الأزمة العراقية والخطر الداهم

السنة الثالثة عشر ـ العدد 151 ـ (شهر رمضان 1435 هـ) تموز ـ 2014 م)

بقلم: محمود إسماعيل

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

حسمت بعض الدول خيارها وأعلنت موقفها جهارا في تبني تنظيم "داعش" وارتكاباته الإرهابية، من عمليات إجرامية وتشويه للقيم الإنسانية والإسلامية، مقدمة الدعم السياسي والمادي والإعلامي دون أن تتوانى عن تسمية ممارساته الإجرامية بالثورة.

إن ما تقدمه تلك الدول للمجموعات الإرهابية المسلحة يتنافى مع التعاليم الإسلامية. وفي وقت تدعي بعض الجهات محاربة الإرهاب، فإن بعض ممارساتها على الأرض تثبت عكس ذلك تماماً، وما يجري في العراق وسوريا هو خير دليل.

خلال يومين فقط، قلب تنظيم "داعش" الإرهابي ميزان القوى في العراق، فقوض هيبة جيش ذلك البلد وأتاح للأكراد السيطرة على كركوك، وأعاد إشعال الجبهات الطائفية مهددا الخريطة الجيو/سياسية للمنطقة برمتها،  إذ إن غزوه المدوي فاجأ المسؤولين الأمريكيين والعراقيين على السواء.

 بدأ هذا التنظيم الإرهابي نشاطه في العراق عام ٢٠٠٦، وهو مكون من جماعات قاعدية ومن قيادات عشائرية تكن حقدا دفينا لحكومة المالكي، ومن بقايا نظام صدام حسين الذين يبحثون في كواليس الحرب الأهلية العراقية عن ثأر يأخذونه. غير أن هذا الفصيل انشق عن القاعدة، فكان بدوره أكثر طموحا وفعالية مما تصورت واشنطن عندما أنهت تورطها في العراق.

لقد شكل نشوب الحرب في سوريا فرصة انطلاقة جديدة لهذا التنظيم الإجرامي، حيث إنه غزا سوريا من الموصل قبل وقت طويل من غزوه الموصل مؤخراً. تعلم "داعش" من تجربته في العراق، معتمدا إستراتيجية مختلفة في سوريا.

وفي العام الماضي، كثرت التقارير الإستخبارية عن تدفقات مالية ضخمة بسبب حقول النفط التي سيطر عليها هذا التنظيم أواخر عام ٢٠١٢، ولم تكن وارداته أقل من تهريبه غنائم الحرب على أنواعها، بما فيها القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن. هكذا، وفي أقل من ثلاث سنوات تحول "داعش" من حفنة من العصابات إلى مجموعة إرهابية ربما الأكثر ثراء والأشد عنفا حول العالم.

بات سعود الفيصل يتحدث من جدة ومن الرياض ومن واشنطن ومن باريس عن هؤلاء الإرهابيين الذين يرتكبون جرائمهم بالفكر التكفيري والمال السعودي والمباركة الأمريكية - الإسرائيلية وبأساليب همجية، لم تعرفها شعوب الأرض في أحلك حِقَب التاريخ البشري. إنه يتحدث عنهم كثوار ويوجه محطاته الفضائية للإشادة بجرائمهم وبثورتهم التي قتلت وهجرت مئات الآلاف من ديارهم في سوريا والعراق.

إن مسلسل القتل الذي يموله آل سعود، لا يمولونه حباً بالقتل والانتقام من أشقائهم العرب فحسب، وإنما أيضاً بسبب غبائهم وتأكيداً على أنهم قادرون على القيام بالأدوار القذرة، حتى ولو بلغوا مرحلة الموت السريري.

الولايات المتحدة مذنبة في الأزمة العراقية

العراق يعيش أزمة حقيقية بعد مرور ثلاث سنوات على انسحاب القوات الأمريكية من أراضيه. فالقوات الأمريكية التي انسحبت من بلاد الرافدين عام ٢٠١١، تركت الشعب العراقي أمام تهديدات إرهابية. والتساؤل الذي يطرح نفسه الآن هو : هل لدى الحكومة العراقية الحالية قدرة على البقاء؟ إذا كانت الإجابة بالنفي فمن يعرف ما يمكن أن يحدث في العراق؟

لقد أطلق الرئيس الأمريكي باراك أوباما تصريحات مفادها أن الأمريكيين لم يقرروا بعد القيام بشيء، لأنهم يعولون على التأكد من أن الإرهابيين لن يحصلوا على موطئ قدم دائم في العراق أو سوريا.

