في الذكرى الــ"26" لرحيل الإمام الخميني
القضية الفلسطينية.. قضية المسلمين الأولى

السنة الثالثة عشر ـ العدد 151 ـ (شهر رمضان 1435 هـ) تموز ـ 2014 م)

بقلم: معين عبد الحكيم*

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

(لقد قيل الكثير حول إمامنا العزيز، لكنني اعتقد أنه من المبكر الآن أن نعرف نحن ويعرف المحللون العالميون إمامنا الجليل الفذ بشكل دقيق وكامل، فهو شخصية عظيمة يندر وجود مثيل لها بعد الأنبياء والأولياء كثيراً، إذ تظهر مثل هذه الشخصيات في مراحل معينة من التاريخ فتقوم بإنجاز أعمال كبرى ومنجزات ضخمة،وتضيء في السماء كالبرق فيمتد نورها إلى كل مكان في الفضاء ثم تمضي، لقد قام إمامنا الجليل الفذ بأعمال كبرى تتناسب ضخامتها مع عظمة  الإمام نفسه)). هكذا قال الإمام القائد السيد علي الخامنئي عن  الإمام الخميني.

إن هذا الكلام في وصف  الإمام الخميني عندما ينطلق من أي إنسان، فهو ليس كما يقال على لسان السيد الخامنئي ليس لأنه رجل الثورة الإسلامية الثاني بعد  الإمام (قدس)، ولا لأنه، أكثر الثوريين استيعاباً لمنهج  الإمام الخميني الثوري فحسب ,بل لأنه أيضا رفيق  الإمام (قدس) في مسيرته الثورية قبل وبعد الانتصار، وكلمة السر التي كان يقولها  الإمام (قدس) في كل موقع ثوري ولجنة ثورية قبل وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ولأنه الرجل الذي رشحته إيران برمتها ليحتل الموقع الأول في الدولة بعد رحيل  الإمام (رضوان الله عليه).

إذا كان آية الله السيد علي الخامنئي يقول: إن معرفة الإمام هي أمر مبكر، فكيف الحال لأي إنسان أو محلل أو كاتب أو دارس يحاول أن يسلط الضوء على هذا العملاق الراحل والتارك وراءه عالماً أسيراً لما أسسه ووضعه من قوانين جديدة للصراع الدولي، ما زالت بعد تتمخض عن نتائج في الوقت الحاضر، ومن ثم صراع القوى المفتوح الذي ما زال يعبر عن نفسه يومياً وبدون انقطاع وبشكل تصاعدي في شتى أرجاء العالم الإسلامي. وبالتأكيد، إن صعوبة المهمة الاستقرائية لحياة الإمام (قدس) ودوره السياسي وآثاره التي شملت مختلف جوانب الحياة لا تعني إلا أن نتعامل مع ملف  الإمام كملف مفتوح للدرس والبحث والتأمل فهو رجل لعدد كبير من المهام وبعدد كبير من المراحل الماضية والقادمة.

وفي عصرنا الحالي، لم يحظ، إلى اليوم، قائد مسلم، من الدارسين، بمثل ما حظي به الإمام الخميني. فانصبت على دراسة أعماله جهود الباحثين، من معظم النواحي الفلسفية والنظرية المعروفة وحتى الأدبية من حيث شعره وقوة اللغة التي امتلكها.

أما الإمام الخميني القائد السياسي، فإن الحديث عن خطه السياسي يحتاج إلى جهد موسوعي وذلك لاحتواء كل كلمة وكل وصية وكل خطاب وكل رسالة على جوانب فكرية غنية شملت مختلف جوانب العمل السياسي.

الوقوف مع المظلومين

إن الحديث عن القضية الفلسطينية أشبع آذان أبناء الأمة بل أملها. فكثيرون هم المتحدثون عن فلسطين وقضيتها, ومعظمهم من تجار الكلمة وتجار الشعوب وسماسرة السياسة الذين اتخذوا من فلسطين والشعب الفلسطيني وسيلة أخرى لمزايداتهم  السياسية أو حلبة للإعلان عن بطولاتهم الكاذبة المزورة. وقليلون هم الذين عملوا لهذه القضية, وتحدثوا عنها بدون لف وتزوير.

