أسلحة الدمار الشامل من منظور فقهي إسلامي(5)

السنة الثالثة عشر ـ العدد 147 ـ ( جمادى الاولى 1435 هـ) آذار ـ 2014 م)

بقلم: الدكتور علي ناصر(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

إنها ذكرى انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، وفيها نختم البحث في إحدى تجليات هذه الثورة المباركة، التي أسَّسها وقادها الإمام الخميني (قده) في عصرنا الحاضر، وسلَّم أمانتها إلى تلميذه الأمين، العالم الرباني، والقائد السياسي والجهادي والاقتصادي والاجتماعي لدولة إسلامية فريدة من نوعها، الإمام السيد علي الخامنئي (دام ظله)، هذه الثورة التي أولدت جمهورية إسلامية حقيقية أثبتت خلال عقود من الزمن أنها ثابتة على مبادئ الإسلام المحمدي الأصيل، على الرغم من بعض التكتيكات الذكية المطلوبة.

 كما أثبتت الثورة الإسلامية الإيرانية خلال عقود من الزمن أنها ليست كغيرها من الثورات أو الدول التي تدعي الإسلام وتحالف الصهيونية وأعداء الأمة الإسلامية، بل وتتآمر معهم على مقدسات المسلمين، منفقة المليارات من الدولارات في سبيل استباحة دمائهم وأعراضهم، ومحكِّمة فيهم شرذمة من التكفيريين، الذين يعيثون في الأرض فساداً، ويعملون على تمزيق الأمة الإسلامية، وتشويه صورة الإسلام في الشرق والغرب، بل في أعين الناس أجمعين، إلا من كان يملك العقل الراجح، والوعي الكافي، والقدرة على التمييز بين الإسلام المحمدي الأصيل، الذي ينتهج نهج الأئمة من آل بيت الرسول الأكرم(ص) الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين، وبين ما يسمونه زوراً بالإسلام المعتدل، والإسلام السُّنِّي، وكأنهم لم يفقهوا القرآن، ولا السُّنَّة، وكأنهم يريدون أن ينحروا الإسلام من جديد.

ونختم هذه المقالات المتعددة حول مشروعية أو عدم مشروعية إنتاج، أو استعمال أسلحة الدمار الشامل، في الوقت الذي يخشى فيه الغرب من تعاظم قوة إيران، لما لها من تأثير قوي في العراق، بعد قضاء الولايات المتحدة على صدام حسين، ونظامه البعثي، وفي أفغانستان بعد أن أضعفت الولايات المتحدة حركة طالبان وتنظيم القاعدة، وفي تركيا، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، بسبب انحياز الولايات المتحدة الكامل لمصالح "إسرائيل" في المنطقة. فإذا نجح الإيرانيون في اكتساب قوة نووية، فسيصبحون قادرين على ردع العدوان الخارجي، وزيادة وزنهم الإقليمي والدولي، وكسر حاجز العزلة عنهم في عالم يحترم القوة، ولا يؤمن بالمواعظ، وبالتالي سيصبحون قوة إقليمية، ودولية، يحسب لها العدو، والصديق، ألف حساب. وإذا خسروا التحدي الحالي، فسيكون ذلك فاتحة تراجع كبير في مشروعهم الإسلامي، والوطني، وتكريساً لارتهان المنطقة بأسرها للتدخل الخارجي، والإخضاع الكامل. ويبدو أن رجحان أحد طرفي المعادلة يتوقف على عوامل كثيرة، منها مستوى الحنكة لدى القيادة الإيرانية، وردود الفعل "الإسرائيلية"، والأمريكية، وإمكانيات التدمير العسكري للمنشآت، وثمن ذلك التدمير إن حصل، وإمكانية حصول إجماع دولي حول الموضوع.

