واقعنا الإسلامي: وحدة الأمة تكون بوحدة القيادة..

السنة الثالثة عشر ـ العدد 151 ـ (شهر رمضان 1435 هـ) تموز ـ 2014 م)

بقلم: الشيخ حسان عبد الله

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

حين تدلهم الخطوب بالمسلمين وتدور عليهم الدوائر، وتفرق الأهواء شملهم، ما الموقف المطلوب؟ قد يرى البعض أن الدعوة للوحدة الإسلامية في هذه الظروف ـ بلحاظ ما يجري في بلدان المسلمين المتعددة ـ لا جدوى منه.

ولكن ما هو الموقف الإسلامي والإنساني المطلوب لمنع التشظي والاختلاف؟ وكيف تبرأ الذمم عندما يقف المسلم أمام ربه ويواجه بالآية الكريمة: ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾.

ما مسؤوليتنا إزاء هذا الوضع؟ هل يرضى الله الذي يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. من الذي يصنع الموقف ويعيد مسار التاريخ إلى مجراه الصحيح عندما ينحرف؟.

إطلالة على الواقع الإسلامي

انطلاقاً من هذا الواقع الذي يجعلنا نقف جميعاً أمام مسؤولياتنا كان لا بد لنا من أن نطلَّ على واقعنا الإسلامي من خلال المحور الذي تم طرحه في المؤتمر السابع لمنتدى الوحدة الإسلامية بلندن تحت عنوان ((إطلالة على الواقع الإسلامي))..

بدايةً لا بد لنا حين نريد الاطلاع على هذا الواقع من وضع محددات له فهو ينقسم برأيي إلى:

1- الأحزاب الإسلامية.

2- الأمة بكل تنوعاتها.

3- القادة والحكام.

4- أعداء الأمة.

ومن ناحية أخرى لا بد من تحديد أسباب النجاح ومقوماته وأسباب الفشل ودوافعه.

1- الأحزاب الإسلامية

في الحقيقة إن الأحزاب الإسلامية وهي تتعامل مع الواقع نجح بعضها وفشل البعض الآخر ولعل السبب الحقيقي للنجاح أو الفشل هو في الهدف الذي اختارته هذه الأحزاب والأولويات التي وضعتها والطريقة التي اعتمدتها في الوصول إلى الهدف ضمن العناوين الآتية:

أ‌- السلطة.

ب‌- الدعوة.

ج‌- التحرير ومقاومة العدو.

د‌- الوعي.

هـ - المشاركة وعدم الاستئثار.

و‌- وحدة القيادة.

أنا هنا لا أنصب نفسي حاكماً ولكن أحاول أن أوصف الواقع كما هو انطلاقاً من معاينة وخبرة وليس من نقل وتقليد، ولا أدعي الصواب في كل ما أقول إنما هي مساهمة أرجو أن تكون معينة للعاملين على مختلف انتمائهم.

أ- السلطة: لا شك في أن السلطة هي سبيل الوصول إلى مقاصد الشريعة السامية في إقامة الدين ونظام العدل الإلهي غير أن هذه السلطة هي ليست لغلبة فئة على أخرى بقدر ما هي سعي لجمع كل الجهود في إطار تأمين العدالة الاجتماعية للمجتمع. ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج/41).

إن الهدف هو إقامة الصلاة بما هي علاقة الإنسان بربه وإيتاء الزكاة التي هي علاقة الإنسان بأخيه الإنسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعني تقويم الاعوجاج في المجتمع وصونه من الانحراف ومحاربة الفساد فيه. ولكن مع ذلك لا يجوز التوصل للسلطة من خلال الظلم ولا من خلال الخداع، ولا أن تكون السلطة هدفاً بحد ذاتها بل أن تكون سبباً لإقامة الدين والعدل.

ب الدعوة: بالرجوع إلى سيرة رسول الله (ص) نجد أن الرسول ابتدأ بالدعوة وأهتم بها وكانت قبل أن يستلم السلطة واستمرت بعد أن استلمها وهو في سبيل الوصول إليها لم يسعَ إلى أي مساومة على أي تفصيل من تفاصيل الدين الإسلامي، فهو لم يقبل عرض قريش عبر عمه أبو طالب (رض) بالوصول إلى السلطة مقابل ترك الدعوة وقال له: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو اهلك دونه". وعندما استقر الأمر له في المدينة أكمل الدعوة، وكان كلما خرج إلى حرب عاد بقومه إلى المدينة لاستكمال الدعوة قائلاً لهم: "عدت بكم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" معتبراً أن جهاد النفس في منعها عن الحرام وتربيتها على مفاهيم الإسلام ونشر هذه المفاهيم جهاداً اكبر.

