الانتخابات التركية ومصير أردوغان وحزبه

السنة الثالثة عشر ـ العدد 148 ـ ( جمادى الثانية 1435 هـ) نيسان ـ 2014 م)

بقلم: خورشيد دلي(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

تبدو نتائج الانتخابات المحلية التركية مصيرية لمستقبل زعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان الذي أشهر كل أسلحته للخروج من معركة الانتخابات منتصراً، وفي الوقت نفسه فان هذه النتائج تعد تصويتاً للثقة في حكم حزب العدالة والتنمية بعد عقد من الحكم حيث جرى الكثير من الترويج لنموذجه وتوصيف تجربته بأنها وفقت بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد.

ولعل مرد ربط مصير أردوغان بنتائج هذه الانتخابات هو جملة من القضايا التي باتت تشعل الساحة التركية، فمن تأثير فضيحة الفساد المدوية على الحزب ومصداقيته، وكذلك تداعيات الصدام الجاري مع الحليف السابق الداعية فتح الله غولن، وطريقة تعامل الحكومة مع التظاهرات التي جرت في تقسيم باسطنبول وبعض المدن التركية الأخرى وتعثر عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني فضلا عن اشتداد حدة الصراع مع المعارضة ولاسيما حزب الشعب الجمهوري بزعامة كمال كليجدار... كل هذه القضايا وغيرها باتت تشكل مؤشرات قوية على صدام حكم حزب العدالة والتنمية مع المجتمع، وتحوله من حزب فاز بطريقة ديمقراطية عبر صناديق الاقتراع إلى حزب شمولي يقمع الحريات وجل جهوده تنصب على كيفية البقاء في السلطة، وعليه فان نتائج الانتخابات المحلية ستشكل مقياسا فيما إذا كان حزب العدالة والتنمية سيحتفظ بالسلطة في المرحلة المقبلة أم أنها ستمهد لتغير قواعد الحكم في البلاد، كما أنها ستكون مهمة جدا لزعيم الحزب رجب طيب أردوغان الذي سيحدد خطته المستقبلية بناء على نتائج هذه الانتخابات .

التنافس الإيديولوجي

مع أن الانتخابات هي انتخابات محلية تتعلق بالبلديات ولاسيما في المدن الكبرى، وفي مثل هذه الانتخابات عادة ما يكون التصويت للكفاءات والبرامج والانجازات التي تحققت في المجالات الخدمية والعمرانية، إلا أن المتابع للوضع التركي سيرى أن البعد الإيديولوجي والصراع الحزبي حضرا بقوة في الانتخابات المحلية التركية،ولعل مرد ذلك هو أن هذه الانتخابات مصيرية للأحزاب المتنافسة أولاً. وثانياً: لاشتداد حدة الصراع بين هذه الأحزاب على كيفية تحديد سياسة الحكومة في الداخل (طبيعة الحكم) وتجاه الخارج ولاسيما الأزمة السورية. وثالثاً: لأن الصراع بين (الإسلام) و(العلمانية) مستمر في تركيا على الرغم من كل الحديث عن التوفيق بين الجانبين خلال عهد حزب العدالة التنمية. والأهم أن هذه الانتخابات تأتي في ظل تطورات داخلية دراماتيكية من شأنها أن تجعل من عامل التحالفات الحزبية عاملاً مهماً في المعركة الانتخابية، ولعل من أهم التطورات الدراماتيكية:

1- تداعيات فضيحة الفساد سياسياً، وطريقة معالجة هذه القضية، وسط توقعات بأن تكشف جماعة الداعية فتح الله غولن في الأيام المقبلة عن فصول جديدة من القضايا المتعلقة بالفساد بغية توجيه العديد من الضربات القوية لحزب العدالة والتنمية، خصوصاً وأن تقارير تركية أشارت إلى تنصت طال أكثر من سبعة آلاف شخص بينهم رجب طيب أردوغان حيث تم تسريب تسجيلات هاتفية له تتحدث عن تورطه بالفساد.

2- تحول التحالف بين حزب العدالة والتنمية وحركة غولن إلى معركة مفتوحة، يستخدم فيها كل طرف جميع أوراقه، وهو ما يفتح الباب أمام تحالفات حزبية حتى لو لم يكن هناك توافق في البرامج أو السياسات أو الأيديولوجيا، وهنا يجري الحديث عن تحالف بين حركة غولن وحزب الشعب الجمهوري المعارض في اسطنبول بغية إخراجها من نفوذ حزب العدالة والتنمية وتوجيه أكبر ضربة لأردوغان، نظرا لان هذه المدينة ارتبطت باسم أردوغان شخصياً عندما كان رئيسا لبلديتها في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.