وهناك تمايز بين خلفية الولايات المتحدة، و"إسرائيل"، على مستوى الصراع مع إيران، إذ يرى الإسرائيليون في البرنامج النووي الإيراني كسراً لاحتكارهم القوة النووية في المنطقة في وقت السلم، وخطراً وجودياً عليهم في وقت الحرب، فهم يقرؤونه قراءة عسكرية بالأساس. أما الأمريكيون فيقرؤونه برؤية استراتيجية أوسع وأبعد مدى من المخاطر العسكرية المباشرة، فيرون أنه سيغير المعادلة الاستراتيجية السائدة اليوم، تغييراً عميقاً، يؤدي إلى تراجع النفوذ الأمريكي، المخيِّم بظلاله على المنطقة منذ سبعة عقود، وتصبح الجمهورية الإسلامية الإيرانية منافساً لهم في النفوذ في منطقة الخليج، والشرق الأوسط، التي طالما انفردوا بها، وستفرض عليهم أن يحسبوا لها حساباً جدياً في كل سلوكهم السياسي في المنطقة، فلا توجد يد طليقة في ساحة يوجد بها قوتان نوويتان متنافستان، كما سيتولد إحساس لدى بعض الدول المسلمة في الخليج، والشرق الأوسط، وآسيا الصغرى، أنها أصبحت في غنى عن مظلة واشنطن العسكرية التي ظلت تحتمي بها طيلة عقود من الزمن.

أضف إلى ذلك أن إيران تستطيع، إذا تحولت إلى قوة نووية، أن تدخل في حلف مع دول مسلمة في المنطقة منها باكستان، وتركيا، والعراق، فيما يشبه النواة الصلبة لقوة إقليمية مسلمة لها وزنها العسكري، والاقتصادي، والسياسي، على أمل أن تكون التغييرات التي حدثت في أنظمة الحكم في بعض الدول العربية لصالح المشروع الإسلامي المقاوم للهيمنة الصهيونية.

زد على ذلك أنَّ إيران النووية تستطيع أنْ توثِّق علاقاتها مع الصين، فيما يشبه حلفاً دولياً جديداً في آسيا، يجعل الهيمنة الأمريكية على آسيا تتراجع أمام العملاق الصيني الصاعد، وحلفائه من المسلمين، الذين ملّوا تدخل القوى الغربية في شؤونهم، واستهتارها بمصائرهم.

الفقرة الأولى- منطلقات فقهية تُبيح استخدام أسلحة الدمار الشامل:

لقد جاءت تجربة التطبيق الإسلامي في إيران، وما رافقها من حاجات ملحة للتأصيل الإسلامي، لتفرض على الحوزة العلمية والباحثين فيها اجتهاداً جديداً يلبي الحاجات المستحدثة، ويواكب المستجدات. وقد ظهر من خلال هذه التجربة أن الاجتهاد المتداول في الحوزات العلمية لم يعد كافياً لإشباع حاجة الواقع، فالنقاش لم يعد حول أهمية التجديد، بل حول إنزاله إلى أرض الواقع، وصوغ مرتكزات علمية متينة لإحداث هذه النقلة. فمن المعلوم أن علماء الأصول حصروا الأدلة على الأحكام الشرعية في أربعة مصادر هي: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والعقل.

 أما الإجماع فهو في اللغة "اتفاق الجميع على أمر ما"، والمراد منه في الاصطلاح اتفاق خاص، كاتفاق الفقهاء من المسلمين على حكم شرعي، أو اتفاق أهل الحل والعقد من المسلمين على الحكم. وقد جعله الأصوليون من المسلمين السُّنَّة أحد الأدلة في مقابل الكتاب، والسُّنَّة. أما المسلمون الشيعة الإمامية، فقد جعلوه أيضاً أحد الأدلة على الحكم الشرعي، ولكن ليس دليلاً مستقلاً في مقابل الكتاب، والسُّنَّة، بل بما هو كاشف عنها. فالإجماع عند الشيعة الإمامية، هو اتفاق اثنين من الفقهاء، أو أكثر، على حكم شرعي، يكشف كشفاً أكيداً عن رأي المعصوم(ع)، بحيث يُعلم إجمالاً على نحو القطع، بأن المعصوم هو أحد المجمعين. والإجماع بذلك لا يشكل مصدراً مستقلاً للفقه، بل يستمد حجيته من دلالة قول المعصوم(ع)(1).

