دور المترفين في سقوط المجتمعات

السنة الثالثة عشر ـ العدد 149 ـ (رجب 1435 هـ) أيار ـ 2014 م)

بقلم: السيد جعفر محمد حسين فضل الله

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

 

تحدّث الله تعالى عن المترَفين في أكثر من موضع من القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قريَةً أمَرْنا مُترفيها فَفَسَقوا فيها فحَقَّ عليها القولُ فدَمَّرْناها تَدْميراً﴾(1)، فبيَّنَ أنّ المترفين هم السبب إنزال العذاب الإلهيّ على المجتمعات، وإهلاكهم وتدمير مقدّراتهم.

وبما أنَّ ظاهرة المترفين هي ظاهرةٌ متكرِّرَةٌ في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ، فإنّ من المفيد التوقّف عندها بشيء من التحليل؛ لأنّ العذاب الإلهيَّ المباشر إذا كان قد رُفع عن المجتمعات، فإنّ ذلك لا يعني عدم نزول العذاب ﴿بما كَسَبَتْ أيْدي النّاسِ﴾(2)، بحيث يتحوّل العذاب إلى جزءٍ من حركة السنن التي يختبرها الناس نتيجةً لمنهجهم في التعامل معها؛ لأنّ مشيئة الله تعالى اقتضت أن يكون الناسُ هم المسؤولون عن فسادهم وعن صلاحهم، بمقدار ما يمارسون مسؤوليّاتهم هنا وهناك.

وأيّاً كان الحال، فتُعتبر الآيات التي تحدّثت عن المترفين نوعًا من التنبيه الإلهيّ لنا حتّى نلتفت إلى مسؤوليّاتنا تجاه هذه الظاهرة المؤثّرة في حركة المجتمع. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال: من هم المترفون؟ وكيف نفهم دورهم في نزول العذاب على مجتمعاتهم؟.

في اللغة العربيّة: "التُّرْفَةُ، بِالضَّمِّ: النَّعْمَةُ، وسَعَةُ العَيْشِ... وأَتْرَفَتْهُ النَّعْمَةُ وسَعَةُ العَيْشِ: أَطْغَتْهُ، كما في الصِّحاحِ، قيل: أَتْرَفَتْهُ: نَعَّمَتْهُ، ومنه قولُه تعالَى: ﴿ما أَتْرِفُوا﴾، أَي ما نُعِّمُوا، كَتَرَّفَتْهُ تَتْرِيفاً، أَي أَبْطَرَتْهُ. أُتْرِفَ فلانٌ: أَصَرَّ عَلَى الْبَغْي... والمتْرَف: المَتْرُوكُ يَصْنَعُ ما يَشَاءُ لا يُمْنَعُ منه، وإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُتَنَعِّمُ المُتَوَسِّع في مَلاَذِّ الدُّنْيَا وشَهَواتِهَا مُتْرَفاً لأنَّه مُطْلَقٌ له، لا يُمْنَعُ مِن تَنَعُّمِهِ... وفسّر بعضُهُم المُترَف بالجبّار، وأنّ المقصود بقوله تعالى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أَي: جَبَابِرتَهَا، وفُسّر أيضاً بأنّ المترَفين هم رؤساؤها وقادرة الشرِّ منها"(3).

من خلال ذلك، نستطيع أن نعتبر أنّ الترَفَ ليس هو مجرّد الغنى والقدرة على الحصول على ملذّات الحياة المادّية، وإنّما ينشأ الترفُ عندما يتحوّل الغنى إلى حالة مُسَيطِرة على مشاعر الإنسان، وعندما يمتزج بمشاعر استكباريّة لا ترى فيما حولها ومن حولها إلا أدوات لتحقيق مصالحها، فعندئذٍ يُصبح الغنى حالة طغيانٍ وعدوانٍ يستتبعُ مواجهة كلِّ من يقفُ في وجهها، من أنبياء ومُصلحين وغيرهم.

