التقلبات في مصر والمصلحة الإسرائيلية

السنة الثالثة عشر ـ العدد 148 ـ ( جمادى الثانية 1435 هـ) نيسان ـ 2014 م)

 ترجمة وإعداد: محمد عودة

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

التقدير الاستراتيجي لمركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، أفرايم كام

 

على مدار الجيلين منذ ثورة (الضباط الأحرار)، التي حصلت في مصر عام 1952، تمتع النظام المصري باستقرار نسبي. استند هذا الاستقرار على الجمع ما بين قيادة قوية, ودعم الجيش للنظام مقابل امتيازات كبيرة, وقمع للمعارضة عندما وجد أنها تهدد النظام بالخطر. في هذه الصورة العامة للاستقرار كانت هناك عناصر من التهديد للنظام: الضائقة الاقتصادية أوجدت دوماً احتمالات الهيجان, والذي كان يندلع أحياناً لفترات قصيرة. لقد أوجدت المعارضة الإسلامية بين مرة وأخرى مخاطر للنظام مثل قتل الرئيس السادات, وموجة العمليات التخريبية التي قام بها جناحها الراديكالي خاصة في التسعينات, ولكن النظام عرف كيف يواجه هذه التهديدات وإبقاءها تحت سيطرته. إسقاط نظام مبارك أنهى فترة الاستقرار, وفتح فترة اللايقين في مصر.

سقوط حكم (الإخوان المسلمين)

طيلة عشرات السنين والإخوان المسلمون يحلمون باللحظة التي يصلون فيها إلى السلطة في مصر واستعدوا لها. إسقاط نظام مبارك والفراغ الذي تركه وراءه وفّر لهم فرصة لم يكونوا يتوقعونها على الرغم من أنهم ليسوا من أوجد الثورة. في منتصف 2012 بدا وضع الإخوان المسلمين أفضل مما كان في يوم من الأيام. فازوا بانتخابات حرة بأصوات أكثر من أي حزب آخر. بينما المجموعات الليبرالية والعلمانية, وكذلك الشبان الذين حركوا الثورة مطلع عام 2011 أُزيحوا جانباً. الحزب الثاني في الحجم، وهو حزب السلفيين، كوّن مجموعة إسلامية هو الآخر.

سيطر الإخوان المسلمون عملياً على البرلمان والحكومة, وفوق كل هذا على الرئاسة, قيادة الجيش التي بقيت منذ أيام مبارك تم طردها من قِبل الرئيس الجديد محمد مرسي بعملية سريعة وسط تعاون مع الطبقة الأصغر للقيادة. القيادة العسكرية الجديدة التي يترأسها وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي كان يتوقع أن تواصل التعاون مع الرئيس لأنها تدين له بوظائفها.

أيضاً من الخارج الحكومات الغربية - وعلى رأسها الإدارة الأمريكية قبلت بحكم الإخوان المسلمين كنظام شرعي, بل وغازلته بغية دفع التعاون معه.

من جهته، جعل مرسي جماعته في مواقع أساسية وفي الإعلام ومنحهم سيطرة على وزارات مهمة. وأزاح جزءاً كبيراً من حكام الأقاليم وعين جماعته بدلاً عنهم. واعتقلت السلطات ناشطين في حقوق الإنسان وإعلاميين ممن أثاروا انتقاداً ضدهم, وقيدوا حرية التعبير.

من وسط موقع القوة الذي أوجدته, وجدت قيادة الإخوان صعوبة في الأخذ بالحسبان وضعاً يتحد فيه الجيش سوية مع المعسكر الليبرالي, بغية إزاحتهم من السلطة. وعندما حصل هذا الأمر كانت هذه القيادة عاجزة عن منع إزاحتها عن السلطة.

