ترجمات

تحدي حماية منصات التنقيب عن النفط في البحر من الهجمات الجانب القانوني والحلول المقترحة

السنة الثالثة عشر ـ العدد 152 ـ (شهر شوال 1435 هـ)آب ـ 2014 م)

بقلم: ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

مركز أبحاث الأمن القومي - آساف هرئيل

إن الكشف عن الغاز الطبيعي في حوض البحر المتوسط الشرقي بشرى مهمة لدولة إسرائيل لأنه يتوقع أن يلبي الغاز حاجاتها من الطاقة لسنين طويلة، ويفترض أن يمنح تصديره إلى دول أخرى الدولة إيرادات كثيرة من الأموال. وقد أعتيد أن يُقال بناءً على ذلك إن البنى التحتية التي تستخدم للتنقيب عن الغاز الطبيعي ونقله إلى شواطئ إسرائيل وفي مقدمتها منصات التنقيب كنز استراتيجي للدولة.

إلى جانب الفرص التي ينشئها الكشف عن مخزونات الغاز في البحر والاحتمالات الكامنة في استخراجه، يوجد خطر امني كبير على منصات التنقيب. فهذه المنصات الموجودة في عرض البحر بعيدة عن شواطئ إسرائيل (يوجد بعضها على بعد أكثر من 100 كم عن الساحل)، قد تكون هدفاً للهجمات. وقد يكون لهذه الهجمات آثار شديدة على إسرائيل تتجاوز إزهاق حياة (عشرات الأفراد من الفريق الذين يعلمون على المنصة). فعلى سبيل المثال وعلى الصعيد الاقتصادي قد تبلغ كلفة إعادة ترميم منصة أصيبت مئات ملايين الدولارات. وينبغي أن يضاف إلى ذلك الضرر الاقتصادي الذي يحدثه وقف استخراج الغاز لمدة إلى أن يعاد بناء البنى التحتية. وقد يكون لهذا الهجوم آثار شديدة أيضاً في الصعيد الاستراتيجي فهو قد يحث ضرراً شديداً بتزويد إسرائيل بالطاقة بسبب الاعتماد على الغاز الطبيعي لاستخراج الطاقة التي يتوقع أن تزيد على مر الزمن أيضاً.

تنبع التحديات التي ستضطر إسرائيل إلى مواجهتها في الجانب الأمني وهو حماية المنصات لا من بعدها فقط عن سواحل إسرائيل بل تكمن أيضاً في حقيقة أن المنصات موجودة في منطقة صلاحيات إسرائيل فيها من جهة القانون الدولي، محدودة مقتصرة في الأساس على الحق في استغلال الموارد الطبيعية، فليس الحديث عن سيادة من النوع الذي يحق لإسرائيل وهي معتادة على استعماله في مياهها الإقليمية، فعلى سبيل المثال لا يمكن في هذه المناطق منع الحد من الملاحة أو الطيران، ولا يمكن أن يُطلب إلى سفن تمر فيها الكشف عن هويتها وما أشبه. وينشئ هذا الواقع تحدياً كبيراً للقوات الأمنية ولاسيما مواجهة سفن لا توجد معلومات استخبارية سابقة عن مشاركتها في نشاط معاد.

تتناول هذه المقالة عن الصلاحيات بمقتضى القانون الدولي لحماية منصات التنقيب من هجمات إرهابية، وتستعرض المقالة في البدء الأحكام ذات الصلة وتحدد المصطلحات الأساسية الضرورية للبحث القانوني في مسألة الصلاحيات. وتحلل بعد ذلك الوسائل القانونية المتاحة لإسرائيل لمواجهة تهديد مؤكد ولمواجهة تهديدات عامة لا تعتمد على معلومات استخبارية محددة. وتقترح المقالة أخيراً حلولاً لمواجهة الوضع القانوني القائم.

إن مجموع التحديات التي تتعرض لها منصات التنقيب واسع ويشمل تهديد قوارب مفخخة، وصواريخ بر بحر وصواريخ جوية موجهة، وعمليات تخريب تحت البحر وما أشبه. ولا تتعرض المنصات نفسها للتهديدات بل بنى تحتية مصاحبة أيضاً مثل أنابيب تحت البحر وسفن مساعِدة وغير ذلك. وتقتصر المقالة على التهديد من قبل قطع بحرية معادية لكن المبادئ التي تُقرها لها صلة بمواجهة طائفة واسعة من التهديدات. وتتناول المقالة كما قلنا آنفاً جوانب القانون الدولي وهي لا تحلل جوانب تتعلق بالقانون الإسرائيلي الداخلي تنشأ مثلا في مسألة تقاسم المسؤولية عن حماية المنصات بين جهاز الأمن والشركات الخاصة التي تستعملها.

الإطار القانوني

ترجع صلاحيات مواجهة تهديدات لمنصات تنقيب بحرية، في الأساس إلى ثلاثة أقسام في القانون الدولي وهي: أحكام البحر، وأحكام الدفاع عن النفس وأحكام القتال في البحر. ونستعرض فيما يلي المصطلحات والمبادئ الأساسية في كل واحد من الأقسام التي لها صلة بحماية المنصات من هجمات إرهابية.

