الصراع بين النبي (ص) واليهود في المدينة
بنو قينقاع نموذجاً (1)

السنة الثالثة عشر ـ العدد 150 ـ ( شعبان 1435 هـ)حزيران ـ 2014 م)

بقلم: الدكتور علي ناصر(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

حازت سيرة خاتم الأنبياء(ص) على اهتمام العلماء والمؤرخين والباحثين والأدباء، فأدلوا بدلائهم في معينها. فهناك من كتب فيها ليحفظ التراث ويبيِّن عظمة محمد بن عبد الله(ص)، وهناك من كتب فيها لينال من شخصية الرسول الأكرم(ص) بشكل مباشر، محاولاً الاستهزاء بنبوته ورسالته من خلال إلقاء بعض الشبهات فيما يتعلق ببعض جوانب حياته المباركة، سواء على مستوى أُمّيته، أو على المستوى الاجتماعي كتعدد زوجاته، أو على المستوى السياسي والعسكري، كخوضه الحروب والغزوات وإقراره حكم سعد بن معاذ على يهود بني قريظة.

إن ادعاءات وشبهات بعض المستشرقين، ستشكل محوراً رئيسياً من محاور بحثنا العلمي فيما يتعلق بصراع الرسول مع يهود المدينة عموماً وبني قريظة خصوصاً.

إن بعض المؤرخين المستشرقين يدعي الإنصاف والموضوعية، إلا أنه من وقت إلى آخر يرمي بسهامه الخفية التي تنال من العقول والقلوب، سهام لا يراها إلاّ من يقرأ بين السطور، فهو يمرّر من خلال كتاباته أفكاراً عميقة واتهامات خطيرة تصوّر لنا الرسول(ص) على أنه رجل عبقري يسعى وراء طموحاته الشخصية وزعامته السياسية، وقائد عسكري همُّه أن يجعل من الضعف قوة ويحقق الانتصارات ويبسط نفوذه ويسيطر على شبه الجزيرة العربية. هؤلاء يرون أن النبي محمداً(ص) تفوَّق على النبي عيسى (ع) سياسياً وعسكرياً، إلاّ أنه(ص) لم يتفوق عليه روحياً ومعنوياً. فقد ركب النبي عيسى (ع) على الحمار وحمل غصن الزيتون ونادى بالمحبة، بينما ركب النبي محمد (ص) على الفرس وحمل السيف ونادى بالقتال !!!

ومع ذلك فإن هناك أقوالاً لبعض المستشرقين الذين أُعجبوا بشخصية الرسول العظيم(ص) وصفاته الجليلة، ولاسيما العدالة والرحمة(1).

وتحمل هذه الأحداث الهامة والمواقف الحساسة في طياتها، الكثير من العبر والعظات، وتترك لها آثاراً بارزة على منحى الفكر الرسالي، فضلاً عن عمقها الإنساني. ومع ذلك فهي لم تنل قسطها من البحث والتقصي من قبل العلماء وأهل الفكر، الذين لم يتصدوا للشبهات التي ألقى بها المستشرقون، بل مروا عليها مرور الكرام، فكان من الطبيعي أن يبقى الكثير من حقائقها، وظروفها، وملابساتها، رهن الإبهام والإهمال.

أما من ناحية المنهج، فقد تم الاعتماد على المنهج التاريخي التحليلي مع لحاظ السياق العام ورؤية الحدث بالنسبة إلى الأحداث الأخرى. فالرؤية الشمولية مطلوبة ولكنها لا تغني عن المعرفة التفصيلية، ولا تتعارض مع التفسير الموضوعي الذي يأخذ بعين الاعتبار كل المعلومات المتعلقة بالموضوع في حقبة زمنية محددة. فلم يتم الاكتفاء بسرد الوقائع والأحداث، بل العمل أيضاً على تحليل تلك الأحداث واستقراء الآراء المختلفة والمتنوعة، بل والمتعارضة أحياناً، بعين الباحث الذي يتوخى الحقيقة، ويتخذ البديهيات والمسلمات العقلية والعلمية منطلقاً لـه، ويعتمد على المشتركات والوقائع، وعناصر التحقيق، والمنطق السليم، وأدوات البحث العلمي، محاولاً الوصول إلى نتائج جديدة يلتمس منها الدروس والعبر. أما هذا البحث، فقد تم التطرق فيه إلى الصراع مع اليهود، وأسباب عدائهم للإسلام، وموقف النبي(ص) منهم، ولاسيما بني قينقاع. كما تم استعراض آراء المستشرقين في ذلك وتفنيدها .

