تركيا.. معادلة الفساد والسياسة والحكم

السنةالثالثة عشر ـ العدد 146 ـ ( ربيع الثاني 1435 هـ) شباط ـ 2014 م)

بقلم: خورشيد دلي(*)

 

تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان


الصفحة الأساسية


الصفحة الأولى


أعـداد سـابـقة


المدير العام:

الشيخ محمد عمرو


رئيس التحرير:

غسان عبد الله


المدير المسؤول:

علي يوسف الموسوي


الإشراف على الموقع:

علي برو


للمراسلة

 

فجرت فضيحة الفساد المدوية في حكومة رجب طيب أردوغان أزمة سياسية في البلاد ستظهر أثارها الحقيقية في الانتخابات المقبلة، وهي أزمة ذكرت المتابعين للشأن التركي بما كان يصفه دوماً رئيس الوزراء التركي الراحل بولند أجاويد بأزمة نظام، بمعنى وجود أزمة داخل البنيان السياسي للنظام في تركيا.

هذه الأزمة أفقدت المصداقية الأخلاقية عن الشعارات التي كان يرفعها أردوغان وقوله الدائم إن حزب العدالة والتنمية هو الحزب الوحيد في تركيا الذي لا يوجد فيه فساد، ليكتشف الأتراك والعالم أن الحزب بات الحاضن الأكبر للفساد وممارسته، لكن الثابت أن الأزمة لا تتوقف عند الجانب الأخلاقي وإنما لها أبعاد سياسية واجتماعية مختلفة ، فثمة أسئلة كثيرة عن سر عدم الكشف عن عمليات الفساد الكبيرة على الرغم من أن التحقيقات في القضية استمرت قرابة سنتين قبل أن يتم كشفها في توقيت حساس للسياسة التركية، ولعل ما حولها إلى قضية سياسية بامتياز هو إقالة الحكومة لمئات  المسؤولين من قوات الأمن والشرطة والقضاء، فضلا عن إصرار أردوغان على توجيه إصبع الاتهام إلى الخارج وتحديداً إلى الولايات المتحدة وإن لم يسمها أردوغان بالاسم، وكذلك تحويله مجمل القضية إلى مواجهة مفتوحة مع خصومه السياسيين، فضلاً عن حليفه السابق فتح الله غولين الذي شن هو الأخر هجوما لاذعا على أردوغان وحزبه.

الفساد والمواجهة السياسية

في انتظار أن يقول القضاء كلمة الفصل في قضايا الفساد المثارة، تختلف التقديرات بشأن تداعيات هذه القضية على مستقبل حزب العدالة والتنمية في الحكم وزعيمه أردوغان الذي طالما تطلع للوصول إلى قصر تشانقاي الرئاسي في أنقرة، فثمة من يرى أن الحزب الذي فاز في الانتخابات البرلمانية السابقة بأكثر من 50% من الأصوات ويشغل حالياً الرئاسات الثلاثة (البرلمان، الجمهورية، الحكومة) لن يتأثر كثيراً وإن خسر بعضاً من أصواته، لكن عكس هذه الرؤية ثمة من يرى أن الأزمة الحالية مختلفة في طبيعتها وتداعياتها وستؤثر بشكل كبير على مستقبل حزب العدالة والتنمية في الحكم نظراً لأن التوقيت كان قاتلاً، إذ انه جاء قبل نحو ثلاثة أشهر من الانتخابات المحلية ومن ثم الرئاسية والبرلمانية، كما أن الظروف الداخلية والخارجية بالنسبة للسياسة التركية باتت مختلفة.

في مجمل قضية الفساد الجارية، تتجه الأنظار إلى جماعة غولن المعروفة بالخدمة في تركيا (تنتمي تاريخياً إلى جماعة النور أو النورجية نسبة إلى العالم الديني سعيد النورسي المعروف ببديع الزمان ) وتحول التحالف القائم بين الجماعة والحزب إلى صدام مفتوح على خلفية تراكم الخلافات بين الجانبين ( الخلاف بشأن رئيس الاستخبارات حقي فيدان العلاقة مع إسرائيل - التعامل مع تظاهرات تقسيم في اسطنبول قضية التعليم في المعاهد الخاصة ...) ولعل ما يجعل المواجهة مفتوحة بين الجانبين واحتمال ظهور الكثير من المفأجات هو النفوذ الكبير لجماعة غولن في صفوف قوات الأمن والشرطة والقضاء، فضلا عن المرافق الحيوية وتحديدا في مجالات الصحة والتعليم والخدمات .