3- التداعيات المستمرة لما جرى في تقسيم وجيزي بارك باسطنبول، حيث ألهمت انتفاضة تقسيم في انطلاق تظاهرات احتجاجية في العديد من المدن التركية ولاسيما في جامعة الشرق الأوسط بأنقرة وقد قمعت قوات الشرطة هذه التظاهرات بقوة، وهو ما دفع بالعديد من المحللين إلى القول إن حزب العدالة والتنمية سيدفع ثمن استخدام هذا العنف ضد المتظاهرين، وحقيقة إذا خسر حزب العدالة والتنمية بلدية أنقرة إلى جانب اسطنبول فإن ذلك سيكون بمثابة كارثة للحزب خصوصاً وأن باقي البلديات الكبرى ولاسيما ديار بكر وأزمير وأنطاكيا تبدو شبه محسومة لصالح الأكراد والمعارضة، والخلاصة هنا هي أن سلوك حزب العدالة والتنمية ضد الحركة والمنظمات المطالبة بالحرية أدى إلى تشكيل ما يشبه جبهة مناهضة لحكم حزب العدالة والتنمية.

4 جملة القوانين ( الانترنيت القضاء إغلاق المدارس والمعاهد الخاصة الاستخبارات) التي أصدرها البرلمان بدفع من حزب العدالة والتنمية على خلفية تفجر المعركة مع غولن واشتداد الصراع مع حزب الشعب الجمهوري، إذ من شأن هذه القوانين تحويل تركيا إلى دولة بوليسية، وهو ما يرشح البلاد إلى المزيد من التوتر وتصعيد جبهة الرفض الشعبية لسياسات أردوغان.

5- على الرغم من كل حديث أردوغان عن السلام الأكراد ومحاولاته الحثيثة للتقرب من الأكراد لأسباب انتخابية، فان المخاوف تتعمق يوم بعد أخر من عودة العنف إلى المشهد التركي ـ التركي خصوصاً في ظل تهديدات حزب العمال الكردستاني بأنه سيعود إلى الخيار العسكري ما لم يقوم أردوغان بخطوات جدية لتحقيق السلام وتحقيق المطالب القومية الكردية، وهو ما يبدو صعباً بالنسبة لأردوغان لأسباب تتعلق بمخاوفه من التيار القومي والجيش .

هذه الظروف والقضايا الحساسة تجعل من معركة الانتخابات المحلية التركية معركة ساخنة لاسيما في المدن الكبرى، وتحديدا اسطنبول وأنقرة وأزمير وديار بكر، وإذا كان معروفاً أن اسطنبول تتبع لنفوذ حزب العدالة وأزمير لحزب الشعب الجمهوري وديار بكر لحزب السلام والديمقراطي الكردي، فإن المعركة الحقيقية ستكون في العاصمة أنقرة بين رئيس بلديتها التابع لحزب العدالة والتنمية مليح كوكتشك ومرشح حزب الشعب الجمهوري منصور ياواش الذي يركز في حملته على الأداء السيئ لمنافسه خلال مظاهرات جامعة الشرق الأوسط التقنية وتلك التي اندلعت خلال تظاهرات تقسيم وجيزي بارك باسطنبول. 

إستراتيجية الهجوم

تقول بعض التقارير التركية إن أردوغان يكتفي بأربع ساعات من النوم هذه الأيام ويخصص باقي وقته لكيفية قيادة حزبه في الانتخابات المحلية التي ستليها الانتخابات الرئاسية في الثامن من آب/أغسطس المقبل ومن ثم البرلمانية في منتصف العام المقبل، بنظر أردوغان سيكون لاستحقاق هذه الانتخابات كلمة الفصل في إعطاء المشروعية لحكم حزب العدالة والتنمية حتى العام 2025 كما خطط له طويلاً، وهو لهذا اختار الهجوم أسلوباً لمواجهة هجوم خصومه بدلاً من الدفاع، وهو في هجومه يركز على:

1- الهجوم الشديد على فتح الله غولن بوصفه نقض التحالفات ويريد زرع الفتنة ويرفض العمل السياسي الواضح وفقاً لقواعد اللعبة الديمقراطية، وعليه دعاه إلى مبارزته في الانتخابات كخصم وليس اعتماد أسلوب بث الأكاذيب والافتراءات وذلك في معرض رده على تسريب تسجيلات صوتية نسبت لأردوغان التورط في قضايا فساد. والذي يجب استخلاصه هنا، هو أن المنبع الأيديولوجي الإسلامي الواحد بين الجماعات الإسلامية لا يعني أن هذه الجماعات قد لا تدخل في صراعات وخلافات تصل إلى حد الخصومة السياسة، كما هو الآن بين أردوغان وغولن، وكما هو حاصل في مصر بين الأخوان المسلمين وحزب النور السلفي الذي تحالف مع الأخوان في البداية قبل أن ينحاز في الأخير لصالح حركة الثلاثين مع يونيو/حزيران ضد حكم محمد مرسي ومن خلفه جماعة الأخوان المسلمين.