أولاً-المواجهة بين النبي(ص) واليهود

كان اليهود موجودين في المدينة وحولها، وذلك بعدما خرب الرومان الهيكل، واحتلوا بيت المقدس سنة سبعين بعد الميلاد، ثم توجهوا إلى المدينة لعلمهم بأنها مكان هجرة النبي الخارج من جبال قاران أي جبال مكة لظن الكثيرين منهم أنه سيكون من السلالة اليهودية، ثم بنوا الحصون لحماية أنفسهم وأرضهم وأموالهم، وكان لهم في المدينة مركزاً دينياً، واجتماعياً، واقتصادياً، مرموقاً. وكان لهم المركز الديني في الجزيرة العربية، وكانوا يفخرون على العرب بظهور نبي جديد سيكون قوةً لهم، حيث كانوا يتوقعون، بما لديهم من إشارات واضحة في كتبهم، ظهور نبي قد أطل زمانه. وكانوا يعتقدون أنه من أنبياء بني إسرائيل، وأنه مبعوث لهم، وكانوا يهددون جيرانهم العرب به.

وقد أثّرت هذه المكانة العلمية الدينية في نفوس عرب الجاهلية إلى درجة أن بعض العرب تهوّد. وقد ساعد على ذلك تحالفاتهم السياسية مع القبائل العربية، ونفوذهم الاقتصادي. كما مكّنتهم وفرة المال والدهاء من السيطرة والنفوذ في شبه الجزيرة العربية، ولاسيما أن العرب كانوا يعيشون في وضع سيء، حيث تتحكم في مصيرهم الروح القبلية، وتجري عليهم الويلات والكوارث، وكان اليهود الذين حلّوا بينهم وفي جوارهم يزيدون نار الفتن تأجيجاً واشتعالاً.

وظل اليهود على ذلك زمناً طويلاً، إلى أن جاء وقت ظهور الإسلام، وبدأ نوره يشع في شبه الجزيرة العربية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، بما يحمل من قيم، وأخلاق، وعقيدة توحيدية. فكانت تعاليمه طريقاً يُسلك ونموذجاً يحتذى، بالرغم من العقبات الكبيرة، والأعداء الكثر المتصلبين في موقفهم منه، ووجود مجموعات متنوعة العقيدة ومختلفة الدين، فمنهم الأحناف على دين إبراهيم(ع)، ومنهم المشركون، ومنهم أهل الكتاب كاليهود والمسيحيين.

ولما دخل النبي (ص) المدينة وأسلم أكثر الأوس والخزرج، تقبّل اليهود فكرة المهادنة بينهم وبين المسلمين، والتعاون المشترك لمصلحة الطرفين. ولكن أهداف الإسلام، وقيمه، التي تقوم على التآخي، والعدالة، والمساواة، وتحريم الربا والغش والاستغلال، واحترام جميع الأديان السماوية والمعتقدات، لا يتفق مع أماني اليهود ورغباتهم ونيَّاتهم. وقد ازدادوا حذراً وحسداً عندما وجدوا أن محمداً لا يُخدع، ولا يستسلم لضغط، وأن الإسلام يغزو النفوس، ويسيطر على العقول، ويسير في شبه الجزيرة العربية بسرعة غير عادية، فوقفوا موقف الحذِر الذي يستغل الفرصة للوقيعة بخصمه.

ابتدأت المواجهة بين النبي(ص) واليهود بعدما هاجر من مكة إلى المدينة، حيث تعامل الرسول(ص) مع اليهود في البداية على أساس أنهم أهل كتاب موحدين يؤمنون بنبوة موسى(ع) ويرفضون عبادة الأوثان. فدعاهم إلى الإسلام بكل سماحة، وإلى الإيمان بنبوته وبدينه كدعوة عالمية، وإلى التقوى في العمل، وهي ميزان التفاضل، وإلى تحليل الطيب وتحريم الخبيث في التشريع، وإلى التعاون والمعروف في بناء المجتمع، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(2).