في التداعيات الدرامية لما قد يحصل في الفترة المقبلة، إضافة إلى استقالة ثلاثة وزراء والعديد من النواب والتعديل الحكومي الذي أجراه أرودغان عقب ذلك، يمكن التوقف عند ما يلي:

1- الكشف عن ملفات فساد جديدة واستمرار موجة الاستقالات والإقالات والتنقلات في المؤسسة الأمنية والقضائية على خلفية المواجهة المفتوحة بين أردوغان وغولن.

2- استقالة موجات جديدة من المسؤولين في حزب العدالة والتنمية، في ظل الحديث عن خلافات بين أردوغان ونائبه بولنت ارينج الذي يمثل كتلة كبيرة في البرلمان تقدر بمائة نائب، فضلاً عن الخلاف بين أردوغان والرئيس عبد الله غل بشأن طريقة التعاطي مع العديد من القضايا الداخلية والخارجية.

3- الاستقالة الجماعية لعشرات النواب الذين يمثلون كتلة غولن في البرلمان في مرحلة متطورة من المواجهة، حيث يقدر عدد هؤلاء بنحو ثمانين نائبا في البرلمان. 

4- تصعيد المعارضة التركية وتحديدا حزب الشعب الجمهوري بزعامة كمال كليجدار أوغلو من المطالبة باستقالة الحكومة ورئيسها أردوغان خاصة بعد دعوة وزير البيئة المستقيل أردوغان بيرقدار رئيس الحكومة إلى الاستقالة في ظل عشرات التقارير التي تشير إلى تورط بلال نجل أردوغان في قضايا فساد، بل أن تسريبات ويكيكليس أشارت في برقية لها في تشرين الثاني عام 2010 نقلا عن السفير الأمريكي في أنقرة إلى أن لأردوغان ثماني حسابات سرية في بنوك بسويسرا، وهي حسابات تثير استفهامات كثيرة في تركيا.

إلى جانب هذه الخطوات المحتملة، فان المشهد التركي بات مفتوحا من جديد على أزمة سياسية من نوع أزمات النظام، لطالما خرجت القضية عن إطار مكافحة الفساد إلى مواجهة مفتوحة بين الأقطاب المشكلة للدولة ، حيث كل طرف يتهم الأخر بالدولة الخفية، ووضع الأمر في إطار المؤامرة والعمالة للخارج .

التوقيت والدلالات

دون شك، توقيت تفجر فضيحة الفساد حساس جدا بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، ليس بسبب الاستحقاق الانتخابي في الداخل فقط، وإنما بسبب المرحلة الجديدة من العلاقات الأمريكية - التركية وتحديداً بين إدارة الرئيس باراك أوباما ورئيس الوزراء أردوغان على خلفية جملة من القضايا السياسية، خاصة بعد التطورات التي جرت في مصر والمتمثلة بسقوط حكم الأخوان المسلمين الذي كان يشكل ركيزة للمشروع الإقليمي التركي، وكذلك تطورات الأزمة السورية التي أوصلت السياسة التركية تجاه سوريا إلى طريق مسدود، فضلاً عن  تداعيات التقارب الإيراني الأمريكي بعد اتفاق جنيف النووي، وكذلك توجه تركيا إلى إتمام صفقة الصواريخ مع الصين، وفي إطار الأزمة الصامتة بين أردوغان والرئيس الأمريكي بارك أوباما ينبغي النظر إلى الدعوة التي وجهتها واشنطن إلى زعيم المعارضة التركية كمال كليجدار أوغلو لزيارتها قبل فترة، واللقاءات التي أجراها الأخير مع فتح الله غولن هناك خلال الزيارة، فضلاً عن اللقاءات والاتصالات المتكررة بين المعارضة التركية والسفير الأمريكي في أنقرة فرنسيس ريتشاردوني، كل ذلك مقابل جمود الاتصالات بين أوباما وأردوغان، إذ تقول التقارير انه لم يتم أي اتصال بين الرجلين منذ أشهر بعد أن كانت الاتصالات بينهما شبه يومية حيث كان التشاور بشأن الأزمة السورية، وعليه يمكن التوقف هنا عند نقطتين:

الأولى: أن أردوغان يعتقد في العمق أن هناك مؤامرة ضد تركيا وتحديد ضد حكمه، وأن الأصابع الأمريكية موجودة في قلب هذه المؤامرة، والهدف هو تركيا ودورها، ولعل هذا ما يفسر تهديداته بطرد سفراء بعض الدول وحديثه عن عملاء في الداخل، وكذلك اتصال وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو بنظيره الأمريكي جون كيري ليبلغه استياء أنقرة من سعي واشنطن إلى إسقاط حكومة أردوغان وتشويه سمعتها كما قالت الصحافة التركية.

الثانية: من الواضح أن أردوغان وفي مواجهة ما يتعرض وحزبه له ذاهب إلى مواجهة مفتوحة مع خصومه السياسيين بالتوازي مع اتخاذ سلسلة خطوات للحد من تداعيات قضية الفساد على حزبه وحكومته، ولعل أولى هذه الخطوات كانت أجراء تعديل حكومي واسع ، والسعي إلى السيطرة على القضاء عبر تمرير مشاريع بهذا الخصوص في البرلمان، ومحاولة الاقتراب من المؤسسة العسكرية، والاستمرار في توجيه ضربات جديدة إلى معاقل غولن للإبقاء على الصورة القوية لحزب العدالة والتنمية استعدادا للمرحلة المقبلة.

خريطة سياسية جديدة

مع انتهاء تحالف أردوغان - غولن وتحوله إلى صراع يذكيه بعض أطراف المعارضة، من الواضح أن خريطة التحالفات السياسية والحزبية في البلاد لن تبقى كما هي عليها في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية التي على نتائجها ستتضح القضايا المتعلقة باتجاهات الناخب التركي وتداعيات قضية الفساد في وقت بدأت فيه استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية مقابل تقدم في شعبية حزب الشعب الجمهوري المعارض.

الأمر الأول: هو أن أردوغان لن يستطيع القول بعد اليوم ان حزب العدالة والتنمية هو الحزب الوحيد في تركيا الذي لم يعرف الفساد في البلاد حتى لو ضرب المتورطين بيد من حديد.

الأمر الثاني: إن المنبت الإيديولوجي الواحد أي الإسلامي لا يعني احتمال عدم تحوله إلى صدام ومواجهة بين الحلفاء كما حصل بين حزب العدالة والتنمية وجماعة غولن، هو شبيه تقريباً لما حصل بين الإخوان المسلمين في مصر وحزب النور السلفي.

الأمر الثالث: أن قضية بناء تحالفات سياسية بين أحزاب مختلفة إيديولوجيا ليست جديدة في تركيا، فمثل هذا الأمر حصل بين الحركة التي يمثلها غولن اليوم في السبعينيات وحزب العدالة التركي في عهد الرئيس الأسبق سليمان ديميريل، كما حصل أيضا مع مؤسس الإسلام السياسي التركي نجم الدين أربكان مرارا حين دخل في تحالف مع حزب العدالة بزعامة ديميريل في السبعينيات ومن ثم حزب الشعب الجمهوري في مرحلة بولند أجاويد في الثمانينيات ومن ثم حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيلر في منتصف التسعينيات وشكل حكومة ائتلافية معها قبل أن يقدم استقالته في شباط عام 1997 على خلفية ما عرف بالانقلاب الأبيض ضده من قبيل الجيش اثر البيان الشهير الذي عرف ببيان 28 شباط.

لعل سيناريو ما سبق، يرشح التوقعات التي تتحدث عن إمكانية حصول تحالف بين جماعة غولن وحزب الشعب الجمهوري المعارض بزعامة كليجدار أوغلو على الرغم من أن البعض يستبعد مثل هذا التحالف نظراً للاختلاف الإيديولوجي الكبير بين الجانبين ويرشح بدلا منه إمكانية حصول تحالف بين جماعة غولن وحزب الحركة القومية بزعامة دولت باغجلي. وبغض النظر عن حصول مثل هذا التحالف أو عدمه مع أي من الحزبين، فلا شك أنها ستوثر على نسبة أصوات حزب العدالة والتنمية في ضوء التقارير التي تتحدث عن أن نسبة المؤيدين لجماعة غولن في المدن الكبرى تتراوح بين 7% إلى 8% فيما تتراجع هذه النسبة في الريف من 2% إلى 3%. وفي مقابل احتمال ظهور مثل هذا التحالف يرى البعض أن أردوغان قد يجد نفسه أمام تحالف مع حزب السلام والديمقراطي الكردي الذي له 36 نائباً في البرلمان خصوصاً إذا أقدم أردوغان على خطوات ملموسة لإيجاد حل سياسي للقضية الكردية في تركيا في ظل عملية السلام بين حكومة أردوغان وحزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان المتعثرة حتى الآن على الرغم من إعلان الطرفين تمسكه بالعملية.