المترفون وانحراف المجتمع

ولذلك، تكونُ الآية التي أوردناها أعلاه، بصدد بيان قانون إلهيّ عامّ، وهو أنّ المسؤولين عن انحراف المجتمعات عن دعوات الأنبياء، وسيادة القيم الأخلاقيّة الإنسانيّة، هم أصحاب المصالح الذين يتحكّمون بمقدّرات المجتمع الاقتصاديّة، ويؤثّرون من خلال ذلك على توجيه السياسات العامّة للحكم والدولة، وينسحقُ أمامهم الناسُ باعتبار أنّهم يرون حاجاتهم لديهم، ومصالحهم الدنيويّة بين أيديهم، فيدفعهم ذلك إلى الخضوع لتوجّهاتهم، حذرًا من فقدان أقوات يومهم، ومقدّرات عيشهم.

ومن هنا، كانت إحدى مهمّات الأنبياء هي تحفيز عناصر القوّة لدى الطبقات الشعبيّة التي خضعت لذلّ الحاجة، وشلّت إرادتَها أمام إرادة أصحاب النِّعَم، فأصبحوا قوَّةً لمن يتحكّمون بهم وبمستقبلهم، وشيئًا فشيئًا تحوَّلَ ذلك إلى ذهنيّة تبريريّة، رأت فيها تلك الطبقاتُ ذلك الذُّلّ الذي ترزح تحته هو قَدَرَها الطبيعيَّ، وأنّ وظيفة أبناء الشعب هي تحقيق رغبات أولئك المترفين!

فهمٌ خاطئٌ وتوجيه

ونفهم ـ استناداً إلى ذلك ـ تركيز القرآن الكريم على أنّ الله تعالى هو الرزّاق الكفيل بعبادة، وقال بما يُشبه القانون الإلهيّ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾(4)، لا بمعنى أن يستسلم الإنسان للدعاء ويترك الأخذ بأسباب الرزق، وإنّما أن ينزع الإنسان من نفسه كلَّ شعورٍ بالانسحاق تحت نير الأغنياء المترفين، لكي يبقى حُرّاً في إرادته أمام ما يريدون فرضه عليه في أكثر من مجالٍ من مجالات حركة المجتمع.

يبقى أن نُشير إلى أنّ البعض قد يفهم من قوله تعالى: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها﴾، أنّ هناك أمراً إلهيّاً للمترفين بأن يفسقوا، فإذا فسقوا استحقّوا العذاب، وبالتالي فظاهر الآية يوحي بالظُّلم والجبريَّة؛ لأنَّ المسألة هي مسألة تحقُّق الإرادة الإلهيّة التي لا يملك أحدٌ معها شيئاً.

ولكنَّ هذا يمثّل فهماً مجتزَأً للآية؛ لأنّ الإرادة هنا هي المتعلّقة بجعل القانون والسُّنَّة التي تتحرّك عليها المجتمعات والتي تؤدّي إلى نزول العذاب. وبتعبير آخر: إنّ متعلَّق الإرادة في الآية هي كلُّ الجملة التالية لها، بمعنى أنّ الله تعالى لا ينزل العذاب اعتباطًا، وإنّما من خلال ما تقوم به القوى الفاعلة في المجتمع، وهذا ما يؤكِّدُهُ قول الله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾(5)، وكذلك في سورة الزخرف: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾(6)، بحيث نجد أنّ المترفين يحرّكون منطق الكفر الذي يشكّل مانعًا أمام الناس من التفكير بانفتاح بما يطرحه الأنبياء أمامهم من حقائق ومناهج للتفكير السليم.

ويتّضح هذا المعنى كثيراً في سورة المؤمنون، حيث يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾(7)، حيث نجد المنطق الذي يتحرّك لإضلال الناس من خلال التأثير على طريقة تفكيرهم البريئة فيما يُطرح عليهم من قبل الأنبياء.