وقد أسلم جماعة من أحبارهم ووجهائهم وصدقوا في إسلامهم أمثال: عبد الله بن سلام(3)، ومخيريق من بني ثعلبة الفطيون(4)، زد على ذلك أن النبي(ص) كان يضع في أولوياته القضاء على العدو الأول والأكبر أعلن الحرب على الإسلام والمسلمين، ومارس بحقهم أشد أنواع التنكيل، وهم كفار قريش ومشركيها، ولم يكن يطمح أبداً بفتح جبهة أخرى مع اليهود، ولاسيما أنهم أهل كتاب يدعون إلى التوحيد ظاهراً.

ولكن ممارسات اليهود التخريبية جعلت خطرهم يتفاقم على الإسلام والمسلمين، حيث حاولوا زعزعة إيمان المسلمين بدينهم، وإظهار الرسول(ص) بموقف الضعيف، كما عملوا على تأجيج نار الجاهلية بين الأوس والخزرج من جديد بعد أن توحدوا ببركة الرسول(ص) ونعمة الإسلام. أضف إلى ذلك مضايقتهم لبعض القوافل التجارية الخاصة بالمسلمين ونهبها، وتعرضهم للنساء المسلمات في الأسواق. زد على ذلك محاولة قتل الرسول(ص) واغتياله، ولكن الإرادة الإلهية شاءت حفظه وإكمال تبليغه للرسالة الإلهية الخاتمة. وأخيراً وليس آخراً نقضهم لعهد الرسول(ص) وصحيفة المدينة، وتحالفهم مع كفار قريش ومشركيها لاجتياح المدينة في معركة الأحزاب، واستئصال الإسلام والمسلمين .

ولكن جميع محاولات اليهود للقضاء على الإسلام والمسلمين باءت بالفشل الذريع بسبب وعي القيادة الإسلامية العليا. ولقد صبر النبي(ص) في البداية على مؤامراتهم وخياناتهم الكبيرة حتى طفح الكيل، حيث صعَّدوا من تحدياتهم وأصبحوا يشكلون خطراً حقيقياً، فهم يعيشون في قلب المجتمع الإسلامي، ويعرفون كل مواقع الضعف والقوة فيه. فكان لا بد من صياغة التعامل معهم على أساس الحزم والقوة بدلاً من العفو والتسامح والرفق الذي لم يجد نفعاً، فليس من المصلحة أن يُترك اليهود يعيثون في الأرض فساداً، وينقضون العهود والمواثيق، ويسدِّدون ضرباتهم للمسلمين كيف وأنى شاؤوا، بل لا بد من الرد الحاسم والحازم والعادل على كل اعتداء ومواجهة، وعلى كل تحدٍّ وتآمر وكيد وخيانة، فواجههم النبي(ص) بأسلوب الاغتيالات المنظمة بدايةً، ولما لم ينفع معهم هذا الأسلوب اضطر النبي ص) لإتباع أسلوب الحرب الشاملة .

لقد اتبع النبي(ص) أسلوب الاغتيالات المنظمة لبعض أفرادهم ورموزهم الذين ظهر كيدهم وأعلنوا الحرب على الإسلام وتعرضوا لنساء المسلمين بالأذى، فتم اغتيال أبي عفك اليهودي الذي كان يحرض على رسول الله(ص) ويقول فيه الشعر، والعصماء بنت مروان اليهودية حيث كانت تعيب الإسلام والمسلمين وتؤنّب الأنصار على إتّباعهم لرسول الله(ص) وتقول الشعر في هجوه(ص) وتحرض عليه . وفي السنة الثالثة بعد الهجرة تم اغتيال كعب بن الأشرف الذي كان قد ذهب إلى مكة بعد حرب بدر وحرَّض المشركين ولم يخرج منها حتى جمع أمرهم على حرب رسول الله(ص)، وعندما سأله المشركون : أديننا أحبُّ إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ أجابهم: بل أنتم أهدى منهم سبيلاً. وكان يهجو النبي في شعره ويتعرض بالأذى لنساء المسلمين.