علاوة على ذلك لم يفلح مرسي في خلق ائتلاف مع أطراف سياسة من خارج الإخوان المسلمين يستطيع الدفع نحو مصالحة وطنية توحد الشعب. صحيح أنه حاول في البداية دراسة إمكانية إشراك أطراف أخرى في السلطة, ووعد بتعيين نواب ومساعدين للرئيس من خارج صفوف التنظيم, ولكنه سرعان ما تخلى عن هذه المحاولات واعتمد على دائرة ضيقة من جماعته. كما فشل في إيقاف الجيش وقوات الأمن إلى جانبه على الرغم من أنه عين القيادة الحالية للجيش. بهذا أوجد مرسي بنظر كثيرين الانطباع بأنه يحاول تجميع كل القوى بين يديه, ويبني لنفسه صلاحيات ديكتاتورية, وربما أيضاً يسعى إلى إقامة دولة شريعة تحت حكم رئاسي مركزي برئاسته. كذلك زادت الشكوك حول قدرات والتزام مرسي بأن يكون (رئيس الجميع) كما وعد, وأنه يبني نظاماً سياسياً جديداً يستجيب لطموحات غالبية الشعب.

تجدر الإشارة إلى أنه خلال سنة حكمهم امتنع الإخوان المسلمون عن إتباع سياسة راديكالية خصوصاً في العلاقات الخارجية. من نواح مختلفة امتازت هذه بالامتداد أكثر مما امتازت بالتحول من منطلق فهم ضرورات الواقع, وربما من منطلق مسألة تجميع قوة إضافية قبل أن يتحول إلى اتجاه أكثر راديكالية.

هكذا حافظ نظام الإخوان على علاقات سليمة مع الإدارة الأمريكية لكي يضمن استمرار المساعدات الاقتصادية, وامتنع عن تجديد العلاقات الدبلوماسية مع إيران التي من جهتها توقعت تجددها. أيضاً العلاقات مع إسرائيل لم تصل إلى حد الأزمة. صحيح أن شخصيات بارزة وسط التنظيم عبّرت عن موقف أولي معادٍ وسلبي تجاه إسرائيل, وامتنع مرسي عن إجراء أي اتصال مع قادة إسرائيليين, إلا أن العلاقة والتنسيق بين الجيشين استمرا خاصة فيما يخص الوضع الأمني الآخذ بالاحتداد في سيناء. وعملت الحكومة المصرية كوسيط بين إسرائيل وحماس في فترة عملية (عامود السحاب) كما عينت سفيراً جديداً في إسرائيل.

أيضاً على المستوى الداخلي لم يحاول مرسي التعرض لمصالح الجيش ومكانته أكثر من استبدال القيادة القديمة: لم يقيد حرية عمل الجيش في مجالات الأمن, وترك للجيش إقامة علاقاته مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل, ولم يتعرض لإمبراطوريته الاقتصادية.

ولكن الأهم من كل هذا كان هو التدهور الذي طرأ على الوضع الاقتصادي والسياسي في مصر في فترة حكم الإخوان. فالوضع الاقتصادي آخذ بالانهيار, بشكل كبير لأن النظام أظهر عدم الكفاءة, وعدم فهم بأمور إدارة دولة كبيرة ومعقدة مثل مصر: أسعار المنتجات الأساسية ارتفعت ومن ضمن ذلك ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 50% منذ 2010, وازدادت البطالة, وخاصة بطالة الشبان, وازداد النقص في الوقود, وكثرت الإضرابات وتم قمعها بالقوة. وكانت نسبة النمو أقل في عام 2012 بحوالي 2%. وتقلصت الاستثمارات الأجنبية في مصر نظراً لعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي, وتقلصت السياحة واتسعت ظاهرة تهريب رؤوس الأموال وازداد الدين الخارجي. وأغلب دول الخليج ما عدا قطر امتنعت عن تقديم مساعدة اقتصادية كبيرة لمصر نتيجة للتحفظات على (الإخوان المسلمين).