وليس في مورد بحثنا محلٌّ للإجماع. فإذا فقدت الأدلة الثلاثة، أي الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، فالمعتمد عند المحققين التمسك بدليل العقل فيها(2). ومما لا ريب فيه أن الشارع المقدس حين شرع أحكامه أخذ بعين الاعتبار مقتضيات الفطرة الإنسانية، ومعطيات الواقع، وفهم الإسلام الذي لا يقف عند حدود الفتوى. وقد يقال بأن مقتضى إطلاق الآيات والروايات الواردة في باب الجهاد، أو مقتضى عدم بيان التحريم، هو جواز استخدام هذه الأسلحة، وغيرها، بلا أي محذور، ما دام هناك حرب مع الأعداء. وفيما يلي سنستعرض أدلة بعض القائلين بجواز استخدام أسلحة الدمار الشامل من القرآن المجيد، وسنوازن بين المقالات السابقة، التي بحثت أيضاً أدلة التحريم على استعمال هذه الأسلحة، ونخلص إلى نتيجة عملية، تحتاج بالطبع إلى المزيد من البحث والتدقيق العلمي.

البند الأول- الكتاب

يستدلُّ بالقرآن الكريم عبر استنطاق دلالة آياته، فهي مقطوعة الصدور عن المولى عزَّ وجلَّ، فلا يُناقش في سندها. كما أن فهم الآيات القرآنية لا ينفصل عن تفسير الآية القرآنية لآية أخرى، فالتفسير هو إيضاحُ مُراد الله تعالى من كتابه العزيز، وقد نزل القرآن الكريم بلغة العرب، ولكنَّ فهم القرآن لا يتوقف على فهم اللغة وحدها، بل يتضمن أيضاً فهم ما فيه من فكر، وفقه، وتشريع، وقوانين، وأخلاق. وعليه فإن التفسير حاجة ضرورية لجميع المسلمين، بل للناس أجمعين. وقد سلك المفسرون مناهج مختلفة في تفسير القرآن، منها: تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسُّنَّة، والتفسير بالرأي، والتفسير العلمي، والتفسير الموضوعي، والتفسير بالمأثور، والتفسير الأدبي. ويرى بعض الباحثين أن تفسير القرآن بالقرآن، يعني بذل المُفسِّر ما في وسعه، لاستبيان معاني الآيات بالرجوع إلى آيات أخرى، وذلك بالاعتماد على ترابط الآيات فيما بينها، ودور كل آية في تفسيرها للأخرى(3).

ويرى باحث آخر أن تفسير القرآن بالقرآن، هو أفضل منهج، وقد نشأ منذ عصر النبي (ص)، واستمر إلى يومنا هذا، فقد سلك هذا المنهج في التفسير النبي (ص)، والأئمة المعصومون (ع) من بعده، ثم الصحابة، والتابعون، ثم جمهور المفسرين، وذلك لما في القرآن من إيجاز، وإطناب، وإطلاق، وتقييد، وتعميم، وتخصيص، وإبهام، وتوضيح(4). كما أن فهم الأحاديث الشريفة لا ينفصل أيضاً عن تفسير الحديث الشريف لآية قرآنية(5)، أو تقييد الآية برواية.

من يقول بجواز استخدام أسلحة الدمار الشامل يرى أن القرآن الكريم بيَّن أن الأمر الإلهي يقضي بقتل المشركين بالله تعالى، وصيغة الأمر ظاهرة في الوجوب. بل إن العقاب الإلهي يقضي عليهم بأشد من ذلك، فالقرآن يُصرِّح، كما بيَّنا، بالعذاب الأليم والخالد لهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم. ورُبَّ قائل إن الله تعالى هو الذي خلقهم، وبالتالي هو وحده الذي يحق له أن يعاقبهم بمثل ذلك، فلا يستطيع البشر أن يفعلوا ذلك بأخوتهم من بني البشر، وإن اختلفوا معهم في الدين، أو الجنس، أو العرق، أو اللون.. ويُرَدُّ عليه أن المسألة لا تتعلق بالاختلاف والتنوع الحاصل بين بني البشر، وإنما بالكفر، وفعل الشر الذي يؤدي إلى فساد الكون إن لم يواجه الإنسان الصالح فِعل الإنسان الشرير. أضف إلى ذلك أن الله تعالى هو أرحم الراحمين، فإن كان المورد مورد رحمة فإن رحمته وسِعت كل شيء، وهو الأولى بها، ومع ذلك فقد قضى عليهم بالموت والعذاب لأنهم أطاعوا الشيطان، الذي زيَّن لهم أعمالهم، فظلموا أنفسهم، وفيما يأتي نستعرض طائفة من هذه الآيات القرآنية المباركة:

- هناك آيات قرآنية تحث على قتل الكفَّار جميعاً، قال تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً﴾(6). ودعاء النبي نوح (ع)، على الكفار بالموت والفناء، صريح، وهو من أنبياء الله تعالى، المعصومين عن الخطأ، والذين يجسدون الصفات الإنسانية والرسالة الإلهية. وقد علَّل ذلك بأنهم يعملون على إضلال الناس، وأن أبناءهم سيقومون بدورهم أيضاً بفعل بيئة الفجور والكفر التي ستكون محيطة بهم، وبفعل العوامل الوراثية والتربوية. ويؤيده الحديث الآتي: عن محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن فضل بن عثمان الأعور عن أبي عبد الله(ع) أنه قال: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه اللذان يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه، وإنما أعطى رسول الله (ص) الذمة، وقبل الجزية عن رؤوس أولئك بأعيانهم، على أن لا يهوِّدوا أولادهم، ولا ينصرِّوا"(7). ويفسِّر العلامة الطباطبائي الفطرة انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾(8)، فيرى أن الفطرة هي الخلقة الإلهية التي نظَّمها الله، بحيث تسلك بالإنسان إلى السعادة، وهي لا تخالف أصلها الباعث لها.. فإنه تعالى هو الذي نظَّم الكون، فساق الأشياء فيه إلى غاياتها، وهداها إلى سعادتها، ثم فرع على فطرة الإنسان السليمة، عقائد، وآراء فكرية، يبني عليها أعماله، فتسعده، وتحفظه عن الشقاء، وخيبة المسعى، والله جلَّت ساحته لا يمكن أن يأمر أو ينهى الناس جميعاً بالحَسَنِ والقبيحِ معاً، فيختلُّ بذلك نظام التكليف والتشريع، ثم الثواب والعقاب، ثم يصفُ الدينَ الذي هذه صفته بأنه دينٌ قيِّمٌ، وبأنه فِطرةَ اللهِ التي فطرَ الناس عليها، والفطرةُ بريئةٌ من هذا التناقض، وأمثاله(9).

- وهناك آيات قرآنية أخرى تبيِّن أن القتل هو حكم الله على الضالين الذين يصدون عن إتّباع الحق جميعاً، والمستكبرين جميعاً، والمشركين، ولكن بعد إلقاء الحجة عليهم: هناك آيات تتحدث بأسلوب قصصي عن أقوام ضلوا عن سبيل الله: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾(10). وهناك أقوام استكبروا في الأرض، بعدما جاءتهم البيِّنات، فلم يرتدعوا: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾(11).  فكانت النتيجة أن حكم الله تعالى عليهم بالقتل وإن تعددت أسبابه، وسوء العاقبة: ﴿فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا(12)وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ(13) وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾(14)

أضف إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(15). وورد في تفسير مفردات الآية أيضاً أن الحصر هو المنع من الخروج عن محيط، والحصر، والحبس، والأسر، نظائر. والمرصد: الطريق، ومثله المرقب، والمربأ. ورصده يرصده رصداً. وقوله "كل مرصد": على كل مرصد. وهو لا يحتاج في هذا إلى تقدير حرف جر(على)، إذا كان المرصد اسماً للمكان(16). وكلمة المشركين مطلقة، إذ تعمهم جميعاً، من دون تمييز بين الرجال، والنساء، والأطفال، والشيوخ. وقد ورد في تفسير هذه الآية: "والآيات كما يدل سياقها نزلت بعد فتح مكة، وقد أذلَّ الله رقاب المشركين، وأفنى قوتهم، وأذهب شوكتهم، وهي تعزم على المسلمين أن يطهِّروا الأرض التي ملكوها، وظهروا عليها، من قذارة الشرك، وتُهدر دماء المشركين دون قيد وشرط، إلا أن يؤمنوا، ومع ذلك تستثني قوماً من المشركين بينهم وبين المسلمين عهد عدم التعرض"(17).

