دماء الشهداء وصواريخ المقاومة ترسم خارطة فلسطين

السنة الثالثة عشر ـ العدد 152 ـ (شهر شوال 1435 هـ)آب ـ 2014 م)

بقلم: عدنان أبو ناصر

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

أثارت القدرات الصاروخية لحركة "حماس" وقصفها غالبية المدن المحتلة في فلسطين، الذهول لدى المسؤولين الأمنيين والسياسيين في دولة الكيان بينما أثارت حالة من الرعب في صفوف عموم السكان الصهاينة والذين اضطروا للنوم في الملاجئ.

ووصف الموقع الالكتروني لصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، صورة الوضع على جبهة المستوطنات والمدن الصهيونية بأنه "صدمة"، مبينةً أن صواريخ "حماس" وصلت حتى الآن إلى 112 كيلو متراً.

وأضافت الصحيفة "إن أكثر المتشائمين في المؤسسة الأمنية كان يتوقع أن تصل فقط إلى شمال (تل أبيب)، كما أن ملايين الصهاينة لم يتوقعوا أن تصل صواريخ غزة إلى مناطق سكناهم في شمال فلسطين المحتلة".

فيما قالت القناة العبرية السابعة، إن قيادة الكيان لم تعد تفهم ما جرى بعد وصول الصواريخ لمناطق قريبة جداً من حيفا، معتبرةً ما جرى فشلا استخباراتيا كبيرا بشأن معلومات الأمن حول قدرات حماس الصاروخية.

وأطلقت القناة على صواريخ "حماس" مصطلح "سلاح يوم القيامة" والذي ظهر مفاجئاً أكثر مما كانوا يتوقعون في جهاز الأمن العام "الشاباك" وأجهزة الأمن والمخابرات.

وقال أوفير بهبوت -من المراسلين الصهاينة- إن حركة "حماس" ربما تكون أظهرت بعضاً من قدراتها، داعياً المجلس الأمني الوزاري لدراسة خياراته جيداً قبل التورط أكثر في العملية العسكرية بغزة.

وأظهرت صور بثتها مواقع إعلامية عبرية أن الملايين من الصهاينة، قضوا غالبية أوقاتهم أمس في الملاجئ، بسبب تساقط الصواريخ.

ونقل الموقع الالكتروني لصحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية عن ضابط صهيوني قوله: "لا نعرف مواقع الصواريخ بعيدة المدى"، مضيفاً: "إنه على خلاف ما حدث خلال عملية (عمود السحاب)، حيث تم تدمير نصف مخزون حماس من الصواريخ بعيدة المدى منذ الضربات الجوية الأولى، فإن هذه المرة ما يزال بحوزة حماس والجهاد المئات من الصواريخ".

ويقول المعلق العسكري لصحيفة "هآرتس" العبرية عاموس هرئيل: "إن حماس تعلمت أن تكون أكثر حذراً.. ففي مواجهات سابقة كان بارزاً استهداف خلايا الإطلاق خلال الإعداد لعملية الإطلاق، لكن هذه المرة تشير شرائط الفيديو التي التقطت في السنتين الأخيرتين إلى أن قسماً من منصات الإطلاق موجودة داخل تحصينات تحت الأرض، في حين يحافظ طاقم الإطلاق على بعد آمن من مكان الإطلاق".

وهم المفاوضات

منذ أن انتهى وهم مفاوضات التسوية التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" في أبريل 2014 وفشل محاولات تمرير ما عرف "بوثيقة كيري"، كان متوقعاً أن تنطلق شرارة انتفاضة شعبية كرد طبيعي على سياسات الاحتلال وغياب أفق التسوية السياسية العادلة المستندة إلى حقوق الشعب الفلسطيني، وسقوط رهان السلطة الوطنية على الموقف الأمريكي بأن يشكل حالة ضغط على إسرائيل لصالح الفلسطينيين، بعد أن تنازل أبو مازن محمود عباس عن شرط وقف الاستيطان لصالح صفقة أسرى لم تكتمل.

