القدس.. أيُّ واقعٍ وأيُّ مصير؟!!

السنة الثالثة عشر ـ العدد 151 ـ (شهر رمضان 1435 هـ) تموز ـ 2014 م)

إعداد: هيثم محمد أبو الغزلان

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

مرت في 5-6-2014، الذكرى الـ 47 لاحتلال العدو الإسرائيلي لـ "سيناء" المصرية، والجولان السورية، وغزة والضفة الغربية، والشطر الشرقي من مدينة القدس.

وفي وقت يُمعن فيه الاحتلال بعدوانه الواسع على الإنسان والأرض؛ قتلاً وتدميراً واستيطاناً وتهويداً، في محاولة لإنهاء الوجود الفلسطيني على هذه الأرض، يخوض الأسرى الفلسطينيون في معتقلات الاحتلال، منذ الرابع والعشرين من نيسان الماضي إضراباً جماعياً عن الطعام احتجاجاً على استمرار اعتقالهم إدارياً، وللمطالبة بالإفراج عنهم وإغلاق ملف اعتقالهم الإداري، ووضع حد لهذا السلوك المُدان دولياً، حيث تُسلب حريتهم ويجري توقيفهم ويستمر احتجاز بعضهم لسنوات طويلة دون معرفة أسباب اعتقالهم، ودون أن تُوجّه إليهم أيّة تهمة. وقد أربك هذا الإضراب مع اتساعه ليشمل عشرات آخرين من المعتقلين الإداريين والمحكومين أيضاً، إدارة السجون الإسرائيلية لاسيما أن عشرات منهم تدهورت أوضاعهم الصحية ونقلوا إلى المستشفيات الأمر الذي يُنذر بخطر شديد على حياتهم. ما يستدعي من الجميع المزيد من التحركات التضامنية لنصرتهم وصولاً لتحقيق مطالبهم المحقة. يأتي ذلك في ظل ما يتعرض له المسجد الأقصى المبارك من انتهاكات إسرائيلية متواصلة، بهدف إحكام السيطرة عليه تمهيداً لهدمه وبناء "الهيكل" المزعوم مكانه. وقد جاء التطبيق الفعلي للتقسيم الزمني للأقصى مؤخراً تجسيداً فعلياً لهذا المخطط...

منذ قيام إسرائيل باحتلال مدينة القدس عام 1967م، وهي تعمل جاهدة لتغيير معالمها بهدف تهويدها وإنهاء الوجود العربي فيها، وقد استخدمت لأجل ذلك الكثير من الوسائل وقامت بالعديد من الإجراءات. فالاستيطان في المدينة وفي الأراضي التابعة لها أحد أهم الوسائل لتحقيق هدفها بتهويد المدينة. فتارة يتم تهويد المدينة عمرانياً، وتارة أخرى سكانياً، وذلك ليتم طمس كل ما هو فلسطيني فيها.

وبعد سبعةٍ وأربعين عاماً لاحتلال القدس، ما تزال آلة التهويد والاستيطان مستمرة بالدوران في المدينة المقدسة، فضلاً عن أعمال الحفر المستمرة تحت المسجد الأقصى والتي تُهدد بنيته التحتية، فضلاً على أن التراث العمراني والبيئي للقدس القديمة في حال تدهور وخراب، في مسعى من الاحتلال لإحداث تغييرات على واقع القدس الديموغرافي والجغرافي والسياسي، والسير بالمدينة نحو التهويد و"الأسرلة"، وتبديل البنية السكانية، وتغيير معالمها.

وعلى الرغم من أن الاحتلال قد أغرق القدس بالأحياء اليهودية، وجهد من أجل زيادة أعداد اليهود فيها، وعملت سلطاته ومستوطنوه من أجل إحداث تبدّل جوهري في واقع المدينة وتهجير أصحاب الأرض، غير أن مواطني القدس وعموم الفلسطينيين جهدوا وما يزالون من أجل الإبقاء على القدس مدينة عربية.

