغيرات حصلت في العقد الأخير على تركيبة الساحة السياسية الإسرائيلية والتي أثرت بشكل عميق على تصرفات القيادات والنخب الإسرائيلية من جهة وعلى تصرفات الجمهور الإسرائيلي في تناوله وفهمه للحياة السياسية بشكل عام. فمنذ أن خرج أريئيل شارون من حزب الليكود وأقام حزب كاديما الذي كان من المتوقع أن يحصد ٥٠ عضو برلمان برئاسته، لولا مرضه ودخوله في غيبوبة عميقة؛ طغت على الساحة السياسية ظاهرة الحزب الواحد المتمثل بنجم وبقائد سياسي عريق ومميز بإمكانه أن يخوض انتخابات برلمانية بشخصه، علاوة على سيطرته التامة في اختيار الأعضاء في قائمة الحزب.

إذا نظرنا إلى تركيبة الأحزاب الصهيونية اليوم سنرى أن هناك ٥٠ عضو كنيست (يش عتيد، يسرائيل بيتينو، شاس، ياهدوت هاتورا وكاديما) لا يتم اختيارهم عبر انتخابات داخلية ديمقراطية لها مرجعيات وقواعد شعبية ومؤسسات. بل هي مجموعة صغيرة جداً من الأشخاص تقرر من سيكون ممثلا في الكنيست الإسرائيلي وفق حسابات شخصية ودساتير حزبية دكتاتورية تركز في يد رئيس الحزب جميع صلاحيات وآليات اتخاذ القرار في الحزب والتي من ضمنها إقالة أحد منتخبيه. وهناك أبحاث تشير إلى أن غالبية الجمهور الإسرائيلي لا يدرك أنه يصوت لأحزاب في انتخابات الكنيست، بل لأشخاص يتنافسون على رئاسة الحكومة كنتنياهو ولبيد.

ولهذه الحالة تداعيات عميقة على حيثيات إدارة الدولة بشكل ديمقراطي سليم يستند إلى مبادئ ديمقراطية كفصل السلطات والشفافية والمسائلة علاوة على الرغبة الجامحة لدى تلك الفئة الحاكمة في إنتاج ما يسمى "إصلاح نظام الحكم" الذي هو في الحقيقة نهج يرمي إلى إحكام السيطرة على القرار السياسي، والذي تَمثّل على سبيل المثال لا الحصر، بتمرير قانون "نظام الحكم" في دورة الكنيست الأخيرة، إذ يعزز القانون من سيطرة الأغلبية الحاكمة ويقلص دور المعارضة إلى أبعد الحدود، هذا علاوة على رفع نسبة الحسم التي تهدف بالأساس لإقصاء النواب العرب فعلياً من التمثيل البرلماني، إضافة إلى عدة خطوات وقوانين تعزز السيطرة والتأثير السياسي على السلطة القضائية والدستورية المتمثلة بمحكمة العدل العليا.

هذه التطورات وغيرها شكلت أرضية خصبة لفقدان صواب قادة إسرائيل مما يشير إلى زعزعة المنظومة الديمقراطية الإسرائيلية التي فضحتها رصانة المقاومة الفلسطينية وصمودها في غزة عبر بسالة المقاومة وعمليتها النوعية وثباتها في المطالب السياسية وممارستها المسؤولة في جميع مراحل المفاوضات. فما معنى أن يخفي نتنياهو ويعالون مخططاتهما واتصالاتهما عن وزراء الكابينيت؟! وفي المقابل يسرب أعضاء الكابينيت محادثات داخلية ومعلومات عسكرية للصحافة بهدف إجهاض عمليات ومخططات خلال الحرب، وما معنى أن يتجاوز نفتالي بينيت صلاحيته عبر التقائه بقادة الجيش على الأرض لاستكشاف معلومات استخبارية وعسكرية لفضح قائد أركان الجيش بيني غانتس، وأن يأتي ليبرمان، حليف نتنياهو - بورقة نقاط تفاوضية من مصادر أجنبية ليحاجج يعالون ويتلف على مخططاته. أضف إلى ذلك استفراد نتنياهو بقرار وقف إطلاق النار وعدم كشفه للجمهور وحتى للكابينت خشية عدم توفر الآلية لاتخاذ قرار بشكل شفاف وتمثيلي، بعد أن أخضعته المقاومة الفلسطينية في غزة للخروج من الحرب بدون أي مكتسبات واضطرته للقبول ببدء فك الحصار عن غزة فعلياً.