هذا الصلف الإسرائيلي وما يرافقه من انحياز أمريكي لم يكن بحاجة إلى جهد ليتم اكتشافه، بل كان واضحاً عبر مسيرة مفاوضات عمرها أكثر من عشرين سنة استفادت منها إسرائيل بشكل كبير على حساب الموقف السياسي الفلسطيني، وعلى حساب الجغرافيا الفلسطينية وقد حوّلت جميع مناطق الضفة الغربية إلى معازل متناثرة ومحاطة بجدار للفصل العنصري تظن إسرائيل بأنه حدود الدولة المؤقتة للفلسطينيين.

لقد حاولت إسرائيل الاستفادة قدر المستطاع من مرحلة تاريخية هشّة يعيشها العالم العربي حاضنة الفلسطينيين وأحد أهم أوراق قوتهم، كما تحاول استغلال فرصة الحالة الفلسطينية الممزقة التي أرهقت الشعب الفلسطيني بجملة من الإشكالات السياسية والاقتصادية الداخلية، وتجاهلت كل ما تقوم به إسرائيل على الأرض ولم تتقدم بخطوة واحدة تعيق إسرائيل، وصولاً إلى الخطاب السياسي للسلطة والقائم فعلياً على الأرض في رفع درجات التنسيق الأمني مع الاحتلال والمجاهرة بذلك دون أن يندى له جبين، حيث يسكن السلطة وهم أن سرّ بقائها مقترن بمدى تقرّبها من الاحتلال وتقديم الخدمات الأمنية له.

إن أكثر من يخشى انتفاضة الشعب الفلسطيني هو الكيان الصهيوني لأنه وبكل بساطة يعتبر شكلاً من أشكال إعادة تجذير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وكشفاً لحقيقة الواقع الذي حاولت إسرائيل تمريره عبر سنوات السلطة والمفاوضات، فالانتفاضة الشعبية أقل ما تعنيه تعطيل الاستيطان ورحيل آلاف المستوطنين، ورفع تكاليف بقاء المستوطنين المتواجدين في الضفة الغربية بما يتطلبه ذلك من تعزيز الحراسة العسكرية عليهم وتوفير وسائل الأمن، وأكثر ما تعنيه بأن الشعب الفلسطيني أعاد للعالم طرح حقيقة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي احتلال وشعب تحت الاحتلال يسعى لتحقيق الحرية والاستقلال.

للأسف الشديد فإن السلطة الفلسطينية وفريقها والتنسيق الأمني في المقاطعة ثاني من يخشي انتفاضة الشعب الفلسطيني, وسعى كل هؤلاء جاهدين لإخماد أي تحرك شعبي ضد الاحتلال، وتجسدت هذه الخشية في خطابات أبو مازن المتكررة والمختلفة وممارسات أجهزته الأمنية التي قامت بها في أكثر من محافظة في الضفة الغربية، حيث وقفت في مواجهة مع شبان الانتفاضة كحاجز صد في معظم مناطق التماس مع الاحتلال، لتضع جماهير الشعب الفلسطيني أمام خيارات صعبة من بينها أن تكون المواجهة شاملة ضد أجهزة التنسيق الأمني والاحتلال معاً.

الانتفاضة الشعبية ستضع نهاية أكيدة لمسلسل الإشغالات وترحيل الأزمات، فهي مرحلة جديدة يخوض غمارها جيل من الفلسطينيين يحدوهم الأمل بمستقبل أفضل، جيل لم تلوثه المصالح الشخصية والحزبية وضاق ذرعاً بكل ما يجري من تفاصيل أساءت للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية وأريد منها بقاء الفلسطينيين عبيد ساهرون على حماية المستوطنين وراحة الاحتلال.

تجربة الشعب الفلسطيني على مدار السنوات السابقة كانت غنيّة وكاشفة ومؤلمة، شكلت حالة من الوعي الجماعي سيتصدى لكل محاولات حرف مسار التحرر والاستقلال وامتطاء صهوة الجماهير لصالح مشاريع شخصية تتقاطع أو تتماهى مع واقع الاحتلال، هذه التجربة تؤهل الشعب لاختيار قيادة أفضل سيفرزها ميدان العمل الوطني، قيادة قادرة على اشتقاق برنامج سياسي وكفاحي وطني يستند إلى موقف الشعب ويستعيد الوجه المشرق للنضال التحرري الفلسطيني وصولاً كنس الاحتلال وقطعان مستوطنيه وكل المتواطئين على قضايا الشعب ومستقبله.