وفي هذا السياق نذكر وجهة نظر استشراقية، حيث تتفهم آرمسترونغ سلوك محمد(ص) تجاه كعب بن الأشرف قائلة: ذهب كعب بن الأشرف، وهو شاعر يهودي من بني النضير، بعد بدر مباشرة إلى مكة، وبدأ ينظم أشعاراً لاهبة يحث القرشيين فيها على السير ضد محمد والثأر لقتلاهم، وقد أوضحت أشعار كعب للقرشيين أن سكان المدينة ليسوا إلى جانب محمد جميعاً. ولما كان الشعر يلعب دوراً كبيراً في الحياة السياسية في الجزيرة العربية، فقد ساعدت أشعار كعب في استنهاض قريش من حالة الإحباط والحزن اللَّذين نجما عن الهزيمة، وصار واضحاً أن القبائل اليهودية تشكل خطراً أمنياً، فإذا هاجمت قريش المدينة من الشمال، فإن باستطاعة القبائل اليهودية الانضمام إلى قريش التي اعتبرتهم حلفاءها ومهاجمة المسلمين من المؤخرة بحيث يصبحون محاصرين تماماً. وعندما رجع الشاعر كعب إلى المدينة أخذ يكتب أشعاراً تشويهية محرضاً على العصيان، وفي ذلك الوقت كان الشعر سلاحاً قاتلاً، ولم يكن بوسع محمد أن يسمح لـه بإلهاب الفرقاء الناقمين في المدينة، أو أن يحض القبائل البدوية للانضمام إلى تحالف أبي سفيان ضد المدينة . وبالتالي فإن آرمسترونغ تتفهم إقدام محمد(ص) على إرسال من يغتال كعب، حيث كان للشعر قدرةٌ سحرية على إثارة الفتن وتقليب المواقف(5).

وهكذا تتابعت عمليات القتل لبعض أفراد اليهود فاغتيل ابن سنينة، وأبو رافع بن أبي الحقيق من يهود خيبر وغيرهما. لقد كانت هذه العمليات بمثابة جزاء عادل، وإنذار حازم لكل من ينقض عهداً، ويتآمر على مصلحة الإسلام العليا، وقد نُظِّمت ونُفِّذت ببراعة فائقة وذكاء وعبقرية، فأرعبت اليهود وأخافتهم.

ولكن على الرغم من ذلك، فإن اليهود لم يتراجعوا عن الدس والتحريض والتآمر، واستمروا في عنادهم وتماديهم في إيذاء المسلمين ونشر الفساد، ونقضهم للمعاهدات التي وقَّعوا عليها بملء اختيارهم، فكان لا بد من التعامل معهم بأسلوب آخر، فكانت الحرب الشاملة والمصيرية ضدهم حيث لا يمكن اجتثاث مادة فسادهم بغير ذلك. لقد حاربهم النبي (ص) في داخل المدينة في غزوة بني قينقاع، وغزوة بني النضير، كما حاربهم في محيطها في غزوة بني قريظة، وحاربهم في خيبر التي كانت تمثل المعقل الأساسي لهم في شبه الجزيرة العربية.

ثانياً-آراء المستشرق ولفنسون في أسباب الصراع بين المسلمين واليهود

1- تمسُّك اليهود بدينهم

يتطرق ولفنسون إلى سبب النزاع المباشر بين اليهود والمسلمين، فيعتبر أن تعاليم الرسول(ص) التي لم تقف عند حدّ محاربته الدينية للوثنية، بل تعدتها إلى أن يعترف اليهود برسالته، هي التي سببت الصراع بين الرسول(ص) واليهود، ولولا هذا الطلب لما وقع النزاع بينهم، ولكان اليهود قد نظروا بعينٍ ملؤها التبجيل والاحترام لتعاليم الرسول(ص)، ولأيدوه وساعدوه بأموالهم وأنفسهم حتى يحطّم الأصنام ويقضي على العقائد الوثنية. فالعقلية اليهودية لا تلين وما شيء يزحزحها عن دينها، وتأبى أن تعترف بأن يوجد نبي من غير بني إسرائيل، بل يعتقد اليهود أنه بعد أن ختمت صحف التوراة وكتب العهد القديم انقضى عهد بعث الرسل وظهور الأنبياء سواء كانوا من بني إسرائيل أو من غيرهم(6).

والجواب على ما قاله ولفنسون بيِّن واضح، حيث يتناقض ولفنسون مع نفسه بعد ما ذكره من أن الرسول(ص) لم يجبر اليهود على اعتناق الإسلام، بل دعاهم إلى الإسلام وترك لهم حرية الاختيار بين دينهم القديم وبين الدين الجديد، وهذا ما تقره الصحيفة أو المعاهدة التي عقدت فيما بين الطرفين: "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم".

ويرد عليه أيضاً أن اليهود لم يقفوا مع النبي(ص) لمحاربة الوثنية، بل وقفوا إلى جانب كفار قريش ومشركيها العدو الأكبر للنبي(ص)، وباركوا وثنيتهم عندما قالوا لهم وهم يحزّبون الأحزاب ضد محمد(ص) أن دينهم خير من دين محمد(ص)، على الرغم من أنه دعا إلى التوحيد ونبذ الشرك، وإلى الإيمان بكل الرسل والأنبياء السابقين.