وعن دور الإعلام وحريته في النظام الديمقراطي فحدث ولا حرج، فلم يعد الإعلام الإسرائيلي مجنداً فحسب بل أصبحت الرقابة العسكرية التي تضرب بيد من حديد هي من يحدد تصرفات الإعلام حتى في أبسط الأمور كانتقاء الكلمات والمصطلحات، إضافة إلى تواجد لاعب خطير كصحيفة هي الأكثر رواجاً، "يسرائل هيوم" اليومية المجانية التي تشكل بوقاً لنتنياهو بشكل مباشر. حالة العجز الإعلامي والجماهيري هذه وصلت ذروتها في آخر ساعات الحرب، عندما احتفلت غزة بانتصار صمود مقاومتها وخروج قادتها للناس، بينما اختفى نتنياهو في تلك الليلة واضطر الإعلام الإسرائيلي للاكتفاء بتسريب يتيم من أحد مستشاريه الذي أكد قبول نتنياهو وقف إطلاق النار.

عجز الحكومة الإسرائيلية وارتباكها في إدارة الحرب في جميع مراحلها وفي تحديد أهدافها وسيطرتها على مجرياتها، هو نتيجة مباشرة لعدم صحة المنظومة الديمقراطية الإسرائيلية حتى على الصعيد الداخلي، ليس فقط في إدارة الدولة والأزمات، بل في تقليص مساحة الحريات وحرية التعبير عن الرأي والممارسة السياسية كما حدث مؤخرًا، وهو مخرج نهائي لصيرورة الفصل العنصري الرسمي التي تؤسس له إسرائيل على جميع مساحة فلسطين التاريخية والتي باتت إسرائيل تؤمن به وتنفذه فعليًا لتبرير استمرار احتلال الشعب الفلسطيني. فهل من الممكن أن تدعي إسرائيل مستقبلا أنها ليست دولة احتلال بل "نظام فصل عنصري ديمقراطي"؟!

سقوط الفرضيات الإستراتيجية

يعرف الجميع أن التخبط والإرباك كانا السمة الغالبة للمستويين السياسي والعسكري الإسرائيليين طيلة فترة الحرب، بسبب الفشل في تحقيق أي من الأهداف المعلنة للعدوان على غزّة، واستمرار سقوط آلاف صواريخ المقاومة إلى أهداف تبعد عن غزّة أكثر من 160 كيلومتراً، مثل الخضيرة وحيفا في شمال فلسطين.  ولم تسجل "القبة الحديدية" في تصديها  لصواريخ المقاومة الغزية سوى نسبه نجاح لم تتجاوز 20% فقط.

وكما في عدواني 2008-2009 و2012 اجترت القيادة الإسرائيلية هذه المرة أيضا ذات الأهداف من عدوانها: القضاء على "التنظيمات الإرهابية" وبخاصة حماس وشل قدرتها على قصف إسرائيل بالصواريخ.  وإثر مرور بضعة أيام على القصف الجوي المكثف والصدمة الإسرائيلية الفجائية من التكتيكات القتالية الأساسية للمقاومة في إدارة معركتها من تحت الأرض، وبالتالي نجاحها في شل مفعول سلاحي الجو والمدّرعات الصهيونيين- إثر ذلك، أضافت الحكومة الصهيونية هدفاً جديداً لم تعلن عنه في بداية العدوان، ألا وهو تدمير الأنفاق الهجومية، وبالتالي منع المقاتلين من التسلل عبرها إلى داخل "إسرائيل".  لذا، شرع الصهاينة لاحقاً في الهجوم البري.  وعلى الرغم من عمليات الذبح الجماعي البشع وإبادة عائلات فلسطينية عن بكرة أبيها؛ وتدمير آلاف المنازل تدميراً كاملاً أو جزئياً، وسقوط آلاف الشهداء والجرحى، إلا أن القيادة الصهيونية فشلت في إنجاز الأهداف التي سبق أن أعلنتها: وقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزّة، إضعاف المُقاومة وهدم الأنفاق الهجوميّة، وبالتالي إعادة قوّة الردع لجيشها. ومع مرور الأيام، تعمقت البلبلة الصهيونية فيما يتعلق بإستراتيجية الخروج من الحرب وكيفية إنهائها؛ وذلك على الرغم من المناخ العربي الرسمي المتواطئ، وبخاصة موقف نظام السيسي المنحاز بوضوح للعدوان؛ إذ أصر على إغلاق معبر رفح ورفض استقبال الجرحى، بل ابتز القلة الهامشية من الجرحى الذين وصلوا إلى مصر، وتابع أثناء العدوان عملية تدمير الأنفاق على حدود مصر-غزة.