فالاستيطان، من الناحيّة التاريخيّة والأيديولوجية والسياسيّة، يحتلّ موقعاً جوهرياً في صلب العقيدة الصهيونيّة ويقف في مقدِّمة بنود وأهداف وتجليات المشروع الصهيوني "التاريخي" على أرض فلسطين. ويحتلّ موقعه المتقدِّم في مجموعة القضايا الشائكة التي لم  يتمّ البحث فيها ولم يجر حسمها في مفاوضات الحلّ الدائم المؤجّلة، جنباً إلى جنب مع قضيّتيّ القدس وعودة اللاجئين.. وغيرها، بل وأيضاً، لأن هذه القضيّة ما زالت تشهد تجدُّدها اليوميّ من خلال الإمعان الإسرائيلي المتواصل، والمخالف لكل القوانين والشرائع الدوليّة، والذي يتجلّى بالإمعان الإسرائيلي في مصادرة الأرض الفلسطينيّة ومواصلة بناء المستوطنات الجديدة، حيث تتزايد الوحدات السكنيّة التي تُبنى في المستعمرات القائمة إلى جانب التوسُّع الاستيطاني الإسرائيلي النهم لإقامة المزيد منها على حساب الأراضي العربيّة الفلسطينيّة المصادرة، ومنها مدينة القدس، بحسب كلام المسؤول عن ملف دائرة القدس في منظمة التحرير الفلسطينية، أحمد قريع.

تتفق الأحزاب "الإسرائيلية" حول "اعتبار القدس عاصمة "إسرائيل" التوراتية.. وعاصمتها "اليوم وإلى الأبد". وهذا تجلّى بتصويت أعضاء حزب العمل "الإسرائيلي" مع أعضاء تكتل الليكود الحاكم آنذاك إلى جانب قرار الضم والتهويد في الكنيست في (28/6/1967). والذي شمل ضم شطري المدينة إلى إدارة الاحتلال، وإخلاء الأحياء والسكان العرب من سكانها.

وقبل نهاية شهر حزيران من العام 1967 تسبّب الاحتلال في تشريد 4 آلاف فلسطيني، كما عمل على إنشاء سلسلة من المستعمرات والأحياء السكنية داخل المدينة وفي محيطها للإخلال بالتوازن النسبي بين عدد اليهود وعدد العرب من جهة والحيلولة دون التواصل الجغرافي بين فلسطينيي القدس والفلسطينيين في المناطق المجاورة.

وفي عهد حزب العمل وإبان فترة حكمه تم توسيع حدود بلدية القدس فأصبحت تشمل حسب المفهوم "الإسرائيلي القدس الموسعة الكبرى" وتشكل ما لا يقل عن ثلث الضفة الغربية (59 مدينة وقرية).

ويكشف الكاتب والمعماري العراقي محمد مكية في شهادته عن واقع المدينة أن "التراث العمراني والبيئي للقدس القديمة في حال تدهور وخراب، وليس هناك اهتمام بما تبقى من البنية العامة للمدينة"، ذلك لأن "الإدارة الإسرائيلية للقدس لا تكترث لما يصيب المدينة، فكثرة الخرائب وتحويلها أماكن لرمي القمامة والتخلف في التخطيط، أصبحت واقعاً يومياً، مع غياب إدارة فلسطينية، وأي دور للأوقاف الإسلامية".

الأسرلة والتهويد

ويعتبر مخطط تهويد القدس الحلقة المركزية في الإستراتيجية الصهيونية للمدينة المقدسة، بهدف الإلغاء الكلي لمجتمع مقدسي عربي - إسلامي متواصل في مكوناته التاريخية وصناعة البديل الصهيوني الوافد. فالاحتلال يهدف إلى تغيير البنية الديموغرافية والاجتماعية الفلسطينية في المدينة المقدسة، وسلخها عن محيطها وبيئتها ذات الخصوصية العربية الإسلامية، والسعي لتذويبها في مجتمع يهودي وافد وطمس المعالم الأثرية والحضارية ونهب الأراضي والآثار والمباني التاريخية تحت غطاء الحفريات الأثرية ضمن حملة سياسية واسعة، بحسب تقرير صادر عن دائرة القدس في منظمة التحرير.