وحده, الإمام الخميني, مفجر الثورة الإسلامية ومؤسس جمهوريتها, وضع هذه المسألة في رأس قائمة اهتماماته الإسلامية, باعتبارها القضية المركزية الأولى في عالمنا الإسلامي, كما إنها تجسد من جانب آخر مأساة المسلمين بذلهم وهوانهم وسيطرة العملاء على شؤونهم, وتقاعسهم. لا مجال هنا للحديث عن المواقف العملية والإعلامية التي اتخذها الإمام تجاه القضية الفلسطينية ولكننا سنكتفي بعرض بعض الأقوال والمواقف التي صدرت عنه بهذا الشأن: ذات مرة قال الطاهر الإنسان آية الله الخميني (قدس): "إننا نقف مع المظلومين, نحن مع كل مظلوم وفي أي بقعة من بقاع العالم... وبما أن الفلسطينيين قد ظلموا من قبل إسرائيل, فإننا نقف معهم نساندهم.. إننا سوف نطرد إسرائيل".

من هذا القول يتبين لنا أن قضية فلسطين تحتل موقعاً متقدماً في مبادئ الإمام واهتماماته.. وتبشرنا بالتالي بأملٍ واعد ما زلنا نعيش لنحياه يوماً.. وكلنا ثقة بأن الأمل سيصير ذات يوم حقيقة لا تعرف التبديل لأن من يساندنا ويبشرنا بالعودة وبيوم الخلاص.. سيطرد من بلادنا الإسرائيليين وبعزيمة أهلنا وكل المحبين لخير الإنسان, وسيطرد الصهاينة الذين ما زالوا يشردون أطفالنا ويطمعون في التوسع لتمتد مخالبهم إلى كل الأصقاع.. ووحده الإمام الخميني رجل فولاذي عنده من القوة.. ومن الانتصارات والنفوذ ما يؤهله لفعل ذلك وتحقيق الأمل. إذ يعتبر مصلحاً رحمانياً تخافه كل الأيادي القذرة المخربة الاستعمارية. وإنه ما دام الإمام (رضوان الله عليه) قد قطع على نفسه هذا الوعد.. فإن الجمهورية الإسلامية التي أسسها, والقيادة الثورية التي علمها ستفي بهذا الوعد يوماً.. وها هي اليوم طهران حاضرة في كل مكان على الساحة الدولية, وسياستها محط أنظار الملايين.. وتحتل مركز الاهتمام في العالم.

.. ويبقى الآن أن نمر مروراً سريعاً لنرى معاً حقيقة القول المذكور. وسنعتبر ذلك إشارة أو لفتة صغيرة لأننا في الحقيقة لو أردنا أن نتمعن في حقيقة هذا القول يلزمنا وقتاً طويلاً, ستعجز من أن تحتضنه السطور, سيلزمنا أن نعد في هذا الخصوص كتباً.. فمعنى القول كبير.. وكبير..

منذ مطلع الستينات من هذا القرن, بدا الطاهر الإنسان آية الله الخميني يخوض كفاحه الطويل ضد الإمبريالية الصهيونية في داخل حدود إيران المسلمة وخارجها.. وقضية فلسطين العربية المسلمة قضية الإسلام المركزية, ظلت وعلى مدى السنين الطويلة في سلم أولوياته.. ويتبين لنا هذا الكفاح عندما قالت السنون قولها..

وفي مطلع العام 1962م بالذات قال الإمام في خطاب له مع جمعيات الأقاليم والمدن: (سوف لن يمر وقت طويل لهذا السكوت القاتل الذي يلف المسلمين إلا ويكون الصهاينة قد سيطروا على كامل اقتصاد هذا البلد, بعد أن يضمنوا دعم عملائهم لهم, وبالتالي جر الشعب المسلم, بكل شؤونه نحو السقوط).

من هذا النص نرى كيف أن الإمام كان ينظر إلى ذلك الكيان نظرة الشك والريبة في وجوده في قلب المنطقة الإسلامية, وان وجوده ليس من أجل حق تاريخي يريد الحصول عليه في أرض فلسطين.. بل هو وجود تبعي للحفاظ على مصالح أسياده الذين أسسوه ودعموا كيانه.