وفي الوقت الذي واصل فيه العدو الصهيوني حربه ضد الشعب الفلسطيني كمحاولة جديدة لترهيب الفلسطينيين وترويعهم ووأد انتفاضتهم الجديدة التي انطلقت عقب جريمة إحراق الفتي محمد خضير من القدس، وقد أطلقت يد المستوطنين للتنكيل بكل فلسطيني يصادفهم في الضفة الغربية بعد أن قامت بتوفير الحماية اللازمة لهم وغض الطرف عمّا يقومون به من أعمال بربرية أقل ما يقال عنها أنها "إرهاب الدولة المنظم" يجري تحت سمع وبصر العالم.

في نفس الوقت شنت حرب بالغة الخطورة على قطاع غزة، حيث تستخدم الطيران الحربي والمدفعية في قصف المواطنين ومنازلهم وأراضيهم لتوقع عشرات الضحايا بين صفوف المدنيين العزّل معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ كتكرار لجرائمها التي نفذتها خلال عمليتي "الرصاص المصبوب" في العام 2008 و"عامود السحاب" في العام 2012، وغيرهما من أعمال قصف لم تنقطع عن قطاع غزة منذ سنوات، وكأن ما يجري روتين عسكري إسرائيلي ينبغي القبول به كجزء من الحياة اليومية التي يعيشها أهل القطاع.

المحرقة الفلسطينية

إحراق البشر وهم على قيد الحياة له معنى مهم في التاريخ اليهودي وفي تاريخ قيام دولة إسرائيل. فـ "المحرقة" بالنسبة إلى الدولة العبرية هي بمثابة العَلَم أو النشيد الوطني. وهي طبعاً أهم أساس تستند إليه الدعاية الإسرائيلية لتبرير قيامها وللمطالبة بالدعم الدولي لبقائها كـ"دولة يهودية"، لتحمي يهود العالم، كما تقول، من احتمال تكرار "الهولوكوست"، وتمنحهم جنسيتها بصورة تلقائية. بهذا المعنى يأخذ إحراق جسد الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير على يد مجموعة من المجرمين اليهود معنى مضاعفاً. فعدا عن كونها جريمة قتل متفوقة في الوحشية، لناحية التمثيل في جثة الشاب قبل قتله، فهي أيضاً تكاد تمحو عن أدولف هتلر والنازيين العار الذي لحق بهم بسبب جرائمهم. إذ من الذي سيجرؤ من اليهود بعد اليوم أن يعتبر أنهم هم وحدهم ضحايا الحرق لأسباب عنصرية، بعد أن نقل اليهود المتطرفون معركة إزالة الهوية الفلسطينية إلى مرحلة جديدة، هي مرحلة "الهولوكوست الفلسطيني".

لم تتردد الشرطة الإسرائيلية في أن تصف جريمة قتل محمد أبو خضير كما تراها. فهو لم يُقتل "لدوافع جرمية أو أخلاقية"، كما قالت في تقريرها، بل تم قتله "بدوافع وطنية". وهكذا فإذا كان المجرمون الستة الذين ارتكبوا هذه الجريمة بحاجة إلى أسباب تخفيفية، فها هي الأسباب جاءتهم من تقرير الشرطة نفسه. إنه عمل "وطني"، يكاد يستحق وساماً وليس محاكمة أو إدانة!.

بعد ذلك ماذا يعني أن يتصل نتنياهو بوالد محمد ليبلغه "صدمته وصدمة أبناء إسرائيل للجريمة الخسيسة"، وتوعّده بمحاكمة القتلة وتطبيق القانون "بحذافيره"؟ وأي قانون سيطبق نتنياهو: قانون دولة إسرائيل، الذي قالت والدة محمد إنها لا تأمل منه أي شيء، لأنه لا يحمي إلا اليهود، فلو كان الفلسطينيون هم الذين ارتكبوا جريمة القتل هذه، لكانت بيوتهم وبيوت أهلهم الآن ركاماً.