فالمخطط الإسرائيلي يهدف إلى تقليص عدد سكان المدينة المقدسة إلى أقل من 12% لفرض واقع ديمغرافي جديد فيها، من خلال مصادرة الهويات والمضايقات وفرض الضرائب والرسوم"، وهذا ما يُلاحظ وبشكل واضح من "مصادرة الاحتلال لنحو 14621 بطاقة هوية عائلة خلال الفترة بين 1967 2011".

في المقابل، ينفذ الاحتلال مخطط "زيادة نسبة المستوطنين اليهود في القدس إلى 48 %، مقابل 52 % من الفلسطينيين العرب حتى العام 2020، وصولاً إلى تحويل المستوطنين لأغلبية بحلول العام 2030".

ارتكب الاحتلال انتهاكات واعتداءات وجرائم ضد القدس وسكانها وبينها ما تم القيام به ضد الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية ومنها محاولات تدمير الأقصى والاعتداء عليه، التي زادت عن مئة وعشر محاولات بين عامي 67 و98 منها ثلاث مذابح في الأقصى 1981 و1991 و2000.

وترافقت هذه الجرائم "الإسرائيلية" مع أخرى ارتكبت ضد الأماكن المقدسة المسيحية، بينها هدم كنائس واحتلال أخرى، وحرق مراكز مسيحية، والاستيلاء على أملاك كنائس، وفرض ضرائب على كنائس القدس، وهو ما ترافق مع تدخلات في أنشطة رجال الدين المسيحي، وأقرانهم من المسلمين إلى حد منعهم من القيام بمهامهم الدينية.

مستوطنات وتهجير

أقام الاحتلال، وفق معطيات دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير؛ " 15 مستوطنة كبرى في شرقي القدس تضم زهاء 200 ألف مستوطن، ممتدة على ثلث مساحة الأراضي التي تمت مصادرتها من قبل الاحتلال منذ العام 1967 وحتى الآن، بصفتها من أكثر المناطق انتشاراً بالمستوطنات مقارنة مع بقية المحافظات".

فيما "أقام 8 بؤر استيطانية في أحياء المدينة المقدسة، تضمّ نحو ألفي مستوطن منتشرين بين منازل المواطنين المقدسيين، بما يعدّ مشعل احتكاك وصراع يومي، مدعوماً من الجمعيات الاستيطانية وقوات الاحتلال بهدف تشكيل عامل ضغط إضافي على المقدسيين لدفعهم لبيع عقاراتهم وتهجيرهم خارج مدينتهم".

وتسعى "سلطات الاحتلال بكل الطرق للاستيلاء على أكبر قدر من الأراضي الفلسطينية بأقل عدد من السكان، سواء داخل المدينة أو في محيطها، عبر إحاطتها بحزام استيطاني والحد من التوسع العمراني للتجمعات الفلسطينية المحيطة بالمدينة ولفصل أحياء عديدة فيها عن بعضها".

وحذر التقرير من "نفاذ مشروع E1، الذي أعلنت عنه سلطات الاحتلال سابقاً، ضمن مساحة تبلغ 12443 دونماَ من أراضي قرى أبو ديس، العيزرية، الطور، وعناتا".

ولفت إلى "استهدافه إغلاق القدس من الشرق ومنع فرص التوسع المستقبلي للفلسطينيين باتجاهه، والحيلولة دون إقامة القدس الشرقية كعاصمة للفلسطينيين، وإمكانية تطويرها باتجاه الشرق، مقابل ربط المستعمرات الواقعة في المنطقة الشرقية وخارج حدود بلدية الاحتلال مع المستعمرات الواقعة داخل حدودها".