إن مكمن القلق الأمريكي ليس الاستقرار في العراق، بل هو التأكد مما إذا كان الإرهابيون الموجودون في بلاد الرافدين يشكلون تهديدا للولايات المتحدة، وهذه الأخيرة بوصفها قوى عظمى يتعين عليها الشعور بتأنيب الضمير جراء ما حدث للعراقيين الأبرياء، ذلك لأنه لو لم يشن جورج بوش الابن حرباً على العراق لما وجد العراقيون أنفسهم الآن أمام تهديدات إرهابية ولا أمام حرب ضد المتمردين.

إن على الولايات المتحدة الإقتناع بأن قوتها العسكرية لن تضمن لها إنجاز كل ما تريد، أو أن هذه القوة قادرة على فرض القيم الأمريكية على الشعوب، فقد حان الوقت كي يتعلم الأمريكيون الدرس من حربهم على العراق.

تضع مراكز القرار في دول غربية خارطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، في محاولة منها لإعادة رسم جديد وتصحيح لإتفاقية " سايكس بيكو " بعد قرن تقريبا من إعلانها. ويأتي التقسيم الجديد للمنطقة أو التصحيح، وفق تعبير المشرفين على وضع الخريطة، بسبب تصاعد تداعيات الأحداث في سوريا والعراق. يتخذ التقسيم مرجعا طائفيا في تحديد البلدان الجديدة، بحيث يكون العراق وسوريا مركزي الإنطلاق في تسمية البلدان وفق سنيتها وشيعيتها.

حسب هذا التقسيم، يمكن إنشاء دولة سنية تتكون من محافظات غرب العراق، بما فيها الموصل مع مدن الشرق السوري، فيما تشكل محافظات جنوب العراق دولة شيعية متقاربة مع إيران. إلا أن السيناريو لم يجد للعاصمة العراقية بغداد حلا مقبولا في تقسيمه الجديد.

يلقى هذا السيناريو المزيد من المؤيدين له في الأوساط الغربية، مع أن الدبلوماسيين يعلنون دائما عكس ذلك. فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أن بلاده ملتزمة بوحدة العراق. ويرى ريتشارد هيرست، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن سايكس بيكو جديدة ستنقذ بلاده من ورطتها المتفاقمة في العراق وترددها في سوريا. وأضاف: "إن الشيء الوحيد المؤكد هو أن الشرق الأوسط القديم يؤول إلى التفكك". والسؤال هو متى يأخذ الشرق الأوسط مكانه الجديد؟ إن السياسات الأمريكية التي بدأت بغزو العراق عززت الطائفية بدل الهوية الوطنية.

قبل نحو مئة عام خلت، قسمت بريطانيا وفرنسا المنطقة وأحدثتا فيها دولاً مثل العراق وسوريا، ورسمتا لها حدوداً على نحو يخدم المصالح الغربية بخصوص النفط والتحالفات الأمنية، ولكنهما لم تعيرا وزناً للروابط الدينية والعرقية لأبناء المنطقة.

لقد استفاد تنظيم "داعش" الإرهابي من استياء السنة من حكومة نوري المالكي، إلا أن معظم السنة العراقيين لا يدعمون هذا التنظيم ولا غيره من التنظيمات المتطرفة والإرهابية. وعلى الرغم من كل الأموال التي استولى عليها هذا التنظيم خلال تقدمه الأخير، إلا أنه لم يحصل على موطئ قدم دائم في العراق، كما أنه من المستبعد أن يحظى بدعم من المواطنين السنة أسوة بالمواطنين الشيعة في العراق، وهو ما يتيح بعض الأمل للقضاء على هذا التنظيم الإرهابي.

القبض على أبو هاجر يكشف معلومات مذهلة عن "داعش"

قبل يومين من سقوط الموصل بيد متمردي ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، استطاع الجيش العراقي القبض على رجل "داعش" الأكثر تطرفا، المدعو أبو هاجر رئيس المجلس العسكري في التنظيم.