الحكومة المفتقرة إلى التجربة لم تعرف كيف تقدم الخدمات الأساسية. خدمة المواصلات تضررت وأكوام النفايات تراكمت في الشوارع. وأكثر من ذلك, سلطة القانون والنظام تضررت كثيراً, واتسعت الجريمة إلى حد الخوف من التحرك في مناطق معينة. في عهد مبارك اكتسب الإخوان المسلمون لأنفسهم تنظيماً حساساً لحاجات الشعب, بواسطة تقديم خدمات تعليمية وصحية واجتماعية في مناطق فقيرة, وبذا راكموا تعاطفاً كبيراً وسط الجمهور, ولكن في سنة حكمهم اتضح لهم أن تقديم الخدمات في دولة تعد 80 مليون نسمة هو أمر مختلف كلياً. عدم خبرة مرسي وجماعته في إدارة دولة, وامتناعهم عن إشراك أطراف أخرى في الحكم صعّب أكثر مسألة الخروج من الأزمة.

وكنتيجة لذلك, وجد كثيرٌ من المصريين صعوبة في الإيمان بقدرة حكومة مرسي على إدارة الدولة, والوفاء بوعودها لتحسين الوضع الاقتصادي وسيادة القانون والنظام, وتوفير الخدمات الأساسية. وكثيرون بدأوا يعتقدون بأن الإخوان المسلمين (سرقوا الثورة) لصالح نظريتهم, وأن حكمهم ليس أفضل من نظام مبارك. علاوة على ذلك, حتى لو لم يقصد النظام في هذه المرحلة أسلمة الدولة, فقد اعتقد كثيرون أن هذه هي نيته, هكذا أوجد التنظيم لنفسه أعداء كثيرين: الليبراليين واليسار والمنظومة القضائية ورجال أعمال والأقلية القبطية (رجل الشارع) وفي نهاية الأمر الجيش أيضاً.

ولا بد من التأكيد على أنه إلى جانب الدور الحاسم للجيش في إسقاط حكم الإخوان فقد كان له شريك آخر, فالجماهير التي لعبت دوراً مركزياً في الثورة التي أسقطت نظام مبارك أزيحت جانباً في السنتين ما بعد ذلك, ولكنها الآن عادت إلى الساحة.

فشل الإخوان في أنهم لم يفلحوا في تطوير حوار اجتماعي يوقف الجماهير إلى جانبهم, بل اعتمدوا على قوتهم العددية, وحاولوا فرض موقفهم على الجماهير.

بداية النهاية ظهرت في تشرين الثاني 2012 بعد أن حاول مرسي وضع نفسه فوق سلطة القانون. فهم معارضوه أن الإخوان لن يوقفوا سيطرتهم على مؤسسة الحكم إذا لم يخرجوا ضدهم. من هنا زادت معارضتهم للنظام. وإخفاقات النظام جمعت الجيش مع المجموعات الليبرالية, ومع قدامى نظام مبارك, وأعادوا القوة إلى الجماهير في الشارع. في كانون الأول بدأت الملايين بالخروج في تظاهرات الشارع ضد النظام, ووقّع 22 مليون شخص على وثيقة أعدتها الحركة الشبابية (تمرد) نادت باستقالة مرسي, وإجراء انتخابات فورية للرئاسة.

من الجهة الأخرى اتضح أن الحكم كان أضعف من أن يواجه خصومه, خصوصاً عندما توحد هؤلاء ضده مفتقراً إلى حلفاء, وكذلك الخطوات التي اتخذها لتحصين سلطته كانت مترددة وغير كافية. الضربة النهائية نزلت على النظام أواخر حزيران 2013 من قبل قيادة الجيش, التي طردت مرسي من الرئاسة, واعتقلت قادة الإخوان والكثير من مساعديهم, وأغلقت التلفزة الإسلامية, ومكاتب قناة (الجزيرة) في القاهرة واستلمت الحكم.

طرد جماعة الإخوان من مناصبهم واستعاد الجيش الدور الرئيسي على المنصة, بينما عززت الجماهير لنفسها في الشارع تأثيراً كبيراً على التطورات السياسية بعد أن أزيحت جانباً من قبل التنظيم.