فإدراك الإمام لخطر ذلك الكيان ليس وليد المصادفة أو المناسبة الخاصة, بل هو إدراك ناتج عن فهم حقيقة الصراع الذي كانت تعيشه الأمة, وما تزال في كل مناطق تواجدها في مواجهة القوى الاستكبارية, وعلى رأسها الدول الداعمة لوجود "إسرائيل". وأن وظيفة ذلك الكيان هي التغلغل الخبيث في مناطقنا وبلادنا من خلال الأنظمة الرجعية والعملية المرتبطة بعجلة الاستعمار لمراقبة حركة الشعوب وسيرها حتى لا تقوم بالانتفاضات والثورات لامتلاك زمام أمورها, ولتبقى مقدرات الأمة كلها بيد تلك الأنظمة التي تمثل مصالح القوى الكبرى خير تمثيل, لأنها تحمي عمليات النهب الاستعماري من خلال الإرهاب الذي تمارسه ضد شعوبها وبلدانها خدمة للمستكبرين في الأرض.

فنرى الإمام يحذر من ذلك التغلغل الذي تقوم به "إسرائيل" في الدول الإسلامية. وبخاصة على مستوى قوة إسلامية كبيرة كإيران وتركيا, حيث أقامت مع كل منها علاقات (دبلوماسية). بل تمادت أكثر على مستوى إيران, وأقامت علاقات على كل المستويات الاقتصادية والتجارية والثقافية, وعلى مستوى أجهزة المخابرات كالتعاون بين " الموساد الإسرائيلي" و"السافاك الإيراني", كل ذلك للتخطيط والعمل ضد كل حركة وانتفاضة تريد أن تعيد الأمور إلى التوجه الصحيح والسليم, ولإثارة الخلافات والنعرات بين الدول والشعوب الإسلامية, تمريراً للمخطط الجهنمي الذي يريد أن يجعل من إسرائيل كيانا مقبولاً في المحيط.. وتقام معه العلاقات على حساب مأساة الشعب الفلسطيني المسلم, الذي طرد من أرضه وشرد في أقطار الأرض. وفي كل الاتجاهات.

وفي عام 1963م وقف الإمام يندد بالأعمال الشيطانية لإسرائيل, ويربطها بأسلوب ذكي محنك بأعمال الشاه حاكم إيران آنذاك. وما إن بدأت أقواله تشق طريقها إلى الجماهير وتحرضهم على الوقوف ضد الظلم, والتسلط.. حتى أثارت هذه الأقوال بمختلفها غضب الشاه حاكم إيران. ما دفعه إلى أن يرسل تحرياته إلى الإمام وتلامذته طالباً عدم الربط بينه وبين إسرائيل ومحذراً من الهجوم على إسرائيل... وكان الإمام قد أصر على موقفه هذا ولم يتراجع أبداً.. وفي المدرسة الفيضية بمدينة قم.. إحدى المدارس التاريخية الكبرى في إيران لتحصيل العلوم الإسلامية.. في هذه القلعة الحصينة للحوزة العلمية وقف يقول: "اليوم أطلعوني بأنهم اعتقلوا بعض الخطباء وقادوهم إلى مراكز الأمن وقالوا لهم: ثلاثة أمور لا دخل لكم بها وما شئتم فتحدثوا, لا دخل لكم بالشاه ولا تتحدثوا عنه, لا دخل لكم بإسرائيل, ولا تقولوا إن الدين في خطر. ونحن إذا وضعنا هذه المسائل الثلاث المهمة جانباً فبأي شيء نتحدث مع الناس؟, إن مآسينا إنما هي مرتبطة بهذه الأمور الثلاثة" ثم يقول:

"إن عملاء إسرائيل يقومون بأعمال تخريبية في إيران والله أعلم بما يسرون من خطط أخرى , فعندما نتطرق لهذا الأمر, يقولون لا تتحدثوا عن الشاه وإسرائيل, أترى ما العلاقة بين الشاه وإسرائيل, هل الشاه إسرائيلي؟! لعله بنظر مسئولي الأمن يهودي, وهو يدعي الإسلام ويقول: إنني مسلم على حسب الظاهر, لعل هناك سراً في ذلك!!".