"أنتم لا تعرفون ما تفعلون" قال أبو هاجر، مضيفاً: "الموصل ستتحول إلى جحيم هذا الأسبوع"، كما نقل عنه مسؤول في المخابرات العراقية.

بعد ساعات عدة من القبض على أبو هاجر، استطاعت القوات العراقية أن تعثر في منزله على مئة وستين " فلاش ميموري " تحتوي على أكثر المعلومات التفصيلية التي عرفت عن "داعش"، من أهمها : أسماء المقاتلين والأسماء الحركية لهم، والمقاتلين الأجانب، وقادة الصف الأول، ومصادر داخل الوزارات، وموارد وحسابات هذا التنظيم.

"تفاجأنا جميعاً وتفاجأ المسؤولون الأمريكيون" قال ضابط مخابرات كبير مضيفاً: "لا أحد منا يعرف هذه المعلومات".

كان المسؤولون، بمن فيهم ضباط وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، لا يزالون يفككون ويحللون تشفير الفلاشات المذكورة، عندما تحقق ما قاله أبو هاجر، حيث احتل "داعش" جزءاً كبيراً من شمال ووسط العراق وفرض سيطرته على الموصل وتكريت وكركوك.

الجيش العراقي يحاول لجم تقدم الإرهابيين في مواجهة هي الأقسى منذ الغزو الغربي عام ٢٠٠٣. التخلص من القاعدة بات مسألة حياة أو موت، بالنسبة لرئيس الحكومة العراقية نوري المالكي، بعدما فقدت بغداد السيطرة على عدة محافظات، وسط خطر يتهدد العاصمة ومخاوف من تكرار السيناريو السوري، على اعتبار أن داعمي المتطرفين هما السعودية وقطر.

من الواضح أن المسلحين التابعين لتنظيم "داعش" الإرهابي يسعون إلى تقسيم البلاد، إلى جنوب شيعي، ووسط سني، وشمال كردي. وسط هذا المشهد، يبدو موقف السعودية حيال التطورات لافتا في العراق، بعدما حملت الرياض نوري المالكي مسؤولية ما يجري، متهمة إياه بالعمل على استغلال السلطة وتقسيم البلاد، فيما أبدت طهران استعدادها لمساعدة بغداد على مواجهة التنظيم الإرهابي.

التدخل السعودي -القطري في شؤون العراق

أمتنا العربية مصابة اليوم بابتلاء كبير، سببه بالتأكيد حالة الضعف التي تصيب دولاً كبيرة مثل مصر وسوريا والعراق، أو حالة كسل تصيب دول المغرب العربي. وهو ابتلاء يجعل مجموعة حمقى يسيطرون الآن على مقدرات الجزيرة العربية، وينتشرون خصوصاً في دولتي السعودية وقطر.

 فهناك نظامان يحكمان شعبيهما بالمال ويمارسان أبشع أنواع الجنون والرقص فوق جثث الضحايا. ويعمل بإمرتهما جيش من ضعاف النفوس، والمتهالكين فوق فتات لا يبقي لهم على كرامة ولا على قدر بين الناس. وحيث تتم استمالة طوعية، لا قسرية، لحشد من الذين تقرر في مكان ما وصفهم بالخبراء، في الأمن والسياسة والثقافة والإعلام. لكنهم جميعاً، يعملون تحت عنوان واحد: اجتراح الفتن، واحدة تلو الأخرى، ويقف هؤلاء، في طابور كل فجر، ليحظوا بكيس الدنانير.

قطر والسعودية دولتان تقفان خلف المذبحة المستمرة في سوريا، والآن في العراق. خلفية محض طائفية مجبولة بعنصرية مقيتة تتحكم بها عقد النقص. من مزرعة يراد أن يفرضوها علينا باسم دولة. وصحراء قاحلة، يراد لنا الاقتناع بأن كتل الباطون يمكن أن تبث فيها روح الحياة، ومنظومة تعتقد أن الله تعالى أرسلها لتولي ولاية الأمة. هكذا هي ببساطة، حال عائلتي آل سعود، آل ثاني وتوابعهما.