أحكام البحر

تنظم أحكام البحر تنظيماً واسعاً الصلاحيات والواجبات القانونية التي تنطبق على عمل الدول في البحر. وهذه الأحكام التي يقوم بعضها على أعراف قديمة قد ثبتت اليوم في القانون الدولي العرفي وفي عدد من المواثيق الدولية في مقدمتها الوثيقة البحرية من سنة 1982 والتي سنسميها فيما بعد (الوثيقة البحرية). إن إسرائيل في الحقيقة ليست طرفاً في الوثيقة البحرية لكن أعتيد أن يُرى كثير من المبادئ الثابتة في هذه الوثيقة مبادئ سلوكية تلزم الدول جميعاً.

تُقر أحكام البحر مبدأين أساسيين لهما صلة بشأننا الأول سيادة دولة العلم، وعلى حسب هذا المبدأ تُعد قطعة بحرية ما تحت سيادة الدولة التي سجلت فيها (دولة العلم). ولدولة العلم سلطة قانونية خاصة متعلقة بالقطع البحرية التي ترفع علمها ما عدا حالات محددة تنظمها الوثيقة بصراحة. أي أن دولة العلم وحدها لها السلطة أن تستعمل صلاحيات سيادية على قطعها البحرية. والمبدأ الثاني هو حرية الملاحة، فعلى حسب هذا المبدأ تتمتع القطع البحرية من الدول جميعاً بحرية حركة كاملة في البحر المفتوح. ولا يمكن المس بحرية الملاحة إلا في حالات شاذة يعترف بها القانون الدولي. فالمس بحرية ملاحة قطعة بحرية دون صلاحية صريحة في القانون الدولي ودون صلاحية دولة العلم قد يعتبر عدواناً على سيادة دولة العلم. وقد ينشأ في حالات كثيرة توتر بين حرية الملاحة والحاجات الأمنية لدولة ما.

فعلى سبيل المثال قد توقف دولة ما قطعة بحرية في عرض البحر أو تحد من الملاحة في مناطق توجد فيها أملاكها الإستراتيجية مثل منصات التنقيب مثلاً كي تحمي حاجاتها الأمنية. وإذا تجاوزنا الواجب القانوني وهو احترام حرية الملاحة كما قلنا آنفاً فإن الحديث عن مبدأ شديد الأهمية قد تكون لأضعافه معان إستراتيجية واقتصادية خطيرة ولاسيما بالنسبة لدول كإسرائيل إذ تمر مسارات ملاحتها بالقرب من دول ذات مصالح ومعادية. على أساس المبادئ العامة المذكورة آنفاً، تعطي أحكام البحر صلاحيات وحقوقاً مختلفة للدول بحسب المنطقة الجغرافية المتحدث عنها. وسنقف فيما يلي على المناطق البحرية الأساسية التي لها صلة بالبحث الحالي.

إن المياه الإقليمية لدولة ما تمتد إلى مسافة 12 ميلاً بحرياً عن سواحلها. وللدولة صلاحيات سيادية واسعة في مياهها الإقليمية منها صلاحية فرض قيود على الملاحة من أجل الأمن والأمان. ومع ذلك فإن الدولة ملزمة بأن تُمكن من "مرور بريء" لكل قطعة بحرية من دول أخرى في مياهها الإقليمية، أي مرور لا يعرض أمن الدولة أو سلامتها أو نظامها للخطر.

والمنطقة الاقتصادية الحصرية لدولة ما هي المنطقة المجاورة لمياهها الإقليمية، والتي تمتد إلى مسافة 200 ميل عن الساحل. والدول التي لها مناطق اقتصادية حصرية متجاورة تحتاج إلى رسم حدود المناطق باتفاق. وللدولة الساحلية في المنطقة الاقتصادية الحصرية الحق وحدها في استغلال الموارد الطبيعية الموجودة في البحر (صيد الأسماك)، وفي الأرض وتحت الأرض، ولها صلاحيات وحدها لإجراء بحوث علمية في هذه المناطق. وبفضل هذا الحق يحق للدولة الساحلية وحدها أن تنشئ منصات تنقيب لاستخراج الغاز والنفط.

إن سيادة دولة ما في المنطقة الاقتصادية الحصرية محدودة في مجال استغلال الموارد الطبيعية والبحث العلمي. فعلى سبيل المثال تتمتع القطع البحرية والطائرات من كل الدول بحرية الملاحة وحرية الطيران في المنطقة الاقتصادية الحصرية لدولة ما. وتقضي المادة 56 من الوثيقة البحرية في هذا الشأن أنه يطلب إلى الدولة الساحلية وإلى الدول الأخرى أن تُظهر "اعتباراً مناسباً" للحقوق المتبادلة بينها (الحقوق الاقتصادية للدولة الساحلية في مقابل حرية الملاحة والطيران للدول الأخرى). وتخضع القطع البحرية التي تبحر في المنطقة الاقتصادية الحصرية لدولة أخرى لسيادة الدولة التي هي مسجلة فيها (دولة العلم)، ما عدا جوانب مختارة تتعلق بالحقوق الحصرية للدولة الساحلية في المنطقة الاقتصادية الحصرية مثل استعمال صلاحيات فرض القانون في مجال صيد الأسماك. ولم تعلن إسرائيل في الحقيقة بصراحة عن منطقة اقتصادية حصرية لكنها أودعت في الأمم المتحدة في تموز 2011 مخططات لرسم الحدود الشمالية لمنطقتها الاقتصادية الحصرية بالاعتماد على اتفاق على رسم حدودها وقع عليه قبل ذلك بسنة بينها وبين قبرص.