هنا وأمام الأمر الأول والثاني فإن بعض الحركات وقعت في محذور الوصول إلى السلطة ولو على حساب الدعوة ولو أنهم ما تركوا الدعوة لصالح السلطة لكان الوضع اليوم أفضل بالنسبة إليهم.

ج- التحرير والمقاومة: مشكلتنا اليوم أن فلسطين أصبحت قضية هامشية في برامج عمل العاملين حتى أن بعض من هم في فلسطين انخرطوا في صراعات لا مصلحة لفلسطين بها بل هي مُبَعِّدة عنها ومُضَيِّعة لكثير من الإنجازات في طريق التحرير.

أيها الإخوة أريد أن أكون صريحاً، كل ما يجري في العالم الإسلامي منذ العام 2000 عام الانتصار إلى اليوم هدفه رأس المقاومة ولا أعني هنا المقاومة كحزب أو حركة معينة، بل كنهج أثبت حضوره في الساحة وجعل الكيان الغاصب يشعر بخطر حقيقي على وجوده. ألا تعرفون أن العدو الصهيوني الذي يعقد مؤتمرات عديدة أهمها مؤتمر هرتسيليا يحضره كبار المفكرين الصهاينة إضافة إلى رجال الإستخبارات المتقاعدين والعاملين، تحدث بعد العام 2000 إلى أن الكيان لم يعد قادراً على الانتشار خارج وجوده الحالي ليمتد إلى الحلم الصهيوني بين النيل والفرات، ليتحدث في المؤتمر الذي يليه عن الخوف على نفس الكيان بحدوده الحالية، ثم ليتحدث بعدها عن فقدان المناعة في الكيان وهذه المؤتمرات توصلت إلى أن الحل لهذا الخطر هو بإيقاع الفتنة بين مكونات المحيط وبالأخص الفتنة بين السنة والشيعة. ترى لماذا نساعده على تحقيق هدفه؟!!.. ولماذا أصبح تحقيق النصر على من نحن معه بنفس الأمة أولى من تحرير أمتنا من المحتل الصهيوني؟ لماذا صنفنا هذه مقاومة شيعية وتلك سنية وأعطينا للعدو الصهيوني أملاً بتحقيق ما خطط له؟.

يجب أن نعرف أن ما يخطط له العدو ليس قدراً ونحن نستطيع منع حصوله ببساطة من خلال فهم مخططه والالتزام بما حدده الله لنا، من أولويات صراعنا وهو القائل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾(المائدة/82)...

الله يقول لنا أشد الناس عداوة ونحن نعتبر اليوم أن المسلم الآخر هو الأشد عداوة، أليس هذا واقع أمتنا اليوم؟؟.

د‌- الوعي: الحقيقة أن مشكلة الجهل هي أكبر مشاكل أمتنا، فأمة أقرأ لا تقرأ، يحركها الإعلام الموَّجه، نقف مشدوهين أمام الملقن الذي يحدد لي عدوي وخطة عملي وتثار غريزتي وأحمل سلاحي أقتل أخي في الإسلام ويأمن عدوي.

اليوم يضج الإعلام بأخبار وتحليلات حول ما يحصل في العراق ويصرون على وصفه أنه تحرك سني في مقابل شيعي. وهذا في واقع الأمر كذبة كبيرة، إنه صراع بين جهلة لا يفقهون وخط المقاومة الذي يراد إسقاطه وكثير ممن انجر وراء هذا التوجه أنجر بسبب الغرائز التي حُركت والحقد الذي أثير، نعم لماذا نحن الذين ندعو للوحدة أقل تأثيراً ممن يدعو إلى الفتنة؟ والجواب واضح لأن الذي يدعو للفتنة يخاطب الغريزة وهي سريعاً ما تثار، أما نحن فنخاطب العقل الذي يجب أن نقدم له مقدمات عقلية ونثبت له المطلب بأساليب الإقناع التي قد لا تكون متاحة بسبب سطوة الغريزة على العقل ففقدان الوعي في الأمة هو ما يعبر عن واقعها اليوم والمطلوب أن نغير هذا الواقع بالدعوة إلى التدبر والتعقل فيما يحصل.

هـ - المشاركة وعدم الاستئثار: واحدة من مشاكلنا الكبرى أن من يصل إلى السلطة من حركاتنا الإسلامية يحاول الاستئثار بالحكم متناسياً من شاركه الكفاح والنضال، وهذا غير محصور في منطقة أو حزب معين بل هو كثيراً ما يحصل،  وتجربة الإخوان المسلمين في مصر خير شاهد ودليل.