وعام 1964م وصيحة الحق ما توقفت.. ليظل الإمام مصراً على موقفه.. محرضاً الجماهير وعلماء المسلمين... لمتابعة المسيرة.. وفي نداء له بمناسبة الذكرى السنوية لانتفاضة الخامس عشر من خرداد (5حزيران 1964م) يقول:

"إن علماء الإسلام مكلفون بالدفاع عن أحكام الإسلام الأصلية. وعليهم أن يعلنوا عن رفضهم وغضبهم من إبرام التحالفات مع أعداء الإسلام واستغلال خيرات البلاد الإسلامية ليعلنوا براءتهم من إسرائيل وعملائها, أعداء القرآن المجيد والإسلام والوطن.. على أية حال, إننا مستعدون, وإن برامجنا التي تعتبر تجسيداً للبرامج الإسلامية تشمل الدعوة إلى وحدة كلمة المسلمين, واتحاد الأقطار الإسلامية, والأخوة مع جميع طوائف وفرق المسلمين في شتى بقاع العالم, والتحالف المبدئي مع جميع الأقطار الإسلامية في أرجاء العالم, والوقوف معها في مواجهة الصهيونية وإسرائيل وكل الدول الاستعمارية".

ثم يقول (رضوان الله عليه) في حديث له بتاريخ 10/4/1964م: "إن إسرائيل في حالة حرب مع البلدان الإسلامية, والحكومة الإيرانية تتعامل معها بكمال الود والمحبة, وتضع تحت تصرفها جميع القنوات الدعائية والإعلامية, وتوفر لها التسهيلات اللازمة لإدخال بضاعتها إلى إيران.. إن الشعب الإيراني يرفض بشدة تلك المساومات الرخيصة التي تنجز مع إسرائيل الخبيثة والشعب الإيراني برئ من هذه الذنوب الكبيرة, إن من يقوم بذلك هي الحكومة التي لا يقبلها الشعب مطلقاً".

وبين عامي 1967- 1968 وعندما حلت بالأرض العربية هزيمة عام 1967م.. بويلاتها وأوجاعها وآلامها. هذه الهزيمة التي كشفت عجز النظام الرسمي العربي وعجز الدول العربية في ذلك الوقت عن تحطيم طموح إسرائيل في التوسع بالأرض العربية, بل وتمكنت قوات العدو الصهيوني من احتلال ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية, بالإضافة إلى احتلال أجزاء أخرى من الدول العربية المجاورة لفلسطين هي شبه جزيرة سيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية.. في هذه الأثناء لم يعد لشعب فلسطين غير (البندقية), هذه التي وقف يحملها الفدائي ليصنع  فيها قراره الصائب والصحيح .. وانطلقت المقاومة الفلسطينية لتشكل رداً عملياً وفعلياً على هزيمة 1967م. عند ذلك الوقت جاءت صيحات الإمام آية الله الخميني مؤيدة.. ثائرة.. تحث أبناء الشعوب الإسلامية على تزويد أبطال البندقية الفلسطينية بكل أنواع الدعم المادي والمعنوي, ليتمكنوا من القيام بالواجب العظيم الملقى عليهم, بل ووصل الأمر به (رضوان الله عليه) إلى حد إصدار فتاويه الشهيرة بجواز صرف قسم من الحقوق الشرعية إلى أبناء فلسطين الذين يقاتلون الكيان الصهيوني الغاصب.

وفي بيانات الإمام في هذا المجال وفي جواب له على سؤال مجموعة من مسلمي فلسطين حول وجوب تقديم الدعم والإسناد الكافي إلى مسلمي فلسطين يقول:

"لقد قلت سابقاً وأقول الآن, إن الكيان الإسرائيلي الغاصب, يشكل خطراً عظيماً أخشى أن تفوت الفرصة علينا, فيما لو سمح له المسلمون في التوسع, وعندها لا يمكننا الوقوف أمام توسعه, وبما أن احتمال الخطر أساس فلا بد لجميع المسلمين بشكل خاصة أن يبذلوا كل جهدهم من أجل استئصال غدة الفساد هذه من المنطقة, وأن لا يتوانوا في تقديم المعونات إلى المدافعين عن فلسطين, وليبذلوا ما في وسعهم لدعم هذا الأمر الحيوي, فضلاً عن صرف حقوق الزكاة, وباقي الصدقات في هذا المجال.. أدعو الله سبحانه وتعالى أن يعين المسلمين, ويمن عليهم بدوام اليقظة والحذر, وأن ينقذ بلاد المسلمين من شر أعداء الإسلام".