وثمة منطقة بحرية أخرى هي "حافة القارة". وتمتد هذه المنطقة حتى طرف حافة القارة أو إلى مسافة 200 ميل بحري من الساحل (الأبعد بين الاثنين). وكما هي الحال مع المنطقة الاقتصادية الحصرية (التي يلامس أكثرها في أكثر الحالات حافة القارة) تتمتع الدولة الساحلية بصلاحيات حصرية لاستغلال الموارد الطبيعية في الأرض وتحت الأرض في حافة القارة أيضاً. وكذلك تتمتع قطع بحرية وطائرات من العالم كله بحرية ملاحة وحرية طيران في حافة القارة. لكن الحقوق في حافة القارة بخلاف الحال في المنطقة الاقتصادية الحصرية لا تنطبق على صيد السمك. ويصح البحث التالي في صلاحيات حماية المنصات في المنطقة الاقتصادية الحصرية على حافة القارة أيضاً.

إن أعالي البحار هي منطقة مكونة من المساحة البحرية التي ليست هي منطقة اقتصادية حصرية أو مياهاً إقليمية لأية دولة. وتتمتع كل الدول في هذه المنطقة بحرية الملاحة وحرية الطيران بلا تشويش. وتخضع القطع البحرية الموجودة في أعالي البحار لسلطة القضاء الحصرية لدولة العلم.

أحكام الدفاع عن النفس

يُمكّن الحق في الدفاع عن النفس المثبت في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، يُمكن الدولة من أن تستعمل القوة ردا على هجوم مسلح عليها. وهذه الصلاحية شاذة عن الحظر العام لاستعمال القوة بين الدول الثابت بالمادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن مبدأ الدفاع عن النفس تناول بصورة تقليدية استعمال القوة رداً على هجوم تقوم به دولة ما، فإن سلوك الدول في العقود الأخيرة يدل على أنه يمكن الاعتماد على الحق في الدفاع عن النفس في الرد على اعتداءات مسلحة تقوم بها لاعبات ليست دولاً ومنها منظمات إرهابية. وعلى الرغم من أنه يوجد مع ذلك من يزعمون أن قصد صياغة المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة كان تنظيم رد الدولة على الهجوم عليها بعد وقوعه، فان القانون الدولي يعترف اليوم أيضاً بحق الدولة في استعمال القوة لمنع الهجوم عليها الذي يتوقع أن يقع في فترة قريبة.

بحسب الحق في الدفاع عن النفس، يجب أن يفي استعمال القوة بثلاثة شروط مجتمعة وهي: الضرورة، والتناسب، والقرب الزمني. فعلى حسب شرط الضرورة ينبغي قبل استعمال القوة استنفاد استعمال الوسائل غير العنيفة لإحباط الهجوم إذا كان استعمال هذه الخطوات ممكنا في ظروف القضية. وبحسب شرط التناسب ينبغي أن يُحدد مقدار القوة المستعملة في الضروري بحسب الظروف لصد الهجوم أو منع هجمات أخرى. ويتعلق شرط القرب الزمني بتهديدات لم تتحقق بعد. وعلى حسب هذا الشرط يمكن استعمال القوة فقط لإحباط هجوم يتوقع أن يحدث في وقتٍ وشيك.

أحكام الحرب في البحر

تنظم أحكام الحرب في البحر الصلاحيات الممنوحة للدول التي هي أطراف في مواجهة مسلحة بالنسبة للعمليات الحربية في البحر. وقد تطورت تلك الأحكام في الأساس في القانون الدولي العرفي ولم تحظ بتنظيم بميثاق دولي ملزم. ويُجمع كثير من المبادئ السلوكية في هذا المجال مع تجديدات واتجاهات حالية في مرشد سان ريمو في شأن القانون الدولي في سنة 1994 الذي ينطبق على مواجهات مسلحة في البحر (فيما يلي مرشد سان ريمو). وننبه على أن أحكام الحرب في البحر تطور أكثرها بسبب مواجهات مسلحة بين الدول لكن يحق للدولة أن تستعمل صلاحيات ما صدوراً عن هذه الأحكام حتى في المواجهات بينها وبين جهات ليست دولاً كمنظمات إرهاب.

إن الدولة التي هي طرف في مواجهة مسلحة يحق لها أن تفرض قيوداً ما على الملاحة لا يحق لها أن تفرضها وقت السلم، وأن تستخدم القوة أيضاً على قطع بحرية تعتدي على هذه المبادئ. فنذكر أن إسرائيل منذ تشرين الأول 2000 كانت في مواجهة مسلحة مستمرة مع المنظمات الفلسطينية وفي مقدمتها حماس، بل إنها تستخدم خطوات صدوراً عن أحكام الحرب في البحر في نطاق هذه المواجهة. ويبدو أنه يمكن أن نقول إن إسرائيل في مواجهة مسلحة مستمرة مع منظمة حزب الله أيضاً.

مواجهة تهديدات محددة

لإسرائيل صلاحيات واسعة لمواجهة سيناريو تلاحظ فيه قطعاً بحرية محددة تخطط لضرب منصات تنقيبها. وقد تعتمد هذه الملاحظة على معلومات استخبارية سابقة أو على ملاحظة نية معادية لقطع بحرية ووسائل لتنفيذها (كملاحظة وسائل قتالية فوق قطع بحرية تسلك سلوكا مهددا قرب المنصات). وفي هذه الأحوال تستطيع إسرائيل أن تتجه بحسب الأحكام البحرية إلى دولة علم القطع البحرية وأن تطلب أن تستعمل هذه الأخيرة صلاحيتها عليها كي تحبط الهجوم. لكن يبدو أن الرد القانوني على تهديدات من هذا النوع التي توجب إزالتها عملاً سريعاً موجوداً على الخصوص في أحكام الدفاع عن النفس وأحكام الحرب.