- كما ورد في القرآن الحكيم أن الله تعالى قد واجه أولئك الذين يحاربون الله ورسله، ويقفون عقبة في وجه دعوة الأنبياء، بعذاب الاستئصال في غير مورد، ولم يُبْقِ منهم أحداً، ولا من كل ما يرتبط بهم، وبغض النظر عن طريقة القتل والإبادة، فمرّة بحجارة من سجيل، وأخرى بالإغراق، وثالثة بالصيحة.. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾(18)، وقال أيضاً: ﴿وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾(19)، وفي آية أخرى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾(20). وهذه آية إضافية تبيِّن حكم الله تعالى على الذين كفروا بتعاليم الله التي بعثها إليهم عبر نبيِّه نوح، وهو حكم مُبرم بإغراقهم، ولا رجعة عنه، وسببه أنهم من الظالمين. فكيف بمن خالف الإسلام، وواجه خاتم الرسل والأنبياء، وأعظمهم، وكاد للمسلمين، وتآمر عليهم؟

أضف إلى ذلك دعاء النبي نوح(ع) على الكافرين بالفناء: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً﴾(21). زد على ذلك ما فعل الله تعالى بأصحاب الفيل، حيث أبادهم عن بكرة أبيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ(22) فِي تَضْلِيلٍ(23) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ(24) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ(25) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ(26)(27).

البند الثاني موازنة الأقوال

في خاتمة هذه المقالات المتعددة حول مشروعية أو عدم مشروعية إنتاج، أو استعمال أسلحة الدمار الشامل، نقول إن هذا الموضوع يحتاج إلى المزيد من البحث والتأصيل على المستوى الفقهي، والقانوني الدولي، ولاسيما إذا تعارضت الأدلة، وإن أصل المحافظة على البيئة هو أمر معلوم، بل بديهي، لأن البيئة هي الهواء الذي يستنشقه الإنسان، والماء الذي يشربه، والتربة التي يزرعها. وقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحافظ على البيئة بعناصرها المختلفة حتى في حال الحرب، وتمنع إهلاك الحرث والنسل، فتنهى عن الإفساد في الأرض، وقطع الزرع، وإبادة مقدرات الشعوب، وتبتعد عن المدنيين، ولا تأمر بقتال إلاّ من حمل السلاح معتدياً، وتُقَدِّمُ دَرْءَ المفاسد على جَلْبِ المصالح، وأنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وتأمر بتضييق دائرة المعارك الحربية، وقصرها على الأهداف العسكرية ما أمكن، وتدعو إلى الرحمة والشفقة بين بني البشر.. ولكن محل النزاع هو في حالة الحرب، حيث يقع التزاحم بين حياة الإنسان المؤمن، المدافع عن نفسه، وشعبه، وعرضه، وأرضه، وماله، وبين حياة الكافر، الحربي، المعتدي على بلاد المسلمين.. فالمحافظة على البيئة ليست أهم من المحافظة على حياة الإنسان الذي يجب أن يدافع عن نفسه أمام عدو جبار يريد إخضاعه، وإذلاله، وقتله، بل سحقه.

صحيح أن الأصل في دين الإسلام هو معاملة الناس بالحسنى ولو كانوا من غير أتباعه، فيُحَرِّمُ الاعتداء عليهم، ويكفل لهم العيش الكريم على أرضه، وهذا ما تنص عليه القوانين الدولية الحديثة أيضاً، ولكن يجب أن نكون واقعيين، ولاسيما أن فئة من الدول تسعى لامتلاك الأسلحة، ومن يمتلك سلاحاً نووياً فإنه في الواقع يمتلك سبب نجاته، فلا تطمع فيه الأمم، لذا ترفض الدول الكبرى، الطامعة في خيرات العباد والبلاد، والتي تمتلك هذه الأسلحة، امتلاك أي دولة أخرى، غير خاضعة لها، للطاقة النووية، أو للسلاح النووي.

إننا نعتقد أن امتلاك الدول الإسلامية للأسلحة الفتاكة، لا يتعارض مع قيم الإسلام السمحة، إذا كانت بمثابة ردع لمن يحاول مساس المسلمين بالشر، لأن ذلك لا يعني أنهم سيستخدمونها في حرب مع العالم، فقد أمر الله تعالى بإعداد ما في الوسع من قوة لإرهاب الأعداء، وردعهم عن الاعتداء، ولذلك فإن صناعة، واقتناء، أسلحة الدمار الشامل- بحسب رأي بعض الفقهاء - واجب على المسلمين، كواجب الدفاع عن النفس ضد المعتدين، من دون إفساد في الأرض، ولا اعتداء على المسالمين. ويجب على الدول الإسلامية أن تستعمل أي سلاح ممكن في الدفاع عن نفسها إذا كان لازماً، فللضرورة أحكامها الخاصة، ولا بد من الرَّدِّ على العدو بالمثل حتى يرتدع. وبالتالي يتبيَّن لنا أمران يجب الجمع بينهما: 

1. القلقُ على وضع عالمنا النووي، حيث تعيش البشرية في خطر عظيم.