المقاومة الفلسطينية وإبداعاتها القتالية أحرجت العديد من الأنظمة العربية التي أنفقت خلال السنوات الأخيرة مئات المليارات من الدولارات على تكديس الأسلحة الأمريكية والأوروبية لاستخدامها في الحروب الأمريكية الهادفة إلى تفتيت البلاد العربية (العراق، سوريا، ليبيا...إلخ)، وقد تأملت تلك الأنظمة تسديد ضربة قاضية للمقاومة؛ إلا أن تكتيكات الأخيرة العسكرية وإتقانها فنون المواجهة، وشروعها في عمليات  التصنيع العسكري الذاتي، على بساطته، أذهل العالم وصدم الأنظمة المتواطئة قبل أن يصدم الصهاينة.

وعلى الرغم من التبجح الصهيوني بكثرة عملائه وتفوق أجهزته الاستخباراتية والجاسوسية، فقد شكل العجز الاستخباراتي الصهيوني الكبير أبرز وأخطر ملامح الحرب الصهيونية ضد قطاع غزة؛ إذ برز لدى المؤسسة الصهيونية نقصا هائلا في المعلومات الاستخباراتية التي يفترض بأجهزة "الشاباك" و"الأمان" (الاستخبارات العسكرية) أن توفرها لها، وبخاصة ما يتعلق بمواجهة عشرات الأنفاق التي تصل أعماقها إلى 20 مترا أو أكثر؛ فعجزت  قوات الاحتلال- على الرغم من ماكينتها العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية الضخمة، وعلى الرغم من أنها تعتبر رابع أقوى جيش في العالم- عجزت في اكتشاف معظمها وتدميرها، بما في ذلك تلك التي تتواجد على حدود القطاع مع فلسطين المحتلة عام 1948، بل ويصل بعضها إلى الداخل الصهيوني. وتعد تلك الأنفاق تهديدا إستراتيجيا على "إسرائيل"؛ وبخاصة أن المقاومة نجحت من خلالها في التغلغل إلى المعسكرات والمستعمرات الجنوبية التي تبعد مئات الأمتار عن "حدود" غزة، وسط كثافة النيران الإسرائيلية من الجو والبحر والبر. والأهم من ذلك، أن سلاح الجو فشل في حسم المعركة، بينما زج الهجوم البري (لاحقاً) الجيش الصهيوني في الفخ الذي أعدًّته المقاومة بعناية. 

ثقة مهزوزة في القيادة الإسرائيلية

من الأمور التي أثارت دهشة العرب والعالم، بل والإسرائيليين أنفسهم، المصداقية العالية التي تمتعت بها المقاومة التي كَذَّبَت مراراً، وبشكل منهجي علمي، مزاعم "إسرائيل" حول إنجازاتها وتحقيق أهدافها، إضافة إلى محاولة إخفائها العدد الحقيقي لجنودها القتلى، ونوعية العمليات الفدائية الفلسطينية التي تميزت بالابتكار المبدع عسكريا.  وقد بلغت تلك المصداقية أوجها حينما عرضت المقاومة توثيقا مصورا للأسلحة الإسرائيلية التي غنمتها، ولعدد من العمليات العسكرية النوعية، مثل عملية نحال عوز.  توقيت بث شريط العملية الأخيرة شكل بحد ذاته ضربة معلم، إذ جاء مباشرة إثر الكلمة الشهيرة التي ألقاها محمد ضيف القائد العام لكتائب القسام، وتحديداً في اليوم الثالث والعشرين للعدوان؛ فصدم الشريط وصعق الجمهور الإسرائيلي، وبخاصة أنه كشف تفاصيل عملية الإنزال الفلسطيني خلف خطوط العدو في معسكر "ناحل عوز"، وأظهر محاولة أسر الجندي الصهيوني الذي قاوم، فقرر مقاتلو القسام قتله إلى جانب تسعة جنود آخرين.  وعرض الشريط أيضا قطعة السلاح الإسرائيلي المعروفة بـ"تبور" التي غنمها المقاتلون المهاجمون.  الشريط بَيَّن جبن الجنود الصهاينة وزيف قوّة ردعهم التي طالما تغنوا بها.

إذن، من خلال نشاطها العسكري المتميز ميدانيا وتحت كثافة النيران المعادية المدمرة وغير المسبوقة، فندت المقاومة أكاذيب القيادات السياسية والعسكرية الصهيونية؛ ما عزز الثقة بمصداقيتها وفاقم الشكوك بالرواية الإسرائيلية التي اهتزت ثقة الإسرائيليين والرأي العام الأجنبي بها.

مصداقية المقاومة بلغت أوجها فور انتهاء مدة الهدنة المؤقتة الأولى (72 ساعة) بين الخامس والثامن من آب؛ ففي اليوم الثالث والأخير للهدنة هددت المقاومة بمواصلة قصفها "إسرائيل" في حال عدم تلبية الأخيرة لمطالبها التي طرحها الوفد الفلسطيني المفاوض في القاهرة؛ علما أن المقاومة فرضت على هذا الأخير، لأول مرة في تاريخ الصراع العربي-الصهيوني، أن يفاوض انطلاقاً من مطالب المقاتلين أنفسهم في أرض المعركة.  وأثناء مفاوضات القاهرة، حاولت "إسرائيل"، دون جدوى، تحقيق الأهداف التي عجزت عن تحقيقها بالقوّة العسكريّة، من قبيل تجريد المقاومة من سلاحها؛ إلا أنها اضطرت للتخلي عن هذا المطلب المتعجرف ولو مرحلياً.