2-الآيات القرآنية التي نزلت في اليهود

ويقول ولفنسون: إن السبب الآخر لهذا النزاع هو الآيات القرآنية التي نزلت في ذلك الحين متضمنة الطعن باليهود، حيث تذكرهم بما ارتكبه أجدادهم من الجرائم كعصيانهم لموسى(ع)، وقتلهم أنبياء بني إسرائيل، وسجودهم للعجل. ولكن العجيب أن ولفنسون يزيد على ذلك قائلاً: إن كل هذا لم يضعف من عزيمة اليهود فاستمروا على مناقشة الرسول(ص) ومخاصمة الأنصار، فنجم عن ذلك أزمة سياسية وشعر النبي(ص) أنه لم يوفق في إيجاد أمة مؤلفة من جميع عناصر يثرب(7).

3- ولفنسون والمزيد من تبرئة اليهود

ويسعى ولفنسون إلى المزيد من تبرئة اليهود من خلال قوله:

أ- إنّ هناك طائفة معتدلة من اليهود أرادت أن تصلح بين الفريقين المتخاصمين وتزيل ما بينهما من أسباب النزاع، ولكنها أخفقت في مسعاها، وأن مخيريق اليهودي رفيق الرسول(ص) من أنصار هذه الطائفة(8)

ب- إنّ هناك عنصراً آخر لعب دوراً خطيراً في الحوادث اليثربية وهو العنصر الذي يضم أعداء اليهود السياسيين من بين الخزرج، فكان همُّهم أن يصبوا الزيت ليزيدوا في إشعال نار العداوة بين الرسول(ص) واليهود، وقد عُرف بعضهم باسم المنافقين وكان عبد الله بن أُبي من زعماء هؤلاء المنافقين(9)

ج- إنّ اليهود لم يكونوا يرغبون في محاربة الأنصار مع أن يوم بدر كان فرصة مناسبة لمن كان في مركزهم، وأنّهم في الواقع يفضلون السلام والسكينة على المشاحنات والمخاصمات؛ لأن السلام والسكينة أساس النجاح في الأعمال التجارية والصناعية(10).

د- إنّ اليهود لم يشتركوا مع الرسول(ص) في محاربة قريش يوم بدر؛ لأنه لم يكن مشترطاً عليهم في المعاهدة أن يشتركوا في الغزوات الخارجة عن دائرة المنطقة اليثربية، وأن عدد الأوس والخزرج في هذه المعركة كان قليلاً، وأن أغلب المحاربين كانوا من المهاجرين(11).

هـ- إنّ اليهود رفضوا الاشتراك مع الرسول (ص) في غزوة أُحُد؛ لأنها كانت في يوم السبت، فأبى اليهود أن يحملوا السلاح في ذلك اليوم، إضافة إلى أن المعاهدة التي كانت بينهم وبين النبي (ص) تسمح لهم بالتخلف عن المعارك التي تقع بعيداً عن المدينة(12). والجواب عليه كالآتي:

1- إنّ مخيريق اليهودي الغني الذي كان يملك الكثير من النخيل، وكان يعرف رسول الله (ص) بصفته وما يجده في علمه، وقد أسلم ودعا قومه إلى الإسلام، واشترك في واقعة أُحُد(13)، حيث قال لليهود لا سبت لكم، فأخذ سيفه وقال: إن أُصِبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء، ثم غدا إلى رسول الله(ص) فقاتل معه حتى قُتل(14).

2- الثابت في معاهدة المدينة: أنه لا تُجار قريش، وأن بين المسلمين واليهود النصر على من دهم يثرب، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وهذا كله يثبت أن على اليهود أن يقفوا إلى جانب المسلمين ضد كفار قريش يوم بدر ويوم أُحُد، وأن عليهم أن ينصروا المسلمين أو على الأقل أن يدعموهم بالمال والسلاح إن لم يريدوا أن يحاربوا معهم بأنفسهم. وهذا كله لم يحدث. زد على ذلك أنه لا دليل على أن المعاهدة التي كانت بينهم وبين النبي(ص) تسمح لهم بالتخلف عن المعارك التي تقع خارج المدينة وحولها، أضف أن عدد الأوس والخزرج في هذه المعركة لم يكن قليلاً.