إلى أين وجهة النظام المصري؟؟

مصر الآن على مفترق طرق, فقد مرت بأرجحة صعبة في السنوات الثلاث الأخيرة, شملت استخدام العنف ولم تستقر بعد. وقد أظهرت الأرجحة على الأرض قوات قوية: الجيش, الإخوان المسلمون ومنظمات إسلامية أخرى وأيضاً مجموعات شابة بدأت الثورة وأطراف ليبرالية, تتصارع في ما بينها على شكل وطابع مصر المستقبل, ولكن بعضها لم يقرر بعد أي طريق صراع يتّبع:

أ: الجيش صار عنصر القوة الأهم, لأنه رأى أن من واجبه أن يوقف, ولو بالقوة, التدهور الذي أدى إليه حكم الإخوان في مصر. ولكن الجيش لم يحدد لنفسه بعد, إلى متى سيبقى في مركز الحلبة كطرف يقود مصر.

ب: وزير الدفاع السيسي يبرز في هذه المرحلة كرجل القوي في مصر, وهناك من يقارنه بعبد الناصر الخمسينات. كما أنه يلمح إلى أنه سينافس في انتخابات الرئاسة, وإذا ما ثبت السيسي موقعه كقائد لمصر فإن الأمر سيعزز أيضاً من مكانة الجيش كعنصر القوة الأساسي في الدولة, وليس من خلف الكواليس.

ج: لم يفلح الإخوان المسلمون باستغلال الفرصة التاريخية التي سنحت لهم للسيطرة على مصر, وعدم الكفاءة والحنكة ساهمت في سقوطهم. الآن يجب أن يقرروا هل ينخرطون في العملية السياسية التي على ما يبدو يستطيعون التأثير فيها, ولكن لن يكونوا الطرف القائد, أو الخروج في صراع عنيف مليء بالمخاطر على أنفسهم وعلى بلدهم.

د: مجموعات أخرى, وفي جوهرها مجموعات شبابية التي بدأت الثورة التي أسقطت نظام مبارك وساهمت في إزاحة مرسي, ومجموعات من المعسكر الليبرالي التي لم تتسلم إلى الآن دفة الحكم, تريد التأثير على بلورة نظام حر ديمقراطي.

هذا الصراع الداخلي ينشيء مجتمعاً مع مشاكل اقتصادية/ اجتماعية صعبة, متجذرة في المنظومة المصرية منذ أجيال, وازدادت حدة تعاظم العنف, وزعزعة القانون والنظام, وتزايد اللايقين الذي يميز مصر منذ إسقاط نظام مبارك.

صحيح في الأشهر الأخيرة لعام 2013 لوحظ تحسن معين في الوضع الاقتصادي, ولكنه لازال صعباً. وأياً كان النظام الذي سيتبلور في مصر فإنه سيضطر إلى مواجهة تلك المشاكل التي ساهمت في إسقاط نظام مبارك.

يبدو أن المفتاح الأساسي للتطورات المستقبلية في مصر موجود في أيدي الإخوان المسلمين. قرارهم هل يخرجون إلى الصراع أو ينضمون إلى عملية سياسية تحدد ما إذا كانت وجهة مصر هي نحو إصلاح سياسي أم زيادة العنف وعدم الاستقرار. قرارهم هذا أيضاً سيؤثر على موقف الجيش, هل سيبقى في موقف القيادة أم سيتحول إلى ما وراء الكواليس, من هنا يمكن الإشارة إلى سيناريوهين محتملين.

الأول يتطور في حالة قرار الإخوان بدء الصراع العنيف بغية زعزعة النظام الحالي, أو على الأقل إرغامه على القبول بمطالبهم. وفي سيناريو كهذا تحتمل عدة مستويات من العنف, بدءاً من العصيان المدني على مستوى عنف منخفض مروراً بعمليات متطرفة في مناطق محددة, مثل الذي يجري في سيناء. مواصلة حرب عصابات أوسع وتشجيع على ثورة شعبية ضد النظام, وصولاً إلى حرب أهلية على غرار الجزائر في التسعينات وسوريا اليوم. واضح أن قراراً كهذا يستوجب من قيادة الجيش أن تستخدم كل قوتها بغية قمع التمرد والبقاء كعنصر مركزي في السلطة طالما أنه لم يُقمع.