2. حملُ همِّ الدفاع عن الإسلام والمسلمين.

وهل يمكن الجمع بين الأمرين، أي بين تحريم إنتاج أسلحة الدمار الشامل، واستعمالها، من جهة، وبين حماية المسلمين، ومقدساتهم، واقتصادهم، واستقلالهم، من جهة أخرى، ولاسيما أننا في عالم لا يفهم إلا بالقوة، عالم يسحق فيه القويُّ الضعيفَ؟ إننا نعتقد أن الجمع بين الأمرين ممكن، وذلك بأن تكون حرمة إنتاجها، واستعمالها، ليست مطلقة بل بالعنوان الأولي، وأن يكون إنتاجها واجباً بالعنوان الثانوي، إذا كانت تشكل عنصر ردع حقيقي، وأن يكون استعمال هذه الأسلحة مُحرَّم في حالة الجهاد الابتدائي، وجائز في حالة الجهاد الدفاعي والضرورة القصوى، التي يُشخصها الحاكم الإسلامي الفقيه، والعادل، والشجاع، والحكيم، والخبير، وبالتشاور مع أصحاب الخبرة، والاختصاص، والإخلاص، ما يفرض بالبداهة العقلية وجود هذا النوع من الأسلحة مسبقاً في حوزة الدولة الإسلامية. وبالتالي يكون إنتاج هذا السلاح جائزاً، بل واجباً، إذا كان المسلمون في العالم لا يستطيعون أن يحموا أنفسهم، وأوطانهم، ومقدساتهم، من دولةٍ نووية قرَّرت شن الحرب عليهم، وقهرهم، والاستيلاء على ثروات بلادهم، وتدنيس مقدساتهم.. من دون أن يكون لديهم أسلحة تردع العدو، فالجواز مشروط بأن لا يمكن لأسلحة أخرى غير أسلحة الدمار الشامل، ولاسيما النووية منها، أن تردع عدواً يمتلك هذه الأسلحة، ويريد أن يقضي على أمتنا الإسلامية.

إنَّ الإسلام ينظر للقوة على أنها وسيلة ضرورية وطبيعية لانتظام الكون، واستمرار الحياة. ولكن قد يسيء الإنسانُ استخدامَ هذه القوة، التي أنعم الله بها عليه، فيستعملها بهدف التسلُّط، واحتلال البلدان، ونهب خيراتها، وتدميرها، واستعباد الناس، والاعتداء على أرواحهم، وممتلكاتهم، وأعراضهم. ولذلك فإن الإسلام يأمر بوجوب التصدي للعدوان، والدفاع عن النفس، والعِرض، والأرض، والدين، ولكن دون التعدي على حدود الآخرين. ويعتمد في ذلك على الشرع، والعقل، فيتدرج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بدءاً من القلب، ومروراً باللسان، ووصولاً إلى اليد، رحمةً منه بالعباد، وإفساحاً منه المجال لأي حلٍّ بأقل خسائر ممكنة.

ولا شك أن السلاح بمختلف أنواعه وسيلة من وسائل القوة، وهو شائع الاستخدام سواء في العصور القديمة والحديثة. ويصبح الموضوع أكثر خطورة عندما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، التي تبيد البشر، دون تمييز بين مدني وعسكري، كما تؤدي إلى تسميم الطبيعة، التي لا يجوز إتلافها إلا في حالات الضرورة القصوى، التي تفترض حماية المصالح العليا للأمة الإسلامية، أخذاً بعين الاعتبار المصالح العليا للوجود الإنساني النوعي.

والجهاد متوجه في الأساس إلى المقاتلين بغية تحطيم قدراتهم لتحقيق النصر. ولذا فكل ما يتوقف عليه ذلك فهو جائز. وأما غير المحاربين، وعموم البلاد، فالجهاد ليس متوجهاً إليهم بالقتل بالعنوان الأولي، وإنما بالعنوان الثانوي الذي يخضع لميزان الضرورات الحاسمة، كتوقف الغلبة أو النصر عليها في المعركة، وغيرها من الضرورات التي يُعاد أمر تقديرها للمعصوم (ع)، أو لوليه الخاص بعد الرجوع إلى أهل الخبرة، وتقدير مسار المعركة على الأرض بدقة(28).