وبين عامي 1971-1972م تتكرر فتوى الإمام مرة أخرى عام 1971, فيقول: "من الراجح, بل الواجب تخصيص قسم من الحقوق الشرعية من الزكاة وحق الإمام, بما فيه الكفاية, للمجاهدين في سبيل الله, المرابطين في خطوط الشرف والمجد للقضاء على الصهيونية الكافرة اللاإنسانية واستعادة المجد الإسلامي الجريح وتعزيز التاريخ الإسلامي المشرق, وعلى كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبذل كل جهوده في هذا السبيل".

وتعلو الصيحة لتبني الطريق الصحيح.. لاستعادة الحق ونصرة الدين.. ومن بيان الإمام حول مساندة الشعب الفلسطيني.. بتاريخ 3 رمضان (1392هـ). الموافق للعام 1972م. يقول:

"إن الطريق الوحيد لإرجاع العظمة والجلال والعز المفقود للإسلام والمسلمين هو إحساس المسلمين الجدي, بمسؤولية الحراسة والذود عن الإسلام والحفاظ على وحدة الأخوة الدينية. وإن الوسيلة الوحيدة, التي تضمن تحقيق استقلال الأراضي الإسلامية المغتصبة والتخلص من جميع أشكال النفوذ الاستعماري هي الإحساس الحقيقي بمسؤولية التضحية والإيثار من أجل التعويض عن ما فقده المسلمون من قبل بسبب اختلافهم وتشتتهم وتفرقهم, والذين لازالوا- للأسف الشديد- يفقدون ما بقي عندهم.."

ثم يحدد بعد ذلك طبيعة المسؤولية الملقاة على عاتق الدول الإسلامية في هذا المجال قائلاً: "إن المسؤولية التي تتحملها الأقطار الإسلامية في هذه الأيام, فيما يخص العمل بقوانين الإسلام, أو تخلصهم من الأسر والذل المهيمن للاستعمار, والسعي الحثيث لخدمة الأمة الإسلامية تتميز بأنها أثقل وأشد مما كانت عليه في العهود التي خلت.. لقد امتدت مخالب الاستعمار طويلاً في هذه الأيام لتصل إلى أعماق البلاد الإسلامية, وعباً الاستعمار فيها جميع قواته وإمكانياته بهدف بث التفرقة والتشتيت بين صفوف المسلمين من جهة, أو بين رؤساء الدول الإسلامية من جهة أخرى".

وفي عام 1973م وعندما نشبت حرب تشرين عام 1973م أصدر الإمام الخميني أكثر من بيان دعا فيه الدول التي تحارب إسرائيل أن تكون جدية وقوية الإرادة في هذه المعركة المقدسة, وأن تصمد وتقاوم, وأن لا تغفل عن التوجيه الإلهي, كما دعا الشعب الإيراني إلى أن يساعد إخوته بكل الطرق الممكنة لتحرير فلسطين والقضاء على الصهيونية... وقد استهل بيانه الأول الذي أصدره بعد بداية المعركة بأيام قليلة بالآية القرآنية: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾(البقرة: من الآية 191). وفي نداء الإمام إلى الشعب الإيراني بعد بداية الحرب بأيام يقول: "... وأدعو كافة دعاة التحرر في العالم أن يضموا أصواتهم إلى أصوات الشعوب الإسلامية, استنكاراً للاعتداءات الإسرائيلية اللاإنسانية وإدانتها". ثم يقول مخاطباً الدول التي تحارب الكيان الصهيوني: "يتوجب على الدول التي تحارب إسرائيل الآن, أن تلتزم بالجدية في هذا الصراع الإسلامي المقدس, وأن تقوي إدارتها, وتستقيم وتصمد في نهجها, وأن لا تغفل عن التواصي بالحق والتواصي بالصبر الذي يعتبر من الأوامر الإلهية للمسلمين..".