يقول الإسرائيليون في مجال تبرير جريمة قتل محمد أبو خضير إنها رد على خطف وقتل ثلاثة فتية يهود كانوا يقيمون في إحدى المستوطنات قرب مدينة الخليل. حسناً، دعونا ننسى لفترة أن هؤلاء مستوطنون، وأن المستوطنات التي جلبهم أهلهم للإقامة فيها هي مستوطنات غير شرعية وقائمة على أرض فلسطينية، أي أنها ليست أرضهم. دعونا ننسى ذلك ونتبنى ما قاله الرئيس الفلسطيني محمود عباس من أن هؤلاء الشبان "بشر" ولا يصح خطفهم وقتلهم. ولنسأل: كيف ردت إسرائيل على خطف هؤلاء ثم على العثور على جثثهم؟ أكثر من 500 فلسطيني تم اعتقالهم، إضافة إلى الذين تمت إعادة اعتقالهم بعد أن أطلق سراحهم خلال عملية التبادل مع الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليت. مع أن إسرائيل تزعم أنها تعرف هوية الشخصين المسؤولين عن الخطف، وقد قامت بتدمير منزليهما. إضافة إلى ذلك نفذ الجيش الإسرائيلي عشرات الغارات على قطاع غزة حصدت ما لا يقل عن عشرين فلسطينياً. وفوق كل ذلك جاء الانتقام من ابن عم محمد أبو خضير لأنه ارتكب "جريمة" التواجد في المكان الذي قتل فيه نسيبه، ولو لم يصادف أن هذا الفتى يحمل الجنسية الأمريكية، لكان مصيره اليوم مثل مصير ابن عمه.

في مقابل ذلك، ماذا فعل القانون الإسرائيلي بالذين قتلوا محمد أبو خضير، على الرغم من اعترافهم بارتكاب الجريمة؟ خمسة منهم تم اعتقالهم لثمانية أيام والسادس لخمسة أيام. وإذا وصل الأمر إلى مرحلة المحاكمة، فإن تقرير الشرطة الذي يمنحهم أسباباً تخفيفية، بعد أن اعتبر جريمتهم انتقامية، سيوفر لهم ما يحتاجون من ذرائع. لم يكن الفلسطينيون في إسرائيل بحاجة إلى هذه الجريمة ليكتشفوا أن القوانين الإسرائيلية موضوعة لحماية اليهود وحدهم، وان دعاية المساواة في المواطنة بين اليهود والعرب ليست سوى كذبة لم تعد تخدع أحداً، حتى في الدول الغربية الحليفة لإسرائيل.