وحيث أن "إسرائيل" ماطلت ولم تلب مطالب المقاومة، عاودت الأخيرة قصفها للمستعمرات وأثبتت بأن لا قيمة لكل الادعاءات الإسرائيلية بالنصر الذي حاولت القيادات السياسية والعسكرية الصهيونية تسويقه للشارع الإسرائيلي؛ فانهارت مزاعم الأخيرة بالإنجازات العسكرية الباهرة، وأصيبت بالإرباك الشديد والبلبلة، وقررت فتح الملاجئ الإسرائيلية مجددا حتى مسافة 80 كم شمال قطاع غزة.  وهنا بدا قائد الأركان الصهيوني "بيني غينيتس" أضحوكة في نظر الرأي العام الإسرائيلي، حينما قدم وعودا متسرعة غير مبنية على وقائع؛ فأعلن في اليوم الثلاثين للعدوان عن انتهاء الحرب ودعا المستوطنين إلى العودة لبيوتهم في المستعمرات الجنوبية "لأن الهدوء سيعود الآن كما كان سابقا".  وبعد ساعات قليلة، تكشف الكذب الصارخ لزعم "غينيتس" الذي فشل جيشه فشلاً ذريعاً في حماية المستعمرات؛ فتعمقت أزمة ثقة الإسرائيليين غير المسبوقة بجيشهم وقياداته التي على الرغم من إعلانها في اليوم الثلاثين للحرب عن انتهاء العملية البرية، إلا أن غالبية المستعمرين رفضوا العودة إلى مساكنهم في المستعمرات المحاذية للقطاع والتي أصبحت شبه مهجورة، بسبب خوفهم من شبح الأنفاق الذي ما فتئ يلاحقهم حتى يومنا هذا، نظرا للعمليات النوعية الموجعة التي نفذتها المقاومة من خلال الأنفاق خلف خطوط الجيش الصهيوني، انطلاقاً من قطاع غزة المتناهي الصغر في مساحته (لا تتجاوز مساحته 1.3% من مساحة فلسطين التاريخية، أو 6% من مساحة الضفة الغربية)؛ ما جعل المستعمرين يعيشون حالة من الرعب لم يعهدوها طيلة عقود طويلة.

وعلى الرغم من ثقة الرأي العام الإسرائيلي المتآكلة والمهزوزة بالقيادة السياسية والعسكرية، إلا أن تأييد الشارع الإسرائيلي لمواصلة العدوان ظل كاسحا، بما في ذلك حزب "ميرتس" الذي يعتبر "يساريا"، كما أكدت الاستطلاعات الإسرائيلية (أثناء العدوان).  ومع ذلك، انسحب الجيش الإسرائيلي فجأة (من طرف واحد) إلى داخل "إسرائيل"، بعد فشله في التوغل بريا إلى عمق قطاع غزة؛ فظل يراوح في نقاط يبعد أقصاها 1-1.5 كم عن حدود القطاع مع "إسرائيل" (في مناطق مثل بيت حانون والشجاعية ورفح وخزاعة)؛ الأمر الذي يعتبر اعترافا إسرائيليا بالهزيمة العسكرية والعجز عن مواصلة العدوان، وبالتالي إعادة احتلال قطاع غزة بهدف إنجاز الأهداف المعلنة (وقف الصواريخ، تدمير الأنفاق ونزع سلاح المقاومة) وهي الأهداف التي من أجلها استدعي أكثر من 80 ألف جندي احتياط، وكأن الحرب شنت ضد دولة عظمى.

بعض رؤساء المستعمرات المحاذية لقطاع غزة اتهمت القيادتين العسكرية والإسرائيلية بالفشل، بل إن "ألون دفيدي" رئيس بلدية مستعمرة "سديروت" اتهم وزير الحرب الإسرائيلي موشي يعلون بالفشل الذريع في توفير الأمن لمستعمرات الجنوب.  وحاليا، يستعد قادة عسكريون وسياسيون إسرائيليون كبار للمثول أمام لجان تحقيق إسرائيلية سيتم على الأرجح تشكيلها لتحقق في مفاجآت الصواريخ والأنفاق والانجازات العسكرية الهامشية التي حققها الجيش، مقابل الكثير من الفشل العسكري في الحرب ضد المقاومة الفلسطينية. 

اعلى الصفحة