هذا سيناريو خطير بالنسبة للإخوان المسلمين, منذ الانقلاب الذي أطاح بمرسي والإخوان يخضعون لخطوات قمعية من قِبل الجيش. في النصف الثاني من عام 2013 تم تعزيز خطوات الأمن الداخلي, وفي تشرين الثاني وقّع الرئيس على القانون الذي يقيد حرية الاحتجاج, ويعطي الشرطة وقوات الأمن صلاحيات بتفريق المظاهرات بالقوة, إذا اقتضت الحاجة إلى ذلك, هذه الخطوات أعادت مصر من نواح عدة إلى فترة حكم مبارك. وإذا ما توجه الإخوان إلى صراع جبهوي فمن شأن الجيش أن يضربهم بقوة وقد يخسرون تعاطف جزء من مؤيديهم, إذا ما نُظر إليهم على أنهم مسؤولون عن التدهور والفشل في تحقيق أهدافهم. في هذه الظروف من المعقول أكثر أن يفضّل التنظيم صراعاً محدوداً, هو جار عملياً الآن على التدهور إلى حرب أهلية شاملة. علاوة على ذلك العناصر الإسلامية في مصر لم تحل لغاية الآن إلى صراع عنيف واسع, ومثال سوريا لا يفترض أن يشجعهم ليكرروه: أيضاً في المجتمع المصري ليس من المفترض أن يقود إلى سيناريو حرب أهلية. وهكذا فإن سلوك الإخوان المسلمين في الأشهر التي لحقت الإطاحة بمرسي كان بمقدوره أن يؤيد إمكانية الصراع المحدود.

السيناريو الثاني هو تحقيق موافقة من جانب التنظيم على المشاركة في العملية السياسية, أيضاً هذا السيناريو صعب بالنسبة للتنظيم لأنه يتطلب منه أن يسلم بسقوطه بعد أن كان في السلطة. وعدم الثقة بينه وبين الجيش لن يساعده في ذلك.

سيناريو كهذا من شأنه أيضاً أن يتطلب من الجيش ومن المعسكر الليبرالي أن يقدم للإخوان المسلمين تنازلات حقيقية سواء في مجال الشراكة في السلطة أو صياغة الدستور. ولكن هذا السيناريو ليس مستحيلاً كلياً إذا ما نظر إليه كبديل وحيد للتدهور والعنف الواسع. الحقيقة هي أن حزب النور السلفي قرر المشاركة في لجنة صياغة الدستور وأن هناك من بين الإخوان أيضاً من يؤيدون الانضمام إلى العملية السياسية.

سواء تدهورت مصر إلى صراع عنيف على هذا المستوى أو ذاك، أو تطورت عملية سياسية يشارك فيها الإخوان أيضاً فإن الصراع الداخلي وعدم الاستقرار في الدولة سيتواصلان لمدة طويلة تقاس بالسنين ربما. وقد تحصل خلالها تقلبات إضافية.

في هذه الفترة سيبقى الجيش هو العنصر المهم, ومن المحتمل جداً أن يكون العنصر المركزي والقائد في السلطة, والذي سيحاول خلق الاستقرار في مصر. ومع هذا الاعتقاد لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن قائد الجيش سيكون أيضاً هو قائد مصر مثلما كان ثلاثة عسكريين قبله قد قادوا مصر خلال ستين عاماً التي سبقت العام 2011.

انعكاسات إقليمية

تمر مصر بتغيير هو في أوجه وهي سائرة إلى نهاية ليست معروفة, جعل السلطة في أيدي الإخوان المسلمين انتهى في هذه المعركة نتيجة تدخل الجيش, وخطط الجماهير, ومن المعقول الافتراض أنهم لن يتمكنوا من العودة إلى السيطرة على مصر. مع ذلك ليس واضحاً هل أن هذه العملية ستؤدي إلى انخراطهم في عملية سياسية مشتركة مع أطراف أخرى. أو على العكس, اندلاع موجة عنف بشكل واسع أو ضيق. أيضاً ليس واضحاً إلى متى سيواصل الجيش لعب الدور المركزي في المنظومة السياسية, على ما يبدو. على الأقل لغاية أن تستقر هذه الأرجحة الداخلية. ويبدو أن هذه العملية تستوجب مدة طويلة.