المقاومة هي الحل

إن غزة التي انتصر فيها اليوم الدم على السيف تصدت للعدوان الهمجي الصهيوني انطلاقاً من عقيدة ثابتة وإرادة قوية فصمدت وصبرت وضحت.. استندت إلى إرادة شعبية بلورتها رؤية ثورية واضحة أنضجتها التجارب، بهدف الوصول بالشعب الفلسطيني إلى الدفاع عن نفسه في الحدود الدنيا لممارسة هذا الحق، وللتعبير عن التعلق بالأرض وحق العودة وتقرير المصير بحرية تامة فوق التراب الفلسطيني المحرر، ونيل الحرية بعد كل هذه العقود من المعاناة والتضحيات والشكوى التي لا يكترث بها أحد، واستندت غزة إلى خيار المقاومة بوصفه سبيلاً للردع ومدخلاً للتحرير التي تتصل بحقوق أساسية للشعب الفلسطيني على رأسها حق العودة. وقد فرض هذا الخيار ذاته وشروطه ومناخه وأدواته على المقاومين والحاضنة الشعبية بالدرجة الأولى، فكان تصميم المقاتلين على امتلاك السلاح وتطويره وتعزيز القدرات والعقيدة القتالية وإيجاد الحاضنة الشعبية الفلسطينية للمقاومة، والسعي المستمر لتوسيع نطاق هذه الحاضنة وتحصينها بحاضنة عربية وإسلامية تلتقي معها استراتيجياً في الخيار والأهداف والوسائل وفي ضرورة امتلاك القوة لمواجهة العدوان بقوة ردع توقفه عند حدود وتحوله من حالة مد إلى حالة جزر لتتحول هي من مواقع الدفاع إلى مواقع الهجوم، لأن استرداد الأرض والحق وتحقيق حلم العودة وإنهاء مأساة الشعب الفلسطيني لا يتم إلا بدحر العنصرية والإرهاب والاحتلال.. ولم يضع المقاومون في غزة وقتاً بل استثمروا في الوقت والجهد والمعرفة والعلم والتقنية في حدود ما يستطيعون عبر حصار خانق وعدوان متجدد، فامتلكوا أنواعاً من الصورايخ وقدرات على تصنيع بعضها وتطويره، وتدربوا على العمل العسكري المناسب الذي لا بد من امتلاك خبرة في مجالاته لمواجهة قاعدة عسكرية عنصرية متقدمة هي الكيان الصهيوني برمته.. ولم يكن ذلك سهلاً، ولم يكن ممكناً لولا قوى عربية وإسلامية استجابت لهذه الرغبة باقتناع تام بالخيارات والوسائل، ولم يكن ذلك ليتم لولا تنسيق المقاومة على الأرض مع الحاضنات العربية والإسلامية التي هددتها الولايات المتحدة الأمريكية ودول غربية أخرى بسبب دعمها للمقاومة، ومنها سورية وإيران والسودان وحزب الله كانت تتضامن مع المقاومة وتدعمها بأشكال عدة .. كما لم يكن ذلك مما يمكن أن يبقى ويصمد ويستمر في الظروف الفلسطينية والعربية التي نعرفها جميعاً لولا الإيمان والتصميم واستناد الرؤية والخيار المبدئية إلى تجربة مرة ومديدة أوصلت المعنيين بالأمر، قيادات وقواعد، وأوصلت شرائح من الشعب الفلسطيني قبل كل شيء وبعد كل شيء، إلى الثبات على هذه الخيارات والقرارات التي تكلف كثيراً ولكنها تشكل التربة التي تنمو فيها الرجولة والشجاعة والكرامة والعقيدة القتالية وكل ما يؤسس للدفاع عن النفس ورد العدوان والسير في طريق التحرير واستعادة فلسطين، كل فلسطين، من البحر إلى النهر، ومن رأس الناقورة إلى رفح.. لتعود كما كانت تاريخياً وطناً للشعب الفلسطيني العملاق في تضحياته الكبيرة وتطلعاته المشروعة ونضاله الطويل.

إن هذا يستدعي ممن يختارون المقاومة منهجاً وطريقاً أن يؤسسوا للمرحلة القادمة التي تتطلب استقطاب الشعب الفلسطيني حول هذا الخيار، إن هذا الخيار يتعارض مع خيار فصائل مقاومة وشرائح من الشعب الفلسطيني، ومن ثم فإن علينا أن نقرأ تطلعنا جميعاً إلى وحدة الشعب الفلسطيني في ضوء الأهداف البعيدة والخيارات المبدئية المؤدية إلى تلك الخيارات ومنها خيار المقاومة, وإن من يختار المفاوضات وحل الدولتين وفق المنظور المتاح، وهو منظور "صهيوني- أمريكي" وعربي وفق المبادرة البائسة، ولا يصل حتى إلى ذلك الخيار البائس.. لا يمكنه أن يقبل بالمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني سبيلاً، لأن أهم ما يطلب منه ليتحقق له السير في هذه الطريق وهو ما أعلنه ويعلنه التزاماً بذلك، أن ينبذ المقاومة التي وصفوها بأنها "إرهاب"، وأن يقبل إرهاب الدولة الصهيونية العنصرية بوصفه دفاعاً عن النفس وملاحقة مشروعة لقوى وتنظيمات فلسطينية تتهم بأنها منظمات إرهابية.. وهذا أكثر من عجيب وغريب ومريب. ومن هذا المدخل ينبغي مقاربة موضوع وحدة فصائل وتنظيمات الشعب الفلسطيني "الواحد الموحد في الآمال والتطلعات والمعاناة"، وطرح الأسئلة حول مآل القرارات والاتفاقيات والتفاهمات التي تمت بين الفصائل بوساطة عربية من مكة إلى القاهرة إلى.. إلى.. لتوحيد الصف.. فعلى أية أسس وتحقيقاً لأية أهداف واستراتيجيات وبأية وسائل وأدوات يتم ذلك في العمق السياسي- الاستراتيجي.؟.