في الواقع، مع أنه ما زال من السابق لأوانه الحكم على التداعيات النهائية لقضية الفساد في تركيا إلا أنه من الواضح أن ما حصل يرشح المشهد السياسي التركي الدخول في مرحلة انتهاء دور الحزب الحاكم الذي يهيمن على مؤسسات الدولة والتوجه إلى مرحلة بناء تحالفات حزبية وسياسية جديدة، لن يستطيع معها حزب واحد قيادة البلاد كما هو الحال منذ عام 2002 مع حزب العدالة والتنمية والاضطرار إلى الدخول في صيغ ائتلافية وتوافقية لقيادة البلاد في المرحلة المقبلة.

سقوط نجم أردوغان وصعود نجم غل

طوال الفترة الماضية برز اسم أردوغان كنجم سياسي ساطع ليس في تركيا وحدها وإنما في عموم المنطقة، ولعل ما ساهم في صنع هذه النجومية هو جملة المواقف والسلوكيات المثيرة لأردوغان، كحديثه الدائم عن القضية الفلسطينية ومقارنته بين المدن التركية والعربية، وإصدار مواقف سياسية مدروسة من النوع الذي حصل معه في دافوس خلال ندوة شارك فيها الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، وفي الداخل حديثه الدائم عن العدالة والأخلاق والديمقراطية والإصلاح، مرفقاً ذلك بالحديث عن انجازات اقتصادية هائلة، لكن الثابت أنه بعد فضيحة الفساد المدوية بدت صورة أردوغان عكس كل ما سبق، إذ كما قلنا سابقاً لم يعد باستطاعته القول إن حزب العدالة والتنمية هو الحزب الوحيد في تركيا الذي ليس فيه فساد، كما لم يعد باستطاعته القول إن تجربة حزبه نجحت في تحقيق معادلة التوفيق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد بعد أن تحول تحالفه الإسلامي مع جماعة فتح الله غولن إلى صدام ومن ثم مواجهة مفتوحة، كذلك لم يعد باستطاعته دعوة العالمين العربي والإسلامي إلى الأخذ بالنموذج التركي بعد أن تصدع بنيان حزبه ويكاد يتشظى على وقع الفساد ونهم السلطة والممارسة الإيديولوجية في الداخل والخارج. وفي كل هذا، تتجه أصابع الاتهام إلى شخص أردوغان الرجل الذي تحدث طوال العقد الماضي بالطهارة ولهجة الباب العالي، قبل أن يظهر بمظهر الدكتاتور القامع  لتظاهرات تقسيم في اسطنبول، واليوم بمظهر رئيس الحزب الحاضن للفساد، والحاكم الذي يريد وضع يده على القضاء كي يبقى محصنا في مواجهة الاتهامات التي بدأت تطال الدائرة الضيقة منه.