يقيم في قطر اليوم، قادة من "القاعدة" و"طالبان"، وفارون من وجه العدالة بعدما ارتكبوا فظائع بحق شعوبهم على مر عقود. هناك تُعقَد الاجتماعات، وتنظَّم الفتن، وتموَّل، وتوضع مقدرات هائلة في تصرف من يقدر على سفك الدماء أكثر. ومن هناك، تموَّل كل أنواع المشاريع، الأمنية والسياسية والإعلامية التي تناسب المذبحة.

 وفي السعودية، يُحشَد سفاحو العصر، ويُدرَّبون ويُرسلون لقتل الناس، وهي عملية لا تجري هذه الأيام فقط، بل هي مذبحة مستمرة منذ عقد على الأقل. وفي هذه الصحراء المحكومة بالقهر منذ عقود طويلة، من قبل أشخاص يجب إحالتهم إلى مصحات عقلية ونفسية وجسدية، من أجل سلامة عائلاتهم قبل الآخرين، يجري كل يوم، تعليم الناس الحقد، وكره كل شيء، وشراء الذمم، وقتل الناس كل لحظة، فقط لأن مختلاً يريد أن تبايع البشرية جنونه.

اليوم، يجري ترتيب الكثير من الخطوات في قطر والسعودية، وهدفها ليس سوى تفتيت العراق وسوريا ولبنان، والانتقال إلى إثارة الفتنة في إيران أيضاً. والحجة، البحث عن "حق" في الاستقلال. يبدو خطاب هؤلاء بائساً إلى حد، يعتقد من يسمعهم اليوم، أن القرن الماضي كان يشهد حمامات دم ضدهم، وأن من يدمرون مدنهم ويقتلون أولادهم، كانوا يحكمون هذه الشعوب. ومن يسمع محاضرات آل سعود وآل ثاني، يمكنه أن يعتقد للحظة، أن هؤلاء هم من أرسلهم الله تعالى ليقودوا البشرية نحو التحرر من العبودية والظلم.

ألم يكفهم ما فعلوه حتى اليوم، وهم الذين يتصرفون، كما الصبية الذين يعملون في خدمتهم اليوم وقبل اليوم، بأنها معركتهم الوجودية؟ ألا يعرف هؤلاء أنه خلال العقد المنصرم لم تحصل ردة فعل واحدة على جرائمهم؟ وأن الصمت والصبر لا يكون مفتوحاً إلا مع المقهورين؟ ربما حان الوقت لإعادة الناس إلى صوابهم، وفي حالتنا هذه، يبدو أن الأمر مع هؤلاء، لن ينفع عبر النصيحة وحسن الكلام.

الموقف الإيراني من الأزمة العراقية

كل الرسائل التي تلقتها طهران من واشنطن وعواصم غربية وإقليمية كانت تتمحور حول نقطة واحدة، تتمثل في استباق أي خيار عسكري ـ أمني، بمسار سياسي يُفضي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية عراقية، وهي العبارة التي يمكن اختصارها بعبارة ثانية أكثر وضوحاً: "التضحية بالمالكي سياسياً".

كان جواب الإيرانيين على طريقتهم الدائمة: "شعوب المنطقة تقرر مصيرها ولا أحد يقرر بالنيابة عنها". معادلة تسري على العراق الخارج لتوّه من الانتخابات، مثلما تسري على لبنان والبحرين واليمن.. وسوريا.

وما لم يعلنه الإيرانيون هو قرارهم الحاسم بعدم التخلي عن المالكي. عبارة سمعها أمير الكويت في زيارته الأخيرة إلى طهران من أعلى المراجع السياسية التي تتابع الوضع العراقي بتفاصيله كلها. ردت طهران على الداعين إلى إعادة تقييم العملية السياسية بالقول: ثمة ملاحظات إيرانية كثيرة على ما حصل، والأخذ والرد مفتوح سياسياً.. لكن بعد الانتهاء عسكرياً من ظاهرة "داعش".

يستنتج مَن يدق أبواب طهران أن احتمال تقديم أية تنازلات في ظل واقع الأزمة المفتوحة غير وارد في حساباتهم. لا يقود ذلك إلى أي افتراض من نوع أن طهران ستزجّ اليوم أو غداً بجيشها أو متطوعيها تحت أي عنوان كان، خصوصاً "حماية المقدسات الدينية".. وهي كثيرة على الأراضي العراقية.