جدار الفصل العنصري

ظهرت فكرة بناء جدار حديدي عازل بواسطة "الإصلاحي" الصهيوني "زئيفي جابوتنسكي" 1880 1940م، مروراً بحزب العمل الإسرائيلي، ومن ثم بوزير الداخلية "موشيه شاحال" عام 1994م، وظلت تتطور الفكرة تدريجياً حتى اندلاع انتفاضة الأقصى في 28/9/2000، حيث وضعت التصورات لشكل الفصل بين الفلسطينيين ودولة الكيان الاستعماري، إذ تمّ اقتراح بناء سياج أمني كهربي الكتروني تتخلله عدة بوابات تسمح بمرور الشاحنات والأفراد بين الضفة الغربية وقطاع غزة و"إسرائيل"، إلا أنّ مثل هذه الأفكار لم يتم تنفيذها. ثم أخذت وتيرة المطالبة بإقامة الجدار الفاصل تزداد باطراد إلى أن قدَّم آفي ديختر رئيس "الشاباك" خطة للجدار الفاصل في شباط /فبراير 2002م للجنة الشؤون الخارجية والدفاع بالكنيست الصهيوني إثر تزايد قصف التجمعات السكانية اليهودية بالصواريخ الفلسطينية، وقد أخذت طريقها للتنفيذ، وتولى تنفيذ المراحل الأولى للخطة وزير الحرب العمالي بن اليعازر في ظل حكومة الائتلاف الصهيونية الأشد تطرفًا، وبدأ العمل فيه منذ 23 تموز /يوليو 2002م، بعد أن أقرته حكومة الاحتلال، إثر اجتياح الضفة في حملة ما يسمَّى "السور الواقي".(مجلة البيان، صالح الرقب، جدار الفصل العنصري حول مدينة القدس: بحث مُقدم لجمعية البحوث والدراسات، غزة، 2010، ص5 وما بعدها).

ويعتبر الجدار الفصل العنصري الذي يمتد طوله نحو 142 كم، مسنوداً بزهاء 12 حاجزاً عسكرياً أمراً لتعقيد دخول القدس وتسهيل تطويقها وعزلها عن محيطها الفلسطيني العربي، وتقسيمها إلى كانتونات صغيرة، ما يوجد آثارًا سلبية ناجمة عن ذلك في مختلف المجالات، ليس أقلها "طرد أكثر من 90 ألف مواطن مقدسي خارج الجدار، بحسب تقرير فلسطيني كما سيعزل المناطق الصناعية والحركة التجارية بشكلٍ كامل، خاصةً بعد أن تمّ نقلها إلى الضواحي بعد اتفاقية أوسلو عندما أحكمت حكومة الاحتلال حصارها على القدس، ومنعت أبناء الضفة الغربية من الدخول إليها.

تقول الكاتبة اليهودية "داليا شاحوري: "الجدار الفاصل الأمني المحيط بالقدس والمسمى "غلاف القدس" مثير للإشكال أكثر من باقي أجزاء الجدار الفاصل حسب ما يقول يسرائيل كيمحي- مركز الدراسات حول القدس في معهد القدس لأبحاث إسرائيل- في القدس يقوم الجدار بقطع سكان موجودين داخل منطقة وظيفية واحدة. في القدس وما حولها يوجد مليون ونصف المليون إنسان، وما إن يُصاب هذا النسيج سيكون الأمر أصعب من أي موقع آخر". ويضيف: "الجدار سيكون، حسب رأي كيمحي، ذو آثار صعبة جدًا على المجتمع الفلسطيني بصورة رئيسية، ولكنه سيؤثر أيضاً على المجتمع اليهودي. الجدار يتسبب بعزل محيط المدينة - غير اليهودي في أغلبيته- عن القدس، وهذا سيلحق بها ضرراً اقتصادياً فادحاً". ويؤكد أن "هذا الوضع سيعيدنا تقريباً إلى وضع ما بعد حرب الاستقلال حيث كانت القدس محاطة بالحدود من الناحية السيكولوجية أيضاً".(صحيفة "هآرتس": الجدار خطوة يأس: بقلم: داليا شاحوري، 25/12/2003م)

الأوضاع الاجتماعية في القدس

أدت سياسة الفصل العنصري الإسرائيلية إلى تفشّي ظاهرة الفقر في شرقي القدس خلال السنوات الأخيرة، بحيث لم يعد اقتصادها مدمجاً في الاقتصاد الفلسطيني ولا في الاقتصاد الإسرائيلي، فيما يعيش 82% من الأطفال الفلسطينيين تحت خط الفقر.