من جهة أحكام الدفاع عن النفس، يحق لإسرائيل أن تستعمل القوة على قطعة بحرية يرى منها تهديد مؤكد للمنصات. ويجب عليها كي تستطيع أن تفعل ذلك أن تحدد أنه توجد نية استعمال القطعة البحرية للهجوم على المنصات في المدة القريبة. وتضطر إسرائيل كذلك إلى استنفاد وسائل دون استعمال القوة لإحباط الهجوم إذا كانت تلك الخطوات ممكنة في ظروف القضية. ومن الأمثلة على هذه الخطوة التوجه إلى دولة العلم أو إلى دولة الميناء الذي ستخرج منه القطعة البحرية طالبة أن تستخدما صلاحياتهما لإحباط الهجوم (كمنع خروج القطعة البحرية من الميناء). وإذا استعملت القوة آخر الأمر على القطعة البحرية فعليها أن تثبت لمبدأ التناسب، فإذا أمكن على سبيل المثال إزالة التهديد بالسيطرة على القطعة البحرية المهددة بدل إطلاق النار عليها لإغراقها فانه ينبغي تفضيل البديل الأول بشرط ألا يعرض القوات لخطر كبير.

إن أحكام الحرب قد تمنح إسرائيل صلاحيات أوسع بالنسبة لقطع بحرية لجهة إسرائيل في مواجهة مسلحة معها (مثل حماس أو حزب الله). فوفقاً لأحكام الحرب، تكون القطعة البحرية المستخدمة في نشاط ذي صفة عسكرية (كأن تحمل وسائل قتالية أو مقاتلين يمكن أن ينسبوا كما قلنا آنفا إلى جهة هي هدف عسكري). وبحسب ذلك يحق لإسرائيل أن تهجم على هذه القطعة البحرية بغرض إزالة التهديد.

ونذكر أن استخدام القوة على القطع البحرية سواء أكان بحسب أحكام الدفاع عن النفس أو بحسب أحكام الحرب، يجب أن يتم على العموم خارج المياه الإقليمية لدول أجنبية للامتناع عن المس بسيادتها. وشروط الهجوم على قطع بحرية هو وجود معلومات سابقة عن مشاركتها في نشاط معاد. ويجب على إسرائيل أن تتخذ خطوات لمضاءلة الضرر العرضي المتوقع بالمدنيين أو بأملاك مدنية بسبب الهجوم وأن تمتنع عن الهجوم حينما يكون الضرر العارض مفرطاً إذا قيس بالفائدة العسكرية المتوقعة من الهجوم.

يبدو أن مواجهة قطع بحرية توجد معلومات صادقة عن نيتها الهجوم على منصات تنقيب غير مقرونة بتحديات قانونية كبيرة. فإسرائيل كما قلنا آنفا لها صلاحية واسعة نسبيا لأن تعمل على إزالة هذا التهديد معتمدة على أحكام الدفاع عن النفس أو أحكام الحرب. ومواجهة تهديدات أعمق تحدث تحديا أعظم كما سنرى فيما يلي.

التحدي الرئيس الحماية من تهديد عام

إن المهمة المترتبة، وهي حماية المنصات من تهديدات عامة، لا يمكن أن تُحصر في قطع بحرية محددة، تخلق تحديا عظيما، ومن جملة أسباب ذلك القيود المفروضة على صلاحيات الدولة الساحلية في منطقتها الاقتصادية الحصرية.

إيجاد مناطق آمنة حول المنصات بفضل الأحكام البحرية

إن الأحكام البحرية تتيح للدولة صلاحية أن تحدد "مناطق أمن" حول منصات تنقيبها الموجودة في المنطقة الاقتصادية الحصرية، وأن تستعمل "خطوات ملائمة" كي تضمن أمن المنصة وسفن التوجيه في المنطقة. وتكمن الصعوبة في الاعتماد على مناطق الأمن هذه لحماية المنصات من الهجمات في مساحة المناطق الكبيرة، فعلى حسب المادة 60(5) من الوثيقة البحرية لا يزيد عرض منطقة أمن على 500 متر. فان عرض 500 متر يحد جداً من إمكان مواجهة تهديدات إرهابية للمنصات بصورة فعالة.

عُرضت صلاحية إعلان مناطق امن حول المنصات وتحديد سعتها أيضاً أول مرة في وثيقة حافة القارة في 1958، ويبين البحث في الإجراء الذي سبق صوغ الوثيقة أن اختيار عرض 500 متر كان تعسفياً جداً فقد تمت استعارة هذا الحد من مقاييس الدول لحماية منشآت برية للتنقيب عن النفط من حرائق كانت مستعملة في ذلك الوقت. وبعبارة أخرى لم تكن أمام أعين من صاغ الوثيقة الأخطار الأمنية المتعلقة باستعمال منصات في منطقة تتحرك فيها قطع بحرية ذات سرعات وأحجام مختلفة، ويجوز لنا أن نذكر أنهم لم يفكروا في الأخطار التي تتعرض لها منصات التنقيب بسبب الإرهاب البحري وهذا تهديد نشأ بعد صوغ الوثيقة ببضعة عقود.