وفي عام 1977: وعندما كانت الخطوة الصاعقة والمفاجئة التي قام بها الرئيس المصري (أنور السادات) عام 1977م, لتكون بداية التنفيذ العملي لمشروع إضفاء الشرعية العربية على الكيان الصهيوني, بعد أن عملت الأنظمة طويلاً من خلال الصخب والضجيج الإعلامي بأن إسرائيل دولة لا تقهر, ولا تملك الدول التي تقاتلها الأسلحة التي تستطيع أن تواجه بها الكيان, وكادت شعوب المنطقة أن تقتنع فعلاً بذلك ما عدا الفئة القليلة التي لا تستطيع أن تعير الموازين القائمة لصالح المقولة التي تتبنى إسرائيل.. وعلى أثر التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد قال الإمام:

"إن اتفاقية كامب ديفيد, تعتبر مؤامرات تهدف إلى إضفاء الشرعية على الاعتداءات الإسرائيلية, وهي في النتيجة, غيرت الظروف والأجواء السائدة في المنطقة لصالح إسرائيل, وسببت الأضرار للعرب والفلسطينيين, وإن هذه الحالة السائدة سوف لا تقبل من قبل الشعوب المنطقة".

ثم يحدد موقفه الرافض لهذه الاتفاقية قائلاً: "..إن الشعب المسلم في إيران, وجميع المسلمين والأحرار في العالم لا يعترفون مطلقاً بإسرائيل, وإننا سنبقى دوماً, نحمي وندافع عن الأخوة الفلسطينيين والعرب".

وهكذا كانت معاهدة (كامب ديفيد) أول معاهدة صلح تعقد بين العرب وإسرائيل لتكون حسب ما هو مخطط لها - بداية النهاية لصراع استمر أياماً وسنين طويلة. لم نجن من خلالها إلا الخسارة وتقوية إسرائيل أكثر من السابق, ليتحقق بذلك ما يريده الاستعمار وهو أن يكون ذلك الكيان هو الذراع الطويلة التي تخدم مصالح الإمبريالية العالمية في المنطقة. وهكذا كانت المأساة. ولكن وعلى الرغم من التوقيع الرسمي الذي تم من قبل الحكومة المصرية وحكومة العدو الصهيوني على هذه الاتفاقية, فإن الشعب المصري قد رفض التعامل مع أي بند من بنودها, ورفض التطبيع مع هذه الغدة السرطانية, ولا زال يقاومها بالأشكال المتاحة له.  

ومع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني في مطلع عام 1978م, لم ينس الإمام أن يتابع ما يدور في فلسطين ولبنان, وأن يصدر النداءات المؤيدة للشعبين اللبناني والفلسطيني, وأن يدعو إلى نجدة لبنان وإنقاذ فلسطين كما كان يؤكد في كل فرصة, وفي غالب أحاديثه مع وسائل الإعلام (وكالة أنباء الشرق الأوسط 1978): "إن من أسباب ثورة الشعب في إيران ضد الشاه هو حمايته اللامحدودة لإسرائيل وتأمينه لاحتياجاتها النفطية, ولأنه جعل إيران سوقاً للبضائع الإسرائيلية, إضافة إلى دعم الشاه المعنوي لإسرائيل مع أنه يتظاهر بإدانتها كي يخدع العالم"..

وعندما وصل الإمام الخميني إلى مطار طهران في 1/2/1979 حاملاً بشائر النصر النهائي, لم ينس وهو في المطار الإشارة إلى ارتباط النظام السابق بإسرائيل فقال: "وإذا استمر باختيار في وضع الجيش في مواجهة الشعب وبدعم من أمريكا وبريطانيا وقوات جيء بها من إسرائيل- كما فعل أسياده من قبل- عندها سنعرف كيف نواجهه ونقرر مصيره".

وفي طهران استقبل قادة منظمة التحرير الفلسطينية في الأيام التي تلت الانتصار كما لم يستقبلوا في أي مكان من العالم, واستقبل الإمام الخميني رئيس منظمة التحرير الفلسطينية في وسط أجواء احتفال مهيب, وذلك بعد عدة أيام من انتصار الثورة وكان رئيس منظمة التحرير قد اتصل بصادق قطب زاده (وزير الخارجية الأسبق) متمنياً الحضور إلى طهران, فاعتذر قطب زادة أن الوقت غير ملائم الآن. وعندما اتصل رئيس المنظمة بالشيخ محمد منتظري(الابن) قال له الأخير: أحضر حالاً.. نحن في انتظارك.. ولما حضر.. والتقى به الإمام في 19/2/1979م.. قال الإمام: "إننا ومنذ خمسة عشر عاماً, كنا قد قلنا كلمتنا حول فلسطين, وحذرنا بهذا الشأن أن وجهة نظرنا تلك بصدد قضية فلسطين, لا زالت على قوتها السابقة وسوف نولي هذه المسألة (وجود إسرائيل) أهمية أكثر في المستقبل, وبعد أن نرمم الخرائب التي ورثناها في بلدنا في عهد الشاه).