وقد بلغ القطاع التعليمي أسوأ حالاته، إزاء النقص المستمر في عدد الغرف التدريسية يفوق الألف غرفة دراسية في نظام التعليم الرسمي، ونسبة التسرب المرتفعة في التعليم الثانوي والجامعي، التي بلغت بين صفوف طلبة المرحلة الثانوية نحو 40%، حيث يجد الطلبة صعوبة القبول في الجامعات الإسرائيلية بالإضافة إلى عدم اعتراف الاحتلال بالشهادات الجامعية لخريجي جامعة القدس لأنها تحمل اسم القدس.

ويعاني "قطاع التعليم من التهميش والإهمال المتعمد من سلطات الاحتلال الملزمة بموجب القانون الدولي بتوفير خدمة التعليم للمواطنين الخاضعين تحت احتلالها، بينما تهدف سياساتها إلى تجهيل المجتمع المقدسي وتغييب ذاكرته الوطنية".

ويواصل "الاحتلال عمليات التهويد والأسرلة للمناهج التعليمية، وفرض المناهج التعليمية الإسرائيلية على المدارس منذ العام 1968 بهدف تشويه الواقع والحقائق التاريخية والثقافية في مواد التاريخ والجغرافيا وغيرها".

ولا يختلف وضع قطاع الصحة في القدس المحتلة عن سابقه، إذ "يواجه تحديات وصول الفلسطينيين للخدمات الصحية سواء للفلسطينيين القاطنين خلف الجدار، أو للسكان المقدسيين خارج حدود ما يسمى ببلدية الاحتلال".

وتنتقل سياسة الاحتلال "بين إعاقة حركة المرضى ومركبات الإسعاف، وتنقل الأطباء والممرضين والعاملين في المرافق الصحية، الذين لا يستطيعون بلوغ المرافق الصحية إلا بعد نيل تصاريح خاصة من السلطات الإسرائيلية، يكون فيها الرفض غالباً في معظم الحالات".

وقد أدت "سياسة الاحتلال إلى تقديم الحد الأدنى من الخدمات الصحية للمقدسيين على صعيد البنية التحتية وصحة البيئة وخدمات الطب الوقائي والصحة النفسية، وتراجع نسبة الخدمات في المستشفيات المقدسية من 69% إلى أقل من20%، ما أدى إلى عجز مالي كبير يشكل خطراً حقيقياً على صمود المؤسسات الطبية".

بينما تفرض سلطات الاحتلال قيوداً صارمة على البناء، تتمثل في "السماح للفلسطينيين بالبناء على مساحة 13% فقط ضمن حدود ما يسمى بلدية الاحتلال في القدس، شريطة نيل موافقة مسبقة، أما الجزء المتبقي، والمقدر بنحو 87%، فقد تم تخصيصه لأغراض الاستيطان أو كمناطق أمنية أو ما يسمى "بمناطق خضراء".

و"تخصص بلدية الاحتلال حوالي 5% فقط من ميزانيتها لشرقي القدس، في ظل عدم ربط 50-60% من مساكنها الفلسطينية بشبكة الصرف الصحي، مقابل حاجة زهاء 50% من شبكة المياه تقريباً للتأهيل، فضلاً عن ضعف قطاع الخدمات العامة".

وأوضح تقرير صادر عن دائرة القدس بأن "ارتفاع تكاليف السكن وتعقيد نيل رخص البناء وإجراءات هدم المنازل، يجعل المدينة المقدسة بحاجة إلى حوالي 20 ألف وحدة سكنية لسد العجز المتراكم خلال السنوات السابقة".