 "ملائكة" الإيرانيين موجودون على الأرض العراقية أصلاً، وهم منذ انتصار الثورة الإيرانية قبل ٣٥عاماً، استفادوا من دروس سلبية كثيرة، أبرزها في بعض دول الجوار مثل أفغانستان وباكستان. اهتمّ الإيرانيون كثيراً بالموقف الخليجي، خصوصاً السعودي. لسان حالهم عن الموقف السعودي "كاد المريب أن يقول خذوني".

تحميل المالكي المسؤولية عما حصل بمثابة تحصيل حاصل. ثمة أخطاء في إدارة العملية السياسية. الانطباع السائد في أكثر من عاصمة إقليمية وغربية، أن الخليج العربي يتعاطى مع ملف العراق بنوع من قصر النظر السياسي. الانفعال يستدرج بعض العواصم إلى ردود أفعال من دون احتساب النتائج بعيدة المدى. صحيح أن العراق بلد جوار مع إيران.. لكن ماذا يمنع أن يشكل "داعش" خطراً داهماً بعد شهور قليلة على دول الخليج كلها.. وأولها السعودية؟

يقود ذلك إلى استنتاج سريع بأن ملف الحوار السعودي ـ الإيراني أصبح أكثر تعقيداً، فما جرى في العراق لا يساعد على إعادة فتح القنوات الدبلوماسية بين البلدين. أقله لن تكون هناك مبادرات من جانب طهران، كما حصل بعد انتخاب الشيخ حسن روحاني. هذه المرة الكرة في ملعب السعوديين. إذا أبدوا رغبة بالحوار، فسيأتي الرد ايجابياً.. لا تجاوز للبروتوكول أو لجدول الأعمال... وبعد ذلك لكل حادث حديث.

بطبيعة الحال، أراد الأمريكيون التقاط اللحظة سياسياً في ضوء إلحاح السلطات العراقية عليهم بوضع المعاهدة الدفاعية بين البلدين قيد التنفيذ. طرحوا على الإيرانيين في فيينا مناقشة ملف العراق من خارج جدول الأعمال وبطريقة غير رسمية. تكرر "الجواب التاريخي" لوزير الخارجية محمد جواد ظريف رداً على طلب واشنطن مناقشة كل الملفات دفعة واحدة: عندما ننتهي من الملف النووي (بحدود النصف الثاني من تموز المقبل) ننتقل إلى باقي الملفات.. والأولوية بطبيعة الحال للملف العراقي.

هل هناك تعاون أمريكي - إيراني حيال العراق؟

على الرغم من عدم الوضوح الذي يحيط بإمكانية تعاون أمريكي - إيراني في مواجهة مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الذين استولوا على العديد من المناطق في العراق. تشير الدلائل إلى أن واشنطن وطهران لن تجدا بداً من التعاون في مواجهة ما تعتبرانه خطراً مشتركاً ولو كان ذلك بصورة مؤقتة وعلى أساس القاعدة المعروفة  "عدو عدوي صديقي".

وكان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قد قال إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع إيران بشأن تدهور الأوضاع الأمنية في العراق، دون أن يستبعد قيام تعاون عسكري "محتمل" بين الجانبين في مواجهة مقاتلي (داعش)، وبدا أن كيري كان يرد على الطرح الذي قدمه الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني بإمكانية تعاون بلاده مع واشنطن في أي تدخل بشأن الأزمة في العراق.

وبعيداً عما يحمله أي تعاون أمريكي - إيراني من مصلحة لإيران تتمثل في تعزيز موقفها في منطقة الخليج ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام فإن أي تعاون بين الجانبين سيحمل في طياته ضرراً لأطراف أخرى في المنطقة على رأسها منطقة الخليج.

على المستوى الإيراني،  يجمع مراقبون على أن تعاوناً أمريكياً - إيرانياً قد يولد قوة دفع كبيرة تصب في مصلحة تسوية قضية النووي الإيراني التي تجري بشأنها محادثات في جنيف، كما أنه سيزيد من النفوذ الإيراني القوي بالفعل في العراق وفي منطقة الخليج المجاورة.

