الشباب المسلم.. الهواجس والتطلعات

السنةالثالثة عشر ـ العدد 146 ـ ( ربيع الثاني 1435 هـ) شباط ـ 2014 م)

بقلم: الشيخ د. صادق النابلسي(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

منذ فجر الإسلام الأول وحتى الساعة لم ينقطع حراك الشباب المسلم لحظة واحدة، وإن مرّ بفترات هبوط نتيجة تفتت الوعي الإسلامي وانقسامه إلى دوائر مستقلة، وتقدم الإيمان الطقوسي الشكلي المرتبط بالسياسات الرسمية الظالمة على الإيمان الحركي الرسالي، وتراجع دور الأمة لصالح القوى والجماعات والفرق المتعصبة التي أساءَت السمعة وأضاعت الآمال بالتقدم والتنمية والوحدة.

في الواقع، لقد ارتبطت الحراكات الإسلامية الشبابية بتكرار التعبير عن السخط عما يمكن اعتباره رِدة فكرية وسياسية أصابت الواقع الإسلامي، تمثلت بالدرجة الأولى بالتخلف الإيماني والعملاني، وبالقيود الصارمة من قبل السلطات الحاكمة على حرية التعبير التي جعلت الشعوب تخضع خضوعاً عميقاً لصانعي السياسة وأجهزة السلطة، وانحسار الثقافة التسامحية بين الأخوة وتفشيها مع الأعداء، والركون إلى جرائم المحتلين والمستعمرين، وارتفاع منسوب الانحرافات العقلية وبخاصة في دائرة التنظير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ما جعل البلاد الإسلامية تواجه أسوأ أنواع الفوضى المعنوية والتمزقات الاجتماعية.

ولذلك كانت جهود الشباب المسلم منصبة على الدوام في إطار تغيير الإدراكات وتطوير آليات العمل وفق قواعد منهجية وثورية وقيمية في طريق البحث عن الإسلام، واستعادة الهوية الضائعة وتحقيق النهضة الحضارية، وبالتالي الخروج من دوائر الإحباط الطويلة نتيجة الوعود التي أعطيت من قبل السلطات الحاكمة للجماهير المسلمة ولم يتم الإيفاء بها.

ضمن هذا السياق كانت تضحيات ونضالات الشباب المسلم، الشاقة والمعقدة، تتم على ضوء التجارب التاريخية المجيدة لقادة عظام كانت لهم بصماتهم الواضحة في نهوض الفكر الديني وانتشار الوعي الإسلامي، وكان الرهان على المستقبل يجري وفق مبادئ علويّة وقيمية قادرة  على إضفاء معنى جديد لحياة الفرد المسلم بعدما كانت مطوقة بحواجز سميكة من القمع والضغط والقلق، ما أنتج مجموعة من الأحكام التعسفية والرجعية، وولّد بنحو متزامن تقييمات تبخس من حق الإسلام وبعجزه عن تنظيم وإدارة الحياة.

 ويمكن أن نسجل في سياق كل الحركات الإسلامية التاريخية وجود قيادات شبابية رسالية مقدامة تطلعت إلى التغيير والإصلاح وهي مسلحةٌ بعقل منفتح وثاب، وروح إيمانية عالية، وإرادة صلبة قادرة على كسر السدود وفتح نوافذ الأمة أمام هواء الإسلام النقي. وعلى وجه التحديد بعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة على يد الإمام الراحل روح الله الموسوي الخميني اندفع الشباب المسلم في إيران والعراق ولبنان بشكل واسع في مسعى لتشكيل بيئة اجتماعية ثقافية سياسية إسلامية، واستطاع بحق أن ينتزع المشروعية والفاعلية من أيدي المستكبرين والحكام الجائرين وأن يصل بالإسلام إلى موقع متقدم بعد نضال طويل مليء بالآمال والتطلعات. وها نحن اليوم نشهد على حراكات جديدة في مجتمعات أخرى وتفجر الصراع مع الطغاة ضمن سياقات اجتماعية - سياسية في إطار استعادة الدين مكانته وريادته ووظائفه بصفته ملجأ للمستضعفين والمحرومين.

ومن المؤكد أنّ المتغيرات الكبيرة التي بدأت أواخر العام 2010 في تونس وانتقلت بعدها إلى أقطار عربية - إسلامية أخرى، شاهد الجميع الشباب المسلم حاضراً فيها بقوة، وحضوره لم يعكس صراع الجمهور والسلطة فحسب، ولا القديم الجديد فقط، إنما صراع الهوية.

وقد لاحظنا بشكل متصاعد وأكثر وضوحاً جهود الشباب المسلم للتخلص من الحكام الطغاة الذين أكثروا في البلاد الفساد والظلم بغرض تقديم الإسلام كنموذج بديل وأصيل، باستطاعته تغطية جميع ميادين الحياة، وبوصفه نموذجاً للعصر كله، أي النموذج الذي يفرض نفسه تاريخياً كصيغة حضارية للحاضر والمستقبل.