بيدّ أنه "مع ندرة الأرض الناجمة عن المصادرة المتوالية وتفتيت الملكية وشبح "حارس أملاك الغائبين" وسرقة الأراضي من قبل الاحتلال، فقد دفع المقدسيين إلى بناء منازلهم بدون ترخيص، فتكون النتيجة الهدم ودفع الغرامات الباهظة".

ويأتي ذلك "على الرغم من سياسة الاحتلال التي لا تسمح بإصدار أكثر من 200 رخصة سنوياً، مقابل زيادة سكانية طبيعية تحتاج إلى منح تراخيص لنحو 1500 منزل سنوياً".

التهجير "القسرّي"

ينفذ الاحتلال سياسة "التهجير" عبر إجراءات هدم المنازل وسحب الهويات وفرض القيود على رخص البناء، المصحوبة بالتبعية الاقتصادية الإسرائيلية وضرب الحركة التجارية للقدس وعزلها عن محيطها.

فقد قُدّر عدد المنازل المهدمة منذ عدوان 1967، وفق معطيات دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير، "بنحو 3 آلاف منزل مقدسي، تضاعف خلال الفترة الممتدة منذ العام 2000 بهدم 1120 منزلاً، فيما يوجد الآن 15 ألف منزل مهدد بالهدم، بما يرافقه من تشريد مواطنيها ودفعهم للرحيل عن مدينتهم".

ولا تكتفي سلطات الاحتلال بما سبق بل تفرض قيوداً صارمة على البناء، إذ تسمح للفلسطينيين بالبناء على ما مساحته 13% فقط في حدود ما يسمى بلدية الاحتلال، شريطة نيل الموافقة المسبقة، أما الجزء المتبقي، المقدر بنحو87%، فقد تم تخصيصه لأغراض المستوطنات أو كمناطق أمنية أو مناطق خضراء.

وفي ظل ما تخصصه بلدية الاحتلال من ميزانية للقدس لا تتعدى 5% فقط، فإن حوالي 60% من المساكن الفلسطينية غير مربوطة بشبكة الصرف الصحي، بينما تحتاج 50% من شبكة المياه تقريباً للتأهيل، فضلاً عن ما يعتري قطاع الخدمات العامة للمدينة الكثير من النقص.

ويشكل سحب الهويات معطى آخر لسياسة التهجير، حيث فقد نحو 87 ألف مواطن حق الإقامة في القدس مند العام 1967 حتى العام 2010.

ويقبع أهالي القدس المحتلة تحت وطأة 17 ضريبة. وتعتبر ضريبة "الأرنونا" من أعلاها، حيث تفرض دفع 30 دولاراً للمتر المربع الواحد بالنسبة للمنزل، و80 دولاراً للمتر المربع الواحد بالنسبة للمتاجر، تخضع للتضاعف إذا لم يتمكن المقدسي من دفعها، ما أوجد وضعاً صعباً قد يدفع بصاحب العقار أو المحال إلى إغلاقه لعدم تمكنه من دفع المبلغ، بوصفها إحدى طرق التهجير القسري.

وقد أدى ذلك إلى هبوط مساهمة القدس في الاقتصاد الفلسطيني من 15% تقريباً خلال زمن ما قبل الاحتلال إلى أقل من 8% حالياً.

قانون أملاك الغائبين

تم سنّ قانون أملاك الغائبين في العام 1950، في عهد ديفيد بن غوريون، بهدف الاستيلاء والسيطرة على أملاك الفلسطينيين "الغائبين"، أي الذين هجّروا من بلادهم في نكبة 1948 ولجأوا إلى دول اعتبرها القانون الإسرائيلي بلاد "عدو"، وهي مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق واليمن والسعودية. وصودرت بموجب هذا القانون أملاك الفلسطينيين في القدس الغربية وفي بقية المدن والقرى التي هجر أهلها.