وأنا اعتقد أنه لم ينجُ منها إلا حركة الإمام الخميني (قده) الذي ما إن وصل إلى السلطة حتى عين حكومة برئاسة مهدي بارزكان وحركة تحرير إيران واستفاد من كل الطاقات ومن ثم من سقطَ سقط ومن استمرّ استمر وجاهد.

واقعنا اليوم أن أحزاب الأمة الإسلامية لا تعمل للتفاهم والتعاون والتنسيق فيما بينها بل يعتريها حالة عدم اعتراف أو عدم تجاوب أو حسد أو عدم تقدير للآخر، وهذا جزء من الواقع السيئ الذي نعيشه.

و‌- وحدة القيادة: لماذا لا يكون للأمة قائد واحد؟ لماذا قُزّم الإسلام والحركات الإسلامية حتى صار لكل مجموعة أمير وأصبح أميراً للمؤمنين يفتي بالدم والأموال والأعراض؟ لماذا نرفض من هو مهيأ لقيادة العالم الإسلامي لأنه على غير مذهبنا ولا نقدم لها حاكماً آخر يكون محط إجماع؟.

وبكل صراحة أقول وحدة الأمة لا تكون إلا من خلال وحدة القيادة والقائد المتصدي اليوم هو الإمام الخامنائي (مد ظله) وهو قائد إسلامي وحدوي لا يجوز تحجيمه بإطار مذهبي أو قومي أو حتى وطني. أليس هذا واقع أمتنا؟ ترفض الراعي الصالح لأنه ليس من جماعتها.

2- الأمة بكل تنوعاتها

واقع أمتنا اليوم أنها تعاني من التفكك والضياع والغرق في جاهلية متمادية من خلال عدم فهم الإسلام على حقيقته، وهي لا تسعى إلى تغيير واقعها بسبب انجرارها وراء غرائزها، وفقدها للتوجه السليم من قادتها، وهنا لا أنسى ولا أغفل  التقصير من العلماء وابتعادهم عن مشاكل الناس وسعيهم لأمجاد شخصية على حساب دورهم في نشر الوعي في صفوف الأمة، والأخطر من ذلك أنهم يعملوا على نشر الحقد المذهبي والكراهية بدلاً من الدعوة للرحمة والألفة.

أما ربيع أمتنا العربي فهذه كذبة كبيرة أنا لا أنكر أن الأمة متحفزة وحالمة ووصلت إلى درجة اليأس من الحكام وتنتظر الفرصة للانقضاض، وهناك إحساس لدى الأمة بالذل من بقاء الكيان الصهيوني وبفقدان الكرامة لعدم القدرة على التعبير الحر والانتخابات النزيهة وللخروج من حكم العائلات المالكة فهي لديها الشعور والقابلية للثورة وكي لا ينفجر هذا الوضع في وجه المصالح الإستكبارية في منطقتنا نُفِّس بما يسمى الربيع العربي الذي نجده اليوم من خلال حرب مستمرة في ليبيا، تدمير منظم لسوريا، قمع متمادي في البحرين، وانقلابات وضياع الشعب في مصر بين الشرعية والمشروعية. إن واقع امتنا يفرض علينا نشر الوعي وتنظيم القدرات والجهود في سبيل التغيير نحو الأفضل.

3- الحكام

ماذا نقول عن حكام أمتنا أنهم في أغلبهم صنيعة الاستكبار العالمي، هم من أمَّن وجود الكيان الصهيوني، وهم المدافعون عنه، وهم من يعتقدون أن زوال كراسيهم بزوالها، وهم من حرض علينا في حرب 2006، وهم من طلب من الكيان الصهيوني المنهك تحت ضربات المقاومة الاستمرار بضربنا حتى القضاء علينا وأبدى استعداداً لاستمرار دعمه المالي في سبيل استكمال العدو الصهيوني حربه علينا. لكن هذا العدو لم يعد قادراً على الاستمرار وتراجع وجعلهم يبكون قدرهم وما حل بهم، هم الحكام الذين يعتبرون المقاومة مغامرة وهم أرباب المؤامرة. إن واقع امتنا السيئ اليوم هو نتيجة واقع هؤلاء الحكام السيئ الذي لن يتغير واقعنا إلا بزوالهم.

4- أعداء الأمة

للأسف أعداء أمتنا متحدون والحلف قائم بين الصهاينة في فلسطين والاستكبار في الولايات المتحدة والغرب.

نحن اليوم يجب أن نفهم أن هذا العدو لا يهمه إلا مصالحه ولا يخاف إلا من لغة القوة، أما تعليق آمالنا على هذا العدو ليصبح حكماً في نزاعاتنا أو نزاعنا مع الصهاينة فهذا غباء، إن لم نقل عمالة. يجب أن نكون بعيدين عنها والله يقول لنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾(المائدة/51).

اعلى الصفحة