 في الواقع لقد بدت المنطقة أمام متغيرات إستراتيجية غير مسبوقة بضخامتها وتداعياتها، تجلَّت بانحسار أفكارٍ وسياسات وأيديولوجيات، وبروز أوضاع خصبة بالمعطيات والممكنات والبدائل الجديدة، على الرغم مما طفا على السطح من تناقضات وانتكاسات فقهية وانقسامات سياسية وصراعات قروسطية، فالشباب المسلم من خلال كل هذه الأحداث بدأ يتلمس طريقه إلى وعي إسلامي نقي وأصيل وحديث،محرر من العقلية المذهبية الدوغمائية المنغلقة، ومن خلال صيرورة فهم ذاتي لواقعه وتاريخه بعد أن شاهد بأم عينيه انهزام تطبيقات وممارسات لأيديولوجيات راسخة بقوتها وحضورها، وبدأ يدرك أكثر أنّه لاستيعاب الظواهر التاريخية ومعالجة التراث بما يحتويه من مفردات تفجيرية، لا بد من مسلم جديد ينفتح على المعرفة والحق، لا بد من عمليات تنظيف وتعزيل وسبر الطبقات المتكلسة بالكراهية المتبادلة والنفور المزمن لكي ينبثق النور. وهذا هو التحدي الأعظم أمام الشباب الثائر المتحمس الأصيل أن تواجه الذات ذاتها في أشد عقدها المتأصلة خفاء وتغلغلاً وإن كان هذا المسار لن يمر أمامه  بسهولة دون أضرار جانبية، لأنّ المسلمين بعد كل هذا التأخر والتفكك يستحقون مصيراً آخر وقد آن أوانه. 

يتضح مما سبق ذكره أنّ الإطار العام لحراك الشباب المسلم يقوم على دينامكية ترتكز على ثلاث دعامات بالحد الأدنى، الأولى: الاستنارة الدينية. والثانية: المسؤولية الاجتماعية. والثالثة: القيادة الرشيدة.

فما نلاحظه اليوم هو حالة من الاستفاقة الدينية بمعنى الوعي بأهمية الدين باعتباره الموجِّه والمحرِّك الذي باستطاعته صنع مستقبل الإنسان ومصيره، وهذا الأمر رّتب حكماً مسؤولية فردية وجماعية وما تندرج تحت هذه المسؤولية من تدابير وإجراءات واستعداد وتهيؤ وتدريب نفسي وجسدي، وبالتالي إنّ كل هذا التطور الذي يرمي لبناء واقع مشرق لا يمكن حصوله من دون قيادة مؤمنة عالمة منظمة شمولية منفتحة، تدعو إلى الوحدة وتعمل على تنسيق كل الطاقات والجهود والكفاءات العلمية والبشرية والإيمانية لتغيير العالم نحو الحرية والمساواة والعدل والكرامة الإنسانية.

إنّ دراسة المتغيرات في العالم الإسلامي تستدعي على مستوى النظرية والمنهج بلورة مقاربات جديدة لفهم ملامح المشهد الراهن الذي يشكل فيه الشباب المسلم الركن الأساس سواء فيما يتعلق بمواجهة الاستكبار أو بما يرتبط بـ(حوار الثقافات) من أجل إيصال صوت الإسلام إلى العالم كله. ومن شأن هذه المقاربات أن تفهمنا لماذا يلجأ الاستكبار إلى:    

التركيز على الصورة الهمجية للإسلام باعتباره خطراً يهدد الغرب وحضارته.

الأفكار السلبية التي تنقل بسرعة البرق عن طريق وسائل الإعلام إلى الرأي العام العالمي وفيها إنماء لروح العداء والكراهية تجاه المسلمين.

تعطيل المشاريع الوحدوية بين المسلمين من جهة، وتفعيل المشاريع التقسيمية فيما بينهم من جهة أخرى، في مسعى متواصل لترسيخ الهيمنة بدل تعميم التفاهم والحوار عبر التعاون المشترك والانفتاح الحضاري البنّاء.

وترتبط هذه المقاربات بالمساعدة على تحديد أسباب ودواعي قوة المسلمين بالاعتماد على المناهج البنائية لأن الخطوط العريضة لهذا المنهج في العلاقات الدولية التي تتميز بطروحات إصلاحية وتحولية شاملة لمختلف الساحات والشعوب هي التي تفهمنا جانباً كبيراً من طبيعة الحراك الذي ينشده الشباب المسلم اليوم ابتداء بالأفعال وانتهاءً بالأساليب والطرائق.

وهذا يعني أنّ:

الدين يشكل نقطة ارتكاز صلبة ومتينة لاستكشاف آفاق إصلاحية جديدة وانفتاحات جديدة على التواصل بين الأمم المختلفة.

ويعني أيضاً ضرورة:

بلورة معرفة نقدية تجاه الأفكار والأحداث المعروضة بحيث لا يقبل منها إلا ما هو صلاح وخير للمجتمع والإنسان.