أُثيرت قضية مساحة المناطق الآمنة حول المنصات لتناقش في سبعينيات القرن العشرين في إطار التفاوض في صوغ الوثيقة البحرية. وفي أثناء التفاوض كانت ثمة دول زعمت أن عرض 500 متر غير كاف لمواجهة الأخطار الأمنية الحديثة التي تتعرض لها منصات التنقيب ولاسيما خطر التصادم بين قطع بحرية كبيرة سريعة والمنصات. واقترحت هذه الدول أنه بدل ذكر قطر أقصى يبلغ 500 متر أن تمنح الوثيقة الدولة الساحلية التقدير لمساحة المناطق الأمنية مع الخضوع لمبادئ المنطق. لكن الخشية من أن يفتح  ترك التقدير في هذه المسألة للدول باباً لاستغلال سيء ويفضي في واقع الأمر إلى فرض قيود كثيرة على حرية الملاحة في المنطقة الاقتصادية الحصرية أفضت إلى الأخذ بقيد 500 المتر في الوثيقة البحرية أيضاً. وعلى الرغم مما ذكر آنفا وللرد على المخاوف التي ذكرت في شأن القدرة على منع حوادث بواسطة مناطق أمنية تبلغ 500 متر، ترك صياغة الوثيقة منفذاً لتحديد مناطق أمن أوسع بشرط أن توصي منظمة الملاحة الدولية (أي.إم.أو) بذلك.

ومنذ سريان مفعول الوثيقة البحرية توجه عدد من الدول إلى منظمة الملاحة الدولية وطلبت موافقتها على تحديد مناطق امن أوسع من 500 متر. ومن الأمثلة البارزة على ذلك توجه البرازيل إلى المنظمة في 2007. وقد زعمت البرازيل في إطار طلبها أن العمل العادي لحط النفط وتحميله من منصات التنقيب يوجب وجود منطقة استعمال تبلغ 1400 متر. وزعمت البرازيل أن مناطق أمن تبلغ ميلا إلى ميلين بحريين يمكن أن تساعد في مضاءلة كبيرة خشية الصدامات بين قطع بحرية والمنصات. ورفض طلب البرازيل مثل طلبات مشابهة قُدمت إلى منظمة الملاحة الدولية منذ 1982 بالادعاء العام أن المنظمة لم تقتنع بالحاجة إلى تحديد مناطق أمن أوسع. ويبدو أن الباعث على القرار هو الخوف الذي منع توسيع مناطق الأمن في إطار الوثيقة البحرية الخوف من "خرق السد" بصورة تفضي إلى فرض قيود شديدة على حرية الملاحة في المناطق الاقتصادية الحصرية. ونذكر أن المباحثات في هذا الشأن في منظمة الملاحة الدولية تناولت الجانب الأمني فقط. ويمكن أن نخمن أن طلباً إلى المنظمة أن توافق على زيادة مساحة مناطق الأمان لأسباب أمنية كمنع الإرهاب سيواجه صعوباتٍ أشد بسبب التقديرات السياسية المشاركة على العموم في قرارات دولية في مواضيع من هذا النوع.

يلاحظ أن مناطق الأمان التي تبلغ 500 متر فقط لا تلبي حاجة حماية المنصات من الهجمات الإرهابية مثل التصادم بقارب مفخخ. ولإثبات ذلك نقول إن قطعة بحرية تسير بسرعة 25 عقدة بحرية (46 كيلومتر في الساعة) تجتاز منطقة أمان 500 متر في أربعين ثانية. وذلك يترك لرجال الأمن على المنصة وقت رد محدوداً جداً لإزالة التهديد. هذا إلى أن الوسائل القتالية الموجودة اليوم لدى المنظمات الإرهابية مثل الصواريخ المضادة للدبابات تُمكن من إصابة المنصة عن بعد يزيد على 500 متر حتى دون دخول منطقة الأمان. إن الأحكام البحرية لا تقدم رداً فعالاً لمواجهة التهديد على منصات التنقيب. ولهذا سنبحث فيما يلي في الصلاحيات الممنوحة لإسرائيل للحد من الملاحة قرب المنصات بمقتضى أحكام الدفاع عن النفس وأحكام الحرب.

فرض قيود على الملاحة قرب المنصات

حينما تلاحظ قطعة بحرية تقترب من منصة تنقيب مع وجود معلومات مؤكدة عن نية مستخدميها الهجوم على المنصة في الوقت القريب، يمكن استعمال مُقدر للقوة لإزالة التهديد. لكن لا تملك قوات الأمن في واقع الأمر دائماً معلومات سابقة عن النوايا المعادية لقطعة بحرية وعلى ذلك ولمنع الهجمات كما قلنا آنفا توجد اهمية كبيرة للتعرف على التهديد في أسرع وقت ممكن قبل ذلك.

إن أحكام الدفاع عن النفس وأحكام الحرب تُمكن من فرض قيود على الملاحة حتى في مدى يتجاوز 500 متر عن المنصات لزيادة زمن الرد وتحسين القدرة على إحباط تهديداتها. ومع ذلك لا يمكن استعمال هذه الخطوات إلا في أوقات قصيرة ومع وجود ظروف غير عادية لقتال أو تهديد يتوقع أن يتحقق قريباً. وينبغي في استعمال هذه الصلاحيات الامتناع عن نشاط في المياه الإقليمية لدول ليست أطرافاً في القتال وأن يضاءل بقدر المستطاع تأثير العمليات في حرية ملاحة قطع بحرية أجنبية. وينبغي الأخذ في الحسبان كذلك إمكان أن استخدام الصلاحيات حتى لو تم بمقتضى القواعد يمكن أن يثير انتقاداً دولياً للمس بحرية الملاحة.