إن بناء الثقة بين الأطراف المعنية مهم ويمكن أن يتم ولكن أساس كل شيء هو الأهداف والسياسات والاستراتيجيات والخيارات..

إن وحدة الشعب الفلسطيني مطلب رئيس للفلسطينيين والعرب، وهو مطلب محفوف بالكثير من الأسئلة والعقبات التي تتصل بجوهر قضية فلسطين وبالسياسات والخيارات المؤدية إلى السير في نهج مناسب لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني كاملة، وليس لبعض تلك الأهداف المتصلة ببعض الأرض وبعض القدس وبعض الحقوق.. فنحن في فلسطين شعب ولسنا بعض شعب، ونستحق ما تستحقه الشعوب، وقد قدمنا الأدلة والتضحيات وكل ما يؤهلنا للوجود المستقل الحر الكريم في دولتنا ذات السيادة التامة التي لا نفرق فيها بين شخص وشخص على أساس عنصري أو ديني أو عرقي أو طائفي من أي نوع، كما يفعل العنصريون الصهاينة اليوم بشعبنا وفوق أرضنا.؟!

الخيبة الصهيونية

كما هو معروف فإن العدو الصهيوني يسعى جاهداً لكي يكون له دولة يهودية وهذا ما كان واضحاً وجلياً في الفترة الأخيرة من مطالبة إسرائيل بالاعتراف بيهودية الدولة في كل مناسبة وفي كل مرحلة تفاوض مع الجانب الفلسطيني للضغط عليه ولعدم إحراز تقدم في المفاوضات وإسرائيل تعلم أن المفاوض الفلسطيني لن يعطيها هذا الاعتراف لأنه ليس ملكه بل هو ملك الشعب الفلسطيني للأرض الفلسطينية التاريخية, وما يدور في الضفة الغربية من احتجاجات شعبية رافضة للممارسات الصهيونية المجرمة والعنصرية والأفعال الوحشية التي تسعى إسرائيل من خلالها فرض العنف وزيادة العنصرية اليهودية التي يمارسها المستوطنين بحق الشعب الفلسطيني خصوصاً داخل الأرضي المحتلة والتي كان أخرها الجريمة النكراء التي ارتكبت في حق الشهيد محمد أبو خضير في حي شعفاط في القدس.

إسرائيل الآن توظف هذه الاحتجاجات لكي تقول للعالم إننا بحاجه إلى حماية الجنس والعرق اليهودي والانفصال عن الفلسطينيين تحت المطالبة بدولة يهودية و التي لها تداعيات جد خطيرة على القضية الفلسطينية برمتها.

العدو الإسرائيلي ما يهمه في الفترة الحالية في الضفة الغربية هو الفصل عن الفلسطينيين بإعلان دولة يهودية معترف فيها من الجانب الفلسطيني وهذا أمر كما ذكرنا له خطورة فادحة ولن يتحقق.

وأيضاً ما يهمه في قطاع غزة هو القضاء على المقاومة وتقليص الصواريخ التي تنبعث من قطاع غزة صوب الأراضي المحتلة والبلدات المحاذية لقطاع غزة فالعدو يحاول إحراز نتيجة لوقف الصورايخ عن طريق ضرب مواقع المقاومة في قطاع غزة وأيضا يعمل على تفعيل التمييز العنصري بالهجمات الشرسة من قبل المستوطنين للفصل بين الكيان الصهيوني والشعب الفلسطيني ليحقق أماله التي يسعى إليها.