قد تكون للضربة التي تلقاها الإخوان المسلمون انعكاسات أيضاً أبعد من حدود مصر, فهذا التنظيم يعتبر الحركة الأم للمنظمات الإسلامية في العالم العربي. وفشله وسقوطه في دولة مركزية كمصر قد ينعكس أيضاً على منظمات إسلامية في دول عربية أخرى، مثل تونس والأردن.

للانقلاب في مصر تبعات سلبية أيضاً على حماس التي تضررت علاقاتها في السنة الماضية مع سوريا وإيران وحزب الله. صحيح أن في فترة حكم الإخوان حصلت احتكاكات وتوترات بين حماس والحكومة المصرية خصوصاً حول المواضيع الأمنية والاقتصادية المرتبطة في المنطقة الحدودية بين القطاع وسيناء, ولكن هذه وقفت في ظل حقيقة أن الإخوان هم الحركة الأم, والعكاز الإيديولوجي لحماس, وأن التنظيم حظي بتعاطف, وبدعم أساسي من قِبل الحكومة المصرية. ولكن مع زيادة حدة المشاكل الأمنية, والسيطرة المصرية على سيناء بعد الإطاحة بمرسي عزز الجيش ضغوطه على حماس أيضاً. وقد بدأ الجيش عملية واسعة لإغلاق أنفاق التهريب والتجارة على حدود القطاع, وعزز المراقبة على عبور سكان القطاع إلى مصر في إطار محاولاته لتعزيز سيطرته على سيناء. كما أن الجيش أيضاً يرى في حماس عنصراً إشكالياً، بل ومعادياً من الناحية الأمنية نظراً لعلاقاته مع الإخوان المسلمين, ومع عناصر جهادية, وهدد باستخدام القوة في قطاع غزة إذا لم توقف حماس عملها في سيناء.

إيران هي أيضاً هي من بين المتضررين من الانقلاب في مصر, فسلطة الإخوان المسلمين لم تحقق توقعاتها, والمطالبات في مصر لتجديد العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين, ولكن بسبب سقوط نظام الإخوان خابت آمال إيران في عدة مجالات: يقظة إسلامية إقليمية, تقارب شيعي/ سني, تحسين العلاقات بين مصر وإيران بعد تبادل الزيارات غير الرسمية للرؤساء, تعزيز المكون الإسلامي في العالم العربي على حساب المكون القومي, وضعف محور دول الاعتدال, وخاصة إضعاف العلاقة بين مصر والسعودية. ولكن بالإطاحة بمرسي هناك أيضاً أوجه حيوية بنظر إيران: فالإيرانيون تحفظوا على الانتقاد الفظ من قِبل مرسي ضد نظام الأسد. وتوتر العلاقات بين السلطة العسكرية في مصر, وبين حماس قد يدفع حماس مرة أخرى إلى أحضان إيران. ولكن باختصار ميزان الانقلاب في مصر يميل لغير المصالح الإيرانية. القيادة المصرية أوضحت أن تحسين العلاقات مع إيران يتطلب أن تقوم هذه بخطوات تأخذ بالحسبان أمن مصر والدول العربية, وهذا ما لم يحصل بعد.

بالإمكان أن يُضاف إلى ذلك التغيير الذي ظهر في علاقات مصر مع الدول العظمى, فمنذ مطلع العام 2011 لُمس توتر في علاقات مصر مع الإدارة الأمريكية نتيجة ما نُظر إليه على أنه تدخل في شؤونها الداخلية. وقد بدأ هذا عندما حثّت الإدارة الأمريكية مبارك على ترك الحكم قبل أن يُطاح به. هذه النظرية تعززت أيضاً عبر عدم الرضى الذي عبرت عنه الإدارة الأمريكية من الإطاحة بمرسي على يد الجيش, بحجة أن الجيش عمل على إسقاط نظام تم انتخابه ديمقراطياً.