إنذار بمس متوقع بالمنصات

إن أحكام الدفاع عن النفس كما قلنا آنفا تمنح صلاحية فرض قيود مؤقتة على الملاحة وراء مسافة 500 المتر، وذلك في سيناريو إنذار لهجوم متوقع على المنصات في المدة القريبة. والهدف من ذلك التمكن من التعرف على القطع البحرية المعادية في مرحلة مبكرة نسبياً على نحو يُمكن من إحباط الهجوم. وقد تتبدى القيود بحظر عام على الملاحة في مدى أميال معدودة عن المنصات، واشتراط دخول هذه المنطقة بالتفتيش وما أشبه. وعلى كل حال يوجب استعمال هذه الصلاحية الوفاء بالشروط التي تنطبق على لزوم عملية دفاع عن النفس.

الشرط الأول هو أن يكون التهديد الذي يمكن استعمال الخطوة لمواجهته متوقعاً حدوثه في المدة القريبة. وعلى ذلك تكون القيود التي يمكن فرضها مؤقتة فقط، والشرط الثاني أن تثبت القيود المفروضة على الملاحة قرب المنصات ووسائل تطبيقها لمبدأ الضرورة. فعلى سبيل المثال إذا أمكن الاكتفاء بتعليق دخول المساحة ذات الصلة بالتفتيش بدل منع الدخول بإطلاق فينبغي تفضيل الإمكان الأول. ويجب على الدولة أيضاً قبل أن تستعمل القوة على قطعة بحرية مريبة تعتدي على القيود أن تستعمل خطوات غير عنيفة كتحذير فعال وإطلاق نار في الهواء، والشرط الثالث هو أن تناسب الخطوات المستعملة التهديد الذي ترمي إلى إزالته. وعلى الدولة أيضاً أن تضيق المساحة التي تستعمل القيود فيها إلى الحد الأدنى الضروري. ويجب كذلك أن تكون القوة المستعملة على قطعة بحرية محددة لتطبيق القيود مدرجة ومعقولة قياساً بالتهديد من تلك القطعة البحرية في ذلك الوقت. وينبغي آخر الأمر أن يتم العلم سلفاً بفرض قيود من هذا النوع لتعلم ذلك الجهات التي قد تتأثر بها ومنها دول المنطقة وسلطات الموانئ والقطع البحرية التي تبحر في المنطقة.

ثمة طريقة أخرى لمواجهة إنذار عام بمس متوقع بالمنصات وهي صلاحية إجراء "زيارة وتفتيش" لقطع بحرية مريبة وهذه صلاحية مصدرها أحكام الحرب. ويمكن استعمال هذه الصلاحية على قطع بحرية يوجد مبرر معقول للظن أنها تستعملها منظمة إرهابية لإسرائيل معها مواجهة مسلحة (كحماس أو حزب الله). وفي الوقت الذي تلاحظ فيه قطعة بحرية كهذه يمكن وقفها لإجراء تفتيش على متنها. ويمكن استعمال هذه الصلاحية على مسافة كبيرة من المنصات بشرط أن يتم ذلك خارج المياه الإقليمية للدول التي ليست طرفا في القتال. وإذا عارضت القطعة البحرية المريبة التوقيف أو التمكين من إجراء التفتيش فيمكن استعمال القوة استعمالا مناسبا لفرض ذلك عليها.

كلما كانت الخطوات التي تستعملها الدولة أكثر تحديداً في الزمان والمكان، وكلما كان التهديد الذي توجه عليه أقرب وأقوى حسنت احتمالات أن تبرهن الدولة على أن فرض القيود واستعمال القوة لفرضها تمت بمقتضى القانون. وينبغي أن يؤخذ في الحسبان في هذا السياق أنه قد تنشأ صعوبة حقيقية لتسويغ استعمال القوة على قطعة بحرية تعدت على القيود، ويتبين بعد ذلك أنها لم تكن لها صلة بالإرهاب. في هذه الحال تضطر الدولة إلى أن تبرهن للمجتمع الدولي على أنها معرضة لتهديد حقيقي وقريب وأن الوسائل التي استعملت ثبتت لشرطي الضرورة والتناسب. وقد تكون البرهنة على هذه الدعوى مركبة إذا انتبهنا إلى صعوبة الكشف عن المعلومات الاستخبارية التي اعتمد عليها إنذار من هذا القبيل.

الحد من الملاحة في مناطق يجري فيها نشاط عملياتي بحري

قد تمنح أحكام الحرب الدولة صلاحيات أخرى لفرض قيود على الملاحة قرب منصات التنقيب. وأحد الإمكانات هو إعلان "منطقة حصرية" وهي منطقة في البحر تخول جهة من جهات المواجهة المسلحة أن تمنع دخول قطع بحرية إليها لضرورة عسكرية. وإن مسألة صلاحية الإعلان عن مناطق حصرية مختلف فيها بين الخبراء بالقانون الدولي.

ومع ذلك يعترف مرشد سان ريمو بقانونية هذه الخطوة بصفتها "وسيلة شاذة". وعلى حسب المرشد يخول طرف في مواجهة مسلحة يعلن عن منطقة حصرية أن يستعمل فرض القانون على قطع بحرية تتعدى القيود على الملاحة في المنطقة. ومن الأمثلة البارزة على استعمال هذه الصلاحية إعلان بريطانيا عن منطقة حصرية عرضها 200 ميل بحري حول جزر فوكلاند في خلال المواجهة العسكرية التي تمت في المنطقة بينها وبين الأرجنتين في 1982. وقد كان رد المجتمع الدولي على تلك الخطوة فاتراً جداً.