وكانت إسرائيل قد أعربت مؤخراً عن قلقها من احتمالات تعاون واشنطن وطهران في الموضوع العراقي، وأكد وزيرها للشؤون الإستراتيجية على ضرورة فصل الولايات المتحدة التام بين تعاونها مع إيران في هذا الشأن وقضية البرنامج النووي الإيراني.

ويبدو أن دولاً لا تربطها بإيران علاقة ود أو تقف منها موقف المتوجس مثل السعودية ومصر والأردن يبدو أنها قد لا ترضى كثيراً عن تعاون أمريكي - إيراني وثيق حتى ولو كان ذلك لفترة وجيزة ومن أجل مصلحة مشتركة بينهما.

إن واشنطن تبدو مستعدة للتعاون مع إيران، البلد الذي وضعه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش ذات يوم ضمن محور الشر. أما الهدف، فهو احتواء سرطان الحركات المتطرفة،  بعد أن أخذ يمتد وينتشر في العراق الذي انسحبت منه القوات الأمريكية في ٢٠١١. وتشير الإدارة الديمقراطية، مدعومة على نحو غير عادي هذه المرة، من قبل الجمهوريين المعادين لطهران عموما، إلى حالة الطوارئ الأمنية التي تمثلها إمكانية تفكك العراق،  وتؤكد دور إيران كقوة إقليمية.

لن تقع الحرب العراقية الرابعة

مع الاختراقات العسكرية التي حققها تنظيم "داعش" الإرهابي في العراق، قرعت نواقيس الخطر في أكثر من عاصمة عربية وغربية، لما يحمله هذا التطور العسكري على الساحة العراقية من دلالات خطيرة على المعادلة الإقليمية.

طلبت الحكومة العراقية مساعدة من الولايات المتحدة واستنجدت بالاتفاقية الموقعة بين البلدين. ولكن، سرعان ما جاء الرد الأمريكي صريحاً على لسان الرئيس باراك أوباما، إذ أكد أنه لن ينشر قوات عسكرية جديدة، وغامضاً على لسان وزير خارجيته، جون كيري، عندما صرح لمختلف قنوات التلفزة الأمريكية أن جميع الفرضيات مطروحة على الطاولة.

حتى الآن، اكتفت الإدارة الأمريكية بالإعلان أنها سترسل إلى العراق مستشارين عسكريين، لمحاولة مساعدة الجيش العراقي على الصمود أمام الهجمات، في الوقت الذي كانت فيه بغداد تنتظر أن تطبق الولايات المتحدة الاتفاقية المعقودة معها، لصد هجمات "داعش".

حرب العراق الرابعة لن تقع إذن، الحرب الأولى دارت رحاها، عندما هاجم صدام حسين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والحرب الثانية وقعت عندما ابتلع صدام حسين الكويت وحولها إلى مقاطعة. والثالثة، عندما قرر جورج بوش الابن الإطاحة بالنظام العراقي وتفكيكه. والرابعة، لن تقع بحكم عدة أسباب موضوعية، تجعل من أي تدخل أمريكي أو دولي في العراق من بين المقاربات المستحيلة في الوقت الراهن.

أول سبب يشرح التحفظ الأمريكي، هو المعارضة المبدئية التي كان الديمقراطيون قد عبروا عنها لسنوات طويلة ضد الحرب الأمريكية في العراق. فهم الذين عملوا على سحب القوات الأمريكية من هذا البلد وتسليم القيادة العراقية مقاليد السلطة.

وثاني سبب، هو امتناع إدارة باراك أوباما عن اللجوء إلى الحل العسكري لفض الأزمة السورية. هذا الخيار، وضع قيوداً على طريقة تعامل الأمريكيين مع الأزمات الإقليمية. إلا أن السبب الرئيسي الذي يبعد شبح هذه الحرب الرابعة، هو القناعة الأمريكية القوية بأن الضربة العسكرية في العراق لن تحل الأزمة بقدر ما ستزيدها تعقيدات إضافية.

خلال الاتصالات التي أجراها باراك أوباما مع المسؤولين الأوروبيين، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، بدا واضحاً أن المجموعة الدولية تراهن على حل عراقي محض، يمر عبر عملية دمج سياسي لمختلف مكونات المجتمع العراقي.  

اعلى الصفحة