2 الهجوم الشديد على حزب الشعب الجمهوري المعارض ولاسيما زعيمه كمال كليجدار أوغلو من بوابة أن الأخير يتبع سياسات طائفية ويركز على القضايا الصغيرة ولا ينتهج سياسات ترقى إلى مستوى الدولة، وقد برزت التسجيلات التي سربت عن جوانب من السياسة الطائفية التي اتبعها أردوغان في قضية التعامل مع العلويين وكذلك الأمر مع الأكراد من الزاوية القومية، وبسبب سياسة أردوغان هذه كثيرا مع اتهمه كليجدار أوغلو بالطائفي والعميل الصغير لأمريكا، والتهمة الأخيرة وجهها له أيضاً مؤسس الإسلام السياسي في تركيا نجم الدين أربكان مع أن أردوغان كان عضواً في حزبه الفضيلة ومن ثم الرفاه.

3- أردوغان وأمام تداعيات فضيحة الفساد والخوف من تدهور شعبية حزبه بين الأوساط المؤيدة له، وكذلك خوفاً من تداعيات كل ذلك على قيادة حزبه خصوصاً بعد أن ارتفعت أصوات العديد من النواب والوزراء ضده واتهامه بالدكتاتورية والتفرد، خصص جولات شملت مختلف المدن التركية الكبرى (80 مدينة) ونظم حشود جماهيرية ضخمة في هذه المدن بغية خلق حالة من التواصل المباشر مع الجماهير وتعبئته وتحصينه من تداعيات فضيحة الفساد، كما عقد اجتماعات متلاحقة مع قيادة حزب العدالة والتنمية بغية دفعها إلى اتخاذ قرارات سواء في البرلمان أو الحكومة هذا من جهة، ومن جهة ثانية لمنع حصول انقسام في الحزب، ولعل ما عزز من مخاوف أردوغان في هذا الاتجاه هو استقالة العديد من النواب والوزراء، وسط حديث عن وجود كتلة تقارب30 نائباً تفكر بالاستقالة الجماعية والانضمام إلى حزب الشعب الجمهوري المعارض، وإذا ما حصل مثل هذا السيناريو، فسيكون ذلك ضربة كبيرة وموجعة لأردوغان.

4 - الحرص على ترميم الجسور مع الجيش بوصفه أهم وأعرق مؤسسة وطنية في تاريخ تركيا بغية كسبه في المعركة المقبلة،ولعل هذا ما يقف وراء الإفراج عن عشرات الضباط والسياسيين والصحفيين الذين تم سجنهم بتهم التورط في التخطيط لانقلاب عسكري ضده في إطار ما عرف بقضية (ارغينيكون)، والمنطق نفسه يقف وراء حرصه إبقاء الجسور مفتوحة مع الحالة الكردية لحسابات تتعلق بالحصول على أصوات الناخبين الأكراد وهي كتلة كبيرة نسبياً من جهة، ومن جهة ثانية لإمكانية التحالف مع الكتلة البرلمانية الكردية التي تقدر بـأكثر من ثلاثين نائباً، ومثل هذا الأمر يبدو حيوياً لحزب العدالة والتنمية خصوصاً إذا لم يحصل على أصوات تؤمن له الأغلبية في البرلمان كما كان في السابق، وهنا التحالف مع الأكراد يعني إمكانية تشكيل حكومة ائتلافية تؤمن له إدارة البلاد في ظروف مختلفة عن المرحلة السابقة.

في الواقع، من الواضح أن أردوغان اختار إستراتيجية الهجوم والحشد في المرحلة المقبلة، لقناعته بأن هذه المرحلة صعبة ولا تحتمل أي تراجع، وإلا فإن إستراتيجية حزب العدالة والتنمية للحكم خلال العقد المقبل ستتعرض لانتكاسة قد تقضي على مستقبله السياسي ومستقبل حزبه .