إن الإعلان عن منطقة حصرية يخضع لعدد من الشروط. الأول مساحة المنطقة وموقعها ومدة فرض القيود ووسائل الفرض المستعملة، كل ذلك يجب أن يناسب الضرورة العسكرية التي أعلنت المنطقة بسببها. ويمكن في الحقيقة استعمال القوة بصورة مناسبة لفرض القيود لكن مجرد دخول المنطقة ليس مبرراً للهجوم على قطعة بحرية، والثاني أنه ينبغي أن تنقل إلى الدول التي ليست أطرافاً في القتال رسالة تتضمن موعد استعمال المنطقة الحصرية وموقعها ومساحتها والوسائل المستعملة لفرض القانون، والثالث أنه ينبغي عدم منع الوصول الآمن الحر إلى مواني هذه الدول. وينبغي كذلك إظهار "اعتبار مناسب" لحقوق تلك الدول في البحر مع تأكيد حرية الملاحة.

يبدو على خلفية الاختلاف في قانونية "المناطق الحصرية" في القانون الدولي أن ظروف قتال فعال مهم فقط يمكن أن تسوغ استعمال هذه الصلاحية. ويحق للدولة إلى ذلك أن تفرض قيوداً على الملاحة في المنطقة التي يجري فيها نشاط عملياتي بحري، أي المنطقة التي تجري فيها عمليات قتالية أو تعمل فيها قوات مقاتلة بالفعل. فإذا تعدت قطعة بحرية على القيود أمكن استعمال القوة بصورة مناسبة للسيطرة عليها بشرط ألا تكون القيود قد فرضت بصورة تعسفية. وعلى سبيل المثال إذا اضطر الجيش الإسرائيلي إلى القيام بعمل قتالي قرب المنصات فانه يمكن فرض قيود على الملاحة حولها. ويمكن في هذا السياق إثارة زعم يرى أن النشاط العملياتي الذي يرمي إلى حماية منصات التنقيب من هجوم في ذروة قتال يسوغ في حد ذاته فرض قيود على الملاحة بفعل هذه الصلاحية.

فرض قيود بفعل أحكام الحرب وأحكام الدفاع عن النفس "الخلاصة"

إن أحكام الحرب وأحكام الدفاع عن النفس قد تتيح في الحقيقة وسائل قانونية أخرى لحماية منصات التنقيب من الهجمات الإرهابية. لكن الحديث عن وسائل محدودة تناسب في الأساس مواجهة سيناريوهات يوجد فيها إنذار بهجوم أو حينما يجري قتال بالفعل يؤثر في محيط المنصات القريب. ولا تتيح مصادر هذه الصلاحية حلاً حقيقياً للمهمة العادية وهي حماية المنصات حينما لا يوجد إنذار أو عمل قتالي في المنطقة.

حلول ممكنة

ليس قانون حماية منصات التنقيب من الهجمات الإرهابية تحدياً لإسرائيل وحدها. إن الرد القانوني الكامل على تهديد المنصات يوجب تعاوناً دولياً على تعديل الوثيقة البحرية تعديلا يُمكن من تحديد مناطق أمان أوسع من 500 متر أو صوغ توصيات إلى منظمة الملاحة العالمية في ذلك الشأن (بحسب الصلاحية الممنوحة لها في الوثيقة البحرية)، تسمح بزيادة مساحة مناطق الأمان. ولما كان هذا الحل لا يتوقع أن يتحقق في المدى القريب فان دولا مثل إسرائيل تحتاج إلى أن تجد حلولا عملية لحماية المنصات مع الأخذ في الحسبان قدرتها المحدودة على التشويش على الملاحة في المناطق وراء 500 متر عن المنصات.

يمكن مع الوسائل التقنية لتحديد التهديدات بصورة مبكرة، أن تستعمل تقنيات "ليّنة" لتقدير الخطر المحتمل من قطع بحرية تبحر بالقرب من المنصات. ومن الأمثلة على هذه التقنية مساءلة القطع البحرية التي تقترب إلى مسافة ما من المنصات وفي إطار هذه المساءلة التي يمكن أن تتم من قطعة بحرية أو وسيلة طيران أو من المنصة نفسها يمكن أن يُطلب إلى القطعة البحرية أن تقدم بواسطة جهاز الاتصال معلومات تُمكن من تحديد مقدار التهديد المحتمل منها. ويمكن أن تشمل هذه المعلومات على سبيل المثال الموانئ التي خرجت القطعة البحرية منها والتي تتجه إليها، وآخر الموانئ التي زارتها، ومسار الرحلة البحرية المخطط لها، وهوية العاملين في الفريق وما أشبه. ويمكن التحقق من المعلومات التي سُلّمت في إطار المساءلة بمعلومات تملكها الدولة من مصادر أخرى كمعلومات من منظومات آلية مركبة على قطع بحرية. ويمكن كذلك العمل على التحقق من المعلومات بالتوجه إلى دولة العلم للقطعة البحرية أو إلى دول الميناء والغاية إذا أتاح الوقت ذلك. وبالاعتماد على المعلومات التي يتم الحصول عليها من القطعة البحرية أو استعدادها للمشاركة في المساءلة، يمكن تحديد مقدار التهديد المحتمل منها وأن يُقرر هل يوجب نشاطها انتباهاً خاصاً (متابعة وزيادة التأهب في المنصة وما أشبه).