إلا أن هذه الأحلام ليست بالشكل الهين والسهل في تحقيقها على ارض الواقع لأن ما يدور على ارض الواقع في الضفة الغربية هو رفض لتلك الممارسات وأولها عنصرية الدولة اليهودية التي تطالب فيها إسرائيل.

كذلك لن تستطيع إسرائيل أن تثني المقاومة أو تقضي عليها في قطاع غزة لأن هذه المعادلة لن تنجح إسرائيل في تطبيقها ونذكر أنها استخدمتها في حرب صيف 2006م التي حدثت في لبنان وهو لضرب وتقويض قوة حزب الله إلا أن إسرائيل فشلت في تلك الحرب, فعندما أوقفت إسرائيل إطلاق النار كانت صورايخ حزب الله تدق إسرائيل , لذلك مسألة توجيه ضربه قاضية للخلاص على المقاومة أمر يشبه المستحيل ...

دماء الشهداء ترسم فلسطين

أشلاء تتناثر بالطرقات وجثث محروقة ممزقة تحت أنقاض البيوت، رائحة الموت والدم تنتشر في أجواء غزة، مشاهد تقشعر لها الأبدان، مناظر تشهد على عمق الإجرام والسادية لمحتل غاشم, أشلاء أطفال ممزقة إرباً، ولحم مقطع وممزق ببشاعة، بلا رحمة ولا إنسانية، العالم صامت بلا أحاسيس، ينظر إلى أشلائنا الممزقة المطحونة كأنه يشاهد فيلم رعب أمريكي، عالم ظالم مجرم صامت، عالم يدعي الحضارة وحقوق الإنسان، إنسانيتهم فقط حينما يُمس صهيوني بأذى، ويصمتون صمت أهل القبور علي المذابح المروعة التي تُرتكب ضد أهلنا في غزة الصمود وضفة الأحرار، يصمت طالما أن الضحية هو فلسطيني!.

ميزان عدلهم أعوج وبلا عدل، يساوون بين الضحية والجلاد، وينصرون القاتل علي الضحية، عالم ظالم لا يحترم إلا القوي ويسحق الضعيف، عالم شعارات وخداع وزيف، عالم بلا أخلاق ولا إنسانية ولا ضمير، يسمعون صرخات آلامنا ويشاهدون جثث أطفالنا وشبابنا ممزقة ولا يحرك ساكن. هذه الأشلاء والدماء عار يلاحقكم، تكشف زيفكم ومؤامرتكم، وتُسقط الأقنعة عن وجوهكم النجسة، فالعار لكم، والمجد لشهدائنا، والنصر لشعبنا المقاوم، فالحق حتما ينتصر، لنا الله هو مولانا وناصرنا، أبناء شعبنا المقاوم، استمروا بالمقاومة فانتم أمل الأمة، لا تراهنوا إلا علي صمودكم، فالتاريخ المشرق لا يُكتب إلا بالدماء، فدماء شهداؤنا تكتب التاريخ وتُعيد صياغته، دماؤكم تعيد أمجاد الأمة وترسم للنصر الطريق نحو القدس والانتصار للوطن.

فحكام العرب غارقون في سبات، العار يلاحقهم ، فلكم يا أبناء شعبنا المجد كل المجد ، والخزي والعار للصمت العربي الهزيل، فغزة لا تنزف الدماء هباء، غزة تتبرع بدمها من اجل كرامة أُمة هانت عليها كرامتها، وارتضت الهوان لنفسها، فانتم ذخر هذه الأمة وانتم رأس الحربة في الدفاع عن أمتكم وكرامتها، فلا تنتظروا منهم حتى شجب أو استنكار، فما عادت لهم نخوة ولا شهامة، ولولا صمتهم المخزي الذليل لما تجرأ هذا العدو الصهيوني علي ارتكاب مجازره وتماديه في القتل والدمار، واستمراره باحتلال أرضنا واهانة مقدساتنا وتدنيسها.

اعلى الصفحة