وقد تكشَّف لنا بعد استعراض آيات وروايات تصلح كدليل على إثبات الحرمة، أو الجواز، ضرورة التفصيل بين الحرمة الأولية لاستعمال أسلحة الدمار الشامل، والجواز بالعنوان الثانوي، أو الولائي. وهذا يعني أنه لا يجوز الاستفادة من أسلحة الدمار الشامل إلا من أجل الدفاع عن الإسلام والمسلمين، وقتال المحاربين من الكفار والمشركين، وبعد استشارة الحاكم الشرعي، أي الفقيه الجامع للشرائط. فالحرمة تختص بحالة استعمال هذا السلاح بطريقة غير دفاعية، ولا وقائية، بل تدميرية. ولا بد في كل الأحوال من دراسة وموازنة المصالح والمفاسد المترتبة على أي استخدام محتمل لأسلحة الدمار الشامل، ولاسيما السلاح النووي، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

باحث في الشريعة والقانون الدولي(*)

هوامش

(1) فضل الله، صدر الدين، التمهيد في أصول الفقه، ط1، بيروت-لبنان، دار الهادي، 1422هـ-2002م، ص: 291-292.

(2) الحلي، أبو جعفر محمد بن منصور بن أحمد (المعروف بابن إدريس)، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، إيران- قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1410هـ، ج1، ص:46.

(3) الصدر، موسى، وفريد، أمان الله، تطورات مناهج التفسير القرآني في القرن الأخير، مجلة المنهاج، العدد 32، شتاء 1424هـ - 2004م، ص: 296.  

(4) العامر، فارس، دروس في التفاسير ومناهج المفسرين، ط1، طهران-إيران، 1428هـ - 2007م، ص: 18-21.  

(5) أما تفسير القرآن بالسُّنَّة، فهو المعبَّر عنه بالتفسير "الروائي". وكانت التفاسير القديمة تعتمد على الأحاديث الشريفة، فتخصِّص لها حيِّزاً كبيراً، وتؤكد على مرجعيتها في فهم آيات القرآن. وقد أخذ هذا الاتجاه بالأفول، وبدأ الاعتدال في الأخذ بالروايات، وذلك بسبب تنامي الاتجاه العقلي، والاهتمام بمنهج تفسير القرآن بالقرآن. المرجع نفسه، ص: 286-287.  

(6) سورة نوح، الآيات: 26-27.

(7) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ط2، قم - إيران، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1414هـ، ج11، ص: 96.

(8) سورة الحجرات، الآيات: 7.

(9) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم-إيران، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، ج7، ص: 316. وهو كتاب علمي، فني، فلسفي، أدبي، تاريخي، روائي، اجتماعي، حديث، يفسِّر القرآن بالقرآن. 

(10) سورة العنكبوت، الآية: 38.

(11) سورة العنكبوت، الآية: 39.

(12) ريحاً ترميهم بالحصباء.

(13) صوت من السماء مُهلك.

(14) سورة العنكبوت، الآية: 40.

(15) سورة التوبة، الآية: 5.

(16) الطبرسي، تفسير مجمع البيان، تحقيق: لجنة من العلماء، ط1، بيروت-لبنان، مؤسسة الأعلمي، 1415هـ - 1995م، ج5، ص: 13.

(17) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، مرجع سابق، ج5، ص: 160.

(18) سورة هود، الآية: 82.

(19) سورة هود، الآية: 94.

(20) سورة المؤمنون، الآية: 27.

(21) سورة نوح، الآيات: 26-27.

(22) سعيهم لتخريب الكعبة المعظَّمة.

(23) تضييع وإبطال.

(24) جماعات متفرِّقة.

(25) طين مُتحجر مُحرق.

(26) كتبنٍ أكلته الدواب، وراثته.

(27) سورة الفيل، الآيات: 1-5. فقد أهلك الله تعالى أصحاب الفيل، أي جيش أبرهة، الذي أتى غازياً مكة، وقد وضع الفيلة في المقدمة، لتخريب الكعبة المشرفة، فأبطل الله تدبيرهم السيئ، حيث أرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، وأبادهم عن آخرهم.

(28) فضل الله، علي، الجهاد- تقريراً لبحث آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله، ط2، بيروت-لبنان، دار الملاك، 1418هـ - 1998م، ص: 296.

اعلى الصفحة