3- من قال أن واقعة أُحُد كانت يوم سبت؟! وما الدليل على ذلك؟ وإن صحت هذه المقولة، فلماذا لم يدعم اليهودُ المسلمينَ بالمال والسلاح؟

4- لو كان اليهود يرغبون بعلاقة طيبة مع النبي(ص) ولم يُبَيِّتوا العذر والخيانة، لما سمحوا للمنافقين ولا لغيرهم أن يكدروا صفو علاقتهم بالنبي(ص). ولكانوا بذلك قد حافظوا على مساكنهم وأموالهم وسلاحهم وتجارتهم وأراضيهم، ولعاشوا بكرامتهم جنباً إلى جنب مع جيرانهم المسلمين. إن ابن أُبي كان معروفاً بنفاقه عند الرسول (ص) والمسلمين، وكان منبوذاً من بينهم، ولاسيما بعد أن ترك النبي (ص) ومن معه في معركة أُحُد ورجع وجماعته من منتصف الطريق، حيث كانوا يشكلون ثلث الجيش تقريباً، فأرادوا أن ينهزم الرسول(ص) وأن تُضعضع معنويات جيشه. زد على ذلك أن ابن أُبي كان يتدخل لصالح اليهود بعد أن تصل الأمور إلى حد السيف، كما حصل وتوسط لبني قينقاع عند النبي(ص) طالباً منه أن لا يقتلهم بالرغم من فعلتهم القبيحة وجريمتهم النكراء. وبالتالي فإن حِيَل ابن أُبي ما كانت لتنطلي على رسول الله(ص).

ثالثاً-موقف النبي(ص) من بني قينقاع

كانت معركة بدر بمثابة الطوفان الذي اقتلع بعض جذور الوثنية في قلب الجزيرة العربية القاحلة. وكانت مخاوف القبائل الوثنية، ويهود يثرب الأثرياء، ويهود خيبر ووادي القرى، تزداد يوماً بعد يوم، حيث يتقدّم الإسلام وتتعاظم شوكته ويشتد أمر حكومته الفتية. وكان يهود بني قينقاع الذين يقطنون داخل المدينة ويمسكون بخيوط اقتصادها أشد خوفاً من غيرهم وأكثر قلقاً على مستقبلهم، فقد كان وضعهم يختلف عن وضع يهود خيبر ووادي القرى الذين يعيشون خارج المدينة بعيداً عن مركز سلطة المسلمين. ولا أدري ما هو منشأ هذا الخوف إن كانوا صادقين في معاهدتهم للمسلمين الذين برهنوا لهم كل صدق ووفاء في التزاماتهم، ولم يتجنوا عليهم ولو بحادثة واحدة، ولم يستفزوهم أبداً!

ولكن، وإنشاد القصائد التي من شأنها تحقير المسلمين وإضعاف معنوياتهم.

وبهذا يكون اليهود قد بدؤوا عملياً بنقض معاهدة التعايش السلمي التي عقدها الرسول(ص) معهم في إبّان قدومه إلى المدينة. ولم يكن من مصلحة الإسلام والمسلمين تفجير الموقف في عاصمة الإسلام يومئذٍ، ولهذا حذَّرهم قبل أن يقدم على أي عمل ردعي، ولكن اليهود المغرورين المتكبرين لم يسكتوا، بل استمروا في تشدُّقهم الفارغ بقوتهم وقدرتهم على القتال والمواجهة.

زد على ذلك أن اليهود ممن اعتنقوا الإسلام قد أخبروه أن بني قينقاع يضمرون العداء للمسلمين ويبيتون لهم شراً، وأنهم بعد بدر قرروا نقض العهد مع محمد (ص)، وإحياء التحالف القديم مع ابن أُبي كي يعززوا حزب المعارضة ويطردوا النبي (ص)، فزارهم النبي(ص) وحثّهم على قبوله كرسول باسم تراثهم الديني فقال لهم: "يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم"، فاستمعوا إليه في عقر دارهم بصمت متمرِّد، وأجابوه بالتهديد: "يا محمد إنك ترى أنا كقومك؟! لا يَغُرَّنَّك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، وإنُّا والله لئن حاربناك لتعلمن أنَّا نحن الناس". فانسحب محمد(ص) إثر هذا التهديد منتظراً التطورات(15). وبعد أيام قلائل افتعل اليهود حادثة سوق بني قينقاع(16)، فحاصرهم النبي(ص)، فلم يفِ ابن أُبيّ بوعده لهم حيث انتظروا طوال أسبوعين أن يحارب معهم، فوجدوا أنفسهم مجبرين على الاستسلام دون شروط .