ومن خطاب ألقاه الإمام في إنذار 1979م مع القادة الفلسطينيين يقول: "نحن كافحنا القوى العظمى بقدرتنا الإيمانية, وقطعنا أيديهم عن بلادنا, وإذا كنتم تريدون التخلص من مشاكلكم أو أردتم تحرير بيت المقدس وفلسطين, وإذا كنتم تريدون إنقاذ مصر, وسائر الدول العربية, عليكم أن تحرضوا الشعوب للنهوض, يجب على الشعوب أن لا تكتفي بالجلوس, وأن لا تعتمد على حكوماتها, لأن هذه الحكومات لا تعمل إلا بما يتوافق مع مصالحها الخاصة.. يجب أن تعرف الشعوب, أن رمز الانتصار هو طلب الشهادة, وأن يتيقنوا بأن لا قيمة لهذه الحياة الدنيوية, الهادمة والحيوانية التي يعيشونها!!".

*- ومن القضايا والرموز الكبرى التي أعلن لها الإمام الخميني يوماً خاصاً للإحياء وتجديد العهد والعمل وفق ما يقتضيه الحدث أو القضية القدس حيث أعلن الإمام يوماً عالمياً لها, وذلك في يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك من كل عام. إن الملفت في هذا الإعلان هو:

1- أن الإعلان جاء بعد ستة أشهر من العودة التاريخية المظفرة للإمام الخميني من باريس إلى طهران , وبعد أربعة أشهر من قيام الجمهورية الإسلامية, أي في تموز من العام 1979م ما يؤكد على مدى حضور هذه القضية وعلى حيز الأولوية الذي شغلته في فكر الإمام.

2- إن اليوم, لم يكن يوماً خاصاً بالمسلمين, بل أراده الإمام يوماً عالمياً, ولعل في ذلك إشارة إلى إعطائه (رضوان الله عليه) للقضية بعدها العالمي, كنموذج للصراع بين الحق والباطل, وهذا ما عبر عنه والذي اتضح من دلالات يوم القدس.

3 إن إعلان اليوم حصل في شهر رمضان, وهو شهر الوحدة بين المسلمين, الذين يلبي أكثرهم نداء الحق ويحلوا في الرحمن متوجهين نحوه بالدعاء والابتهال, موطنين أنفسهم على القيام بالواجب وترك المحرمات, وعلى القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وهل هناك في حياة الأمة وواقعها اليوم منكراً أخطر وأسوأ من الاحتلال الصهيوني للمدينة المقدسة.

4 دلالة ورمزية يوم الجمعة الذي هو عيد للمسلمين جميعاً, يتوجهون فيه إلى بيوت الله تعالى لإقامة صلاة الجماعة وأداء ذلك بحالة من الخشوع والتقرب إلى الله, وفي حالة من الوحدة والألفة بين المسلمين والمؤمنين.

5 رمزية اليوم مع التوقيت (الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك), حيث هذه الأيام الأخيرة وخصوصاً الجمعات منها لها خصوصيات عبادية هامة, فهي التي تختصر خيرات الشهر, وفي إحدى لياليها تستتر ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

جاء إعلان يوم القدس العالمي.. وأعلن الإمام الطاهر مفجر الثورة الإسلامية عن تحديد يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان من كل عام هجري يوماً للقدس, وذلك لإعادة الاعتبار للقضية التي كانت تقترب من نهايتها المأساوية على أيدي الأنظمة التابعة التي لا حول لها ولا قوة.. ومن أجل إعطاء  القضية المركزية للأمة حجمها الطبيعي من الاهتمام والرعاية, ولكي يتركز هذا الأمر ويترسخ في أذهان المسلمين ووجدانهم بأن القدس هي قدس كل الأمة, وليست قدس الشعب الفلسطيني فقط أو العرب لا غير, وبالتالي فإن كل المسلمين مطالبون بالعمل من اجل التحرير بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة أمام تلك المئات في كافة أرجاء العالم الإسلامي الواسع.

باحث في القضايا الإقليمية(*) 

اعلى الصفحة