ووصل التوتر إلى ذروته بعد أن جمدت الإدارة الأمريكية جزءاً من المساعدات العسكرية إلى مصر, بما في ذلك تزويد طائرات أف-16 ومروحيات أباتشي ومنظومات دفاع جوي وصواريخ مضادة للدروع.

وسط الشق أو الصدع الذي حصل بين مصر والولايات المتحدة سارعت روسيا إلى الدخول بعد فترة انقطاع دامت 40 سنة في العلاقات العسكرية مع مصر. وفي تشرين الثاني 2013 جرت في مصر زيارة مشتركة لوزيري الخارجية والدفاع الروسيين للتباحث مع نظيريهما المصريين. وفي المباحثات تم الاتفاق على إجراء تدريبات مشتركة في مجالات مكافحة الإرهاب والقرصنة البحرية وزيادة التعاون بين سلاحي الجو والبحر للطرفين وتوسيع التعاون في مجالات اقتصادية. والأهم من ذلك أفيد بأن روسيا عرضت على مصر صفقة أسلحة كبيرة بقيمة 2-4 مليار دولار تتضمن طائرات ميغ 29 ومروحيات حربية, ومنظومات دفاع جوي وصواريخ م/ د, وأيضاً تطوير منظومات الأسلحة القديمة التي زودها الاتحاد السوفيتي لمصر قبل أكثر من 40 سنة.

 ما من شك في أن التقارب بين روسيا ومصر نبع من أن مصر ممتعضة بالتأكيد من الإدارة الأمريكية  واشمئزازها من التدخل في شؤونها الداخلية, وخاصة من تقليص جزء من المساعدات العسكرية. أرادت مصر إذن إثبات أن هناك بدائل لعلاقاتها مع الولايات المتحدة.

ولكن, إذا لم تفلح الولايات المتحدة برأب الصدع في العلاقات مع مصر فإن التقارب مع روسيا قد يراكم زخماً إضافية بما فيه في المجال العسكري.

وأخيراً الانعكاسات على إسرائيل, صحيح أن نظام الإخوان المسلمين لم يؤدِ إلى تغييرات جوهرية في العلاقات المصرية مع إسرائيل, ولكن في أساس هذه العلاقات يبرز نهج أساس عدائي من قِبل التنظيم تجاه إسرائيل حيث كان جزء من قادته ينكر حقها بالوجود, ويرون بها عدواً, وقلصوا العلاقات معها حتى الحد الأدنى المطلوب, وفقاً للمصالح المصرية خاصة في مجال التنسيق العسكري. الانقلاب في مصر لم يرفع إلى الحكم متعاطفين مع إسرائيل, ولكنه أبعد عنها أولئك الذين تحفظوا على العلاقة معها لأسباب أيديولوجية.

الجيش يعترف باستفادة مصر من تعزيز التعاون والتنسيق مع إسرائيل. وطرأ توسيع في رؤية المصالح المشتركة بين الدولتين, خاصة في المجال الأمني. النتيجة هي أن إسرائيل تحاول مساعدة مصر في تعزيز سيطرتها على سيناء, ومن ضمن ذلك عبر موافقتها على توسيع التواجد العسكري المصري في سيناء أكثر من المحدد في اتفاقية السلام. وحسب منشورات علنية, فإن إسرائيل ساعدت في العمليات العسكرية المصرية في سيناء ضد مواقع الجهاديين. وعلى صعيد آخر, تحاول إسرائيل المساعدة في فهم زاوية الرؤية المصرية في واشنطن لمنع المس في علاقات النظام المصري الجديد مع الولايات المتحدة. باختصار, ما من شك في أن إسرائيل هي أحد الرابحين الأساسيين من تغيير النظام في مصر.  

اعلى الصفحة