ولم تكن قريش بعيدة عن ساحة المواجهة، بل كانت تحرِّض اليهود على نقض العهد، وكتب كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا، أو لنفعلن كذا وكذا. ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم(17) شيء. فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعوا على الغدر. ونحن نستقرب أن يكون بنو قينقاع هم أول من استجاب لطلب قريش هذا، وأن قريشاً قد كتبت لهم بعد بدر، وكان نقض بني قينقاع العهد بعد بدر أيضاً.

هوامش

(1)- ومنهم سانت هيلر: "كان محمد رئيساً للدولة وساهراً على حياة الشعب وحريته، وكان يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعات الوحشية التي كان يعيش النبي بين ظهرانيها، فكان النبي داعياً إلى ديانة الإله الواحد، وكان في دعوته هذه لطيفاً ورحيماً حتى مع أعدائه، وإن في شخصيته صفتين هما من أجلِّ الصفات التي تحملها النفس البشرية، وهما: العدالة والرحمة". راجع: www.islamonline.net/arabic/in-deph/mohamed/1424/eye/article01

(2)- سورة الأعراف: 157.

(3)- اسمه الأول الحصين، من يهود بني قينقاع، كان من أحبار اليهود وعلمائهم، حيث قال عنه اليهود عندما سألهم رسول الله (ص) عنه ليختبرهم، إنه سيدهم وابن سيدهم وخيرهم وعالمهم. ولكن عندما خرج عليهم عبد الله قائلاً لهم: يا معشر اليهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة باسمه وصفته، كذّبوه ودافعوا به. ولما أسلم سماه الرسول (ص) عبد الله، وأسلم معه أهل بيته، وكتم بداية إسلامه عن اليهود ثم جاهر به، بعد أن ألقى عليهم الحجة أمام الرسول (ص).

(4)- الفطيون كلمة عبرانية تطلق على كل من تولّى أمر اليهود. وقد جاء في كتب السيرة والتاريخ أنه كان حبراً كبيراً، وعالماً من علمائهم، وغنياً يملك الكثير من النخيل وغيره. بقي وفياً للإسلام ملتزماً بعهد رسول الله (ص) حتى كانت الحرب في أُحُد فأخذ سلاحه وقاتل مع الرسول (ص) حتى استشهد . وكان قد أوصى بأمواله من بعده لمحمد(ص) يصنع بها ما يريد. وقبض رسول الله (ص) أمواله وكانت منها أكثر صدقاته في المدينة.

(5)- آرمسترونغ، كارين، الإسلام في مرآة الغرب، محاولة جديدة في فهم الإسلام، ط2، ترجمة محمد الجورا، سورية - دمشق، دار الحصاد 2002 م، ص: 216.

(6)- ولفنسون، إسرائيل، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، تحقيق وتعليق، د. محمد السيد الوكيل، مصر - الجيزة، دار قطر الندى، 1415هـ- 1995م، ص: 164.

(7)- إسرائيل ولفنسون، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام: 166.

(8)- إسرائيل ولفنسون، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام: 167.

(9)- إسرائيل ولفنسون، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام: 167-168.

(10)- إسرائيل ولفنسون، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام: 168.

(11)- إسرائيل ولفنسون، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام: 169.

(12)- إسرائيل ولفنسون، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام: 173-174.

(13)- إسرائيل ولفنسون، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام: 173.

(14)- إسرائيل ولفنسون، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام: 174.

(15)- الحميري، المعافري، عبد الملك بن هشام بن أيوب، السيرة النبوية، ط1، بيروت، مؤسسة المعارف، 1425هـ - 2004م، ص: 402.

(16)- وهذا يدل على أنهم فكروا وخططوا مسبقاً لهذه الخطوات التصعيدية ضد محمد(ص) حيث نقضوا العهد وهددوه واعتدوا على عرض المسلمين وكرامتهم بهذه الحادثة المشينة.

(17)- وهي الخلاخيل، الواحدة: خَدَمَة، أي الخلخال. وهذا وعيد منهم لهم إن لم يقاتلوا رسول الله (ص).

اعلى الصفحة