انتخابات مصيرية

لعل مقياس النجاح أو الفوز لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية، هو الحصول على نفس النسبة التي جرت في الانتخابات السابقة عام 2009 على الرغم من أنه حقق في الانتخابات البرلمانية السابقة عام 2011 أكثر بقليل من 50% من الأصوات، فمثل هذه النسبة ستُبدد لدى أردوغان والحزب المخاوف من أن تكون تداعيات قضية الفساد قد أثرت سلباً على الحزب ومصداقيته، وبناء على هذه النتائج سيضع أردوغان خطته لكيفية خوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. فيما بالنسبة للخصوم (غولن) وكذلك المعارضة (حزب الشعب الجمهوري وبدرجة أقل حزب الحركة القومية) هي معركة مصداقية الانتقاد الشديد لسلوك أردوغان وطريقة تعاطي الحزب مع القضايا الداخلية التركية وسياسة تركيا الخارجية ولاسيما تجاه الأزمة السورية وإيران وإسرائيل.

أردوغان ينتظر بفارغ الصبر معرفة نتائج الانتخابات، ليجد نفسه أمام سيناريوهات الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والاستحقاقات الدستورية والقانونية لخوض هذه الانتخابات. ثمة من يرى أن أردوغان أمام ثلاث سيناريوهات:

1- سيناريو الفوز، فإذا فاز حزبه وبنسبة كبيرة على غرار الانتخابات السابقة، فستسير الأمور كما هي مرسومة من قبل، أي انه سيستعد لخوض الانتخابات الرئاسية المقررة في آب المقبل وهي المرة الأولى التي ستجري فيها هذه الانتخابات بطريقة الاقتراع المباشر.

2-  إذا خسر حزبه ولاسيما بنسبة كبيرة فقد يلجأ أردوغان إلى سيناريو الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة، كي يضمن نسبة معقولة في البرلمان، وفي هذه الحالة قد يتم أعادة العمل بقانون انتخاب الرئيس من داخل البرلمان، نظراً لأن مثل هذه الطريقة تبقى الوحيدة أمامه للوصول إلى قصر الرئاسة في تشانقاي.

3- إلى جانب هذين الخيارين، لا يستبعد متابعون للشأن التركي أن يضع أردوغان نهاية لحياته السياسية بالانسحاب منها في لحظة ما، خصوصاً إذا تعرض حزبه لخسارة كبيرة، وغير ذلك فإن أردوغان سيجد نفسه مضطراً لتعديل قوانين حزب العدالة والتنمية التي وضعها بنفسه ولاسيما القانون الذي لا يسمح لأعضاء الحزب بشغل مناصبهم لأكثر من ثلاث ولايات، إذ أنه قد يجد نفسه أمام هذا السيناريو للبقاء في منصبه في رئاسة الحكومة.

مقابل إستراتيجية أردوغان هذه، فإن القوى الأخرى تعمل بكل ما لديها من قوة وأوراق لإزاحة أردوغان وحزبه عن السلطة، فهاجس الجميع في هذه الانتخابات هو الانتصار على الخصم، ونتائج هذه الانتخابات ستكشف القوة الحقيقة للجميع في الشارع، كما ستكشف سيناريو الحكم في المرحلة المقبلة، وهو سيناريو يتراوح بين فوز حزب العدالة والتنمية كما في الانتخابات السابقة وبالتالي الاستمرار في تجربة الحزب في حكم تركيا وإدارتها في المرحلة المقبلة، أو الخسارة والاضطرار إلى صيغة الحكومات الائتلافية التي عرفتها تركيا في عهد بولنت أجاويد ومسعود يلماظ وتانسو تشيلر، وهي تجربة اتسمت بعدم الاستقرار والانقلاب على التحالفات السياسية والأزمات الاقتصادية والاضطراب السياسي. 

أردوغان أسير الفساد والفشل الإقليمي

 من الواضح، أن أردوغان يعيش أصعب اللحظات السياسية والشخصية في حياته، فالرجل الذي يتصرف بعقلية السلاطين ما أن يحاول طمس معالم فضيحة أو أزمة حتى تواجهه فضيحة أكبر، إذ مع كل يوم جديد بات الأتراك ومعهم العالم مع موعد لتسجيل جديد، فيه من الوقائع والأسماء عن فضيحة لها علاقة بأردوغان وحكومته وحزبه ودائرة المقربين منه على شكل مسلسل يومي، حيث يتوقع المراقبون المزيد من هذه التسجيلات في الأيام المقبلة، لطالما أن التقارير الإعلامية التركية تحدثت عن أن التنصت طال أكثر من سبعة آلاف شخص بينهم أردوغان نفسه.

حقيقتان تلخصان الوضع الصعب لأردوغان وهو أمام معركة مصيرية.