ويعني الحاجة إلى:

الاعتماد على أساليب لإيصال الفكر الإسلامي الأصيل بمعنى إيجاد القواعد والوسائل الملائمة لتوصيل المعارف المتعلقة برسالة الإسلام إلى الآخرين خصوصاً مع كثافة الأفكار المطروحة التي تؤطر عقول الناس عن طريق التلاعب الخفي باستخدام أساليب وحيل كلامية ودعائية تؤدي إلى تشويه العقول وتخريب الأخلاق.  وضمن هذا السياق يتوجب على الشباب المسلم التمرن على ما يلي:

الطريقة التي يقدم فيها نفسه سواء في البيئات التي يعيش فيها أو البيئات التي يسعى للحضور فيها رسالياً وحضارياً، أي الحضور الانطولوجي والاجتماعي في البيئات العالمية. وفي تحليل المعطيات التي بين أيدينا يجب القول:

إنّ الشباب المسلم رفض على الرغم من كل محاولات تدجينه عبر تقديم الإغراءات أو من خلال وسائل العنف والوعيد بهدف الانصياع للإيديولوجيات والعقائد والمناهج الغريبة، وبالتالي تغلبه على كل أشكال التلقين الدعائي أو الانبهار الإيديولوجي أو التطبيع الثقافي، كما أنّ الشباب المسلم لم يتأثر بالاتهامات الشنيعة التي وجهت للإسلام سواء بالتزمت أو الشعوذة أو التخلف وغير ذلك.

ومن جهة أخرى يلاحظ المراقب للتحولات الديمقراطية في العالم العربي من كونها لا تعكس بعداً تنظيمياً ولا مرجعية فكرية وقيادية وإنما حماساً ثورياً متدفقاً تجسده طبيعة الشباب الطامح الذي يسعى لإشباع مطالبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتراكمة، وعلى الرغم من تزايد وتيرة الاحتجاجات إلا أنها لا تتناسب أبداً مع حجم التوقعات فولدّ ذلك فجوة عميقة رفعت من مستوى الشحن العام والقلاقل والاضطرابات والانقسامات على كل صعيد. وترتبط عمليات التحول بمجموعة كبيرة من المشكلات كالإطار السياسي الجديد ودور الدين في المجتمع ووجود الأحزاب السياسية وقلة الخبرة والمهارة السياسية والهوية وغيرها من المعضلات التي هي جزء لا يتجزأ من مرحلة التحول التي لم تصل بالمجتمعات إلى بر الأمان. وهذا الأمر عكس تراجعاً هائلاً للهويات القومية والأطر الحزبية الأيديولوجية ولكنها أتاحت في المقابل، تقدماً سريعاً للقيم الإسلامية في سياق التحولات الثقافية الكبرى التي تصب في إطار وحدة المشهد الحضاري الإسلامي بكل مكوناته وعناصره وهذا ما يجب الاستفادة منه لرفد المسيرة الإسلامية إلى الإمام من خلال التأكيد على أنّ ثورة الشباب المسلم متميزة بأسلوبها ومنهجيتها  .

في الخلاصة فإنّ الدين سيبقى مستمراً بقوته التحفيزية وما على الشباب المسلم إلا العمل بشكل مضاعف بحيث يكتسي كل جهد طابعاً من الحماسة القصوى ، بشرط أن تكون حماسة عقلانية .

إنّ الشباب المسلم لديه عطش هائل للحرية والمشاركة السياسية ومعانقة حقيقتها العميقة ودخول حلبة التاريخ، ويجب أن يكون ذلك في إطار من المناقبية والخلقية و والوحدة والأصالة الإسلامية والقيادة الحكيمة التي يجب أن تكون حاضرة باستمرار في الميدان. ولا شك أنّ الوعي بالوحدة الإسلامية هو الذي حفز جماعات ذات طبيعة عبثية وروح جاهلية متوحشة استدعاء العقد التاريخية لتغوص في فظائع وممارسات همجية لتؤكد حضورها وخطابها القطعي وبطولتها عن طريق الدم، وإن لم تقم تلك الجماعات المتشددة بمراجعة كل الأسس التي تقوم عليها أطروحاتها على مستوى الأفكار كما على مستوى المطامح المذهبية الضيقة فإنّ الأخطار الخارجية على الإسلام ستكون محدودة إذا ما قورنت بممارساتها وما ترمي إلى أفعال تجاهر علانية بوجوب تحقيقها.

لا  شك أن ما يحصل من حراكات وتفجيرات اجتماعية وسياسية يدفع الشعوب الإسلامية لتصحو من سباتها الطويل، بعد سنين من التدخلات الغربية والاستبداد المنظم المتمادي.

لقد صدمت الشعوب اليوم في كبريائها وطمأنينتها الزائفة واستيقظت من نومة الانحطاط وها هو الشباب المسلم المؤمن يفتح أمام الأمة والعالم  مسارب جديدة لتحقيق الوعد الإلهي التام.

كاتب وأستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدولية(*) 

اعلى الصفحة