في العمق، يدرك أردوغان أن مشروعه الإقليمي سقط على وقع الأيديولوجيا بعد الذي جرى في مصر، وأن سياسته تجاه الأزمة السورية بدأت تنعكس تداعيات سلبية على داخل تركيا التي باتت بجوار إمارات إسلامية على الحدود مع سوريا، حيث تنظيم داعش وجبهة النصرة وغيرها من التنظيمات التابعة للقاعدة التي تنتهج الإرهاب ولا تعترف بالحدود وبالمختلف عنها سياسياً وفكرياً وإيديولوجياً، كما أن تركيا التي تعيش تاريخيا فوبيا القضية الكردية في المنطقة باتت تجد نفسها أمام إقليم كردي في شمال شرق سوريا، وهو وضع جديد يبعث المزيد من الحرارة في كردستان تركيا حيث يقارب عدد الأكراد هناك 20 مليون نسمة ويطالب هؤلاء بحقوق قومية وسياسية لهم. وفي السياسة أيضاً يدرك أردوغان أن التقارب الأمريكي الإيراني الجاري بعد اتفاق جنيف النووي سينعكس سلباً على الدور الإقليمي لتركيا لصالح الدور الإقليمي لإيران خاصة وان خلافات تركيا مع دول الخليج وتحديداً السعودية والإمارات باتت مشخصة على خلفية اختلاف الموقف من مشروع الأخوان المسلمين في المنطقة وبسبب ذلك جمدت الإمارات قرابة 14 مليار دولار من استثماراتها في تركيا في وقت بات من المعروف أن 75% من الاقتصاد التركي قائم على الاستثمار ومعظمه خارجي. وفي العمق أيضاً ربما يدرك أردوغان أن ذهاب تركيا الأطلسية والحليفة التاريخية للولايات المتحدة إلى صفقة الصواريخ الصينية لن يمر بسهولة أمريكيا بعد أن تجاهل نصائح واشنطن بعدم إتمام هذه الصفقة، وعليه ربما توحي هذه المعطيات مجتمعة لأردوغان بأن الدور الوظيفي لسياسته أمريكياً لم يعد صالحاً للمرحلة المقبلة.

في الواقع، قضية الفساد التي تفجرت دفعة واحدة في وجه أردوغان وحزبه عمرها سنوات وهي ليست وليدة اليوم، ويكفي هنا عودة سريعة إلى تسريبات ويكيليكس ضمن ما كشفته في تشرين الثاني/ نوفمبر 2010 حسب برقية للسفير الأمريكي في أنقرة لترى حجم هذا الفساد، إذ تقول البرقية إن أردوغان بدأ يخرج عن السيطرة، وأن تسلطه صار خطراً يهدد بتفجير حزب العدالة والتنمية من الداخل، وأن الفساد الذي يضرب الحزب ورئيسه يمكن أن يفجر تركيا كلها فيما بعد، وتتحدث وثائق أخرى مسربة عن أن أردوغان يمتلك ثمانية حسابات سرية في سويسرا وأنه اشترى سفينة شحن لأبنه (أحمد براق) تبلغ قيمتها مليونين و300 ألف دولار، بينما اشترى لأبنه الثاني(بلال) شقة بـ216 ألف دولار، ويملك الشقيقان فيلا تقدر قيمتها بالملايين، وغير ذلك من المشاريع والأملاك التي تجعل أردوغان مليارديراً، كما تكشف الوثيقة عن فساد ينخر في دائرة المقربين من أردوغان بينهم وزراء ونواب ومستشارون ...، وعليه فإن ما تم الكشف عنه حتى الآن قد يكون بسيطا مقارنة بما هو قادم.

السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا، هو كيف سيؤثر كل ما جرى على مستقبل أردوغان وحزبه؟ يعرف الجميع أن أردوغان كان يخطط طوال المرحلة الماضية للوصول إلى قصر تشانقاي الرئاسي في أنقرة، لكن ما جرى أطاح بحلمه، خصوصاً بعد إعلان اللجنة التي كلفها بإعداد دستور جديد للبلاد الفشل في مهمتها ومن ثم حل نفسها لاحقاً في حين كان المأمول منها إعداد نظام رئاسي قوي في تركيا على غرار النظام الرئاسي في أمريكا أو فرنسا، كما لم يعد ممكناً له أن يشغل منصب رئيس الوزراء في ضوء القوانين الداخلية لحزبه التي تمنع أي عضو من شغل منصبه لأكثر من ثلاث دورات متتالية، ولعل الأخطر هنا، ليس انسداد الطرق القانونية والدستورية في وجه أردوغان وطموحاته بل أسلوبه الصدامي الذي لا يترك مجالا للشارع التركي إلا أن يثور ضده. والمشكلة هنا، لا تتعلق بمصير أردوغان فحسب بل مصير حزب العدالة والتنمية نفسه، فالعديد من رموز الحزب باتوا في دائرة الفساد، والخلافات بين أردوغان ونائبه بولنت ارينج وكذلك الرئيس عبد الله غل بدأت تخرج إلى العلن، وحليفه السابق غولن الذي له كتلة انتخابية تتراوح بين 60% و 8% وبين 70 إلى 80 نائباً في البرلمان لن يتوقف عند ما حصل، في ظل امتلاك الرجل العديد من أوراق القوة، فضلاً عن نفوذه الواسع في قوات الأمن والشرطة، وليس غريبا أن الكشف عن العديد من شبكات القاعدة وغيرها من المجموعات المسلحة وكذلك الكشف عن شحنات أسلحة مرسلة إلى سوريا، فضلاً عن تسريب تقارير عن تورط جهات استخباراتية تركية في إرسال سلاح ومجموعات مسلحة إلى سوريا... وغير ذلك من القضايا السرية جاءت على خلفية تفجر المشهد التركي الداخلي، وتحديدا المواجهة المفتوحة الجارية بين أردوغان وغولن، ولعل كل هذا يزيد المعارضة من إصرارها على التمسك بمطلب إسقاط حكم أردوغان.