ويمكن على نحو ذلك تحديد "مناطق تحذير" على مسافة أميال بحرية حول المنصات وتوصية القطع البحرية بالامتناع عن دخولها بإبلاغ سلطات الموانئ وقطع بحرية تبحر في المنطقة. والقطعة البحرية التي تدخل منطقة التحذير مع كل ذلك تتم مساءلتها على نحو يشبه المخطط المقترح آنفاً. ولا يمكن أن يكون رفض القطعة البحرية الاستجابة للتوصية أو عدم استعدادها للمشاركة في المساءلة، في أنفسهما سبباً للحد من حرية ملاحتها، لكن مع فرض أنه لا يكون لمستعملي القطع البحرية المدنية في الأكثر مصلحة في الامتناع عن المشاركة في المساءلة، تُسهل هذه الطريقة على الدولة أن تتعرف على التهديدات المحتملة في وقت مبكر جداً.

إن استعمال طرق المساءلة وتحديد "مناطق تحذير" يمكن أن يسهم في القدرة على التعرف على تهديدات في منطقة المنصات. وعلى الرغم من ذلك فإن جدوى هذه الطرق يمكن أن تضعف على مر الوقت إذا لم يوجد تعاون بين الدول في ذلك الشأن.

ويستطيع نظام للتعاون الدولي أن يحسن فاعلية هذه الوسائل. قد يكون هذا النظام على سبيل المثال على هيئة ميثاق دولي يلزم القطع البحرية أن تسلم معلومات إلى الدولة الساحلية وقت المرور قرب منصات تنقيبها. وفي إطار هذا الميثاق يمكن تحديد إجراءات لتعاون سريع بين الدولة الساحلية ودولة العلم لمواجهة قطعة بحرية ترفض تسليم معلومات (بالحصول مثلاً على موافقة دولة العلم على وقف القطعة البحرية وتفتيشها). وقد يكون الدفع بأنظمة من هذا النوع قدما مهمة مركبة، لكن يمكن أن نقدر أن ذلك سيكون أقل تركيبا من إحراز موافقة دولية على زيادة مساحة مناطق الأمان حول منصات التنقيب.

الخلاصة

إن حماية منصات التنقيب البحرية تعرض دولة إسرائيل لتحد كبير. وتتأثر صورة مواجهة هذا التحدي بقدر كبير بوجوه القانون الدولي المتعلقة بفرض قيود على الملاحة في المناطق الاقتصادية الحصرية، حيث توجد المنصات. وقد حللت هذه المقالة هذه الوجوه مُفرقة بين مواجهة تهديد مؤكد من قطعة بحرية محددة وبين المهمة التي هي أكثر عادية وتعقيداً وهي مواجهة تهديدات عامة للمنصات.

حينما تملك دولة ما معلومات معززة بأدلة عن نية قطعة بحرية الهجوم على منصة تنقيب فلها صلاحية واسعة نسبياً لأن تعمل على إزالة هذا التهديد بمقتضى أحكام الدفاع عن النفس أو أحكام الحرب. وفي مقابل ذلك فان مواجهة تهديدات عامة لا تعتمد على معلومات استخبارية محددة تنشئ تحديا أكبر. إن الأحكام البحرية تمنح الدولة في الحقيقة صلاحية إعلان مناطق أمان حول المنصات والحد من دخول قطع بحرية إليها، لكن أقصى عرض لهذه المناطق 500 متر عن المنصة وهذه مساحة لا تتيح لقوات الأمن وقت رد كافياً لإزالة التهديدات.

إن أحكام الدفاع عن النفس وأحكام الحرب تُمكن من فرض قيود على الملاحة تتعدى 500 متر لزيادة وقت الرد وتحسين القدرة على إحباط التهديدات للمنصات. لكن الوسائل التي تتيحها هذه الأحكام محدودة وتناسب في الأساس مواجهة سيناريوهات يوجد فيها إنذار بهجوم أو حينما يجري قتال بالفعل يؤثر في المحيط القريب من المنصات. ولا تتيح مصادر هذه الصلاحية حلا حقيقيا للمهمة العادية وهي حماية المنصات حينما لا يوجد إنذار أو عمل قتالي في المنطقة.

ليس تحدي حماية منصات التنقيب من الهجمات الإرهابية تحدياً لإسرائيل وحدها. والرد القانوني الكامل على هذا التهديد يوجب تعاوناً دولياً على تعديل الوثيقة البحرية تعديلاً يُمكن من تحديد مناطق أمان أوسع من 500 متر أو صوغ توصيات على الأقل لمنظمة الملاحة العالمية لتحديد مناطق أمان أوسع. ولما كان لا يتوقع أن يتحقق هذا الحل قريباً فإن دولاً كإسرائيل تحتاج إلى أن تجد حلولاً عملية لحماية المنصات مع الأخذ في الحسبان قدرتها المحدودة على التشويش على الملاحة في المناطق التي تقع وراء 500 متر.

إن استعمال طرق حماية "ليّنة" على الخصوص كمساءلة قطع بحرية في منطقة وجود المنصات وتحديد "مناطق تحذير" قد يسهم في القدرة على التعرف على التهديدات في هذه المنطقة. ومع ذلك فإن جدوى هذه الوسائل دون تعاون بين الدول قد تضعف على مر الوقت. إن نظام تعاون دولياً في هذا المجال يمكن أن يحافظ على فاعلية هذه الوسائل، لكن الدفع قدماً بنظم من هذا النوع قد يكون مهمة مركبة، لكن يمكن أن نقدر أنها أقل تعقيداً من إحراز موافقة دولية على زيادة مساحة مناطق الأمان حول منصات التنقيب. 

اعلى الصفحة