واتبعت سلطات الاحتلال منذ احتلالها مدينة القدس إلى وقتنا الحاضر إجراءات عديدة لتضييق الخناق على الفلسطينيين لإجبارهم على ترك المدينة، سواء أكانت هذه الإجراءات قمعية تعسفية، أو مصادرات للأراضي، أو غير ذلك. وذلك من خلال زيادة أعداد المستوطنين اليهود في القدس والذي ترتب عليه واقعاً جديداً وهو مصادرة الأراضي العربية وانتزاع ملكيتها من أصحابها. وتهجير السكان العرب أصحاب الأرض وتفريغ المدينة من مالكيها وذلك من أجل توطين اليهود بدلاً منهم. وهدم بعض الأحياء العربية من المدينة مثل حي المغاربة وإخلائه من السكان. وإجلاء قسم كبير من سكان حي الشرف. وعزل القدس العربية عن غيرها من باقي مناطق الضفة الغربية بتجمعات يهودية كبيرة.

أبرز المشاكل الاجتماعية في البلدة القديمة

إن من أهم المشاكل الاجتماعية السائدة والبارزة في مجتمع البلدة القديمة بحسب بحث أعده سامي خضر ونجوى رزق بعنوان "الأوضاع الاجتماعية في البلدة القديمة"، هي:

- مشكلة تفشّي المخدرات بشكل متزايد وخاصة بين صفوف الشباب والرجال.

- التفكك الأسري نتيجة لعوامل عدة يقف على رأسها تأثير الوضع الاقتصادي أو موت أو اعتقال رب الأسرة أو انحرافه مما يدفع الأسرة إلى التفكك الاجتماعي.

- ضعف الترابط الاجتماعي بين السكان بشكل عام وبين حارة وأخرى أو جار وآخر.

- عمالة الأطفال وانتشارها (10-15 سنة) مما يدفع الكثير منهم إلى ترك المدرسة نهائيا.

- التسرب من المدارس وخاصة في المرحلة الثانوية.

- انتشار ظاهرة الزواج المبكر حيث أن 43% من النساء قد تزوجن في سن مبكرة (أقل من 16 سنة) فيما تصل نسبة الزواج في سن 17-18 سنة إلى 26%. وبمعنى آخر فإن 69% من النساء المتزوجات كن قد تزوجن وهنّ دون الثامنة عشرة من العمر. ولذلك آثار اجتماعية وصحية ونفسية عميقة لدى النساء بشكل خاص.

- الضغوط النفسية والاجتماعية التي تتعرض لها فتيات البلدة القديمة وتأثيرها على صحتهن بشكل عام إضافة إلى كثرة الحمل (44% من النساء المتزوجات حملن 7 مرات فأكثر، و54% من النساء المتزوجات أسقطن مرة أو أكثر عند الحمل. و28% من النساء المتزوجات أنجبن 8 أطفال أو أكثر ماتوا بعد الولادة مباشرة).

- الهجرة من البلدة القديمة وخاصة العائلات المقتدرة مالياً، وكذلك الأزواج الشابة.

- ظاهرة الاغتراب وخصوصاً بين صفوف المثقفين والكوادر السياسية التي كانت نشطة في المراحل السابقة، وفقدان الثقة بقدرة القوى السياسية والمؤسسات الرسمية الفلسطينية والعربية على مواجهة الواقع وتغييره نحو الأفضل.

- المشاكل التي تبرز بين المالك والمستأجر على خلفية إصرار الأول على إخراج الثاني والسكن مكانه بسبب سياسة إسرائيل الرامية إلى سحب هويات مَن لا يثبت أن مركز حياته هو القدس. هذا علاوة على جشع معظم المالكين وإصرارهم المستمر على رفع الأجور بما لا يتلاءم ومعدلات الدخل الموجودة.

وخلاصة الأمر يتضح من خلال مقولة بن غوريون الأب المؤسس لـ "إسرائيل"، وفيه يقول "لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل" وهو قول عبّرت عنه نزعة التدمير اليهودية عندما طلب غورن كبير حاخامات "إسرائيل" من الجنرال نركيس قائد المنطقة الوسطى عند احتلال القدس عام 1967 تدمير المسجد الأقصى. وهذا ما يسعون إليه في واقع الأمر.. 

اعلى الصفحة