منع تحوّل المترفين إلى طبقة

إلى هنا نجد أنّ عمليّة بناء المجتمع، سواء عبر صوغ أنظمة الحكم وتشريع القوانين، لا بدّ أن تشكّل موانع فعليّة من تحويل حالات الغنى في المجتمع إلى حالات ترف، وهذا ما قد نفهمه من تغليظ الوعيد الإلهيّ للذين ﴿يكنِزونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنفِقونَها في سَبيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذابٍ أليمٍ، يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بها جِباهُهُم وجُنوبُهم وجُلودُهُم هذا ما كَنَزْتُم ْلأنفُسِكُمْ فذوقوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزونَ﴾(8)، ولذلك وجدنا عناية الإسلام بتكسير تمركز الثروات العامّة، فقال تعالى: ﴿ما أفاءَ اللهُ على رَسولِهِ من أهْلِ القُرى فللهِ وللرَّسولِ ولذي القُربى واليتامى والمساكينِ وابنِ السَّبيلِ كَيْ لا يكونَ دُولَةً بينَ الأغنياءِ منكُمْ﴾(9)، إلى غير ذلك من آيات الإنفاق التي نرى أنّها تستهدف المحافظة على التوازن الاجتماعي من خلال تكفّل المجتمع بحاجات أبنائه من الفقراء والمحرومين، من موقع الواجب الإلهيّ، لا المنّة الذاتيّة.

وفي رصدنا للواقع المعاصر، نجد أنّ ظاهرة المترفين تحوّلت إلى شركات احتكاريّة، وإلى مؤسّسات تجاريّة عابرة للحدود، بحيث أصبحت تلك الشركات تتحكّم بأمزجة الناخبين، وتوصلُ حكومات ورؤساء إلى مواقع القرار، وتشكّل "لوبيات" ضاغطة على قرارات الحرب والسِّلم، وقد تفرضُ مصانعُ السلاح التي تخشى كساد بضاعتها، أو المحافظة على الرفاهية العالية لمجتمعٍ ما، شنَّ حَرْبٍ كونيّة، وإثارة الفتن بين الدول والمجتمعات، وخلق أجواء الصراع بين أتباع المذاهب والأديان والإثنيّات وما إلى ذلك، ممّا شهدنا كثيرًا من أوجهه في حركة السياسات الدوليّة والإقليميّة والمحلّيّة.

ولعلّنا نستطيع هنا أن نعود إلى مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة، لنلفت النظر إلى ضرورة أن تعي الشعوب أهمّية موقعها، وأن تقدِّرَ طاقتها، وأن تدرس مصالحها العامّة، انطلاقًا من شعورها أنّ مقدّرات البلد الذي تعيش فيه هي حقُّها وحقوق الأجيال الآتية من بعدِها، وأنّ المسؤولين الذين يتبوّأون مواقع السلطة والقرار فيها هم خدمةُ هذه الرؤية، وهم وكلاء عن الشعب في تحقيق مصالحه؛ لأنّنا بكلّ أسف قد أدمنّا في كثيرٍ من مواقعنا، وجوه المترفين في مواقع السلطة، وبتنا نشعر بالغُرْبَةِ إذا ما غابوا عن الحكم، والمشكلة الكُبرى عندما يتحوّل ذلك إلى ذهنيّة متحكّمة بأنماط التفكير العامّة، فعندئذٍ يصبحُ الفكرُ منظِّراً لاستفحال الأزمة واستمرارها، بدلاً من أن يبذل جهدَه في حلِّها؛ والله من وراء القصد.

المصادر

1- سورة الإسراء، الآية 16.

2- سورة الروم، الآية 41.

3- الزبيدي، محمد مرتضى الحسيني الواسطي الحنفي، تاج العروس، ج12، ص99-100 (بتصرّف)

4- الذاريات، الآية 22

5- سورة سبأ، الآيتان 34-35.

6- سورة الزخرف، الآيات: 23-25.

7- سورة المؤمنون، الآيات 33-38.

8- سورة التوبة، الآيتان 34-35.

9- سورة الحشر، الآية 7. 

 

اعلى الصفحة