الأولى: أن أردوغان بات أسيراً لتداعيات فضيحة الفساد التي هزت حكومته وحزبه ومصداقيته الأخلاقية والشخصية، وقد جعلته هذه الفضيحة في حالة أقرب إلى الجنون، إذ يبدو وكأنه يقود انقلابا ضد الدولة والمجتمع والقضاء والصحافة من أجل إبعاد تهمة الفساد عنه مع أن الأدلة باتت واضحة وتقترب من شخصه مع يوم جديد، ولم تنفعه كل الإجراءات التي قام بها ضد العناصر الموالية لفتح الله غولن في القضاء والشرطة والأمن، حيث طالت هذه الإجراءات والتي تراوحت بين الفصل من الوظيفة أو النقل أكثر من ثمانية آلاف موظف وعنصر.

الثانية: أن أردوغان بات أسيراً لفشل سياسته الإقليمية، فمن سياسته تجاه سوريا إلى مصر والعراق وحتى إيران وروسيا واليونان وأرمينيا... باتت سياسته هذه رمزاً للفشل والتوتر والسلبية. ويعود هذا الفشل إلى سببين أساسيين:

الأول: هو حضور البعد الغربي بشكل قوي في السياسة التركية الخارجية انطلاقاً من الارتباط التركي العضوي بالغرب حيث العضوية في الحلف الأطلسي.

الثاني: البعد الإيديولوجي المصبوغ بالعثمانية الجديدة في السياسة الخارجية التركية في عهد حزب العدالة والتنمية، وهو بعد له ذكريات مريرة في حياة شعوب المنطقة من جهة، ومن جهة ثانية عمق من البعد الطائفي في المنطقة.

وفي جميع الأحوال، لا يمكن النظر إلى فضيحة الفساد وتداعياتها دون الفشل الإقليمي الذي هو الوجه الأخر والمكمل لسياسة أردوغان التي وضعت تركيا في مآزق كبير، والنتيجة الطبيعية لهذه السياسية، هي أن تركيا باتت تغلي وتقترب من الانفجار، فلسان حال المعارضة بات يطالب أردوغان بالاستقالة، والجميع يحمله مسؤولية ما وصل إليه الوضع في البلاد من توتر وقلق وخوف. ولكن اللافت أن أردوغان يتصرف وكأنه لم يستوعب ما جرى حتى الآن، أو أنه يتصرف من مقولة أكون أو لا أكون. إذ مع كل فضيحة فساد أو دعوة له للاستقالة يصعد في كل الاتجاهات ويشن حرباً فعلية على المعارضة والخصوم عبر استغلال البرلمان الذي يتحكم به حزبه من أجل الفوز والبقاء في سدة السلطة... وغير ذلك يعني هزيمة مدوية لأسطورة الحزب الذي قال عنه أردوغان إنه الوحيد الذي ليس فيه فساد وأنه حقق النموذج الناجح الذي وفق بين الإسلام والعلمانية، والقادر على تحقيق نهضة اقتصادية... قبل أن تكتشف الوقائع أن الحزب بات بحاجة إلى من يحل مشكلاته ويقترب من طريق مسدود، إلى درجة أن أردوغان بات يحاول استجرار العطف عبر التهديد بالانسحاب من الحياة السياسية إذا خسر حزبه في الانتخابات، وهو يدرك ان هذه الخسارة ستضعه في السجن بتهم الفساد.

في الواقع، تبدو تركيا وكأنها تدخل في مرحلة حرب داخلية طويلة المدى، ولعل الفضل في كل ذلك يعود إلى أردوغان بالدرجة الأولى، فالرجل الذي تحدث طويلاً عن العدالة والنزاهة ومحاربة الفساد بات رمزاً للفساد ولإقصاء المعارضة والتنوع والالتفاف على حقوق القوميات والأقليات والمذاهب، والرجل الذي تحدث طويلاً عن العمق الإسلامي والإخاء الإسلامي والجوار.. انقلب على كل هذه الشعارات وتحول إلى عامل للتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة انطلاقاً من أوهام وأحلام سياسية منبثقة من التاريخ، وتحت هذا الوهم أوصل أردوغان الوضع في بلاده إلى نقطة حرجة جداً، إذ أنها باتت تقترب من الاضطراب والانفجار في معركة انتحابية يريدها أردوغان أن تكون مصيرية لمستقبله وحزبه بدلاً من تكون استحقاقاً دستورياً وديمقراطياً.

كاتب وباحث متخصص بالشؤون التركية(*)

اعلى الصفحة