في مقابل أفول نجم أردوغان يستعيد الرئيس التركي عبد الله غل العديد من عناصر القوة التي كانت تحسب لصالح أردوغان في الفترة الماضية، فالرئيس غل يتصرف بنوع من التوازن وبعقليه رجل الدولة لا زعيم حزب أو ممثل لتيار إيديولوجي أو حزب محدد، فمقابل تشنج أردوغان إزاء ما جرى في مصر وإصراره على وصف ما جرى بالانقلاب العسكري والمطالبة بعودة حكم الإخوان المسلمين عبر ما يسميه بالشرعية، يحاول غل انتهاج لغة مختلفة وعليه أرسل رسالة إلى القيادة المصرية الجديدة يطلب فيها إقامة علاقات متبادلة على أساس المصالح، ومقابل إصرار أردوغان على رحيل الرئيس السوري بشار الأسد سلماً أو حرباً يبدي الرئيس غل في الفترة الأخيرة مقاربة مختلفة من خلال الدعوة إلى مراجعة السياسة التركية إزاء الأزمة السورية. كما أنه مقابل اللهجة الإيديولوجية لأردوغان والتي تصل إلى حد الطائفية من خلال إبراز تركيا كزعيم للمشروع السني في المنطقة لوحظ غياب مثل هذه اللهجة في خطابات عبد الله غل. وفي الداخل فإن مجمل سلوك أردوغان تجاه المطالبة بالحرية والديمقراطية كما حصل خلال انتفاضة تقسيم هو سلوك أقرب إلى صورة الرجل المستبد والدكتاتوري، وعلى مستوى ممارسة الحكم فإن سياسته تدخل في إطار الحد من الحريات الشخصية والتعددية السياسية والاجتماعية والثقافية فيما الرئيس غل يبدي مرونة مع هذه المطالب ويحاول استيعاب الاحتجاجات والتعاطي معها من خلال الحوار، وقد أدى مجمل ما سبق إلى تراجع شعبية أردوغان ونجمه السياسي مقابل صعود نجم عبد الله غل، وعلى خلفية كل ذلك بدأت الخلافات بين أردوغان وغل تظهر إلى العلن حيث التنافس على معركة رئاسة الجمهورية تشتد بينهما مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقررة في آب/أغسطس المقبل.

في الواقع، إلى أن ينجلي المشهد التركي، ثمة أسئلة كثيرة ربما قد لا نجد إجابات جاهزة أو شافية عنها، وهي من نوع من صنع كل الشعبية السابقة لأردوغان وحزبه؟ ولماذا صمت الجميع على الفساد  المستشري في حكمه طويلاً؟ وأين أمريكا من كل ما سبق ويحصل اليوم وما قد يحصل في الأيام المقبلة؟ إلى أن تتوفر الإجابات عن هذه الأسئلة وغيرها من الثابت أن شمس أردوغان النهم للسلطة والسطوة والسيطرة والحكم توشك أن تغيب، والخوف كل الخوف من أن يصر بعد اليوم على وصف التظاهرات التي تخرج ضده من جديد بالمؤامرة ويدخل في مواجهة دموية مع المتظاهرين ضده، فحال أردوغان بات أشبه بقنبلة موقوتة قد تنفجر في وجه الجميع بما في ذلك حزبه.

كاتب وباحث متخصص بالشؤون التركية(*)

اعلى الصفحة